منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-01-2018, 08:57 PM   #[1]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي إبراهيم عبود و17 نوفمبر بقلم : د.محمود قلندر ، وإضافات اخري

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر

في الجيش والسياسة «الحلقة الاولي»

رغم المواثيق المغلظة ، يلج الجيش من سم الخياط السياسي
للجيش في السودان قدمان .. عسكرية وأخرى سياسية ..
بقلم : محمود قلندر
تمهيد
لو قلنا أن لجيش السودان قدمان أحدهما عسكرية .. والأخرى سياسية فلا يخالف ذلك القول الحقيقة كثيرا ً.. فلا يمكن لسوداني أن ينكر موقع الجيش السوداني من السياسة ..
فرغم كل ما قيل وما يقال عن مهنية القوات المسلحة ، وما قيل ويقال عن "عسكرية" العسكريين وبعدهم عن عقد السياسة والساسة ، فإن جيش السودان - منذ يومه الأول - أثبت في مستنقع السياسة قدمه .
والذين يظنون أن عبود هو الذي قاد الجيش إلى وحل السياسة (إن كانت السياسة وحلاً) . أو أولئك الذين يظنون أن عبدالله خليل هو الذي عمّد المؤسسة العسكرية السودانية على محراب السياسة . كلهم مخطئون .
فالجيش والسياسة في السودان كانا وما زالا متلازمين حتى من قبل عبدالله خليل ومن قبل عبود .
فليس جديداً أن ضباط السودان - في جيوش السودان الأولى بل وحتى في غير جيش السودان - تعاطوا السياسة وغاصوا حتى أخمصهم في أحداث سياسية دارت قريباً وبعيداً من السودان، بل ولعلهم كانوا وقود بعض الأحداث وزيت التهاب بعضها الآخر..
فقليلون هم الذين يردون الأحداث التي عرفها السودان من بعد سقوط الدولة المهدية إلى ساحة العسكرية السودانية ، رغم أن الذين انبروا في تحد عجيب للصلف البريطاني المنتشي بنصرهـ للتو- في كرري إنما كانوا من جند السودان . المنتمين لجيش دولة السودان المهدية - التي انتكست راياتها للتو. فرغم غياب شمس الدولة،لم يكن أمام جند الدولة إلا البقاء على عهدهم للدولة . فأعاد من تبقى منهم الصفوف . وقاوموا حتى بعد مصرع رمز الدولة الأخير في ام د بيكرات .
وقليلون يعتبرون معارك الحلاوين ومجاهدات شيخ ود البصير عبدالقادر ود حبوبة ، معارك بعض قيادات جيش المهدية . رغم أنها كانت قيادات عسكرية رأت في البقاء على العهد وفاء للمسئولية العسكرية الصرفة .
وقليلون أيضاً من يرون ثورات جبال النوبة وعلى رأسها ثورة المك عدلان ، بعين المقاومة العسكرية السودانية ، رغم أنها كانت بالحق انتفاضات عسكرية سودانية لجنود سودانيين تراجعوا نحو الغرب بعيداً من ميدان القتال على ضفاف النيل مجرجرين معهم الذات الجريحة والكبرياء المسفوحة على أطراف خور شمبات وحلة العجيجة .
واقل من كل هؤلاء من يرى في انتفاضات الجنوب الطويلة المثيرة ضد الإدارة البريطانية ، والتي امتدت وقائعها مكاناً لتستوعب الجنوب كله باختلاف القبائل دينكا وشلك ونوير وما بينهم . ثم امتدت زماناً من عصر ميجور إيستيقاند وانتهاء بفيرجيسون . ثورات عسكريين على جبروت مستعمر أجنبي . رغم أن كلها كانت انتفاضات عسكريين هبوا زوداً عن مؤسساتهم الاجتماعية الراسخة في وجه غريب قاصد تحطيم مؤسسات التماسك الاجتماعي المحلية .
وحدهـ على عبداللطيف ، ومعه عبدالفضيل الماظ وما بين هؤلاء من جمعيات سرية وعلنية في سنوات التكوين الأولى للقومية السودانية الذي يراهـ الكثيرون باعتبارهـ ثورة عسكرية مدنية . وما ينبغي إثباته هنا أن علياً وعبدالفضيل لم يكونا وحدهما ، فقد كان معهما صف آخر من أصحاب النياشين والشارات والعلامات . بعضهم تخفي وراء أسماء وبعضهم اختار العلن ، ولكنهم جميعاً بقوا العلامة الدالة على ديمومة الجند في ساحة السياسة .
ثم أن القضية السياسية الأعقد في تاريخ السودان . قضية الجنوب . إنما كان زنادها،ثم وقودها هم جند السودان . انقسموا على أنفسهم ، ذلك صحيح . ولكنهم على الطرفين كانوا الفاعل والمفعول به ، فخطوا بذلك وقائع الأحداث الأخطر في تاريخ السودان السياسي .
