منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-06-2014, 03:39 PM   #[1]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.... د. محمد وقيع الله

تمهيد من عندي:
أحتيال د. محمد محمود لإنكار وجود الله بحقيقة قرآنية:
أنكر د. محمد محمود في كتابه (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) وجود الله سبحانه وتعالى، والنبؤة عموماً مستغلاً جهل الناس بالمعارف الحقيقية للقرآن الكريم والتي غييبت عن تيار حياة المسلمين - كأعجاز علمي لا عاطفي - بفعل قرون طويلة من الطغيان، فهو ومن ثم أحتال بان انتقل بالناس من الشواهد الإلهية، إلى حقيقة الذات الإلهية وهي منطقة إستحالة لأن الحقيقة القرآنية تقول: ((وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ)) أي استحالة إخضاع الله سبحانه وتعالى لأي مقاييس بشرية.. ومن هنا فدكتور محمد محمود هنا هو مثله مثل أي جاهل يقول لك أنا لا أرى المشاعر فلا أؤمن بها. وبالتالي هي مجرد اختلاق يوهمنا به ممن يدعون العواطف الجياشة.

علماً بأن الإنسان قليل العلم حتى بالنسبة للعالم المادي المحسوس، فما بالك بالله سبحانه وتعالى وهو شديد المحال.. فعلماء الفيزياء إلى الآن لم يصلوا إلى سر دوران الإلكترون السالب الشحنة بعيدا عن النواة الموجبة الشحنة، إذ أن المنطق يقول بأن الإلكترون السالب الشحنة سوف يسقط على النواة الموجبة الشحنة بعد أن يفقد طاقة دورانه في ميكرو ثانية. فلا تعود هناك ذرة بالتركيب الحالي.

ولتبرير هذا الواقع المفروض من المولى سبحانه وتعالى قام العلماء بتفسير هذه الظاهرة عبر: نظرية (الكم الميكانيكي) المليئة بالاحتمالات غير المبررة.. علماً بأن شواهد استقرار الذرة متوفرة في تواجد مادة الكون، وكل تطبيقات الكهرباء الواسعة.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-06-2014, 03:42 PM   #[2]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(1) د. محمد وقيع الله.


أساس الأطروحة التي جادل لإثباتها الدكتور محمد أحمد محمود في كتابه «نبوة محمد التاريخ والصناعة مدخل لقراءة نقدية» هو أن أساس نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أساس مفترى.
وقد أعد المؤلف أدلته وأعاد تحريرها وتنسيقها من مادة الاستشراق الإسرائيلي الحديث.
وأذكر أني كنت قد قلت في مقال نقدي لي، نشر في ثمانينيات القرن الماضي، تناولت فيه محاولة سابقة للدكتور في التشكيك في أصل القرآن الكريم وسلامة نصه، إنه باحث من بيئة إسلامية يتشبه بالمستشرقين ويلبس لبوسهم ويحاول أن يتصرف مثلهم ليلحق بهم.
وبعد مضي أكثر من ربع قرن على مقولتي تلك هاهو ذا يعود ليؤكد فحواها بأطروحته هذه التي كتبها للتشكيك في أصل النبوة المحمدية.
وقلما خرجت مستندات الأطروحة الجديدة التي جاء بها الدكتور هذا العام عن تراث مستشرقي القرنين الماضيين، الذين جعلوا غاية همهم أن يبطلوا نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، زاعمين لها أصلاً من أصول بني إسرائيل ومقابس من التراث والخيال الشعبي العربي وغيره.
لو نفضت أفكاره لانتشرت تطلب أصحابها!
وفي هذه الدراسة النقدية لأطروحة الدكتور في نقد النبوة المحمدية سأجهد في إرجاع كل قول من أقواله وكل دليل من أدلته وكل شبهة من شبهاته إلى أصلها الاستشراقي وأشير إلى المصدر الذي التقطها منه.
وكان الدكتور قد نشر ردًا على السفير السوداني الدكتور خالد موسى الذي كان أول من استعرض مادة الكتاب وانتقدها قائلاً: «كتب الأستاذ خالد موسى، نائب سفير نظام الخرطوم بسفارة برلين، مقالة بعنوان «لاهوت الملحد النبيل قراءة في كتاب: نبوة محمد التاريخ والصناعة» يهاجم فيها أطروحات كتابي ويتهمني بافتقاد المصداقية الفكرية بدعوى أنني نتاج للمدرسة الاستشراقية وأن ما فعلته في كتابي لا يعدو أن يكون بيعًا لخمر قديمة في قنان جديدة». فأوحى المؤلف بهذا الرد إلى أنه لم يستمد أدلته من مادة الاستشراق وإنما افترعها وكان أصيلاً فيها غير مقلد ولا تابع لأحد وأن خمره كانت طازجة لم تعتق في خَوابِ الاستشراق وزِقاقه. ومن قبل أوهم المؤلف قراء كتابه بهذا المعنى عندما أخفى من قائمة مصادره ومراجعه جميع الكتب التي استقطر منها خمره.

وهذا ما سنبينه لاحقًا عندما نأتي بقوله النصي وقول المستشرق أو المستشرقين الذين انتهب أفكارهم لصالح تأليف كتابه هذا في نقد النبي، صلى الله عليه وسلم، والزراية بدينه الحنيف.
وفي هذا المقال الافتتاحي سنقتصر على وصف كتاب الدكتور، ونحدث القارئ عن بعض العادات التحريرية المشينة، التي سيطرت على المؤلف وهو يخط سطور كتابه، على وعد بأن نتناول منهجه البحثي في مقال مستقل إن شاء الله.
صفة الكتاب
يقع الكتاب في خمسين وأربعمائة صفحة من القطع الكبير وبالنظر لصغر حروفه يمكن القول بأنه يقع في أكبر من ذلك الحجم بنحو الربع أو الثلث، ولم يصدر عن دار نشر محترمة ولا غير محترمة، ولا عن مطبعة معروفة، إذ قلما تجرؤ دار نشر أو مطبعة على نشر مثل هذا الكتاب، الذي نسبه مؤلفه إلى مركز مغمور يدعى «مركز دراسات النقدية للأديان»، فهو شبيه إذن بمراكز البحوث الوهمية التي ينشئها أو يزعمها بعض الهواة وأرباب الشهرة الذين يلمِّعون أشخاصهم ويثقلون سيرهم الذاتية بادعاء ترؤسهم لمثل هذه المراكز وإدارتها.
ويضم الكتاب ثلاثة عشر فصلاً تبحث في بزوغ ظاهرة النبوة في التراثين اليهودي والنصراني والعربي، وما يسميه المؤلف باللحظة التأسيسية لنبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، ومعارضات الوثنيين المكيين والمنافقين المدنيين لها، ويتناول مضامين النبوة، وأصول صناعتها من عوالم الخيال المرجف الذي زعمه المؤلف، وهذا هو لب أطروحته.
حيث ذكر أنه انطلق في كتابه هذا: «في النظر لنبوة محمد وللنبوة عامة من افتراض أولي مؤداه أن النبوة ظاهرة إنسانية صرفة، وإن الإله الذي تتحدث عنه النبوة لم يُحدِث النبوة ويصنعها وإنما النبوة هي التي أحدَثت إلهها وصنعته».
من أين استعار المؤلف فكرة صناعة الوهم؟
ونسي المؤلف أن ينسب افتراضه هذا إلى من استعاره منه، وهو العبراني التقدمي المدعو كارل ماركس، الذي أخذه بدوره عن الفيلسوف الألماني الملحد لوديج فيورباخ، الذي اعتنق المذهب المادي في تفسير الطبيعة الإنسانية، وجاء ردة فعل قوية متطرفة على المذهب المثالي الهيجلي في تفسير الجوهر الإنساني، ومهد لظهور المذهب الماركسي في ماديته الكاملة ومناهضته الأصولية لقضايا الروح والدين.
وقد كان فيورباخ هو السابق في القول بأن الدين يمثل استلابًا من حيث إنه ينزع الطبائع الإنسانية الفاضلة عن الإنسان وينسبها إلى قوى خارقة مجهولة الأصل والطبع.
وزعم أن الإنسان احتاج في أطواره الأولى إلى ذات عليا تحميه وتُشعره بالأمن، ولذلك جرد ذاته من صفاته المثلى وألقى بها إلى ذلك الإله المصنوع، وارتكب بذلك خطأين حيث اصطنع لنفسه إلها وهميًا، ثم جرَّد نفسه من صفاته العليا وأضفاها على ذلك الإله الموهوم. وزعم فيورباخ أنه لا سبيل لتحرير الإنسان وإسعاده إلا بنفي الإله، واسترداد الإنسان لصفاته المثلى، التي تخلى عنها لصالح الإله المصنوع. وتلكم هي الدعوى التي انتهبها منه ماركس وأصدر على مقتضاها حكمه على الدين بأنه قاعدة المجتمع العامة للتعزية والمواساة والتبرير».
»Marx, Karl, Collective Works, Progress Publishers, Moscow,1975, p. 17 5«
وقال: «إن البؤس الديني هو تعبير ليس إلا عن حالة البؤس الحياتي الحقيقي واحتجاج عليه. وهو ملاذ المخلوقات المستضعفة، وقلب لعالم لا قلب له، وروح لأوضاع لا روح فيها. وبالجملة فإن الدين قد أصبح أفيونًا للشعوب».
«المرجع نفسه والصفحة ذاتها»
وزعم أن مهمة نقد الدين يجب أن تتصدر كل الأولويات الفكرية والنقدية للعصر الحديث، وقال: «إن إلغاء الدين كوسيلة زائفة لإسعاد الإنسان، هو الوسيلة الحقيقية لإسعاد الإنسان. وإن هذه الدعوة لإلغاء الدين، إنما هي دعوة للبشر لتحطيم أوهامهم حول أحوالهم الخاصة والعامة، وإن تحطيم هذه الأوهام إنما هو في الحقيقة تحطيم أيضًا للحالة المرَضية التي التي تنشئ في خواطرهم تلك الأحلام، ومن هنا فإن أول الواجبات يتمثل في تعرية أسباب تغريب الإنسان في صورها وأشكالها العلمانية وذلك بعد أن أكملنا الآن تعرية أسبابها الدينية».
«T.B. Bottomore, Karl Marx: Selected Writings in Sociology and Social Philosophy, Penguin Books, 1963, p.41»
فما هي الخمر الجديدة إذن تلك التي جاء بها الدكتور محمد أحمد محمود، في أطروحة كتابه هذا ولم تك تقطر من دنان الإسرائيلي العلماني كارل ماركس، ومن زِقاق المستشرقين من بني إسرائيل الذي شادوا بناء الاستشراق المعادي للإسلام.
عادات تحريرية سيئة
وقد وعدنا أن نصف بعض العادات التحريرية المشينة للمؤلف فلنقتصر الآن على أكثرها شيْنًا، على وعد أن نعود لتقصي باقيها في السياق التالي إن شاء الله.
فعلى مستوى مقدمة كتابه سارع المؤلف وأعلن أنه لن يصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي الحقيقة فإنه ما كان بحاجة إلى بذل هذا الإعلان الذي لا يتطلبه منه أحد، فمن ينكر نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، لا يُرتجى منه بداهة أن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم.
ولكن ارتكب المؤلف جناية أخرى عندما حذف الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، من كل المقتطفات التي استلَّها من المراجع الإسلامية القديمة، وعلى رأسها كتب السيرة والحديث والتفسير.
وفي هذا قال: «وفي اقتباسنا للأحاديث والاخبار واتباعًا لقاعدة الاختصار فقد اسقطنا عبارة الصلاة التي ترد في المصادر الإسلامية كلما ذكر اسمه، وغيرها من العبارات التبجيلية».
وهذا جنوح نفسي لا يُقدم عليه المستشرقون عادة، فهم ينقلون صيغة الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، كما ترد في أي نص يستشهدون به، ويغضون الطرف عن مشاعرهم الخاصة، التزامًا بمطالب مناهج البحث العلمي وإجرءاته، ولا يُبدون مثل هذا الضيق الذي أبداه المؤلف من صلاة المسلمين وتسلميهم المتكرر على نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم. فهل هو يا ترى أمضى عداوة وأمضَّ كراهية وقِلىً لرسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، ممن يقلدهم من أساتذته من دهاقنة الاستشراق؟! هذا وسنعمد في خطة مقالاتنا القادمة إلى إجراء مضاد، حيث نقوم بإرجاع نص الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، وإدراجه في مكانه الصحيح في كل نص اقتطفه المؤلف من المراجع الإسلامية، مما قد نحتاج إلى إعادة النظر فيه، وتحليله التحليل السديد، على غير نهج المؤلف، والاستخلاص منه الاستخلاص المفيد، على غير دأب المؤلف.
بل إنا سندخل نص الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، في حنايا نصوص المؤلف التي ذكر فيها اسم النبي، صلى الله عليه وسلم، وسنجعل ذلك بين قوسين حتى لا يختلط بكلامه.
وحتى لا يظنن ظان أن المؤلف قد أصاب من حيث لم يقصد وتشرف بالصلاة على رسول الأنام صلى الله عليه وسلم.

ونواصل مع د. محمد وقيع الله



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-06-2014, 03:52 PM   #[3]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(2) د. محمد وقيع الله.

لم يعلن الدكتور محمد أحمد محمود عن منهجه البحثي في طليعة كتابه، ولكن يتضح لمن يلج صفحات الكتاب أن المؤلف اتخذ من المنهج الوضعي المنطقي Logical positivism رائدا له.
وهو منهج يقوم على التحليل المنطقي العقلي، ويأبى الخوض في المسائل القيمية المعيارية، ويتجافى القضايا الميتافزيائية (بما فيها القضايا الدينية)، باعتبارها مقولات عاطفية، فارغة من المعاني الإدراكية، أي التي تلك يدرك كنهها العقل البشري. ولا يَعتبِرُ هذا المنهج كما لا يَعتدُّ، وبلفظ آخر لا يحترم، إلا المقولات العقلية المنطقية، والرياضية، والطبيعية، ويهدر ما دون ذلك من القضايا التي يثيرها المفكرون عادة.

المنهج القاصر
ويسارع بعض متبعي هذا المنهج، من المتخصصين في العلوم الاجتماعية، إلى تقليد مناهج العلوم الطبيعية، التي يستعيرونها أحياناً، بقصد أن تكسب أبحاثهم الدقة التي تَسِمُ الأبحاث التي تُجرى في مجال العلوم الطبيعية. وما درى هؤلاء الغلاة (العلمويون) الذين يأتون هذاالصنيع، أنهم إنما يستعيرون مناهج بحثية لا تصلح لمجالات تخصصاتهم، التي تدرس ظواهر متحركة متغيرة، وتتصف بتعقيد أشد من التعقيد الذي يصف الظواهرالطبيعية الثابتة التي تخضع للتجربة المعملية ولا تقاومها. وأشد غلوا من هؤلاء (العلمويين) هم الفلاسفة الذين جعلوا من القضايا الفلسفية العقلية قضايا اجتماعية، وعملوا على إخضاعها للمنهج العلمي «الامبريقي» الحسي، الذيلا يؤتي ثماره الصحيحة إلا إذا استخدم في مجاله الطبيعي، وهو حقل القضايا المادية الحسية.
وقد أحسن إمام الفكر الأستاذ عباس محمود العقاد الذي لخص في نهاية الطبعة الثانية من كتابه الجليل (الله) زبدة الآراء الراجحة فيما تستطيعه هذه المناهج الحسية حين تتعرض للبحث في حقيقة كبرى مثل حقيقة الإيمان بالله تعالى.
فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (إن العلوم الطبيعية ليس من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل في المباحث الإلهية والمسائل الأبدية، لأنها من جهة مقصورة على نوع آخر من الموجودات، وهي - بعد هذا وذاك - تتناول عوارض الموجودات ولا تتناول جوهر الوجود، وهو لايدخل في تجارب علم من العلوم). واستطرد رضي الله تعالى عنه فقال: (ولكن العالِم الطبيعي يحق له إبداء الرأي بحق العقل والدليل والبديهة الواعية، لأنه إنسان يمتاز حقه في الإيمان بمقدار امتيازه في صفات الإنسان، أماالعلم نفسه فلا غنى له عن البديهة الإنسانية في تلمس الحق بين مجاهل الكون وخوافيه.. فكيف تسري المقررات العلمية بين العلماء ـ فضلاً عن الجهلاء ــ لولا ثقة البديهة؟. كيف يعرف المهندس صدق الطبيب في مباحثه العلمية، ولانقول كيف يعرف الجاهل بالطب والهندسة... ما من حقيقة من هذه الحقائق تسري بين الناس بغير ثقة البديهة وثقة الإيمان، وما من حقيقة من هذه الحقائق يعرفها جميع المنتفعين بها معرفة العلماء أو يمكن أن يعرفها جميع الناس كما يعرفها بعض الناس. ومع ذلك فهي مسائل محدودة يتاح العلم بها لمن يشاء. فلماذا يخطر على البال أن حقيقة الحقائق الكبرى تستغني عن ثقة البديهة الإنساني، ولا يتأتى أن تقوم في رُوع الإنسان إلا بتجارب المعامل التي يباشرها كل إنسان؟.
(عباس محمود العقاد، (الله)، دار المعارف، القاهرة، 1976م، ص 7 )
وهكذا تعلو المعرفة البدهية على كل معرفة.

