العارف
عثمان حسن أحمد البشير في ذكري استشهاده (18رمضان 1416هـ)
أكتب الآن من مسودة سطرت جانبها في 1996 معنونة إلي رئيس تحرير (ألوان) حين هاجتني صورة للشهيد "عثمان" بالميري في كلمات عنه آخر صفحة بألوان ، ولكن كرهت أن أنشر ذلك ، وكلما رأيت أوراق الصحف تتطاير بالشوارع ، وفي المكان (هناك) أزداد نفرة عن الكتابة ، وحاولت بعدها ولم أستطع حتي طالعت الحكم العطائية ، ووجدت فيها : ( إذا التبس عليك أمران . انظر أيهما أثقل علي النفس فاتبعه ، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ) ! وقول الشيخ أيضا – رضي الله عنه - : ( إحالتك الأعمال علي وجود الفراغ من رعونات النفوس )!
في نوفمبر1995فاجأت (الأمطار اليوغندية الغزيرة) الناس فكانت مفجرة للحس الوطني ، ومدعاة لتلاحم فريد ، حيث كانت القضية قضية وطن ، لا حزب لا جماعة ، لا حكومة لا معارضة . حيث أن التدخل الأجنبي يهيج الحس الوطني ويفجر الطاقات كما فعل في (الميل لاأربعين)!
وممن تفجر فيهم الحس الوطني الأخ الشهيد (عبد الشكور الجبور بشارة) حيث كان بداخلية شمبات ، وسمع الخبر منتصف الليل وكانوا فجرا بجوبا ! ومنها لصد الهجوم ونيل الشهادة !
قبل ذلك بشهر رافقته لخلوة (الشيخ طه البطحاني) حيث كان الشيخ ابراهيم البطحاني – زاده الله خيرا - يكرم مثوانا حين نأتي لحفظ الأجزاء المقررة في الإجازات السنوية ، والأيام التي تسبق الإمتحانات ؛ ونحن في الطريق ببص شركة الجزيرة قال لي الشهيد – وهو من "رهيد البردي" بدارفور_ قال لي : أن أخوتي تجار ويذهبون كثيرا إلي افريقيا الوسطي وأسرتنا مستورة ، ولا تحتاج إلي ، ولكن أتمني أن أتخرج وأعمل وأشتري ثوبا من كسبي ، من حر مالي لأمي ! آه يا زمن وإذا بـ"عبد الشكور" يقطع امتحانات التخرج من إعلام القرآن الكريم ويمضي شهيدا ، فمن يشتري ثوبا لأمه ؟ لطالما أنشدنا : شأننا أن نصدق القوم القتال ... ... ... لاهــــــــــــوادة
فعلو فوق أعناق الرجـــــال... ... ... أو شهـــــــــــادة
وما أحلاها حين يلقيها شيخنا أحمد علي الإمام ، وما زالت بنا صروف الدهر حتي خرج علينا مؤلف القصيدة الشاب المنعم بقوله ( كانت الحرب حماقة مننا )! ولشدما غاظنتي كلماته وكنت حينها بجوبا ، وحين عدت للخرطوم بعد حين جمعتني به الجوامع في مؤتمر بالخرطوم ، إذا به في حلة كاملة برباط عنقها في صيف الخرطوم لكأنه بشتاء لندن !انتهزت الفرصة حين وجدته فسطرت له كلمة عتاب ، نظر إليها بتعال ودسها في جيب سترته ! ما علينا ...يجرح الدهر ويأسو. فما زالت تتغير الأمور حتي رأينا من يشتم القوات المسلحة ويتهمها بتعلم الرمي في بطون الحوامل ولا يجد من يقول له (جر)!وعودة إلي عنوان المقال ( شهيدنا عثمان) ألتقيته بمعسكر الدفاع الشعبي بجوبا ، شاب عادي في مظهره كملايين الشباب ، ولكن يبين الفرق بالمخالطة حيث كان مميزا ؛ في سلوكه ومعاملاته ،واحترامه لإخوانه ، وطاعته للضباط والجنود . في المعسكر كلفنا أحد الضباط بالمرور علي الثكنات وإخراج كل من ليس له سبب للبقاء ، وكنت ميالا لتنفيذ التعليمات بحرفية وكنت متحمسا للمهمة , ولكن وجدت في "عثمان" إنسانية عالية ، واستعداد عال لقبول الأعذار فجاريته !مع أني ما رأيت - لاحقا - أحرص منه في التقيد بالتعليمات ، ولذلك قصة يرويها بنفسه :
(كنت في أحد المتحركات العسكرية أول سرايا المجاهدين ، فصدرت لنا الأوامر بعدم النزول من الشاحنات ، ولكني نزلت حين رأيت صديقا غاب عن طويلا ، فاصبت إصابة بالغة ، وما ذلك إلا لشؤم المعصية ، فكانت لي عظة ).