كل الوقائع والأحداث الكبرى في مجرى التاريخ السوداني تشير دوماً إلى أن السياسة في السودان لم تسر يوما على قدم واحدة بل كانت وما زالت تسير . على قدمين .
واحدة مدنية وأخرى عسكرية .
فبلادنا منذ أن كانت ، كان للعسكريين فيها أي شأن . بل وحتى قبل ميلادها الحديث كان العسكريون - والعسكرية ليست وقفاً على أزياء اليوم الكاكية المبرقعة - هم المركز والقلب في أحداث السياسة الوطنية .
يصدق ذلك من زمان تهارقا وبعانخي الذين سادا عصريهما بجيش لجب وقادة مارسوا معهم السياسة وفن إدارة البلاد المحررة . ولقد كانت الدولة السودانية الأقدم - دولة كوش - دولة قوام السياسة والحكم والإدارة فيها هم الجند والعسكر، حتى أن نظام الدولة في نبتة جرى تعريفه بالنظام العسكري .
ويصدق ذلك في عهود سلاطين الفونج حيث ارتقى الجيش عندهم إلى مصاف الاحتراف والمهنية . وأصبح اساسأً لثبات الملك أو ذهابه . وكان جنود "اللولو" هم عصب الحكم ومصدر السيادة السلطانية المطلقة ، كما كانوا الجباة والحماة .
ثم يصدق ذلك في زمان سلاطين الفور حيث أقرت الدولة الفوراوية بموقع الجيش السياسي والاجتماعي على حد سواء . حتى أنها أقامت الجيوش غير النظامية لتعضيد سلطة الدولة وهيأت للجند مكانة اجتماعية واقتصادية رفيعة .
ويصدق ذلك في زمان التشتت الوطني ، حين صار طريق الأفراد للسطوة والسيطرة يمر عبر الثكنات العسكرية ، كما كان الحال مع الزبير رحمة وجيشه البازنقر الذي هيأ له أن يكون "باشا" وأن يستقل بمناطق نفوذ سياسية واقتصادية في الجنوب والغرب على حد سواء .
ويصدق ذلك في زمان المهدية التي كان جندها المميزون في ساحات القتال هم إداريو أقاليمها وحكام مقاطعاتها . بل وكانوا سفراء ومبعوثين دبلوماسيين .
العسكرية السودانية دائمة الحضور في ساحة السياسة . و كل دعوة لاستبعاد العسكريين عن قلب الفعل السياسي تبوء بالخيبة .
وحتى نعتبر ، دعونا نسترجع حالة أولى - ما بعد أكتوبر 1964م . يوم تنادى الساسة المحترفون بوجوب إعلاء شأن المهنية العسكرية في الجيش ، وقيام "جيش محترف" مهمته الدفاع عن الوطن ضد الأخطار الخارجية . فضاعت صيحات ذلك التنادي وسط هدير الدبابات صباح 25 مايو 1969م .
ثم دعونا نسترجع- حالة ثانية - أحداث ما بعد 1985م يوم أقام الساسة المحترفون المواثيق المغلظة بأن لا يلج الجيش ساحة السياسة إلا إذا ولج الجمل من سم الخياط . فجاء صباح الثلاثين من يونيو 1989م ، ليكتشف الساسة أن الجمل قد ولج فعلاً من سم الخياط .
البحث أو الدراسة في أمر الجيش والسياسة إذن ليس بدعة ولا هو مدعاة تعجب ودهشة . بل الأوفق أن يكون غياب البحث في هذا الأمر هو مدعاة الدهشة والتعجب .
وهذهـ الحلقات هي محاولة لدراسة تلك الحالة . حالة ولوج الجمل العسكري من سم الخياط السياسي لأول مرة . وذلك سعياً لتثبيت الحقائق وسرد الوقائع . واستلهام العبر واجترار الدروس .
فها نحن اليوم على أعتاب مرحلة تنبئ بأنها بكل مقياس . جديدة
وطالما كنا على أبواب الجديد ، فليس أوفق وأكثر عقلاً من أن ننكفئ على القديم .
نتحسس ما فات .
لنتحسب لما هو آت .
وليكن أول سبيلنا إلى ذلك هو التمعن والتفكر في وقائع حالة الولوج الأول .
عبود و17 نوفمبر
كل أحداث بلادنا المفتاحية ومنذ أقدم العصور زنادها ووقودها عسكريون
عبود
....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 04:50 PM. سبب آخر: تعديل ترتيب الحلقات
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 08:55 AM   #[2]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة الثانية
الأمير الاي بين الساسة والسادة .