أدلة منطقية متأخرة داعمة
ويبدأالسبيل إلى الإيمان بالله تعالى من سبيل المعرفة البدهية الصافية قبل أي سبيل آخر، وبعد ذلك قد تفيد المناهج البحثية الأخرى في تقوية الحس الإيماني لمن آمن ابتداء.
وهنالك أدلة منطقية كثيرة للإيمان بالله تعالى، منها دليل التسلسل، ودليل الخلق، ودليل الإتقان والتقدير ودليل العناية، لا نريد أن نتناولها بالشرح والإيضاح في هذا الباب. وقد لخص جوهر حكمتها الإمام أبو حنيفة النعمان، رضي الله تعالى عنه، إذ احتجه يوماً بعض الملاحدة المتفلسفين، من أمثال الدكتور محمد أحمد محمود، منكرين عليه إيمانه بوجود خالق مدبر للكون، فنحَّاهم عنه جانباً قائلاًً: دعوني لحالي فإن خاطري مشغول، إني قد رأيت عجباً.
قالوا: وما هو؟.
قال: بلغني أن في نهر دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها، ولا يقوم عليها. وأرى الأمتعة تصعد وتنزل من على السفينة من غير أن يحملها وينزلها أحد.
قالوا له: أمجنون أنت؟.
قال: ولماذا؟.
قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل، ولا يمكن أن يكون.
قال: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة، وهذا الفلك الدوار السيار يجري، وتحدث هذه الحوادث بغير محدث، وتتحرك بغير محرك، وتوجد في الكون بغير موجد وخالق؟.
فرجعوا عن إلحادهم وأدركوا أنهم على باطل مبين.
ولا نردد هذه الموعظة العقلية ليفيد منهاالدكتور ويرتد عن إلحاده، فهو يعرف هذه الأدلة كلها، وهو أكثر من متبحر فيتراث العقائد الإسلامية وعلم الكلام الذي ينتسب إلى الإسلام. ولكن أردنا من ترديدها أن نقول إن أئمة الإسلام العظام، وعلى رأسهم سيدنا الإمام أبو حامد الغزالي، و سيدنا الإمام ابن تيمية الحراني، كانوا أمهر من الفلاسفة والمعتزلة، ومن ابن رشد، وهو إمام راشد، في نصب الأدلة العقلية الفلسفية، ولكنهم ما كانوا يلجأون إليها، لأنهم ماكانوا يرون فيها السبيل الأمثل لإنشاء العقائد الإسلامية وترسيخها.

تجاوزات للمؤلف
وعلى نحو من ذلك نرى أن خلاصة القول في المناهج البحثية الحسية، والوضعية المنطقية ــ التي يعتد بها المؤلف، ويترسَّمها في عمله الأكاديمي في نقدالأديان، وإن لم يعلن عن ذلك صراحة ـ هو إنها مناهج قاصرة عن أن تكون حكماً في القضايا التي تعلوها وأعلاها جميعاً القضايا الإيمانية الغيبية. وفيما دون ذلك يمكن أن يُنتفع من نتائج الأدلة العقلية ونتائج البحوث التي تجرى وفق المناهج الحسية، طالما عرف الباحث حدوده، والتزم مجالاته التي قررها لنفسه، أما أن يزج بنفسه في قضايا «ما ورائية»، قرر سلفاً ألا شأن لمنهجه البحثي بها، ولا طاقة له بها، فها هنا يكمن الخطر. ذلك لأن أرباب هذه المناهج، والمنهج الوضعي المنطقي منها خصوصاً، هم في غالبيتهم أصحاب آراءسلبية (قبْلية) في شأن الظاهرة الدينية، التي يعدونها ظاهرة غير علمية وغيرمنطقية.
وبلفظ أصرح إنهم يرونها ظاهرة تنتمي إلى عوالم الخرافة، والكهانة، والدجل، والتخلف الظلامي. وبهذا فلا ينتظر من نتائج الدراسات التي تلج في قضايا الدين بهذا المنهج البحثي الوضعي أن تخرج عن هذا المعنى السلبي. وقد كان يكفي الدكتور محمد أحمد محمود أن يصرح بمنهجه البحثي هذا،في مطلع كتابه، فيدرك قارئه للوهلة الأولى أنه صاحب رأي سلبي في الدين، قرره لنفسه لسبب (قبْلي)، قد يكون سبباً نفسياً أو آيديولوجياً. ولكنه مثلما دلس على قارئه بإخفائه لأسماء المراجع والمصادر التي التقط منهاالشبهات التشكيكية في النبوة المحمدية، فقد دلس عليه بإغفاله الحديث عن منهج البحث الذي اعتمد عليه في تحليل نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم وتاريخها، وما افترضه وزعمه من تضافر قوم كثيرين، عبر الأوطان والأزمان، على صناعتها وتطويرها. وهذان تجاوزان في مساقات البحث لا تجيزهما أخلاقياتالبحث العلمي الرشيد.



التعديل الأخير تم بواسطة أبو جعفر ; 28-06-2014 الساعة 04:09 PM.
التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-06-2014, 10:24 PM   #[4]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(3) د. محمد وقيع الله
.

عبَّر الدكتور محمد أحمد محمود عن اعتقاده بممارسة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ممارسة عبادة الأوثان في صدر شبابه، في أكثر من سياق في كتابه قائلاً: «إن نقطة البداية الطبيعية في النظر لعلاقة محمد «صلى الله عليه وسلم» بالدين هي سياقه الوثني، إذ كان في طفولته وشبابه «الباكر، على الأقل» وثنيًا مثل قومه». ص 89.
ونقل عن كتاب الأصنام لابن الكلبي وصفًا لأعظم أصنام قريش، وهي العُزَّى، وعزى إليه حديثًا يقول: «وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها يومًا، فقال: لقد أَهديْتُ للعزَّى شاة عفراء وأنا على دين قومي». ص 89..
وابن الكلبي الذي نقل عنه المؤلف هو هشام بن السائب بن بشر الكلبي، راويةٌ رافضيٌّ معروفٌ بالكذب، ومتروك لأجل ذلك من العلماء، ولا يثق برواياته حتى الأدباء.
وقد استخف به الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وقال: «من يحدث عن هشام؟ إنما هو صاحب سَمَر ونَسَب ما ظننت أحدًا يحدث عنه ».
وقال ابن حبان: «ابن الكلبي سَبَئيٌ من القائلين إن عليًا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا يملؤها عدلاً بعد أن ملئت جورًا».
وقال عنه السمعاني: «إنه يروي الغرائب والعجائب والأخبار التي لا أصول لها».
وقال عنه الإمام الذهبي، رضي الله تعالى عنه: «إنه متروك الحديث».
وحتى الأديب الراوية الشيعي أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب «الأغاني» علق على بعض الأخبار التي نقلها عن ابن الكلبي فقال: «وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي والتوليد فيه بيِّن».
وقال تعليقًا على أخبار وأشعار نسبها ابن الكلبي إلى دريد بن الصمة: «هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعة كلها، والتوليد بيِّنٌ فيها وفي أشعاره، وما رأيت شيئًا منها في ديوان دريد بن الصمة على سائر الروايات، وأعجب من ذلك هذا الخبر الأخير فإنه ذكر فيه ما لحق دريد من الهُجنة والفضيحة في أصحابه، وقتل من قتل معه، وانصرافه منفردًا، وهذا من أكاذيب ابن الكلبي، وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه».
وقد روى الأصفهاني ما روى عن ابن الكلبي، لأنه كان يؤلف كتاب مُلح وطُرف وأسمار، ومع ذلك حرص أن ينبه قارئه إلى أن رواية ابن الكلبي محض كذب.
أما الأكاديمي السوداني الذي يدعي الأمانة والزكانة والرصانة، الدكتور محمد أحمد محمود، فإنه لا يتحرج عن نقل أفظع خبر من ابن الكلبي يفتريه على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دون أن يستوثق من صحته، ودون أن ينبه قارئه إلى خلفية من نقله عنه.
وما ذلك إلا لأن الخبر المنقول المفترى قد لاقى استحسان الدكتور، فاستخدمه ليسند به رغبته، ولا أقول فرضيته، لنسبة الدين الإسلامي إلى العقائد الوثنية، ونسبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عبادة الأوثان.
وربما نقل الدكتور رواية ابن الكلبي هذه عن أحد الكتب الاستشراقية التي طالما احتفلت بهذا اللون من الأحاديث المزعومة التي لا توجد في أي من كتب الحديث الستة.
ولعل من لفت نظر الدكتور إلى هذا الحديث المفترى هو المستشرق الإسرائيلي الفريد جيوم، صاحب كتابي «أثر اليهودية في الإسلام» و«اليهود والعرب»، فهو الذي سبق إلى الاستشهاد بهذا الحديث المنحول في كتابه «الإسلام» فقال: «كانت العزَّى أهم الآلهة عند أهل مكة، وهناك دلائل كثيرة تبين أنها كانت معبودة منذ القرن الرابع بعد الميلاد، وتقول الروايات إن محمدًا في شبابه كان يقدم القرابين لها».
«الفريد جيوم، الإسلام، ترجمة محمد مصطفى هدارة وشوقي السكري، مكتبة النهضة، القاهرة، 1058م، ص26»
إساءة استخدام منهج تحليل المحتوى
والذي يرجح افتراضنا لاقتفاء الدكتور أثر هذه الرواية المنحولة، التي جاء بها المستشرق الاسرائيلي، هو أنه استطرد في النقل فجاء على اتصال برواية أخرى كان المدعو جيوم قد استنتج منها أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أقلع عن عبادة الأوثان متأثرًا بزيد بن نفيل المتأثر بدوره بالدين اليهودي.
وهي رواية ضعيفة مسنودة إلى ابن إسحاق.
«المصدر السابق ص 28»
وقد زلَّ الدكتور محمد أحمد محمود فجاء برواية الإمام البخاري عوضًا عنها، وهي تفيد أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح «منطقة على طريق التنعيم قرب مكة المكرمة»، قبل أن ينزل على النبي، صلى الله عليه وسلم الوحي، فقُدمت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، سُفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه». ومع وضوح صيغة الحديث الشريف التي تبتُّ صراحة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رفض الأكل مما يذبح على الأوثان، إلا أن الدكتور المتعسف في استخراجاته من النصوص قال استنتاجًا من ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم: «كان صادق التدين وهو على دين قومه، وليس من المستبعد أن يكون قد نشأ ظرفٌ وجد نفسه فيه في وضع المنافح عن وثنية قومه بإزاء حملات زيد بن عمرو». ص 90 91. ولا أدري كيف يمكن أن يستخرج باحث جاد خلاصة مثل هذه، من نص مثل هذا، اللهم إلا إن كان ذهنه محكومًا بالهوى، وقلبه مسكونًا بالغرض، وهو بين هذا وذاك غير مكترث بإلزامات منهجية البحث المعروفة بمنهجية «تحليل المحتوى» وتسليطها التسليط الصحيح على النص الذي يدرسه!
ولا أدري كيف يتجاهل باحث متخصص في علم مقارنة الأديان، منهجية البحث المعروفة التي يستخدمها أرباب هذا العلم، وهي عدتهم الأساسية، وهي منهجية التحليل المقارن، ويغفل عن مقارنة النص الذي جاء به بنصوص أخرى في موضوعه جاءت بإفادات مختلفة.
ومن هذه النصوص ما أورده صاحب «الطبقات الكبرى» من قصة بحيرا الراهب قائلاً: «إن بحيرا قام إليه، فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك، فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسألني باللات والعزى، فو الله ما أبغضت شيئًا بغضهما».
«محمد بن سعد بن منيع الزهري، الطبقات الكبرى، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، 1421هـ، المجلد الأول، ص 136»
ومنها أورده أبي نعيم الأصبهاني بسنده: «لما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خمسًا وعشرين سنة، وليس له بمكة اسم إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة ابنة خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيراتها، فلو تعرضت لها، وبلغ خديجة ذلك فأرسلت إليه، وأضعفت له ما كانت تعطي غيره، فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدما بصرى من الشام، فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب من الرهبان، يقال له نسطور، فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه قبل ذلك، فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال: في عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم، لا تفارقه، قال الراهب: هو هو آخر الأنبياء يا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج، ثم حضر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى غيرها، فكان بينه وبين رجل اختلاف في شيء، فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حلفت بهما قط ، وإني لأمر فأعرض عنهما. قال الرجل: القول قولك».
«أبي نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، الحديث رقم 373»
فلماذا تجاهل المؤلف هذين الخبرين وهما أقوى سندًا، ليتعلق برواية ابن الكلبي الواهية السند؟!
ولماذا أغضى عن معنى رواية الإمام البخاري حين أوردها، وأصر على استنتاجه الذي خرج به من رواية غيرها هي رواية ابن الكلبي؟!
ألا إنه الغرض الذي هو مرض ولا شيء غيره!
وقد كان حريًا بالمؤلف أن ينظر إلى هذه الروايات جميعًا نظرة واحدة.
وأن يستخرج سمات التوافق والمخالفة بينهما ثم يوازنهما ليرجح أيهما أقوى.
وهذا هو فحوى منهجية التحليل المقارن الذي لم يلتزم به المؤلف.
وما ذلك إلا لأنه لم يحقق غرضه المبتغى في اتهام النبي، صلى الله عليه وسلم، بعبادة الأوثان!



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2014, 10:28 AM   #[5]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(4) د. محمد وقيع الله
.