ولعثمان طرفة يرويها عن البقاء في الثكنات ومخالفة الأوامر : كنا في جوبا بالمعسكر قبل سنوات - مجموعة مجاهدين متحمسة – فطال بنا المقام حتي سئمنا ، ولا شئ إلا التمام صباح مساء ، وذات يوم وعند صفارة التمام تخلف المجاهد الشاعر "أحمد مساعد" فحثه زملاؤه ليحضر التمام ، فأنشد علي البديهة :
يا الماشي لي التمام ...بلغ مني السلام ...
للرايد الهمام ...قول ليهو ما جايي...!!!
وفي رجب 1416 هـ - ديسمبر 1996م كنا نتدرب تدريبا إضافيا بمعسكر "الشركات" جنوب شرق جوبا وحينها فعلا أدركت حقيقة "عثمان" رفض تماما إمارة المجاهدين مع أنه الأقدم ، وكان دوما يتطوع لنوبات الحراسة والأطواف الواجب الذي يتهرب منه المجاهدين احيانا ! وكان التلعلمجي "قرنق" وآخر شمالي شديد القسوة في التدريب ، وبدأت علامات التذمر علي المجاهدين ، ولكن عثمان بحديث حكيم مع المجاهدين ، وبحديث ودي للمدربين امتص التذمر .
كان الطعام يسيرا ، فاحتججت ذات يوم وعثمان معنا في مجموعة من عشرة مجاهدين ، قائلا : هذا الطعام يكفي فقط خمسة ، ونحن عشرة ! غير معقول ! فقال لي ورد في الحديث : طعام الواحد يكفي الأثنين ، وطعام الأثنين يكفي الأربعة ؟ فلم أحر جوابا ، وتركت الإحتجاج علي الطعام .وفي معسكر (الشركات) تفجرت موهبة الشهيد في الإنشاد وعرفنا جزء من تأليفه ، فمن بديع قوله – معارضا ابن المبارك - :
يا فاتح الثلاجة لو أبصرتنــــا لعلمت أنك بالمشارب تلـعب
من كان يأكل (كيكه وفراخه) فكجيكنا فوق العصيدة أطيب
من كان يشربها المياه نقيــــة فإنا من(التيجان)حينا نشرب
من كان يشرب شايه في ظله فشرابنا تحت الهجيرة أعذب
من كان يرقد في السرير منعما ففراشنا أرض بها نتقلــــــب....
لا يستوي من عاش في نزواته وأخو تقي ذكر التي تتحجب
الشوق قد بلغ النصاب جميعه لكنه في شــــــــــعره يتأدب!
وألقيت لاحقا في مجمع جزء من رائية "الزمخشري": التي أولها:
قامت لتمنعني المسير تماضر أنّي لها وقرار عزمي باتر؟
وكان يعجبني فيها قوله :
إن هاجر الإنسان من أوطانه فالله أولي من إليه يهاجر
وتجارة الأبرار تـلك ومن يبع بالدين دنياه فنعم التاجر!
وكنت أحفظ منها أبياتا ظننتها كل القصيدة إلي أن قال لي : أُنشدت هذه القصيدة أمام الشيخ - وحينها إذا قيل الشيخ ما تنصرف إلا للترابي-! فأبدي إعجابه بالبيت الذي يقول :
ضيعت هذا العمر غير بقية فلعلني لك يا بقية عامر !
وما كنت أحسب أن بالقصيدة زيادة إلا بقول عثمان هذا نقلا عن (الشيخ) ، فأعجبني أيضا البيت. اللهم عمر بالصالحات بقية أعمارنا !
