سيرة صديقنا جِلِقر
ناصر البهدير
جِرْوُ عوير النقابة
معارف الحكمة دائماً تصحي فينا على عجالة متسقة ما طمرته الأيام من فاتن الذكريات وحلوها وغضها في خضم عراك الحياة وإن كانت من جنس سلالة الحيوان، قد نجد فيها الراحة والاطمئنان وتباشير الانتماء إلى هذا الكون العامر بجلال عظمة خالقه سبحان الله تعالى وبديع خلقه الوافر على سعة.
في بالي وذاكرتي مواقف عدة لن انساها طالما لا تزال خيول الأنفاس جامحة على ظهر البسيطة بوتيرة واحدة تغسل عضلات الروح ولم يكتب لها شوط ونقطة نهاية الأفول.. زمان ليس مثل هذا نافراً وبارداً.. أزمنة كانت موغلة في الحن والتضامن والشجن وحنايا الروح السمحة بنواح مصنع سكر حلفا الجديدة.. اعتقد لا تزال هى الحياة في كثافتها الناقعة تمضي بالمصنع بذات الايقاع المفعم بفجر الندى وأصوات العصافير على فنن الغصون وغدو ورواح الشغيلة إلى أعمالهم في الصباحات الباكرة والمساءات المعطرة بشذى زهور حقول قصب السكر والباشندي الوريف على أغصان شجيرات الكتر الممدودة على مهل وطائرها المزركش بألوان داكنة في قفز متواصل بين أسافل سوقها دون ملل رغم طول أجنحته الباتعة.
لم يتغير شيئا فيها سواء في باطنها أو حول أركان قوامها مهما تبدلت الظروف سوى تبدل طفيف في المعمار والمعالم والبيئة المحيطة بتفاصيل جسدها اللادن.. فالمواقف متعلقة بالكلاب أكرمكم الله وأسال الله أن يدخل في قلوبكم محبة الناس وعشرتهم ومعروفهم.
على غير العادة أن يلتقط إنسان ما كلبا من فضاء الشارع ويعمل على تربيته في فناء حوش منزله ليحرسه من اللصوص وعاتيات ونوائب الدهر ومكروهات الدنيا العديدة.. ومثل إقتناء الكلاب يتم من خلال الأجيال المتوفرة في الأحياء عادة.. وبطن أناث الكلاب تفرخ ما بين الـ 4 و6 من الجراء الصغيرة وفيها متسع للذين لهم هواية في تربية الكلاب لأي غرض كان، فالسلالة النادرة تفرخ جِرْوُ واحد فقط وفيها حوبة الناس جميعا وحاجتهم ومبتغاهم.
جاء جِلِقر ربما مصادفة على الأرجح يمكن أن نقول عنها.. على وجه الدقة في نهار يوم شتوي غامض ومُترب ومليء بالتعب أوان أوبتنا نهار كل يوم من مدرسة اكاديمية حلفا الجديدة.. وفي ذلك اليوم المشهود، والذي فيه إستطاع جِلِقر أن يجد له صاحباً وعشيرة. هربنا من المدرسة باكراً كعادتنا صوب مدخل السكة الحديد المؤدي إلى المصنع بصحبة الاصدقاء عمر عبد القادر مختار ابوقصيصة ومعتز الطيب حسن الشيخ وخالد حسن طويل وعبد الخالق محجوب العمدة وجمال محمد ناصر وشخصي إن لم تخن الذاكرة ويغشاها غبار الحياة والوهن.
وفي منتصف المسافة أو ثلثها تقريباً وتحديداً على مقربة من سور دار نقابة المعلمين بحلفا الجديدة المكتنز بنبات العوير وعند مدخل حى التجار قريباً من نادي الشبيبة الجديد وقتها على الأرجح ظهر كلب صغير وضعيف في بنيته لا يقوى على المشي وهو في ملامح كلاب الخلاء، فما كان من عبد الخالق إلا وأن يختطفه ويحمله على صدره وكأنه ابن صلبه حتى استنكرنا كلنا في موقف واحد، كيف يفعل ذلك؟ وما الذي يريده من هذا الخلوي الضال والصغير الهزيل والممتليء بالقذارة؟
فمنطقة سور دار المعلمين تكتظ بالكلاب الضالة والتي تتخذ من نباتات العوير المنتشرة على طول السور الكبير موطناً هادئاً لها حيث لا يعكر صفوها أحد في ظل انشغال النقابيون وقتها بالفضاء الديمقراطي الذي أمخر في عبابه الجميع عقب سقوط حكومة ثورة مايو بكل نشوة وحبور.
بينما عبد الخالق - ونحن في طريقنا للعودة إلى بلدتنا- حامل الجِرْوُ تقاطعنا في طريقنا بطالبات بزيهن البني عائدات من مدرسة محمد عيد المتوسطة بنات إلى بيوتهن.. وفجاءة ابتدع عمر ابوقصيصة حيلة ماكرة كعهده للتخلص من اليتيم حيث كانت فرصة نادرة وهبتها له اللحظة العابرة فاغتنمها، وقال بصوته المميز: "تشتروا كلب؟".. وقتها كانت تلك العبارة رائجة كنوع من الهذر (التريقة)، فالمهم جاء رد البنات مغالياً في الجلافة والنفور وبصوت واحد متفق عليه: "نسوي بيهو شنو كمان".
ومضينا كلنا في سبيل حالنا لم نكترث لذلك كثيراً حتى وصلنا مدخل السكة الحديد الملاصق لحى الاشغال من الناحية الشرقية الجنوبية، وقضينا من الوقت كثيراً حتى وجدنا عربة أقلتنا إلى المصنع.. وطيلة وقتنا المهدر في الانتظار حاولنا أن نقنع الأخ عبد الخالق بالعدول عن فكرة إستصحاب الكلب إلى البيت.. وخاب الرجاء وماتت الفكرة في مهدها وتوسلنا لتوه لما عُرف به من قوة في الاعتداد برأيه وقراره حتى وجد جِلِقر حيزاً كبيراً في قلب كل ساكني الدار في زمن وجيز وصار صديق كل أهل الحى.