روى الإمام مسلم عن أبي أمامة قال: «قال عمرو بن عَبَسة السُّلميُّ: كنت وأنا في الجاهلية، أظنُّ أن الناس على ضلالةٍ، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجلٍ بمكة يُخبرُ أخبارًا، فقعدتُ على راحلتي، فقدِمتُ عليه، فإذا رسول الله مستخفيًا، جُراءُ عليه قومهُ، فتلطَّفتُ حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبيٌّ. فقلت: وما نبيٌّ؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأيِّ شيء أرسلك؟
قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوحَّد الله لا يُشرك به شيءٌ.
قُلتُ له: فمن معك على هذا؟
قال: حُرٌّ وعبدٌ.
قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به.
فقلت: إني مُتبعك».
ذكر هذا المؤلف هذا الحديث الذي رواه مسلم، وقال إنه لو تفضَّل بقبول بصحته لاستنتج منه أن المؤمنين الأوائل: «كانوا يشبهون عمرو بن عَبَسة في أنهم مالوا لرسالة محمد «صلى الله عليه وسلم» وقبلوها لأنهم كانوا يحملون بذرة منها». ص 221.
واستنتاجه هذا صحيح.
لأن كل فرد في الخليقة يحمل بذرة الإيمان بالله تعالى في تكوينه الأول منذ عهد الذَّرِّ.
ودليل ذلك قول الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ». الأعراف:172.
وقد شرح الإمام ابن كثير هذه الآية الشريفة فقال: «يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو. كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ». الروم: 30. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء «كاملة الأعضاء»، هل تحسون فيها من جدعاء «مقطوعة الأنف أو نحوه». وفي صحيح مسلم، عن عياض... قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم».
وعلى ضُوء هذا التقرير نفهم أنه إذا استجاب امرؤ من فوره لنداء الإيمان فما ذلك إلا لأن الإيمان مركوز في فطرته منذ الأزل، ولأن هذه هي جبلته التي جبل عليها.
فلا عجب إذن أن تجتذب الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى ربًا وإلهًا سيدنا عمرو بن عبسة، وأن تجتذب معه جموع السابقين من المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ولكن ما إلى شيء من هذا المعنى رمى المؤلف باستنتاجه.
فمثل هذا المعنى هو آخر ما يطرأ على عقله المغرم باستنتاج الشبهات والمآخذ من كل نص ديني يعرض له.
وما ذلك إلا لأن قلبه مشرَّب بالشبهات ومشبع بالشهوات إلى الحد الذي ما بعده حد.
وقد قال الله تعالى في أمثاله من الشُكّاَك المحترفين: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ». آل عمران: 7.
صناعة النبوة
وقد رمى المؤلف إلى هدف آخر وأراد أن يقول إن الدين الإسلامي لم يكن دينًا أصيلاً ولا جديدًا، وإنما حزمة تلفيقات ألَّفها محمد، صلى الله عليه وسلم، من مادة التراث الديني والشعبي وأساطير الأولين.
وذلكم هو المعنى الأساسي في كتاب الدكتور الذي منحه عنوان «نبوة محمد: التاريخ والصناعة»، والذي أعاد فيه درس تاريخ النبوة على هذا النحو، ليبرهن على أنها صناعة زائفة غير أصيلة.
ومن براهين الدكتور الأخرى، غير الأصيلة، على أن النبوة المحمدية كانت صناعة تجميعية، أن القرآن ذكر عن حال محمد، صلى الله عليه وسلم، أنه كان على ضلال في الفترة الأولى من حياته: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى. وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى» الضحى 6 ـ 8.
والمؤلف يحمل شهادة عليا في اللغة، وعمل بتعليمها ردحًا طويلاً من عمره، ونشهد له كما يشهد له كل من يقرأ مؤلفاته أنه قد اطلع على كمٍّ كبير من نصوص التراث العربي الإسلامي.
إلا أنه زلَّ مع ذلك زلة كبرى ولم يفقه أن المعنى الأصلي لكلمة الضلال هو الغفلة.
وأن عبارة الضلال الديني أو المذهبي هي عبارة ذات معنى اصطلاحي لا أصلي.
وأن كلمة ضالاً التي جاءت في الآية التي استشهد بها تعني المعنى الأول.
ولو استشار الدكتور كتابًا من كتب التفسير التي تعنى بمفردات القرآن لألفى مفسرًا متألقًا من أرباب الذوق العالي، هو الإمام القرطبي، رحمه الله، ففطنه بالمعنى المراد.
قال الإمام القرطبي، رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ضالاً: «أي غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك: أي أرشدك. والضلال هنا بمعنى الغفلة كقوله جل ثناؤه: «لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى» أي لا يغفل. وقال في حق نبيه: «وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ».
«محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر، بيروت، المجلد العشرون، 1993م، ص81»
هكذا ورط المؤلفَ جهلُه بمعنى الكلمة، وأضله ضلالاً بعيدًا، بحيث استنتج أن: «من المستبعد أن يكون ما تصفه آية الضحى بهداية محمد تحولاً فجائيًا نقله من وثني إلى نبي ومؤسس للإسلام بين عشية وضحاها. إن ما تصفه الآية على الأرجح تحول استغرق زمنًا وهو تحول نقل محمدًا «صلى الله عليه وسلم» للحنيفية... ولقد أعطت الحنيفية محمدًا «صلى الله عليه وسلم»، بمعتقداتها وممارساتها عقيدة توحيدية حولته من وثنيته، ونظامًا شعائريًا عمَّق شعوره الديني وطوَّره، وحسًَّا جعله يتعاطف مع المسحوقين اجتماعيًا». ص91.
فهذه كتلة كبيرة من الافتراضات الجزافية المتسرعة، لاقت هوى في نفس المؤلف، فنسقها ورتبها بناء على فهمه الخاطئ لمدلول كلمة الضلال في آية الضحى!
وسندلف بعد قليل، إن شاء الله تعالى، إلى ما عناه المؤلف بالمصدر الحنيفي الذي دندن حوله كثيرًا زاعمًا أنه أحد المصادر الكبرى التي تعلم منها محمد، صلى الله عليه وسلم، صناعة عقائد الدين الإسلامي وشرائعه.
ولكن دعنا ننظر الآن إلى هذه الهوة السحيقة التي هوى المؤلف فيها عندما استشهد بالقسم الأول من سورة الضحى على ما زعمه من هراء.
وتناسى باقي السورة الذي أجمل القول في التوصية بالفقراء واليتامى، وتنمية الحس الاجتماعي المتعاطف مع المسحوقين، وهو الحس الذي زعم المؤلف أن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، اكتسبه لاحقًا وليس في هذا الطور الأولي!



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-06-2014, 04:53 AM   #[6]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(5) د. محمد وقيع الله.


من الأدلة التي استند إليها المؤلف لتأكيد دعواه بصناعة محمد، صلى الله عليه وسلم لنبوته، استمداده لعقائده، وشرائعه، وشعائره من المصدر الحنيفي، الذي هو تراث الأديان السابقة، وبخاصة اليهودية والنصرانية. وقد رأى المؤلف: «أن ما مارسه محمد «صلى الله عليه وسلم» من عبادة في فترة اعتكافه اعتمد على ما طوره الحنيفيون من عبادات وطقوس أصبحت ... فيما بعد أساس عبادات الإسلام من صلاة وصوم وحج وزكاة وغيرها. ولقد تأثرت هذه العبادات باليهودية خاصة وبالمسيحية ولكنها كانت تحتوي أيضًا على ملامحها الخاصة». ص «92» وحتى هذه الملامح الخاصة فقد نسبها المؤلف إلى العرب وليس إلى محمد، صلى الله عليه وسلم. فقال: «إن الأمر الهام «يقصد المهم» الذي يجب أن نضعه في اعتبارنا أن الحنيفية كانت حركة مستقلة، عكست حسَّ العرب باستقلالهم وعدم تبعيتهم لليهود أو المسيحيين». ص «92»
التحنث في حراء
وموضوع اعتكاف النبي، صلى الله عليه وسلم، وتحنثه بغار حراء كان من بين الأمور التي شغلت المستشرقين، واستهواهم حتى بنوا عليه الفرضية ذاتها التي بناها عليه المؤلف. فقد راعَهم أمر انقطاع النبي، صلى الله عليه وسلم، للتحنث في الغار، لما خالوا فيه من أثر يهودي - نصراني مما كان عليه الأحبار والرهبان الذين مارسوا رهبانيتهم التي ابتدعوها، وظنوا أن رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، أخذها عنهم. ولكن دراسة الموضوع من مصادره الدقيقة، وعلى رأسها صحيحا البخاري ومسلم وسيرة ابن هشام تدل على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يتعبد في خلوته على طرائق الأحبار والرهبان، وإنما على طريق الهدي الذي وصل إليه من أبيه الأكبر إبراهيم عليه السلام.
ولم يزد تحنثه، صلى الله عليه وسلم، بالغار عن شهر واحد، فقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:« جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحدًا. ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء «يعني جبريل عليه السلام»، فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة فقلت: دثِّروني فدثَّروني، فصبوا علي ماء. فأنزل الله عز وجل: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ». لمدثر 1-4 .
ولم ينصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى غار حراء إلا لكي ينقطع عن المحيط الجاهلي، ويصدف عن ممارساته الضالة، ولا يتسرب منه إليها شيء. وهذا عكس ما أراد المؤلف أن يقوله وهو أن النبي، صلى الله عليه وسلم، تحنث في الغار على شرعة المجتمع الجاهلي المكي!. ولو كان للدكتور شيء من فطنة المؤرخ الحضاري الكبير آرنولد توينبي وبعض حكمته، أو لو اطلع على دراسته العامرة للتاريخ، لانتبه إلى شيء من دلالة تحنث النبي، صلى الله عليه وسلم، في الغار كما انتبه إلى ذلك المؤرخ توينبي. وما أروع ما قاله توينبي في هذا الخصوص، ولولا طول ما قال، وضيق هذا المجال، لجئنا به في الحال.
إله التوراة
ومن الأدلة التي اجتلبها المؤلف من التراث الاستشراقي قولهم بأن إله القرآن المكي يشبه إله التوراة المنتقم الجبار.
قال المؤلف: «وبما أن محمدًا «صلى الله عليه وسلم» قدَّم في صراعه مع المشركين تصورًا توحيديًا استند إلى إله التوراة الغيور المحارب يَهْوَة فقد أصبح الصوت السائد لإله القرآن هو صوت الإله الغاضب، المنتقم المعذب. وهذا الصوت يعبر عن نفسه أبلغ تعبير درامي في قصص إهلاك الأمم السابقة التي لا يفتأ القرآن يهدد المشركين بها». ص228.
وهذا زعم قال به رهط كبير من أئمة الاستشراق من بني إسرائيل وغيرهم. وأبرز من نادوا به إمامم الاستشراق الأكبر الإسرائيلي المستشرق المجري إغناز غولد زيهر، والمستشرق السويدي تور أندريه، والمستشرق البلجيكي هنري لامانس. وهذا الأخير لعله أشد المستشرقين عداوة للإسلام، وهو الذي قال: «إن اختلاف الأسلوب القرآني بين العهدين المكي والمدني إنما هو صدى بيِّن للبيئة التي ظهر فيها، ودائمًا ما تعكس النصوص القرآنية البيئة الزمانية والمكانية التي نجمت منها. فبينا يتصف القرآن المكي بالعنف ويثير كثيرًا من الرعب، في مواجهة المكيين الأجلاف، فإن القرآن المدني يتصف باللين والعفو عن أهل المدينة المتنورين». » Henri Lammens, L>Islam: croyances et institutions, Beirut 1943, P. 60» وهذه الملاحظة صحيحة في مجملها، فقد اتسم القرآن المكي باللهجة الشديدة لأنه واجه رهطًا من المشركين المعاندين، المتهربين من مستحقات عقيدة التوحيد، ولكن لم يخل القرآن المكي، مع ذلك، من آي في الرجاء والعفو والغفران. وقد تغافل المستشرقون، أصحاب هذه الملاحظة، كما تغافل مقلدًا إياهم تلميذهم الدكتور محمد أحمد محمود، عن مثل قول الله تعالى في الآي المكي: «قُل يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُواْ مِن رَّحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ لغَفُورُ الرَّحِيمُ ».الزمر:53.
وتغافلوا وتغافل معهم تلميذهم عن هذه الآيات المكية التي تجمع بين الترهيب والترغيب في أسلوب عجيب:
«وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم. وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ». فصلت:33 36.
وتغافل المستشرقون وتغافل معهم تلميذهم الناقل عن أن القرآن المدني قد اشتمل على كثير من آي التهديد والوعيد ومثاله قول الله تعالى: «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُون. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ. كِتَابٌ مَّرْقُومٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِين. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ. وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيم».المطففون: 1 - 12.
فهذه آيات مدنية، وقيل إنها أول الآي المدني نزولاً، وهي من آي التشريع في جانب المعاملات، ولكنها حملت مع ذلك أشد الوعيد الآخروي. وما ذلك إلا لأن أهل المدينة كانوا ذوي مكر شديد في التطفيف، فلما نزل فيهم هذا الوعيد أصبحوا أطيب الناس كيلاًَ. وبعد هذا كله فلا يوجد دليل في هذه الملاحظة المعروفة عن قوة أسْرِ الآي المكي وشدة لهجته على أنه منقول عن آي التوراة!
العبادات الإسرائيلية
ومن الأدلة التي احتطبها المؤلف من مخلفات المستشرقين زعمهم أن كثيرًا من العبادات الإسلامية منقولة عن ديانة بني إسرائيل. يقول المؤلف: «كانت بداية فرض الصيام هي فرض صيام عاشوراء بعد الهجرة وبتأثير من اليهود، كما نقرأ في الخبر الذي يرويه ابن عباس قائلا: «قدم النبي «صلى الله عليه وسلم» المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال ما هذا، قالوا: هذا يومٌ صالحٌ هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه». ص306. فالذي يريد أن يقوله المؤلف من وراء هذا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يقلد اليهود وينقل عنهم شرائع تعبدهم. ولكن فات المؤلف أن العرب كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية. فقد ثبت عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه». وقال الإمام القرطبي: لعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السلام. وقد ثبت أيضًا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يصومه بمكة، قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلما هاجر رأى اليهود يصومونه وسألهم فأجابوه كما تقدم في الحديث وأمر بمخالفتهم في اتخاذه عيدًا. وربما جهل المؤلف كل هذه التفاصيل لأنه اكتفى بالنقل عن شيخ المستشرقين الإسرائيليين، إغناس غولد زيهر، الذي قال في هذا المعنى: «شعيرة الصلاة التي كانت بصورتها الأولى من قيام وقراءة وبما فيها من ركوع وسجود وبما يسبقها من وضوء تتصل بالنصرانية الشرقية. والصوم الذي جعل أولاً في يوم عاشوراء محاكاة للصوم اليهودي الأكبر، وفيما يتعلق بشعائر الحج التي نظمها الإسلام أو بالأحرى احتفظ بها من بين تقاليد العرب الوثنية جعل محمد، صلى الله عليه وسلم، أهمية كبرى لنية التقوى التي يجب أن تصحب هذه الشعيرة حين يقول:« لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم». الحج:37 ».
«جولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1946م، ص 17».



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-07-2014, 06:10 AM   #[7]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(6) د. محمد وقيع الله.