وفي السياق اذكر معارضته لقصيدة شيخنا البرعي "رضي الله عنه" ( لمتين القيام يا زمالنا ) وبذات اللحن بإنشاده :
لمتين القيام يا زمالنا لي نمولي ام غمام يازمالنا
رافعين التمام يا زمالنا لخير الأنام يا زمالنا
نثبت لا نحيد يا زمالنا إن حر الحديد يا زمالنا
نفخر بالشهيد يا زمالنا ونتمني المزيد يا زمالنا
وكان أديبا رساليا ملتزما دونما تنطع ، أنشد ذات مرة مدحة البرعي ( ساكن المدينة الخير ) ، وأشكل عليه آخرها كما أشكل علي دهرا :
قال برعي يا قدوس سودانا رجله تدوس للأمريكان والروس
حيث يخطف المادح حرف القاف خطفا كأنه يقول ( البرعي يا قدوس ) ولما ما استبان له الأمر جعلها ؛ ( يا رب يا قدوس )!
وفي ذات يوم في (الجكة) غير الجلالة ( شرب الدم من عادات رجالنا ) إلي ( بذل الدم من عادات رجالنا ) . وغير ذلك .
كنا قوة احتياطية وجاء اليوم الموعود للتحرك واصطفت الشاحنات ، بعد الطابور والتمام ،وودعنا التعلمجي "قرنق" باكيا فسخر منه المجاهدون وقالوا له : شد حيلك يا ميت ! في تلك اللحظة السابقة للتحرك وعند رفع التمام لممثل قيادة المنطقة العسكرية الاستوائية ، وكانت الخشية من الرباط حاضرة في القلوب ، ارتفع صوت عثمان منشدا – قطع أخضر - :
ليلة يا ليالي .... .... للصندوق طوالي
نركب اللواري... ...للصندوق طوالي
بالعدم كداري ... ...للصندوق طوالي!!
وفي الطريق ( للصندوق طوالي ) كان الطريق ضيقا علي جانبيه أغصان اشجار بعضعا له شوك ، فتوليت المراقبة جزءا من الطريق للتحذير من الأشواك ؛ فكنت أقول مداعبا :
شوك يا اصحاب اليمين !
شوك يا اصحاب الشمال !
فتبسم وقال لي : ( لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) و تحركت الشاحنات ووصلنا إلى معسكر (كركى ) و منه لجبال سندرو وهى مجموعة تلال صخرية وعرة دارت بها أشرس المعارك قبل ان يعبر بها متحرك "القادسية" و لكل مسمى من اسمه نصيب فنال متحرك القادسية من البلاء ما ناله جيش سعد بن أبى وقاص منه حتى كتب لهم النصر....
سندرو ؟ آآآآه كم من شهيد وورى هاهنا ؟ الشهيد الريح عبد القادر الشيخ سعيد . يروى أخونا ميرغنى التجانى : ذات يوكم بسندرو هاجمنا معسكراً ووجدنا مقاومة و كان بجانبى الشهيدالريح فقال لى : قسما بالله لأدخلن هذا المعسكر ! فقلت له : لا تقسم على الغيب ! و عقب هذا الحوار أصيب الشهيد وأيقن بالمنية فأراد أن يبر قسمه فهجم على المعسكر فأصيب بطلقات "دوشكا" قسمته نصفين فوقع نصفه الأعلي داخل المعسكر وباقيه خارجه !حينما بكي عليه المجاهد ميرغني التجاني قال له الشهيد "يوسف محمد يوسف" -أبوه صاحب مكتبة (الجمهورية) بامدرمان من أعيان حزب الأمة - قال له : "الريح" لا يبكي عليه هنيئا له الشهادة ! وما هي إلا أيام ولحق به .حين ودعني يوسف قال لي : خدعت أهلي بأني سأوزع خطابات قادمة من الخارج لأهلنا بالجزيرة ، تصرفت في الخطابات ، سأغادر للعمليات وقد أمنت لي ثلاثة أيام قبل أن يكتشف أهلي غيابي ! وحين جاء خبر استشهاده تلقاه أبوه ببسالة ورفض مساهمة الجهات الرسمية . واختار توقيت إعلان الخبر بترو .جبال سندرو !!! كم من شهيد سقط ههنا ؟ يبكي الصناصيد حين يذكرونهم ، كم من بطولة نادرة سجلتها القوات المسلحة التي تتقحم الأعين منسوبيها في المدن ، أما من عاشر هؤلاء الجنود في ميادين الوغي يتشرب محبتهم من بسالتهم ، وكم كم ؟ ثم كم كم ؟