بمنهجه المغلوط الملتحم بعواطفه المتحيزة وهواه الغلاب تناول الدكتور محمد أحمد محمود تاريخ السيرة النبوية وتاريخ الإسلام وتلاعب بهما لكي يثبت زيفهما ومفارقتهما للحقيقة العلمية. وقد رأينا أمثلة لذلك في المقالات السابقة.
وبالطبع فإن الدكتور حرٌّ في اتخاذ موقفه الشخصي تجاه الإسلام.
فله أن يؤمن به دينا إن شاء، وله أن يكفر به إن شاء.
وله أن يحب الإسلام ونبيه إن شاء، وله أن يكرههما إن شاء.
عاطفية تفكير المؤلف
ولكن كراهته للدين الإسلامي ولنبيه، صلى الله عليه وسلم، لا تبيح له أن يخرج عن مقتضيات المنهج العلمي في سرد المعلومات، وتحليلها، والمقابلة بينها، وموازنتها، ومقارنتها.
ولا تخوله أن يجاري هواه الجارف لينحرف لتوليد استنتاجات فاسدة. وعندما أعلن المؤلف عن إلحاده وأزمع أن ينزع القداسة عن الإسلام، فقد كان مرجوًا لكي ينزع كذلك مشاعره الخاصة المضادة للإسلام ولكي يقصيها عن موضوع البحث. ولكي يبقى متجردًا أو محايدًا في تعامله الأكاديمي الهادئ مع مادة بحثه مثلما يفعل أكثر الأكاديمين الغربيين الذين يتعاطون دراسة الأديان المقارنة وتدريسها.
فهم في جملتهم ما خلا المستشرقون المغرضين منهم يرعون قيم الأمانة العلمية، ويتعاملون مع موضوعات بحوثهم بغير هوى أو بشيء منه قليل. أما هذا الأكاديمي السوداني المنخلع عن دينه فإنه يحتقن في قلبه كثيرًا من الضغينة، ويختزن قدرًا وفيرًا من الغيظ، ولذلك قلَّما يتعامل مع موضوعه الدراسي التحليلي عن الدين الإسلامي تعاملاً موضوعيًا هادئًا بغير هوى صخاب.
حتى إن مشاعره ببغض الإسلام وما يمت إليه بصلة لتغلي وتفور وترشح رشحًا في أكثر صفحات ما كتب.
السخرية من الإسلام والمسلمين
ذلك مع أنه أنحى في مقدمة كتابه باللائمة على المسلمين، وأخذ عليهم اشتعال عواطفهم، وقوة تحيزهم، وإباءهم نزع القداسة عن دينهم، وامتناعهم عن إخضاعه لأحكام العلمنة التي تعامل الدين مثلما تعامل سائر مفردات التراث البشري وسائر موجودات الحياة. وقد عدَّ المؤلف موقف المسلمين المتحيز لصالح دينهم: «أحد أكبر العوامل المسؤولة عن حالة الجمود والتخلف التي يرسف العالم الإسلامي في قيودها». ص ز - ح. ولكنه أعفى نفسه بعد ذلك مما ألزم به المسلمين، حين أطلق لعواطفه العنان، وطفق يسخر من اعتقادات المسلمين، الأمر الذي أبدى روحه العدائية المناجزة سافرة فوق السطور.
تخليص البشرية من النبوة
فبعد أن أعلن عن إنكاره لمبدأ النبوة الإسلامية، سارع وجهر بدعوته بضرورة تخليص البشرية منها، لأنها في نظره مثل سائر النبوات، تفتح أبواب الشرِّ على البشر.
وقال في خاتمة كتابه: «سيبقى واقع التشوه والانقسام الأخلاقي المرتبط بالنبوة حيًا طالما بقيت النبوة حية في عقول الناس وأفئدتهم، ولن يزول إلا عندما تموت النبوة وتتحرر عقول الناس وأفئدتهم من ميراثها». وبهذا أفصح عن رأي قيمي معياري متحيز ما كان يجوز له أن يتفوه به في كتاب علمي في مقابلة الأديان ومقارنتها.
وبه أثبت أنه لا يعادي النبوة الإسلامية لسبب موضوعي علمي، وإنما لاعتقاده الشخصي المتصل بإلحاده الذي يفخر به من دون أن يبرهن على صحته علميًا.
وقبل ذلك لم يدلنا على الرابط غير الضروري، الذي لا يراه إلا هو وقبيله من حيث لا يراه المؤمنون، ذلك الرابط الذي يربط النبوة بما دعاه بواقع التشوه والانقسام الأخلاقي!
فهي دعوى لا دليل عليها.
وتتوفر آلاف الدلائل على ضدها.
فالنبوة كانت ولما تزل هادي رقي البشرية وحاديها في التطور والتسامي إلى كمال المثل الأخلاقي.
وفي ذلك انبسطت مجلدات ضخام لا يسعنا للتو أن نقبس منها شيئًا.
السخرية من اعتقادات المسلمين
ومن وحي نفسيته العدائية المتوفزة والمتحفزة أمعن مؤلف الكتاب الزاري على النبوة الإسلامية في السخرية والاستهزاء بدعائم االدين الإسلامي ومقوماته.
ومثالاً لذلك فإنه حين تناول غزوة بدر بالتحليل، شكك في نزول الملائكة لمساعدة المسلمين في الحرب، وحسب أي حديث من هذا الضرب ضربًا من الخيال الجامح وإن كان قد جاء به القرآن الكريم. وفي هذا المعنى قال: «تدخل الخيال الديني ليسبغ على معركة بدر سمة متفردة ميزتها عن أية «يقصد أي» معركة أخرى خاضها المسلمون، وهي مشاركة الملائكة في القتال. وانحفر هذا الخيال في وعي المسلمين عندما جاءتهم آية سورة الأنفال التي تقول «إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ» آل عمران:9 ... وكان من الطبيعي أن ينسج الخيالُ الإسلامي من الأخبار ما يدعم الخيالَ القرآني، وهكذا نقرأ مثلا في خبر منسوب لأبي بريدة: «جئت يوم بدر بثلاثة رؤوس فوضعتهم بين يدي رسول اللَه صلى اللَّه عليه وسلم فقلت: يا رسول اللَّه، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإنّي رأيت رجلاً أبيض طويلاً ضربه فتدهدى [تدحرج] أمامه فأخذت رأسه». ص 159 .
وروى قصة أخرى مثل هذه القصة على سبيل السخرية منها. ص 160. ثم تساءل على سبيل السخرية اللاذعة بعد أن فرغ من حديث غزوة أحد: «وكان من الطبيعي أن يثور سؤال عن الملائكة، فالقرآن أخبرهم أن الله «تعالى» أمدهم بالآلاف من الملائكة في بدر، فأين كانت الملائكة وهم يواجهون أعداءهم وهزيمتهم يوم أحد». ص 170. فهو يتقوَّل على صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويسخر منهم، ولم يكن أحد منهم قد قال هذا القول الذي وضعه المؤلف على أفواههم. وقد زعم المؤلف أن بعض المسلمين الأولين انطلقوا ينسجون أساطير جديدة عن نزول الملائكة يوم أحد، وأن بعضهم قال بعدم حضورها والبعض قال بحضورها وعدم مشاركتها في القتال ولذلك هزموا!
وقد سخر المؤلف من المكانة المتميزة التي احتلها شهداء أحد في الذاكرة الإسلامية، غير مصدق أن تكون أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها!
وبالطبع فليس لمؤلف جاد في علم مقارنة الأديان أن يسخر من اعتقادات من يدرس أحوالهم، إذ ليس من مهام البحث العلمي السخرية من مادة البحث ولا هو مسموح بها.
ومن الناحية المعرفية البحتة فليس الحق في جانب المؤلف، وإنما في جانب المسلمين، فهم قد تزودوا بنظرية معرفية كبرى تؤمن بالعقل، والحسِّ، والحَدْس، والوحي، وتعرف أقدار كل من هذه المصادر المعرفية في تكوين المعرفة الوجودية المتكاملة. فالمسلم الحق متسق مع نفسه حين يؤمن بعوالم الغيب، ومن فيها من الإله، جل وعلا، وما فيها من خلق الله تعالى من الملائكة المكرمين، وخلقه سبحانه وتعالى من الجن والشياطين. وبالتالي لا ينبغي ولا يجوز أن يكون حديث المسلمين عن نزول الملائكة لمساندتهم في يوم بدر مصدرًا للسخرية والهزء منهم.
وإنما لمناقشة حديثهم عنهم على ضُوء نظريتهم المعرفية الرحبة الآفاق، وليس على محددات المدرسة الوضعية المنطقية حسيرة الآفاق.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-07-2014, 09:51 AM   #[8]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(7) د. محمد وقيع الله.




في مقابل سخريته من المسلمين البدريين والأُحديين، الذين قاتلوا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، أبدى الدكتور محمد أحمد محمود تعاطفاً ملحوظاً مع من وصفهم بأنهم كانوا ضحايا الحروب النبوية من بني إسرائيل. والمعروف أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عاقب ثلاث قبائل يهودية من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.
وكانوا قد خانواعهودهم وغدروا بالمسلمين وبدأوهم بالعدوان. ولكن التف المؤلف على أسباب هذه الحروب ليجعل من ابتدروها وأشعلوا ضرامها من يهود ضحايا لها.
تعاطف المؤلف مع بني قينقاع
ومثلاً لذلك قال المؤلف في أسباب الحرب مع بني قينقاع: «وعقب انتصار بدر عزَّز محمد «صلى الله عليه وسلم» وضعه بتحركه ضد يهود بني قينقاع، وهو تحرك كانت له دوافعه السياسية والاقتصادية. ويبدو أن اعتبارات محمد «صلى الله عليه وسلم» السياسية كانت ذات طبيعة تحسبية واتقائية إذ كان متخوفاً من دخول اليهود في تحالف ضده«ص 162». فهو قد وضع النبي، صلى الله عليه وسلم، في موقف المعتدي البادئ بالعدوان، كما اتهم نفسية النبي، صلى الله عليه وسلم، بأنها نفسية تحسبية، بمعنى أنها تحسب كل صيحة عليها، وهو الوصف الذي أطلقه القرآن الكريم على يهود. وفي وصف نهايات المعركة قال المؤلف: «ولقد استسلم بنو قينقاع بعد أن حاصرهم محمد«صلى الله عليه وسلم» خمس عشرة ليلة، وبعد استسلامهم أمر محمد «صلى الله عليه وسلم» بربطهم وكتفهم. ويبدو أن نية محمد «صلى الله عليه وسلم» كانت متجهة أصلاً لقتلهم إلا أن ابن سلول تدخل بقوة لإنقاذ حلفائه». فهو يتهم نية النبي، صلى الله عليه وسلم، وكأنه تغلغل فيها وخبر طواياها، ويجعل الفضل في استبقاء بني النضير للمنافق عبد الله بن أبي سلول!
تغافل المؤلف عن جرائم بني قينقاع
لقد تغافل الكاتب الممالئ ليهود عن أسباب الصدام الأصلية. فقد كان يهود بنو قينقاع من قُطَّان أطراف المدينة الذين عاهدهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بموجب دستور المدينة على أن يتمتعوا فيها بحق المواطنة، وأن يشتركوا مع المسلمين في حمايتها ضد الغزوات الخارجية. ولكنهم خانوا العهد وانقلبوا على المسلمين وتحرشوا بهم، بعد أن طلب أحد شبابهم من امرأة مسلمة أن تكشف عن وجهها، وقام آخر بربط طرف ثوبها وعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشف جسدها. وهذه هي عادة اليهود الدائمة حتى اليوم في تعرية جسد الأنثى. وهذا عند العرب عار وشنار لا يمحو أثره إلا السيف البتار، فاستنجدت المرأة بقومها، فقام عربي بقتل يهودي، وقام يهودي بقتل عربي. وتطور الأمر إلى أن انتهى بقيام النبي، صلى الله عليه وسلم، بحصارهم في دارهم، ثم أجلاهم إلى أذرعات بالشام، حيث هلكوا تدريجياً، جزاءً وفاقاً. فقد كانوا لفساد في قلوبهم، وسفاهة في ألسنتهم، والتواء فيها، إذا جاءوا للنبي، صلى الله عليه وسلم، حيوه تحية مغلوطة يقولون فيها: السام عليك!
والسام هو الموت.
وما كان صلى الله عليه وسلم، يزيد في الرد عليهم على قوله: وعليكم! فأصابتهم دعوته الصائبة، وحقت عليهم دعوته الحق، وحاق بهم الموت الذريع بأذرعات. وقد روى العلامة الإمام ابن خلدون في كتاب العبر سبباً آخر لإجلاء القوم فقال: «وكان بنو قينقاع لما انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بدر وقف بسوق بني قينقاع في بعض الأيام، فوعظهم وذكَّرهم ما يعرفون من أمره في كتابهم، وحذرهم ما أصاب قريشاً من البطشة، فأساءوا الرد وقالوا: «لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا يعرفون الحرب فأصبحت منهم! والله لئن حاربتنا لتعلمن أنَّا نحن الناس». «عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تصحيح خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، د. ت. ص 1048» وقد تجاهل الدكتور محمد أحمد محمود كل هذه المراجع البينة المتاحة، واسترَقَ حيثياته القاضية ببراءة بني النضير من كل ذنب، وبقسوة النبي، صلى الله عليه وسلم، عليهم، من مادة المستشرق اليهودي البولندي المعروف لقراء الأدب العربي البروفيسور كارل بروكلمان، الذي تناول الموضوع بالعاطفة نفسها. وزعم أن موقف محمد من يهود بني قينقاع كان أقسى بكثير من موقفه من الوثنيين المكيين الذين انتصر عليهم في بدر. وادعى بروكلمان أن رسول الإسلام قد حاول أن يكسب إلى جانبه يهود المدينة، مستخدماً أساليب السياسة اللينة معهم، وعندما لم ينجح لجأ إلى ممارسة الضغط عليهم بدءاً ببني قينقاع. وقال في هذه المعنى: «تأثرت اتجاهات النبي الدينية في الأيام الأولى من مقامه في المدينة بالصلة التي كانت بينه وبين اليهود، وأغلب الظن أنه كان يرجو عقب وصوله المدينة أن يدخل اليهود في دينه، وهكذا حاول أن يكسبهم عن طريق تكييف شعائر الإسلام، بحيث تتفق وشعائرهم في بعض المناحي، فشرع صوم العاشوراء، وهو اليوم العاشر من محرم على غرار الصوم اليهودي، في يوم الكفارة، الذي يقع عندهم في العاشر من شهر تِشرين. وبينما كان المؤمنون في مكة لا يصلون إلا مرتين في اليوم، أدخل في المدينة على غرار اليهودية أيضاً، صلاة ثالثة عند الظهر، وإذ كان في وسعه ووسع أتباعه أن يقيموا الصلوات منذ عهده بالمدينة جهاراً، ومن غير إزعاج، فقد عين منادياً للصلاة يعرف بالمؤذن، وليس من شك في أنه قد بدأ بذلك معارضته لكل من الديانتين الموحدتين... ولم يطل العهد بمحمد حتى تفجر النزاع بينه وبين أحبار يهود». «كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب العربية، ترجمة أمين فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، ص 64 ـ 47».
تصفية الإعلاميين المعتدين
ولدى تناوله حوادث التصفية الجسدية التي نالت من نالوا من عرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آثر الدكتور محمد أحمد محمود أن يصورها على أنها من أحداث الإرهاب الذي سلطه المسلمون على يهود أبرياء ضعفاء كان من بينهم امرأة مرضع وشيخ فانٍ، وقصد المسلمون بها نشر جو من الرعب بين أهل المدينة من غير المسلمين. وزعم الدكتور أن كان كل ما جناه هؤلاء الذين قُتلوا هو أنهم مارسوا حرية الفكر «والإبداع» فصاغوا شعراً هجوا به النبي صلى الله عليه وسلم: «وما جناه هؤلاء الثلاثة من جرم لا يغتفر في نظر محمد «صلى الله عليه وسلم» كان أنهم قد قرضوا شعراً في هجائه والتعريض به» (ص 163) أي شنوا هجمات إعلامية شرسة عليه بالتعبيرالدارج الحديث!. وكان اليهود قد انزعجوا من انتصار المسلمين في بدر، ومن تحول ميزان القوة العسكرية لصالحهم. ولذلك حركوا آلتهم الإعلامية الرهيبة للتمهيد لحرب المسلمين وانطلقت أشعار المجان من شعرائهم من أمثال أبي عفك العوفي، وعصماء بنت مروان، وكعب بن الأشرف تبث مشاعر الكراهية والحقد على المسلمين، وتحرض القبائل على حربهم. ولذلك سارع المسلمون بتصفية هذه الأبواق الموتورة، حتى لا تنشب الحرب بسبب من تحريضها وإرجافها. وتستحق قصة من قصص تصفية هؤلاء الشعراء المُجَّان ذكراً خاصاً، نكشف به عن أسباب قتل الشاعر كعب بن الأشرف، لنرد بذلك على الضجيج الكثيف، الذي أثاره المستشرقون اليهود قديماً، وأثاره هذا السوداني السائر على خطاهم حديثاً. كان المدعو كعب بن الأشرف رجلاً من طيء، وأمه من بني النضير، فهو يهودي بهذه النسبة. ومما أثبته ابن هشام عنه أنه ظل يحتقن الحقد على المسلمين منذ يوم ظفرهم على كفار قريش ببدر. وحين بلغه خبر النصر، قال: «أحق هذا؟ أترون محمداً قتل هؤلاء.. فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها». «محمد بن عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، د ار إحياء التراث العربي، بيروت، المجلد الثالث، ص 54» ولما تأكد لديه الخبر خرج إلى مكة، وجعل يحرض على رسول الله، وينشد الأشعار الفاحشة في هجاء المسلمين، والتشبيب بنسائهم. وعندها دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من يقوم بقتله. وتظاهر لقتله كل من محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، ثم قدموا إليه بحصنه وقتلوه بخدعة والحرب خُدعة. واستحق كعب تلك القِتلة، إذ أجمع الرواة بلا استثناء، على أنه كان شاعراً بذيئاً، متفحشاً، يسب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويهتك أعراض المسلمات المحصنات، ويحرض على حرب المسلمين. والشعر في الماضي لا يشبه في فعله في ميدان الحرب وعلاقات الأمم، إلا فعل الآلة الإعلامية الجبارة الضخمة، في التمهيد للتحركات العدائية الظالمة في فعل الدول الكبرى اليوم، وفي تبرير أفعالها المنكرة الشريرة، فهي تهييء المسرح لتلك الأفعال في البدء، وتبررها في المختتم. ولذلك فإن القول بأن وسائط الإعلام التضليلية التحريضية شريكة في شن العدوان، وبادئة به هو قول صواب. وحسب مقتضيات القانون، أي قانون، فإن من يحرض على الجريمة يستحق أشد العقاب. وعقابه يكون على الدوام من جنس الجرم الذي حرض عليه. وقد كان ذلك هو التصرف النبوي السليم الحكيم الذي استأصل ذاكم الصوت الإعلامي الأثيم. وإن سأل سائل هل يجوز فعل هذا بإعلاميي اليوم وهم أشد فساداً وإفساداً من إعلاميي الأمس فالجواب يجيء نفياً. فليس لأحد غير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يفعل هذا. وعلى الجميع أن يحتكموا للقضاء القانوني العادي العادل.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2014, 09:45 AM   #[9]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(8) د. محمد وقيع الله.



قلنا في المقالة الماضية إن الدكتور محمد أحمد محمود أبدى تعاطفه مع يهود المدينة المنورة، وصور حروبهم التي ابتدروها مع المسلمين على غير حقيقتها، حيث جعلهم ضحايا لعنف المسلمين. وما كان الدكتور في ذلك إلا مقلدًا لجمهرة المستشرقين الإسرائيليين، ومجاملاً للطغة اليهودية المسيطرة على كثير من الأوساط الأكاديمية التي يتحرك فيها. ونواصل في هذه المقالة استعراض أفكار الدكتور وأقواله، وانتقادها، وردها إلى أصولها من كتابات أئمة الاستشراق الإسرائيلي.
ما جرى من النَّضريين
عندما تعرض الدكتور محمد أحمد محمود لخبر غزو بني النضير، تجاهل سببها الأساسي، وساق قولاً عامًا مبهمًا للواقدي جاء فيه: (وأظهرت اليهود القول السيء فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، وما هكذا أصيب نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه!). ص172، وأراد أن يجعل من هذا سببًا للغزوة. وليس غريبًا أن المؤلف لم يرد على كلام يهود الذي جاء به من الواقدي، وأنه أجازه، ولم يعلق عليه، ولو بما يماشي أطروحته في أوهام النبوة ولا يناقضها. فقد كان بإمكان المؤلف مثلاً أن يقول إن اليهود يرددون هذا القول عن نبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم، وكأنهم يجهلون تاريخ نبواتهم الطويل، ولا يستحضرون ما لاقى أنبياءهم من المصاعب وبعضهم لاقوا حتفهم في جهادهم وعلى أيدي من كانوا يدعونهم، فكيف ينكرون إيذاء نبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم، إذن ويعدونه دليلاً على زيف نبوته؟. ولكن هذا قول قد يجرح مشاعر بني إسرائيل المعاصرين فلا داعي له إذن ولا لازم!. تناسى المؤلف حقيقة الأمر وهو أن النضريين كانوا قد عقدوا اتفاق موادعة مع المسلمين يتعهدون فيه بالمشاركة في حمايتها ضد الأعداء، ولكنهم لم يرعوا هذا العهد وخانوه غير مرة. وفي سياق أحداث غزوة أحد زادوا على خياناتهم تحريض القرشيين لحرب المسلمين. ثم زادوا بالتجسس على المسلمين وكشف مناطق ضعفهم لكفار قريش. قال المؤرخ ابن سيد الناس: (وكانوا قد دسُّوا إلى قريش، في قتال رسول الله، فحضُّوهم على القتال، ودلوهم على العورة). (فتح الدين بن سيد الناس، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، منشورات الآفاق الجديدة، بيروت، 1402هـ، المجلد الثاني ص67). ومعنى ذلك أنهم جمعوا المعلومات العسكرية لصالح المشركين، وكشفوا لهم عن أماكن الضعف في دفاعات المسلمين. ثم كان من حديث بئر معونة، أن أحد صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتل عن غير وجه حق، رجلين من مشركين من بني عامر، ولما علم رسول الله، بذلك عمل على تصحيح ذلك الخطأ الفادح، بدفع دية القتيلين، ولما لم يكن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المبلغ الوافي بالدية يومها، فقد خرج إلى يهود بني النضير، يستعينهم فِي دية القتيلين، وتظاهروا بإجابته على ما طلب: (ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟) (محمد بن عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، مرجع سابق، المجلد الثالث، ص 199) وانتدبوا أحدهم ليلقي صخرة عليه فيقتله: (فأتى رسولَ الله الخبرُ من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة. فلما استلبث النبي أصحابه، قاموا في طلبه، فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوا عنه، فقال رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم). (المرجع السابق، ص 199). لقد كان هذا هو أحد مظاهر جرمهم، وهو أشبه ما يكون فيما يسمى في لغة اليوم، بجرم الطابور الخامس، وما يسمى في شرعة هذا العصر بالخيانة العظمى. فهم قد نقضوا عهدهم وميثاقهم المكتوب مع دولة الإسلام، وهموا بل شرعوا في تنفيذ مؤامرة لاغتيال زعيم الدولة، رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وقبل ذلك حرضوا مرارًا، ملل الكفر ونحلها، لكي تتكاتف، وتغزو دولة الإسلام.
لماذا تجاهل المؤلف كل هذا؟
ولكن ربما جنح المؤلف إلى تجاهل جرم يهود هذا؛ لأن المستشرق المعروف السير وليم موير شكك في قصة مؤامرة اليهود لاغتيال النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: إن أصحاب محمد الذين كانوا حاضرين معه لدى النضريين لم يشاهدوا ما يريب، وبقوا في أماكنهم بعد انصراف الرسول لفترة طويلة، واندهشوا عندما رأوه عاد قبلهم إلى المدينة. وأما قول النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الوحي أخبره بتآمر بني النضير عليه، فقد شكك فيه السير موير قائلاً: (إن سورة بني النضير التي حكت تفاصيل القصة، لم تذكر شيئًا يتعلق بهذه المؤامرة على الإطلاق). وبالتالي رجح موير أن تكون القصة مجرد اختلاق إسلامي أريد به الإيقاع بيهود بني النضير. (William Muir, THE BIOGRAPHY OF MAHOMET, AND RISE OF ISLAM, Osnabrück , BIBLIO, 1988 , Volume III, P.209) وقد تلقف هذه الدعوى القائلة ببراءة بني النضير من محاولة اغتيال النبي، صلى الله عليه وسلم، المستشرق الإسرائيلي المعروف إسرائيل ولفنستون، الذي عاش حقبة من حياته العلمية بالعالم العربي، فقال: (إنه لا يوجد أي دليل على أن اليهود حاولوا اغتيال الرسول، لأن تلك المسألة لم تذكر في سورة الحشر، التي نزلت بعد إجلاء بني النضير، وواقعة بمثل هذه الأهمية كان لا بد من ذكرها في القرآن). (إسرائيل ولفنستون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، مطبعة الاعتماد، القاهرة، 1927م، ص43) ولا بد أن الدكتور محمد أحمد محمود قد اطلع على هذا الكتاب المبذول، واقتنع برأي هذا الإسرائيلي الذي كان مطاع الرأي وسط اليساريين التقدميين التنويريين الحداثيين المصريين وأتباعهم من الشيوعيين السودانيين. وبناء على ذلك ضرب صفحا عن قصة تآمر النَّضريين على اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم.
ما جرى للنَّضريين
ولذا قفز الدكتور ليستعرض ما لاقاه النضريون من التجويع الجماعي، والتأكيد على أنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم، وأنهم اتجهوا إلى صرف المسلمين عنهم بنبلهم بالسهام والحجارة من داخل حصونهم، غير أن جهود المسلمين اتصلت من أجل تجويعهم وقطع نخيلهم، مما اضطرهم إلى الاستسلام والخضوع لشرط الخروج إلى خيبر والشام. واستنتج المؤلف، كما استنتج المستشرقون الإسرائيليون من قبله، أن الحملة الإسلامية على بني النضير حققت: (أمنًا اقتصاديًا لمحمد (صلى الله عليه وسلم) يخبرنا عن تفاصيله الرواة قائلين: كان ينفق على أهله من بني النضير، كانت له خالصة، فأعطى من أعطى منها وحبس ما حبس. وكان يزرع تحت النخل زرعًا كثيرًا، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُدخل له منها قوت أهله سنةً من الشعير والتمر لأزواجه وبني عبد المطلب، فما فضل جعله في الكُراع (الخيل والسلاح). وهذا ما شاء المؤلف أن يقتطعه من كلام الواقدي، وهو راو يطعن في صحة أقواله أئمة الإسلام القدامى، وقد حلا للمؤلف أن يقتطع هذه القطعة من كلامه ليلمح إلى أن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، شن الحملة على بني النضير من أجل أن ينتهب خيراتهم ويستمتع بها مع أهل بيته، وحاشاه أن يفعل ذلك وهو الذي ما شبع من خبز شعير يومين متتالين إلى أن لقي ربه عز وجل. ويلوح لنا أن المؤلف قد أخذ تعليله هذا من المستشرق الإسرائيلي البروفيسور ديفيد صمويل مارغليوث، الذي زعم أن الرحمة التي تعامل بها محمد مع المشركين في مكة لم يبذل عشر معشارها لليهود الذين تعامل معهم في المدينة. وزعم أن نبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم، عاش ست سنوات بعد الهجرة، يتقوَّت هو وأنصاره من السرقة والإغارة على أموال الأعراب، والتعدي على قوافل قريش والتعدي على أموال يهود بني النضير.) David Samuel Margilwith, The Early Developments of Mohammedanism :Mohammed and the Rise of Islam, London, 1905, p. 262-263)



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-07-2014, 07:52 AM   #[10]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(9) د. محمد وقيع الله.


عندما استعرض المؤلف ما جرى للقرظيين على يد المسلمين الظافرين برّأ القرظيين من أي ذنب!
وقال: «وحالما انكشف خطر الأحزاب وجَّه محمد (صلى الله عليه وسلم) طاقته لاستئصال بني قريظة، إذ قرر بعد حصار الأحزاب أن وجودهم في المدينة يشكل خطرًا داخليًا دائمًا عليه. جمع محمد (صلى الله عليه وسلم) جيشًا بلغ نحو الثلاثة آلاف رجل وحاصر حصون بني قريظة. وعندما تبين لبني قريظة أن وضعهم ميئوس منه فاوضوا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير بأن يأخذ أموالهم وسلاحهم ويحقن دماءهم ويسمح لهم بالخروج بأُسرهم وأمتعتهم الشخصية، إلا أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) رفض. وفاوضوا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) مرة أخرى متنازلين عن أمتعتهم الشخصية إلا أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) رفض وأصرَّ أن ينزلوا على حكمه (صلى الله عليه وسلم)«. ص 179.
ما جرى للقرظيين
واسترسل المؤلف في شرح عملية إقرار الحكم عليهم، وتنفيذ عملية ذبحهم في سوق المدينة، وأعلن تعاطفه معهم قائلاً: «لا شك أن هذه اللحظة المأساوية ملأت الكثيرين بالأسى والتعاطف الإنساني». ص180. ولا غرابة أنه بفيضِ كراهته الشديدة للإسلام والمسلمين كان من ضمن أولئك الذين تعاطفوا مع القرظيين المنكوبين!. وكرة أخرى شاء المؤلف أن يسترسل في حديث طويل عن نتائج ذبح القرظيين ليرجح أن سبب إقدام المسلمين على استئصالهم كان ماديًا بالأساس. ونقل عن الواقدي قوله: «لما اجتمعت المغانم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتاع فبيع فيمن يريد، وبيع السبي فيمن يريد، وقسمت النخل». ويخبرنا الرواة أن السبي بلغ ألفًا من النساء والصبيان. ونقرأ في أحد الأخبار: «لما سبي بنو قريظة - النساء والذرية باع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهم من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف طائفة وبعث طائفة إلى نجد، وبعث طائفة إلى الشام مع سعد بن عبادة، يبيعهم ويشتري بهم سلاحًا وخيلاً» ونجد في مادة الحديث إشارة لأثر غُنم بني قريظة على أوضاع محمد (صلى الله عليه وسلم) الخاصة فنقرأ :«كان الرجل يجعل للنبي (صلى الله عليه وسلم) النخلات حتى افتتح قريظة والنضير فكان بعد ذلك يرد عليهم»«. ص 181.
لقد قلنا آنفًا إن المؤلف آثر أن يتجاهل أسباب سير المسلمين لغزو القرظيين، فما هي هذه الأسباب؟
ولماذا اتخذ المؤلف إزاءها خطة الصمت والإبهام؟
لقد ارتكب بنو قريظة خطيئة الخيانة العظمى ولذا نالهم العقاب الأعظم. فكانوا ضمن القوم الذين سعوا لتحريض قريش، وغَطَفان، وبني مرة، وأشجع، وسُليم، وغيرهم، لغزو المسلمين في المدينة. وأقنعهم حيي بن أخطب النَّضري بنقض عهدهم مع المسلمين في أشد لحظات الحرج، والمدينة تتعرض للحصار فنقضوا العهد المغلظ. ولما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبر غدرهم بعهدهم، لم يتعجل الأمر، وأرسل جمعًا من أصحابه، فيهم كبيرا الأنصار، سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، ليحدثوا بني قريظة، ويتبينوا، ويستوثقوا من جلية أمرهم. فأتوا ينبئون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بغدر بني قريظة، ونقضهم للميثاق. فاستبشر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالأمر ولكنه كتم الخبر عن عامة الصحابة في لحظات الهول الأكبر. ولما انجلى الرعب وتراجعت الأحزاب الغازية الباغية ووضع المسلمون أسلحتهم: «أَتى جبريل رسول الله (عليه السلام) فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟
قال: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم، فمزلزل بهم.
فأذّن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة». وسار الجيش الإسلامي الظافر إلى بني قريظة، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الضيق، واستبد بهم الرعب، وحينذاك طلبوا أن يحكم في مصيرهم صاحبهم القديم سعد بن معاذ الأنصاري.
وقد جاء في كتب السِّير:
«حدثني بعض من أثق به من أهل العلم: أن علي بن أبي طالب، صاح وهم محاصروهُمْ: يا كتيبة الإيمان، وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأفتحن حصنهم، فقالوا: يا محمد، ننزل على حكم سعد بن معاذ». (يوسف بن عبد البر النمري، الدرر في اختصار المغازي والسِّير، المجلد الثالث تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، 1403هـ، ص 171) وحكم فيهم سعدٌ بما استحقوه لقاء خيانتهم وتهديدهم لأمن المسلمين، وهو الموت الزؤام، ليلحق بكل المقاتلين القرظيين. وقد صدق المفكر الإسلامي البروفسور عماد الدين خليل إذ قال: «لم يكن رجال بني قريظة سوى مجرمي حرب، وفق قوانين القتال المعاصرة، نقضوا العهد، وانضموا إلى الأعداء، والحرب قائمة بين المسلمين والأحزاب. فكان نقضهم خيانة عظمى، ولم يكن عقابهم العادل المكافئ لفعلتهم سوى القتل». (عماد الدين خليل، دراسة السيرة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1401هـ، ص347)
كما لم يكن الحكم فيهم مختلفًا عن حكم التوراة في تلك الجناية الكبرى. فقد جاء فيها: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها، يكون لك للتسخير، وتستعبد لك. وإن لم تسالمك وعملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفع الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء، والأطفال، والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك». (سفر التثنية، الإصحاح العشرون، 10ـ 13)
وذلكم هو شرع بني إسرائيل الذي عوملوا به عن استحقاق. تبني المؤلف للتفسيرات الاستشراقية الإسرائيلية
لقد تجاهل المؤلف كل هذه الحقائق، وانطلق يترسم ما قاله المستشرقون الإسرائيليون، الذين مالوا إلى تفسير أسباب الصدام الإسلامي الإسرائيلي بأسباب اقتصادية بحتة، وأخذوا على المسلمين غيرتهم من نجاحات اليهود في هذا الصعيد، ورغبتهم في مصادرة أموالهم وممتلكاتهم.
ومن هؤلاء المستشرق الإسرائيلي البروفسور بيرنارد لويس، رائد فكرة صراع الحضارات، والذي ما فتئ وهو في التسعين من عمره يعبئ العالم الغربي على المسلمين.
فقد ادعى أن المسلمين الأوائل امتهنوا السلب والنهب مهنة لهم، وشنوا الغارات على القبائل البدوية واغتصبوا ممتلكاتها، ولم يكن لهم هدف سوى ذلك الهدف المادي الوضيع. وأما مسائل الدين والدعوة فهي مسائل ثانوية تذرعوا بها ليبرروا بها إتيان الهدف المادي الشنيع.
وزعم أن العرب كانوا كلهم سواء في استباحة السلب والنهب، وأن حياتهم كلها لاسيما في البادية، قد قامت على ذلك، ولذلك قال إنه لا يحق لأحد أن يخص محمدًا وقومه باللوم لأن ما ارتكبوه في هذا الشأن لم يكن يخالف الأخلاق العربية الأصيلة.
(Bernard Lewis, The Arabs in History, The Oxford University Press, New York, 2002, P. 44) وهكذا شاء المستشرق الماكر، أن يدافع عن رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم بإثبات التهمة عليه أولاً، ثم بالبحث عن تبرير مناسب لها بعد ذلك. ولم يجد تبريرًا أفضل من أن يصف العرب بأنهم أمة سلب ونهب، وأن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، لم يفعل سوى ما كانوا يفعلون!. وقد استعرض بيرنارد لويس سلوك المسلمين في عدد من الغزوات، وتطرق للصدام الذي حدث بينهم وبين اليهود، وافترض أن أصل ذلك لم يمت إلى العقيدة بسبب، وأن أصله كان التنافس الاقتصادي المحض. وادعى أن المسلمين قرروا أن يطردوا القبائل اليهودية من المدينة وما حولها، بسبب عدم قبول الأوس والخزرج للتفوق الاقتصادي اليهودي عليهم، ولذلك انتهزوا فرصة قدوم النبي، وتوحدوا تحت لوائه واستقووا على اليهود وطردوهم.
(Bernard Lewis, The Jews of Islam, Princeton University Press) وهذا هو التفسير الذي تعلق به الدكتور محمد أحمد محمود وصدر عنه في ثنايا دفاعه عن القرظيين. وقد غفل الدكتور وهو في غمرة حماسته للدفاع عن يهود بني قريظة وتبرئتهم من أي إثم أن مستشرقًا إسرائيليًا بارزا كان قد اعترف بذنوبهم، فذكر في خلال حديثه عن فشل القرشيين في يوم الخندق، أنهم عجزوا عن الحصول على الإمدادات الكافية في تلك البقاع الجرداء، و:«أخفقت المفاوضات مع بني قريظة، الذين كانوا يسكنون في طرف المدينة بسبب من تردد هؤلاء وتذبذبهم». وبذلك اعترف بخيانة يهود بني قريظة، وتحالفهم من داخل المدينة المنورة مع مشركي قريش. (كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب العربية، ترجمة أمين فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، ص 52 ـ 53).