وصلت الشاحنات منطقة ( لبنوك) التي بعدها التمرد . ومن ثم إلي "فقار" فـ "خور كاربيتو" عند عبور الخور لأول مرة أشاهد جثث في حياتي : جثامين الشهداء الذين سقطوا بالخور ! وكان ذلك في مساء لا أنساه الخميس 21ديسمبر1995م ، في أول ليلة بذلك الموقع ، ذكرت الشهيد "مجدي بلدو" وزملائي شهداء الجامعة فبكيتهم بكاء حارا –بعد أيام من استشهادهم- وحدي بخندقي ! ومن قبل أنكرت نفسي بكاء "محمد حسن فضل الله" الحار علي الشهيد "عبد الشكور الجبور" ! ورأيت فيما يري النائم الشهيد "بلدو" في غرفة وحوله الشهداء من الخارج وأنا أهم أن أصنع له عصيرا فصاح بي الشهداء : اسقنا معه فقد بلغنا جميعا درجة الصديقين الكبري ! ولم أكن أعلم حينها أن هناك درجة بهذا الاسم ! وكانت رؤيا ثقيلة فحين أفقت كأن شيئا ثقيلا رفع عني !أقمنا أياما صعبة بالخور ، كان الطعام الأساسي خشنا ، وحين تصاب بالملاريا تأتيك شوربة العدس ، فكرهته إلي يوم الناس هذا ! كان عثمان فيها علي زهده وورعه وتقواه ، ومسارعة للتطوع في الأطواف . جئته مرة ضحي تحدثنا في الشعر فحدثني عن الشاعر "محمد الواثق" الذي هجا امدرمان بقصيدته (امدرمان تُحتضر) وهجا كوستي حتي خرج أهلها في مظاهرة ! وكانت أول مرة أسمع فيها بشئ مثل هذا ! ومرة تحدثنا في أمور الإعتقاد وكان معجبا بشئ من مذهب (السلفيين) ههنا أنا متبحر ! فخلخلت أعجابه ، فقال لي : إذا رجعنا إلي المدينة أرجو أن أجمعك ببعض هؤلاء في حي كوبر ، وحين يجن الليل تجد عثمان الخبير بمواقع النجوم ، ولم أفقه من حديثه إلا موقع النجم القطبي وأن له درجة إنحراف يسيرة عن اتجاه الشمال ! أما إذا اردت ان تُسكت "عثمان" فاذكر عنده أحدا بسوء !
شاهدت أمورا عجيبة بالخور منها : كان أمام خندقي الشهيد الرقيب / عوض النيل – اللواء 20 كوستي ، أصيب الرقيب ونزف حتي الموت عند عبور الخور ، واكتشفنا جثمانه في أعشاب كانت أمام خندقي ، فواريناه الثري تحت الشجرة في مكانه ، وعندما جن الليل كان قبر الشهيد يضيئ ! وتحدث المجاهدون بذلك ، وذات يوم وأنا استعد لتولي نوبة الحراسة منتصف الليل تماما رأيت النور ! ضوء كضوء الشموع يرتفع من القبر في هالة حتي أطراف أغصان الشجرة ! فكبرت بصوت خافت تنبه له أمير الجماعة "محمد الجاد" نعم "الجاد" من شندي فرأي ما رأيت فقال لي :الآن أصدق يقينا! .حتي كان ذلك اليوم تقدمت إلي قبر الشهيد وحدي وقلت له مداعبا : يازول الفوضي البتسوي فيها دي شني بتضوي بالليل مالك ؟ ومنذ ذلك اليوم توقف عن الإضاءة ! وحين أخبرت المجاهدين بقولي قالوا لي : والله ما فوضوي إلا انت! الأمر الثاني استشهاد الطالب بجامعة وادي النيل "عطا المنان محمد أحمد" من قري "ام روابة" اصيب برايش اخترق جزءا من قلبه فارق علي إثره الحياة وامتلأ ملجأ (الطبية) بالريح الطيبة فجاءني المجاهد "دفع الله العركي الخزين" يخبرني ويدعوني للخروج من ملجأ جماعتي لأشاهد وأشم فاعتذرت بشدة الحمي ، وجائني من بعده الشهيد عثمان فاعتذرت له عن الخروج وقلت له : ( طالما شممتم هذه الرائحة لكأنني شممتها ) !وفهمت في هذا الخور معني القول الشائع ( فلان جاب الهوا )! حيث تخرج الأطواف وتهاجم خطوط إمداد العدو وتشوش عليه وتتعرض لمواقعه ، وتنسحب . فيلجأ العدو للإنتقام من الموقع الثابت بقذائف "الهاون" وفي مؤخرة هذه القذائف مرواح صغيرة مثبتة تعين القذيفة علي التوازن وقطع المسافات ، و(توشوش) هذه المراوح بصورة مزعجة قبل سقوطها وانفجارها لتصيب من كتبت له الإصابة ، فيقول العساكر : الطوف جاب الهوا ! ويا له من (هوا)!