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-07-2014, 10:17 AM   #[11]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(10) د. محمد وقيع الله.



في تحليل المؤلف لأسباب نجاح النبي، صلى الله عليه وسلم، رد الأمر إلى عاملين اثنين: أصغر وأكبر.
أما النجاح الأصغر: فهو الذي تحقق في مكة حيث استطاع، النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يجمع حوله عصبة من الرجال والنساء الذين آمنوا بنبوته وأسهموا بدورهم في تثبيته معنويًا بصمودهم.
وأما النجاح الأكبر: فعزاه المؤلف إلى انتقاله، صلى الله عليه وسلم، من طور الدعوة السلمية في مكة إلى ممارسة العنف في مدينة. وما لبث المؤلف حتى استدرك قائلا: «ومن الضروري أن نضع في اعتبارنا أن هذا التحول لم يكن تحولاً يتعلق بطبيعة الدعوة وإنما تحولاً تعلق بأسلوبها ووسائل انتشارها. فبذرة العنف التي أطلقت قهر محمد «صلى الله عليه وسلم» لأعدائه كانت موجودة منذ مرحلته المكية، إذ أن صورة الإله هي صورة إله التوراة ذي الثنائية الأخلاقية، الإله الذي يرعى المؤمنين ويرحمهم وينتقم من غير المؤمنين ويعذبهم. وهكذا وعندما أُتيح لمحمد «صلى الله علبيه وسلم» الظرف المواتي لقهر أعدائه فإنه نزَّل مفهومه للإله المنتقم المعذِّب من منطقة العالم الآخر لأرض واقعه التاريخي مستعجلاً عذاب غير المؤمنين ولسان مقاله يعلن التوبة» ص 441.
واستطرد المؤلف ليقول إن إله الإسلام ظل عنيفًا كما هو، لكن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، هو الذي تحول من مرحلة الإسماح إلى مرحلة السيف.
وهنا تكاد تحس بأن المؤلف ينقل سطورًا من «من فصل الجهاد ليس أصلاً في الإسلام» من كتاب «الرسالة الثانية من الإسلام» من تأليف شيخه السابق محمود محمد طه، ولكنه بدا سيئ الأدب أكثر من شيخه ولم يتردد في دمغ النبي، صلى الله عليه وسلم، بصفة العنف والانتهازية، فقد عاد وأثنى على موقف القرشيين الكفار وقال إنهم كانوا مبدئيين ومسالمين أكثر من محمد صلى الله عليه وسلم. وقد امتدح المؤلف موقف مشركي قريش قائلاً: «إن رد فعل القرشيين كان رد فعل طبيعي إذ أنهم كانوا يدافعون عن ميراثهم الديني ومصالحهم، وهو رد الفعل الذي واجهه محمد «صلى الله عليه وسلم» في مكة بالموقف المتسامح الذي عكسته آيتا سورة القصص أعلاه. وإذا استثنينا معاملة بعض القرشيين لبعض المستضعفين من المسلمين والمحاولة الفاشلة لمقاطعة بني هاشم، فإن مجمل تاريخ المواجهة بين القرشيين والمسلمين في مكة يعكس اعتدال قريش وتسامحها واحترامها لمؤسسة الجوار. واعتدال قريش كان له أيضًا بُعده السياسي إذ أن قريشًا كانت تحسب حساب مكانتها وسمعتها بين العرب. وفي واقع الأمر فإن تاريخ المواجهة بين قريش والمسلمين لا يختلف عن تاريخ المواجهة بين الوثنية والتوحيد في باقي الشرق الأدنى، حيث كانت الوثنية في الغالب أكثر تسامحًا من التوحيد». ص 441.
ولم تكن للمؤلف أمانة في النظر إلى التاريخ والاستشهاد بنصوصه الكثيرة التي دلت على اضطهاد القرشيين المكيين المشركين لأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتعذيبهم إياهم، بحيث لم يكد ينج منهم أحد إلا بعد إسلام حمزة وعمر، ولم يوفر مشركو مكة محمدًا، صلى الله عليه وسلم، من العذاب. وأحداث ذلك متناثرة متوافرة في سيرة ابن هشام، وهي السيرة الأساسية التي أكثر المؤلف من النقل منها والاستشهاد بها في كتابه، ولكن كلَّت كلتا عينيه عن رؤيتها، لأنهما لا تريان إلا ما يحب صاحبهما أن يرى وترتدا حسيرتين عن رؤية ما لا يحب صاحبهما أن يرى.
ولم ير المؤلف من أسباب الحروب التي خاضها النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا ما اشتهى أن يشنِّع بها على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلمين الأولين رضي الله تعالى عنهم. ففي معركة بدر رأى أن المعتدي فيها هو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنه تعرض للعير يريد استلابها، ولأنه بدأ هجومه على مكة من قبل ذلك: «بشن غزوات استهدفت قوافل قريش بغرض سلب تجارتها وتعطيل مصالحها». ص157.
ولم ير أن من حق المسلمين أن يستردوا ما أخذه المشركون عنوة من أموالهم بمكة، ولم ير أن قريش هي التي واصلت البغي بعدما نجت العير وأعدت للحرب وأصرت عليها وجاءت تغزو المسلمين بالمدينة بطرًا ورياء.
ولم ير حقًا فيما قال المفكر المنصف عباس محمود العقاد إن هذه العقوبة الاقتصادية: «كانت من قبيل المعاملة بالمثل لأن القرشيين استخدموها ضد المسلمين. والذي يرد العدوان بمثله لا يسمى عادِيًا أو معتديًا إلا على سبيل المشاكلة اللفظية وحسب، وهو إنسان قائم بالقسط، ولا يخترق قانون النَّصفة ولا الأخلاق».
«عباس محمود العقاد، عبقرية محمد، المكتبة العصرية، صيدا، 1969م، ص 61-62»
بل رأى صوابًا فيما أجمع عليه المستشرقون الإسرائيليون، وما قاله الاستعماري الكبير المدعو السير وليم موير الذي زعم: «أن حب النهب والمخاطرة الراسخ عند العرب قد ساق المهاجرين وسكان المدينة معًا للاستجابة لنداء محمد، ودعوته لهم للتصدي لقافلة قريش، وأن ذلك لا يعدو أن يكون عدوانًا وقطع طريق واختراق للأعراف والمواثيق القاضية بحرية السفر والتجارة».
«William Muir,THE BIOGRAPHY OF MAHOMET, AND RISE OF ISLAM, Osnabrück , BIBLIO, 1988 , Volume III,p82-83».
وفي معركة أحد وجد المؤلف للمشركين العذر.
فقد رأى أن هزيمتهم في بدر لم تفقد قريشًا: «روح المواجهة والقتال بل وملـهمًا بعزيمة عارمة على الانتقام لقتلاها. وقضى المكيون بعد بدر عامًا وهم يعدون العدة لمواجهتهم القادمة مع محمد «صلى الله عليه وسلم» يجمعون الجموع ويستجلبون حلفاءهم من البوادي. ورغم أن قائد قريش أبا سفيان بن حرب، كان يختلف عن أبي جهل عمرو ابن هشام في عدم ميله للعنف، إلا أن رغبة المكيين في الثأر لموتاهم لم تتح له سوى قيادة القرشيين في المواجهة». ص 166.
فالمؤلف يرى لقريش الحق في الانتقام لقتلاها في بدر مع أنهم كانوا جندًا معتدين يوم قاموا بغزو المسلمين.
فما كان يجب على المسلمين أن يفعلوا فيهم غير أن يثخنوا بهم.
ولم تبصر عينا المؤلف كما أبصرنا للمسلمين حقًا في تهديد قافلة قريش التي مرت قريبًا من دارهم ولم يظفروا بها. وقد ابتهج المؤلف كثيرًا بانهزام المسلمين يوم أحد، وشرح بتلذذ بالغ كيف أصيب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليعقب على ذلك شامتًا: «لا شك أن هزيمة أحد قد هزت محمدًا «صلى الله عليه وسلم» هزة عميقة. وربما أحس بوطأة وشدة الهزيمة ومرارتها ومهانتها أكثر ما أحس في تلك اللحظة التي استتر فيها وسط أصحابه وهو متقنِّع». ص 169.
وعندما جاء المؤلف بتفاصيل السجال الذي دار بين أبي سفيان إذ كان مشركًا، وسيدنا عمر، رضي الله عنه، قطع سياق القول قبل أن يأتي على اعتراف أبي سفيان بتمثيل المشركين بجثث المسلمين، لأن ذلك يناقض تزكية المؤلف لأبي سفيان بن حرب، إذ هو مشرك، ووصفه بأنه ذو روح سلمي لا يحب الحرب!
وقد اعترف أبو سفيان لسيدنا عمر رضي الله عنه يومها: «إنكم لتجدون في قتلاكم مُثْلا «أي تمثيلا بجثث المسلمين» ولم يكن ذاك عن رأي سراتنا قال ثم أدركته حمية الجاهلية قال فقال: أما إنه قد كان ذاك ولم نكره».
ثم تساءل المؤلف وكأنه كان مقاتلاً في جيش الكفر يوم أحد: «فأين كانت الملائكة وهم يواجهون أعداءهم وهزيمتهم يوم أحد؟» ص 170.
ورأى المؤلف أن هزيمة أحد نقلت زمام المبادرة من يد النبي، صلى الله عليه وسلم، ليد القرشيين، الذين أعطاهم المشروعية: «في الإعداد لهجوم كاسح على المدينة بهدف استئصال شأفة محمد «صلى الله عليه وسلم»« ص 174.
وآثر المؤلف في عرضه لوقائع غزوة الخندق أن يركز على مشاهد قلق المسلمين وتشكيك أحبابه المنافقين.
وعندما تعرض لمسعى نُعيم بن مسعود، رضي الله عنه، في تخذيل المشركين شكك في دوافعه قائلاً: «والأرجح أن دافع نُعيم وهو يقدم خدمته لمحمد كان كسب المال». ص 176.
أي أنه كان بلغة السياسة المعاصرة عميلاً مأجورًا، ولم يك متصرفًا بدافع إيماني. ونحن، ولا شك، نعذر المؤلف في لجوئه لهذا الترجيح المادي الطابع لأن نفسيته غير المؤمنة لا تعرف طبيعة الدافع الإيماني ولا قدره، ولا تعترف بدافع سوى الارتزاق وطلب العيش!.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2014, 05:46 AM   #[12]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

قد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(11) د. محمد وقيع الله.


كرس الدكتور محمد أحمد محمود حيزًا كبيرًا، استغرق نيِّفا وعشرين صفحة من كتابه، للدفاع عن المنافقين. وكما كان متوقعًا من مؤلف في مثل نزعته الأصولية المعادية لدين الإسلام فقد دافع دفاعًا مجيدًا عن المنافقين، إلا أنه زاد على ذلك بأن اتهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وحاشاه، بممارسة النفاق!. وقد ذكر أن هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، أدت إلى إسلام قسم كبير من الأوس والخزرج، إلا أن قسمًا آخر، هو القسم الممتاز في نظره، اتبع أسلوب المناورة والمراوغة، فلم يقبل الدعوة الإسلامية ولم يرفضها، أو قبلها ظاهرًا ورفضها باطنًا. وقد كان هؤلاء ممتازين، بنظر المؤلف، لأنهم مثلوا تحديًا سياسيًا كبيرًا جابه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
أسباب تعاطف المؤلف مع المنافقين
وقد نبع تعاطف المؤلف مع مجموعة المنافقين لأنهم كانوا ضحايا لقدوم النبي، صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم وقهره لمعارضيه فيها. ص 274. ومن العجب إن المؤلف اتخذ من القرآن دليلاً على هذه الدعوى، حيث استند إلى قول الله تعالى: «إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». المنافقون:1 ــ 2. وقال إن قول القرآن هذا: «يصف واقع النفاق هذا ويمسُّ ما يكمن خلفه من خوف وتقية». ص 274. ومعنى هذا، حسب وجهة نظر المؤلف، أن المنافقين كانوا مرغمين على اتخاذ هذا الموقف النفسي المزدوج، وأنهم كانوا ضحايا معذورين، وكان همهم الأكبر هو اتقاء قهر المسلمين لهم. هذا وكأنما قد اضطهد المسلمون القسم الآخر من الخزرج، وهو القسم الأوفر الذين اعتنقوا دين الإسلام طواعية. وكأنما قد جاء المسلمون غزاة فاتحين احتلوا المدينة وفزَّعوا أهلها وأرهبوهم، وخيروهم بين الإسلام أو القتل، وهم ما جاؤوا كذلك وما فعلوا ذلك. واستنتج المؤلف من الآية الكريمة التي ساقها عكس ما تفيده، أنها تبرر موقف أحبابه المنافقين أو تجيزه. فقال: «والكلمة ذات الدلالة الخاصة هنا هي كلمة «جُنَّة» التي تقدم صورتها المجازية تلخيصًا دقيقًا لوضع المنافقين أو بالأحرى مأزقهم. ولقد كان المعنى الذي عبرت عنه الصورة المجازية واضحًا للمفسرين الذين قالوا في تفسير كلمة «جُنَّة»: إنها «سترة يستترون بها كما يستتر المستجنُّ بجنته في حرب وقتال فيمنعون بها أنفسهم وذراريهم وأموالهم، ويدفعون بها عنها». وهكذا فإن خوف المنافقين على أسرهم ومالهم من اعتداء المسلمين هو ما حدا بهم للتظاهر بالإسلام وتبني موقف النفاق». ص 274. وقد ركَّب المؤلف عبارته الاستنتاجية ورتبها على كلام الإمام الطبري، الذي استله من سياقه المنطقي، وجرفه بعيدًا عنه، وليس هذا غريبًا على من اجترأ من قبل على القرآن ذاته، وقوَّله ما لم يقل في حق المنافقين، فلم لا يجترئ على الإمام الطبري ويقوِّله ما لم يقل؟! وقد حذف المؤلف عبارة الإمام الطبري السابقة، التي تشرح معنى كلمة الأيْمَان، وهو الحلف أو القسم، وهي التي جاء فيها: «حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: «اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً» يقول: حلفهم بالله إنهم لمنكم جُنَّة». «محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، المجلد الثالث والعشرون، ص 394» بمعنى أن المنافقين كانوا قومًا كذابين، يحلفون للمسلمين على أنهم مسلمون مثلهم، بينما كانوا يستبطنون الكفر ويعتقدونه. وقد اتخذوا هذا الموقف الذرائعي المتذبذب بمحض اختيارهم، ولم يجبرهم أحد عليه، لأنه ما من أحد أجبرهم على الإيمان.
تناقض رأي في المنافقين
وقد ذكر مفسر بصير آخر عن هذه الشرذمة من المنافقين أنهم: «كانوا يحلفون الأيْمان كلما انكشف أمرهم أو عُرف عنهم كيد أو تدبير أو نُقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين. كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم فيجعلون أيْمانهم وقاية وجُنَّة يحتمون وراءها ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم». فلم تكن أيْمانهم الكاذبة التي اتخذوها جُنَّة خوفًا على أسرهم ومالهم من اعتداء المسلمين، كما زعم المؤلف، وإنما كانوا هم الذين يتربصون الدوائر بسلطة النبي، صلى الله عليه وسلم في المدينة. وهذا ما أقرَّ به المؤلف عندما تحدث، قبل هنيهة، عن تربص المنافقين الخفي بالدعوة الإسلامية، وقال إنهم رفضوا الاعتراف: «بسلطة محمد «صلى الله عليه وسلم» الدينية أو السياسية اعترافًا حقيقيًا وكانوا بلا شك يتمنون سنوح ظرف يتيح لهم الانقلاب عليها والعودة لما ألفوه، إلا أنهم كانوا يسايرون مقتضيات واقع ما بعد الهجرة ويتظاهرون بقبول هذه السلطة الجديدة». ص 274. ولكن نسي المؤلف قوله هذا الذي فاه به عندما كان مندفعًا في خط دفاعه عن المنافقين وكيل التهم بلا سند للمسلمين.
النفاق صفة لا بأس بها!
وفي رأي المؤلف فإن موقف المنافقين المزدوج موقف طبيعي عادي: «ولم يكن النفاق بالموقف الغريب غير المألوف، وكان الكثيرون من الموسومين بالنفاق أشخاصًا معروفين حفظ لنا الرواة أسماء بعضهم ونتفًا من أخبارهم». ص 274. وكأن معرفة أسماء المنافقين لها صلة بجعل النفاق موقفًا مألوفًا مقبولاً من سائر الناس، هذا مع ملاحظة أن أسماء المنافقين كانت مكتومة عند سيدنا حذيفة بن اليمان، رضي الله تعالى عنه، ولم تكن تعرف إلا عند موتهم، حيث يتنحى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة عليهم. وبقيت أسماؤهم مكتومة حتى عن سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، الذي سأل من شدة ورعه وحساسية قلبه، سيدنا ابن اليمان أن يدله إن كان اسمه، وحاشاه، قد رُصد في قائمة النفاق!
إعجاب المؤلف بابن سلول
وللمؤلف إعجاب شديد بشخص عبد الله بن أبي سلول، زعيم الخزرج الذي أصبح زعيمًا للمنافقين، بعد أن كان قومه قد نظموا له الخَرَز ليتوجوه ثم يملِّكوه عليهم، لولا أن جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مهاجرًا إلى المدينة فبطل التدبير. وكان هذا دافع حنق ابن أبي سلول الأعظم على الإسلام والمسلمين. ولكن المؤلف التمس له سببًا آخر مبدئيًا فافترض: «أن ما حرك بعض المنافقين كان بالدرجة الأولى ولاؤهم لوثنيتهم». ص 174. ومن أسباب ولع المؤلف بابن أبي سلول أنه تحرك تحركًا حازمًا لإنقاذ يهود بني قينقاع من الذبح. وفي ذلك قال: «يبدو أن نية محمد «صلى الله عليه وسلم» كانت متجهة أصلا لقتلهم، إلا أن ابن سلول تدخل بقوة لإنقاذ حلفائه». ص 162. ولهذا أسبغ المؤلف على ابن أبي سلول صفة الوفاء قائلاً إن: «موقفه عكس من ناحية أخرى صلابته في التمسك بقيمة سلوكية هامة، وهي قيمة مبادلة الحلفاء إخلاصًا بإخلاص وخاصة عندما تدور عليهم الدوائر». ص 276. وعند مقارنة موقف زعيم النفاق ابن أبي سلول، بموقف الصحابي الجليل عُبادة بن الصامت، رضي الله تعالى عنه، رجَّح المؤلف موقف المنافق وفضَّله، لأن عبادة انحاز: «لمحمد «صلى الله عليه وسلم» انحيازًا تامًا وتبرأ من حلفه وكافأه محمد «صلى الله عليه وسلم» بأن كلفه بالإشراف على إجلاء بني النضير وانتزاع أملاكهم». ص 276. ويعجب المؤلف بنجاح ابن أبي سلول في الكيد للنبي، صلى الله عليه وسلم، رغم أن الخزرج: «ربما ضمنوا لمحمد «صلى الله عليه وسلم» أنهم سيكفونه شر ابن سلول وسيعملون على عزله وسط قومه». ص 279 : «إلا أن محاولة محمد «صلى الله عليه وسلم» عزل ابن سلول لم تُثن ابن سلول عن الكيد له. ورغم أن ابن سلول فشل في تأليب الأنصار على المهاجرين بعد غزوة المصطلق إلا أن الغزوة قدمت له من حيث لا يحتسب فرصة ذهبية لإيقاع أذى من نوع آخر بمحمد «صلى الله عليه وسلم» هو أذى ما عرف بحادث الإفك». ص 280. ويستعرض المؤلف وقائع حادث الإفك من دون أن يدين قيام بطله ابن أبي سلول بنقل المعركة العقائدية إلى معركة شخصية حول الأعراض، وحاول أن يجد لبطله ابن سلول براءة من الإثم بـ:« أن محمدًا «صلى الله عليه وسلم» لم يُقم حد القذف عليه». ص 281. وبالطبع فالمؤلف لا يدري الحكمة في ذلك، حيث أقيم الحد على الثلاثة الآخرين «حسان ومسطح وحمنة» تطهيرًا لهم لأنهم مؤمنون، وترك ابن أبي سلول على خبثه. والمؤلف معجب بابن أبي سلول حتى في موته ومشهد دفنه، وقد كتب نحو ثلاث صفحات نقل فيها أخبار المؤرخين لدفن زعيم النفاق، وصلاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم عليه. ولم يخطر له أن يُثني على خلق النبي النبيل، صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي على عدوه، ويقول: «ولو أني أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له زدت»، وإنما خطر له أن يستنتج أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» تصرف حيال جنازة زعيم النفاق تصرفًا سياسيًا انتهازيًا، فحاول: «احتواء الحدث وعدم السماح للمنافقين أن يحولوا موت حامل رايتهم ورمزهم الأكبر لتظاهرة تتيح لهم كسب تعاطف أهل المدينة وتعزل المسلمين»! ص 287. فالمؤلف يفكر بعقلية السياسيين الحزبيين في عالم اليوم ويظن أن هذا النمط من التفكير كان سائدًا في مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حينذاك!
وصف المؤلف للرسول بالنفاق!
وليس أعجب من إعجاب المؤلف ببطله ابن أبي سلول إلا ادعاؤه: «أن ظاهرة النفاق كان لها جانب آخر أسبغ عليها تعقيدًا خاصًا. لقد أدى النفاق لإفراز وضع جديد له أعرافه وقواعده التي فرضت نفسها على محمد «صلى الله عليه وسلم» والمسلمين أيضًا، وهو واقع من الممكن أن نصفه بواقع «نفاق عام». في ظل واقع النفاق العام هذا أصبح الكل، المنافقون والمسلمون، أسرى ظاهرة النفاق وقواعدها. ففي مقابل تظاهر المسلمين بقبول سلطة محمد «صلى الله عليه وسلم» كان لا بد للمسلمين من الاعتراف الظاهري بإسلام المنافقين وعدم الاعتداء عليهم». ص 274 ــ 275. وبدلاً من أن يقرأ المؤلف في سكوت المسلمين عن التعرض للمنافقين وقبولهم الظاهري بإيمان المنافقين الظاهري علامة حضارية للعالم الإسلامي تميزه عن التجربة الغربية لمحاكم التفتيش الغربية التي كانت تُخضع النوايا للمحاكمات الفظيعة، فقد شاء أن يقرأ في هذا الموقف المتقدم الباهر الذي وقفه المسلمون الأوائل بقيادة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دليلاً على انخراطهم في حركة النفاق! ونسي المؤلف تعليله لحركة النفاق، بأنه «جُنّة» اتخذها المنافقون ليحموا بها أنفسهم وأسرهم وأموالهم من اعتداء المسلمين، فلماذا يتخذ المسلمون موقف نفاق وهو ما كانوا يخشون على أنفسهم وأسرهم وأموالهم من اعتداء المنافقين؟.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2014, 11:27 AM   #[13]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(12) د. محمد وقيع الله.


طوفنا كثيراً بكتاب الدكتور محمد أحمد محمود ورأينا كم ردد دعوى استعارة الإسلام لمفاهيمه الأساسية من الديانة اليهودية والثقافة الشعبية. وشهدنا كيف تخللت هذه الدعوى جل فصول كتابه إن لم تتخللها جميعاً. وعرفنا كيف أقام لها المؤلف فصلاً تمهيدياً خاصاً بها من كتابه هو الفصل الأول. وفي جلية الأمر فإن الدكتور لم يكن بحاجة لا إلى التمهيد ولا إلى التكرار ولا إلى التأصيل.
ذلك أن الدعوى التي جهد في تكرارها دعوى مكررة مبذولة بوفرة مضجرة في أدبيات الاستشراق الإسرائيلي القديم والحديث. وقد رددنا في مقالاتنا السابقة أقوال الدكتور إلى أصولها من كتب الاستشراق الإسرائيلي في توثيق أكاديمي دقيق لا يستطيع السارق أن يجادل فيه.
إعادة تركيب الشبهات
وحديثاً بعد أن بارت بضاعة الاستشراق وساءت سمعة المستشرقين وهبط مستواهم العلمي انكفأ بعضهم للتقليد وإعادة إنتاج قدامى المستشرقين مع توشيته برطانة الحداثة والتشبث بمصطلحات البحث العلمي مثل التفكيك والتأويل والأسطورة والمخيال الشعبي. ومن ذيول هؤلاء المقلدين المتخلفين برز الملحد السوداني الدكتور محمد أحمد محمود. بعد أن هجر الحزب الشيوعي السوداني الذي غرس فيه عقائد الإلحاد. وفارق خط الحزب الجمهوري السوداني الذي شبعه بعاطفة كره الإسلام. فاتجه غبَّ ذلك ليحتقب عداوة المستشرقين ومكرهم وكيدهم للإسلام. وسعى مسعاهم في تركيب كتاب جديد كثف شبهات الاستشراق الإسرائيلي على النمط الذي سبقه به جون وانسبورو، وأندرو ريبن، وجيرالد هاوتينج، ومايكل كوك وباتريشيا كرون.
قدوته في الكيد للإسلام
وقد كان السابق في هذا المسعى الاستشراقي الحديث الذي رام تفكيك وإعادة تركيب التراث الاستشراقي القديم هو المستشرق الأمريكي المعروف الذي مات في العشرية الماضية البروفيسور جون وانسبورو. وقد أثار ضجة كبرى في عام 1977م بنشره لكتابه المثير «دراسات قرآنية: مصادر ومناهج تفسير النص المقدس»، والذي زعم فيه أن القرآن الكريم تم تأليفه في غضون خمسين ومائة عام، وعضد دعواه بأنه لم توجد مصاحف أثرية في جزيرة العرب تعود إلى العهد الذي يقول المسلمون إن قرآنهم قد اكتمل فيه.
واستنتج أن النص القرآني ظل نصاً مضطرباً يعتريه الحذف والحشو طوال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين «الثاني والثالث الهجريين» وأن المسلمين ظلوا في هذه الفترة ينقحون نص القرآن مستفيدين من صلاتهم الجدلية باليهود. وزعم أن المسلمين استفادوا من التراث اليهودي ولكن اضطربوا في نقله وحشده في ثنايا القرآن.
وادعى أن صلات المسلمين باليهود ما زادتهم إلا مزيد حيرة وتخبط وذلك ما اتضح أثره في التناقضات التي اطردت في نص القرآن والتكرار الكثير الذي عراه!
المخيال الإسلامي المزعوم
وجاء على الإثر تلميذاه المتطرفان الإسرائيلي الكندي أندرو ريبن والإنجليزي جيرالد هاوتينج، ودارت كتاباتهما حول فكرة أن النصوص القرآنية هي من إنتاج شخص إسلامي يسمى محمداً عاش في إقليم الشام قريباً من تجمعات اليهود والنصارى. ثم جاءت الدانماركية المعاصرة باتريشيا كرون في كتابها «التجارة المكية وصعود الإسلام» لتزعم أن مكة والكعبة الحقيقيتين كانتا توجدان في أماكن أخرى غير التي توجدان بها الآن! ثم أصدرت مع المستشرق البريطاني مايكل كوك كتاباً بعنوان «الهاجريون: صناعة العالم الإسلامي» حاولا فيه إحياء وتجديد الفكرة القديمة عن استعارة القرآن لعقائده وشرائعه من التوراة.
ولكي يقنعا القارئ ببراءة قصدهما أعلنا براءتهما من التأثيرات الإسرائيلية، وصرحا بكفرهما بالأديان جميعاً، وإن لم يجهرا بإلحادهما كما فعل الدكتور محمد أحمد محمود. ولكن في غضون تتبعهما لمناحي الشبه بين الدينين الإسلامي واليهودي، وإصرارهما على أخذ الثاني من الأول اتضحت طائفية المؤلفين وبان ولاؤهما للمصدر اليهودي الأصيل، كما يدعوانه، ورفضهما للاعتراف بأي مصدر إسلامي.
وكشفا عن جهلهما وتطرفهما بادعائهما أن المسلمين الأوائل كانوا يتملقون اليهود ويخطبون ودهم ويحاولون أن يتحدوا معهم في مواجهة النصارى، غير أن اليهود رفضوا تلك الخطة واصطدموا بالمسلمين اصطدامات قوية حتى يأس المسلمون منهم وهجروا الاسم الذي تسموا به زلفى لليهود، وهو اسم «الهاجريين»، نسبة إلى هاجر زوج النبي إبراهيم عليه السلام. وأفصح المؤلفان عن تنطعهما بإصرارهما على أن وصف «المهاجرين» لم يكن نسبة إلى الهجرة إلى المدينة المنورة، كما هو معروف، وإنما نسبة إلى هاجر عليها السلام! ولكي يبررا عبثهما بالمصطلح الإسلامي التاريخي، اجترحا فرية أكبر، فمارَيا بدعوى أن الهجرة النبوية المزعومة لم تذكر أحداثها إلا في كتب التاريخ الإسلامي، ولم يذكرها أي مصدر تاريخي عالمي آخر، وأنه لا يجوز التسليم بحدوثها ما لم يوجد ذكر آخر لها في كتابات المؤرخين غير المسلمين! وبالجرأة نفسها اندفعا متحديين كل القيم البحثية ليدعيا أن المسلمين ما كانوا إلا مقتبسين وممثلين، وأنهم زادوا في اقتباسهم فاغترفوا من التراث الدين النصراني أيضاً. واتخذ الكاتبان منهجاً قريباً من المنهج الذي اتبعه بعدهما الدكتور محمد أحمد محمود، فراحا يطوران خلال صفحات الكتاب مزاعم المستشرقين القدامى بأخذ نبي الإسلام لمفاهيم القرآن من التوراة، فقالا بأن القرآن لم يكتب في أيام حياة محمد فقط، وإنما ظل كتاباً مفتوحاً للإضافة الحذف على مدى قرنين من الزمان، وإنه استقى من موارد بشرية إضافية، هي ما صار الدكتور محمد أحمد محمود يسميها بموارد الخيال الشعبي أو المخيال الإسلامي.
سرقة المسروقات
وهكذا نرى أن الدكتور محمد أحمد محمود ما كان إلا آخذاً مقتبساً من تراث المستشرقين الذين قالوا بهذه الفكرة قبله.
فهو شخص مغرم بالمخيال الاستشراقي الأوروبي عموماً، والمخيال الاستشراقي الإسرائيلي على وجه الخصوص، يعبُّ منه وينهلُ من دون أن يذكر اسم المنهل الذي استقى منه. فيا له من جحود ونكران جميل وعدم احترام لقيم البحث العلمي وأخلاقياته. وفيما مضى أوردنا بياناً كاشفاً لسرقات الدكتور محمد أحمد محمود وانتهابه الشره من تراث المستشرقين. وقمنا برد كل فكرة أساسية جاء بها في كتابه إلى مواردها الإسرائيلية الأصلية. وأحياناً تجشمنا عناء رد الفكرة المسروقة من سارق إسرائيلي إلى سارق إسرائيلي سابق، لنؤكد أن سرقة الدكتور محمد أحمد محمود من تراث المستشرقين لم تختلف في شيء مع ممارسات سارق القريض العربي القديم الذي قيل فيه:
وفتى يقول الشعر إلا أنه
في كل حال يسرق المسروق!.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-07-2014, 09:24 AM   #[14]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(13) د. محمد وقيع الله.