قبل رمضان 1416هـ بقليل زار الرئيس جوبا وبعث برسالة لـ"عثمان بحسب ما يتداوله المجاهدون ، حياهُ فيها وطلب منه الشفاعة إن كتبت له الشهادة ، فضحك عثمان –والعهدة علي الراوي- وقال :
الرئيس أفضل مني !
في يوم الأربعاء 7يناير 1996- 18رمضان1416هـ تحركت القوة الرئيسية بقيادة العقيد"صلاح" ، وتحركت كتيبة "البراء" الخفيفة السريعة لتهاجم (التبة) وهي تلة صخرية بها قوة مزعجة دأبت علي إزعاجنا ، وكان في قيادتها المقدم "أحمد إبراهيم إزيرق" وفي أمارتها البروفيسور "الزبير بشير طه" نائب مدير جامعة الخرطوم ووصلوا سريعا إلي التبة وبدأ الإشتباك باكرا !
وقبل التحرك بنحو يوم استلمت من الشهيد "عثمان " مدفع الآربجي وهو من الطراز القديم الثقيل ولم تكن لـ"عثمان" طاقة بحمله بعد أن أنهكته الملاريا ، عند التسليم أمام الملازم أول صبحي وقعت بالإستلام باللغة الإنجليزية التي جري بها قلمي ، فعاتبني "الشهيد عثمان" بقوله :
أنتم طلاب جامعة القرآن الكريم التي يراد بها التغيير فكيف توقع بالإنجليزية ؟
ومن يومها ما وقعت بغير العربية ! وفي يوم التحرك 18 رمضان تظاهر "عثمان" بالشفاء فقال له الملازم أول ":متوكل" ابن توتي مداعبا : ( لأنك أخو الرئيس ما داير تقعد ورا )؟
وكان الشهيد -قبل ذلك- قد وزع ماعنده من ملابس هدايا للمجاهدين... وتحركت القوة الرئيسية بقضها وقضيضها نحو معسكر العدو!وبعد أربعة ساعات من السير وصلنا مشارف معسكر العدو وكان أقرب مما نتصور ! وفي أثناء ذلك التقدم اختلت (حذية )الصف الأمامي ، فصاح الملازم أول "متوكل" بالمجاهدين :
(خش في الحذية ! خش في الحذية )! واخترط غصنا من شجرة وبدا أنه حقا سيضرب به ! كان العدو قريبا جدا وظنوا أن الملازم أبصرهم في مخابئهم تحت الأعشاب ففتحوا النيران ، أبصرتها خضراء تنطلق ! فارتمي الجميع أرضا وبدأ الإشتباك .لم يدم الإشتباك طويلا نحو ربع ساعة وأنا اجتهد في (دفن الدقن) إذا الملازم أول "متوكل" والأمير "أسامـة ابراهيم الكاشف" –رجل أعمال من القضارف ، ليس ابن الفنان واقفان يأمران بالهجوم وقد كان . هجوم سريع خاطف مدمر وكيف لا والقائد يوجه واقفا والرصاص ينهمر ؟ السبب المباشر الذي حدا بالملازم بالأمر بالهجوم هو رؤيته لمدفع "هاون" في متناول اليد بمعسكر العدو فأمر باستلامه ! ولكن المدفع أخذ ضحية كبري "عثمان البشير" ! كان المدفعجي جبانا عجز عن توزيع قذائف "الهاون" فأطلقها جميعا قرب عثمان ، قبل أن يفر تاركا قذائف جمة مغطاة بالقش ! وأصيب عثمان بفخذه ونزف ، وبروايش أخري.عثمان القائل :
نثبت لا نحيد يا زملانا إن حر الحديد يا زمالنا
نفخر بالشهيد يا زمالنا ونتمني المزيد يا زمالنا
وأخلي "عثمان" بين الموت والحياة للخور حيث دفن هناك ، وكان أحب إلي لو دفن بمكان استشهاده منطقة "أومو" حيث وثبة واحدة وجبال "ناربنق" حيث الشهيد عبد القادر علي صاحب حوريتي الحسناء :
عاشق لشذاها ؟ عاشق لفـــــرار؟
أم عاشق لهواك يا نجمة الأسحار؟
قصتنا يا جنتي ىما بحتها بنـــــهار
طي القلوب حواها لففتها بـــدثار
من سندس واستبرق أسدلته كخمار
تبا خزائن بابل أودعتها أسراري!
من ساق ريح الجنة أزاح للأســـــــتار؟
من صاغ لحن هواها من حرك الغيثار؟
من أوحي همس الحور للبلبل الصداح؟
من مد ظل الدوح يا فـــــالق الإصباح؟
من يشري من يهديني غير الكريم الوالي؟
عمدا يغض مساوما في النفس والأموال
يروم مني شهادة كأنه اســــــــــــــتبدال
ألقي الخلود بجنة أحوذ كل منـــــــــــال
حوريتي الحسناء حسنا يفوق خيالي أ
نا قد أجئ معفرا ممزق الأوصــــــــال
رضوان يسأل من أنا وزمرة النزال
فقولي عني منافحة لا ترهبين نــــــزال
هذا فتاي الأخضر هذا أخ لبلال
هذا من السودان يا صياد مهري الغالي
حدثني عنه محمد هذا فتي (الأهوال)
أنا كم صبرت طويلا عساه يرجو وصالي
أمضي السنين تجملا بشراي حسن الفال
يا من له أنشأتني ومغير الأحوال
أعده رب في نشأة كجعفر الطيار!
في جوف طير خضر يسوح كل مجال!
صباح اليوم عندما جاء خبر استشهاد "عثمان" فاضت الدموع وتلألأت في المآقي ، وحين عزينا ابن أخته الطالب بجامعة السودان حينها "أحمد البشير محمد علي " من قرية "صراصر" وكان معنا في ذات الزحف ، قال مقولة حق جرت علي لسانه :
(الفقد فقد الجميع )! حقا كان الفقد فقدا للجميع .
في تلك الأثناء فرت الجماعة التي في "التبة" بعد اندحار قوتها الرئيسية ، وضغط كتيبة "البراء" وتمكنت من قمة "التبة" بعد ىاشتباك دام نحو أربعة ساعات ، وانقطع الاتصال بفعل المعركة ، وابصرت كتيبة "البراء" القوة الرئيسة بمعسكر العدو فحسبت أن هذا هو العدو فالعتاد متشابه ، والزي كذلك ! فنصبت مدافعها المضادة للدروع أولا لتدمير الآليات ! وفي اللحظة الفاصلة بين استعداد المدفعية وقول القائد محمد إبراهيم إزيرق

اضرب) هجم النحل علي المدفعية ففرت ، واحتل النحل القمة وحال بينهم وضرب الآليات حتي أدركت الحقيقة , وكان فيهم زميلنا بكلية الدعوة والإعلام "قاسم نسيم حماد حربة "فتورم وجهه تماما من لسعات النحل ، قلت له : معي مرآة ويمكنك أن تري وجهك ! فأبي!مرور المجاهدين بمواقف صعبة يهيج قرائحهم فتتفتق عن درر كقصيدة ( حوريتي الحسناء ) السابقة، وهي من ( عيون الشعر ) وأخري ركيكة يقول عنها المقدم "أزيرق" ( إنها من "كرعين" الشعر ) وجادت قريحتي بأبيات ما أدري أهي من العيون أم من (الكرعين)؟
لواؤنا القعقاع يصول في الغابات
ويرفع الرايات والنصر آت آت
كتيبة البراء تعالج الأزمات
يوم بدر الكبري تهاجم التبات
تعجب العملاء لصاعد بثبات
مع انطلاق النار من أفتك الآلات
وأسود "أشوا" في كثيف غابات
تداهم الأعداء وتغنم الهاونات
*من معجزات الله فالق الحبات
حق اليقين تأيد بتلكم الحشرا ت
بسرب نحلات حادة اللسعات
إن جند الله غير محصورات
*وفي حواصل طير بجوف خضراوات
شهيدنا عثمان يطير في الجـــــــــنات
والشهيد "مامون مشرق القسمات
مع الشهيد"بلدو" في أرفع الدرجات
*
وفي الختام يا رب يا غافر الزلات
صل علي النبي أفضل الصلوات
وآله الكـــرام وصحبه السادات !