من دون أن نستجيب لشرطه التعسفي العجيب الذي قضى بأن نقوم بإدانة مادة بعينها من مواد القانون الجنائي الإسلامي السوداني حتى يتنازل لمنازلتنا فكريًا جاء المؤلف مضطرًا كي يجادلنا.
وقد كان له الحق أن ييأس من أن نستجيب لطلبه هذا الغريب العجيب الذي ما رأينا له مثلاً في المعارك الفكرية التي دارت في العصر القريب.
ولكنها عادة التقدميين اليساريين الفاسدين استبدَّت به وتمادت معه حتى أصدر شرطه هذا الرهيب.
وما كان لنا أن نستجيب لشرطه حتى لو وافق رأينا فلسنا ممن يستجيب لشروط الضغط والابتزاز.
لاسيما إن جاءت من ملحد رذيل غير نبيل.
التباكي الطفولي
وتشكّي المؤلف من صحيفة «الإنتباهة» لأنها نشرت مقالات في نقد كتابه بدعوى أنه لم يتح للقارئ السوداني أن يطلع على كتابه ابتداء ولا يمكنه الحصول عليه إن أراده.
وقال: «ماذا عن القراء العاديين في بلد مثل السودان مثلاً ــ ماذا عن القراء الذين قرأوا ما كتبه عن الكتاب في صحيفة «الإنتباهة»، هب أن قارئًا من هؤلاء أراد قراءة الكتاب ليُكَوِّن رأيه المستقل عنه، كيف سيحصل هذا القارئ على الكتاب؟».
وما أدري ماذا كان واجب «الإنتباهة» إزاء كتابه؛ أكان من واجبها أن تنشر فصولاً منه، أم تستكتب مؤلفه ليقوم بعرضه والدفاع عنه على صفحاتها؟
ليس من العدل طبعًا أن تكلف الآخرين بأن يبادروا بخدمة فكرك والدفاع عن رأيك والترويج له.
لاسيما إن كانوا يخالفونك الفكر والرأي.
وما أظن كتاب «الإنتباهة» إلا كذلك.
وحتى لو رفضت «الإنتباهة» نشر مقالات لك بادرت بإرسالها إليها فلها الحق في ذلك بموجب مبدأ الحرية نفسه، فهي حرة لكي تنشر ما تشاء نشره، وترفض نشر ما لا تشاء نشره مما يخالف عقيدتها ورسالتها المهنية.
فلن تقف «الإنتباهة» محايدة فيما أعتقد إن تعرض كاتب لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بالتحقير.
وليس من واجبها أن تنشر رأي كاتب مجدف طائش يجهر بإلحاده ويسيء إلى ثوابت العباد في البلاد.
تمامًا كما لا يجب على أي صحيفة بريطانية محترمة أن تنشر تجديفات كاتب طائش يصادم ثوابت الإنجليز الثقافية السياسية بالمطالبة بإلغاء النظام الملكي البريطاني وتشييد نظام جمهوري على أنقاضه.
وتمامًا كما لا تلتزم أي صحيفة أمريكية محترمة بنشر تجديفات كاتب طائش يصادم ثوابت الأمريكان الثقافية السياسية بالمطالبة بإلغاء النظام الجمهوري الأمريكي وإحلال نظام ملكي محله.
ولا أظن أن الدكتور قد أرسل بمقالات منه إلى «الإنتباهة» ولو لمجرد اختبار موقفها منه.
ولا أظنه حاول تسويق كتابه البغيض في السودان وعجز عن ذلك أو حيل بينه وبين بيعه هناك.
فكثير من كتب الإلحاد أراها مبثوثة بمعارض الكتب التي تقام بالخرطوم، وبمكتبات السودان التجارية والعامة، مثل كتب عبد الله القصيمي، وصادق جلال العظم، وحسين مروَّة، وأدونيس، وغيرهم من عتاة الملحدين العرب الناقلين عن الغرب.
وتجد هنالك أيضًا كتب الملحدين الغربيين، فكتب جورج هيجل، وكارل ماركس، وبرتراند رسل، وغيرهم ما تزال تُعرض وتباع بالخرطوم.
وهب أن المؤلف حاول تسويق كتابه بالسودان ومُنع أما كان بمقدوره أن يقوم بتهريب نسخه إلى الداخل أو يبيحه مجانًا لقراء الشابكة الدولية للمعلومات؟!
لقد كان بمقدور المؤلف أن يلجأ إلى شيء من ذلك لو كان جادًا وذلك بدلاً من أن يمعن في التباكي وبثِّ صراخ الشكوى والاستعطاف.
ولكنه هدف من وراء صراخه إلى تحقيق هدف خبيث فحواه اتهام خصومه من أحباب النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنصاره والمدافعين عنه بأنهم من أعداء الرأي الحر ودعاة إلى مصادرة الكتاب.
وفي الواقع فإن أحدًا من هؤلاء لم يدع إلى مصادرة الكتاب وإنما سعوا إلى منازلة كاتبه الأثيم ومقارعته الرأي بالرأي.
فليكف المؤلف إذن عن التخلق بأخلاق صغار الأطفال في التباكي ورفع العقيرة بالضجيج والزعيق.
إدمان السرقة من التراث الاستشراقي الإسرائيلي
جاء الدكتور يجادلني ويقول إني توهمت أنه نقل شبهاته وترهاته من جمهرة المستشرقين الإسرائيليين.
وعبثًا حاول السارق أن ينفي عن نفسه تهمة السرقة من مستشرقي بني إسرائيل فقال إن: «مقالات السيد محمد وقيع الله نموذج صارخ على ذلك إذ نسبني لعدد من المستشرقين اليهود الذين خطروا بباله».
وواضح ما في عبارة المؤلف من ضعف وهشاشة وهلامية لا تغني عنه من الحق شيئًا ولا ترد عنه تهمتي الموجهة إليه ولا تدحض ثبوتها الأكيد.
فقد أوردت بجانب نصوصه ما يماثل محتوياتها من كتب المستشرقين الإسرائيليين.
ولو أراد المؤلف أن ينفي عنه التهمة فما أمامه سوى أحد سبيلين:
أن يزعم أن المستشرقين من بني إسرائيل قد سرقوا منه.
وهذا محال لأنهم أقدم منه في التاريخ فلا يُعقل أن يأخذ المتقدم عن المتأخر.
أو أن يلجأ إلى منهجيتي تحليل المحتوى والتحليل المقارن، فيفحص النصين: نصه الذي أنشأه اعتمادًا على النص الإسرائيلي، والنص الإسرائيلي الأصلي، فيثبت أنهما غير متشابهين، وأن التشابه الموهوم إنما مجرد خاطر جال ببال محمد وقيع الله فقط.
ولا شك أن المؤلف أعجز عن سلوك هذا السبيل الثاني.
لأنه أصعب من السبيل الأول الذي قلنا إنه محال!.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-07-2014, 08:56 AM   #[15]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي

نقد كتاب (نبؤة محمد التاريخ والصناعة) للدكتور محمد محمود.
(14) د. محمد وقيع الله.


اضطُر الدكتور محمد أحمد محمود إلى أن يسحب شرطه العجيب بأن يقوم نقاده بشجب المادة «126» من القانون الجنائي الإسلامي السوداني قبل أن يرد عليهم. وقام بالرد علي قائلاً: «ولقد هاجمني مؤخراً «كلمة مؤخراً لا أصل لها في اللغة العربية والصحيح أن يقال أخيراً!» السيد محمد وقيع الله، الكاتب الإسلامي الغزير الكتابة، وأشار لإسقاطي لعبارة الصلاة على محمد من اقتباساتي من المصادر الإسلامية وقال إنها جناية، واتهمني بالجنوح النفسي وارتكاب ما لا يقدم عليه عادة حتى المستشرقون «يقصد المستشرقين، فحتى حرفُ غايةٍ وجرٍّ يا عالم اللغة وأستاذها!» الذين ينقلون صيغة الصلاة كما ترد في أي نص يستشهدون به ويغضون الطرف عن مشاعرهم الخاصة التزاماً بمطالب مناهج البحث العلمي وإجراءاته … ولقد اقتبس السيد محمد وقيع الله من مقدمة كتابي هذه العبارة: وفي اقتباسنا للأحاديث والأخبار واتباعاً لقاعدة الاختصار فقد أسقطنا عبارة الصلاة على محمد التي ترد في المصادر كلما ذُكر اسمه وغيرها من العبارات التبجيلية. إلا أن السيد وقيع الله وقع وبكل أسف في مستنقع التدليس فأسقط باقي عبارتي التي تقول: ولقد أشرنا لحذف عبارة الصلاة وغيرها بوضع نقاط الحذف الثلاثة « … » حسب تقاليد الاقتباس الحديثة. وهكذا فالأمر ليس أمر جنوح نفسي وليس أمر ضيق بصلاة المسلمين وتسليمهم المتكرر على نبيهم «وكأن الكاتب قد أصبح عرّافاً يملك القدرة على كشف دواخلي ومشاعري». وإنما هو قرار تحريري يقوم على مبدأ سليم وراسخ هو مبدأ الاقتصاد في الاقتباس، إذ أن غرض الاقتباس هو إعطاء القارئ المعلومة الضرورية لسياق الحديث وإسقاط الزوائد وما لا يضيف لمدلول الكلام مع الالتزام بالإشارة لما تمّ إسقاطه بوضع نقاط الحذف. وإن شاء بعض المستشرقين الاحتفاظ بعبارة الصلاة على محمد فهذا شأنهم، إلا أن هذا لا يقدح في إسقاطي للعبارة من المقتبسات طالما أنني فعلت ذلك وفقاً لقواعد الاقتباس الأكاديمي وإجراءاته «وربما يلاحظ القارئ أنني في اقتباساتي أعلاه قمت بنفس الإجراء». إلا أن ما لم أفعله وما لن أفعله هو أنني لم اجتزئ واقتطع اقتباساً لأدلّس على القارئ وأخدعه، فأنا لا أرى نفسي في حالة حرب تبرر لي الخداع باعتبار أن الحرب خدعة، وإنما في حالة بحث عن الحقيقة تتطلّب أول ما تتطلّب الصدق مع النفس والصدق مع الآخرين». والحقيقة أن المدلس هو الدكتور محمد أحمد محمود، لأن وضع ثلاث نقاط لا يعطي معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما زعم. وإنما يعكس معى الضيق بها. ولولا أن الدكتور ضيق العطن بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، لما حذف عبارة الصلاة عليه، ولم يسمح لها أن تظهر «ولو بالصدفة!» مرة واحدة في قرابة خمسمائة صفحة من كتابه. ولولا جنوحه النفسي لوضع الرمز الطباعي الصغير للصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو رمز يحتوي على العبارة كلها في شكل مصغر، لا يزيد طوله كثيراً على النقاط الثلاث التي وضعها بدلاً منها. ولولا أن للدكتور موقفاً نفسياً مسبقاً ونهائياً ضد صيغة الصلاة والسلام على النبي، صلى الله عليه وسلم، لسمح بظهور هذه الصيغة مراراً قليلة على سبيل التمثيل، والتدليل على أنه ليس صاحب موقف نفسي جانح.ولو لا كره المؤلف المطلق لرسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، لسمح بورود صيغة الصلاة والسلام على نبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم، في نصوص المؤلفين الذين اقتبس أقوالهم. ولكنه جرد هذه المقتطفات من كل صيغ الصلاة والسلام على نبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم. فظهرت دواخله ومشاعره طافية على ظهر تصرفاته. وما بقي أحد بحاجة لكي يصبح عرافاً حتى يملك القدرة على كشف دواخله ومشاعره. فقد أظهر المؤلف دواخله البغيضة المبغضة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبدى شناعة بخله برفضه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وأبخل البخلاء هو من يبخل بالصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ثم أكد المؤلف دخوله في طائفة الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل. وذلك عندما حذف عبارات الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، من نصوص الكتاب الذين صلوا عليه وسلموا تسليماً.
ليست من قبيل الزوائد
والصلاة والسلام على النبي، صلى الله عليه وسلم، ليست من قبيل الزوائد كما ادعى المؤلف. وليست من قبيل العبارات التمجيدية التي يزجيها الناس إلى الزعماء السياسيين حتى إذا انزاحوا عن الحكم أو ماتوا شرعوا في نقدهم وسبهم. وليست الصلاة والسلام على النبي، صلى الله عليه وسلم، من قبيل عبادة الأشخاص (Personality Cult) وإنما هي عبادة خالصة لله عز وجل ينال المرء عليها أجلَّ الثواب. ولذلك يتسارع الأتقياء إلى الجود بها مبادرين كلما جاءت مناسبة وكلما لم تجيء مناسبة. فقد قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا». وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً». رواه مسلم. وقال صاحب تحفة الأحوذي في شرح الحديث: أي أعطاه الله بتلك الصلاة الواحدة عشراً من الرحمة.
وليست من ممارسات القرون الوسطى
وقد رشَح بعض من مخزون سفاهة الدكتور محمد أحمد محمود، عندما ادعى أن المطالبة بإسداء الصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ممارسة من ممارسات القرون الوسطي. وقال في هذا الصدد إن: «الإصرار المتكرر على الصلاة على محمد كلما ذُكر اسمه وإبداء الغضب أو الانزعاج عندما لا يتم الالتزام بذلك هو أحد مظاهر سيادة خطاب الإسلاميين الذين نجحوا في بعث الكثير من ممارسات القرون الوسطى ونشرها وتطبيعها». وفوق السفاهة البادية في هذا القول فإن فيه تأكيداً لموقف المؤلف النفسي المسبق ضد مبدأ إسداء الصلاة والتسليم على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. كما يكشف عن تخبط المؤلف في استخدام المصطلحات الأوروبية استخداماً غير موفق. فليس في تاريخنا الإسلامي قرونا وسطى وإنما أظلت هذه القرون الظلامية الوسطى ديار الغرب الأوروبي وحده. وقد كانت أكثر تلك القرون قرون أنوار وازدهار في تاريخ حضارتنا الإسلامية المجيدة.



التوقيع:
مسك العصا من النصف لا يوصلها إلى رأس الحية
آفة الرأي الهوى
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 01:41 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.