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
عبدالله خليل لسليد بيكر: أعطيت أوامري للجيش بعمل انقلاب
بقلم د. محمود قلندر
كان عبدالله بيه خليل ، رئيس وزراء الحكومة الإئتلافية الثالثة منذ الاستقلال ، يجلس - صباح يوم من بدايات نوفمبر عام 1958م - إلى مكتبه المطل على النيل على مسافة قريبة من القصر الجمهوري (مبنى المراجع العام) مثقل النفس بالهم ، والعين بالنعاس .
وكان يبدو عليه الإعياء من ليلة البارحة الطويلة التي امتد فيها اللقاء التفاكري مع بعض أركان حزبه : المحجوب ومأمون حسين شريف ، والأمير نقد الله . وكان أمر الإئتلاف المهتز ومصيرهـ هما عظمة ذلك الاجتماع . وقد استقر رأي الملتقين ليلتها في وجوب الاتصال بالسيد مبارك زروق ، في محاولة لإنقاذ سفينة الإئتلاف المترنحة (والتي كان أركانها مع حزب الأمة هما حزب الشعب الديمقراطي وحزب الأحرار الجنوبي) بضم حزب الوطني الاتحادي إليها .
ولم يكن ذلك الأمر سهلاً بالطبع ، فالاتحادي هو الند والخصم ، والأزهري هو المنافس ، وما بين أقطاب الحزبين بعضٌ من عطر منشم .
لهذا فقد بدأ البيه الأميرالاي صباحها بادئ الإعياء وهو يتأهب لقاء السير شابمان أندروز ، السفير البريطاني بالخرطوم والذي كان قد طلب اللقاء بإلحاح . فحين وصل السير أندروز إلى المكتب حياهـ البيه بكلمات ترحيب مقتضبة ثم قادهـ مسرعاً إلى حيث اعتاد اللقاء بكبار زوارهـ . ثم جلس ينتظر السفير ليبدأ الحديث .
جاء السفير بما يشغل باله وبال وزارة الخارجية البريطانية ، في الوقت الذي كان فيه عبدالله خليل يستعجل انتهاء اللقاء لأن هم الحكومة المترنحة أثقل عليه من التحدث إلى أهم سفير في ذلك الوقت ، وذلك لما لبريطانيا من بقايا نفوذ ووصاية علي البلاد .
واعتماداً على ذلك النفوذ فإن سير أندروز لم يتردد في التعبير عن قلق بلادهـ ووزارة الخارجية البريطانية على الأوضاع الداخلية في السودان . وقد جرت كلمات السفير البريطاني على نحو قريب من التالي : -
"إنني قلق جداً ، وحكومة بلادي أيضاً قلقة ، من الأوضاع الداخلية هنا (الخرطوم). وفي اعتقادي أن الحكومة الحالية لن تتمكن من الاستمرار بأي حال من الأحوال وعلي عبدالرحمن فيها ، وإنني أود أن أبدي قلقي على أية محاولة لحزبكم للحكم منفرداً بالتعاون مع مجموعة الجنوب"
ثم اعتدل سير أندروز في جلسته قبل أن يبدي موضع قلقه الأهم ، والذي طلب من أجله اللقاء العاجل ، و قال :
"الأمر الثاني هو موضوع قيام الجيش بانقلاب في الوقت الذي يتمتع فيه الجيش بثقة جميع الأوساط السياسية . و لايمكن لأحد أن يتوقع نتائج مثل هذهـ الخطوة بالإضافة إلى أن أي تصرف غير دستوري سيخلق مصاعب جمة"
سكت السفير برهة متأملاً وقع كلماته على البيه الذي بدا شارد الذهن . ثم سأل .
"ما رأي السيد رئيس الوزراء في ذلك؟"
كان قلق السفير البريطاني والحكومة البريطانية مردهما هو ذلك التردي المريع في الأوضاع السياسية ي البلاد ، وما أصبحت ترددهـ المنتديات السياسية والاجتماعية في المدينة عن قرب وقوع انقلاب عسكري . وكان تساؤل السفير أندروز فيما يبدو محاولة لقراءة أفكار عبدالله خليل . حول الأمر .
اتكأ عبدالله خليل إلى الوراء قليلاً محاولاً ترتيب أفكارهـ المشتتة ، ومن ثم رد علي السفير بانجليزية طليقة .
"لقد أصبح من الصعب التعاون مع حزب الشعب الديمقراطي (الشريك في الإئتلاف) وأرجو أن تؤكد لحكومتك أن الفشل والأخطاء التي ارتكبتها حكومتي ليست أخطائي.."
وحين طلب منه السفير توضيحاً ، قال البيه :
"إنها أخطاء السيدين فاتفقاهما أرغمني على الاحتفاظ بعلي عبدالرحمن"
ثم أردف .
"أعترف معك بأن من الخطورة بمكان الاعتماد على دعم الجنوب وحدهـ في الحكم ، إلا أنني أرى من المهم كسبهم في المرحلة المقبلة"
وهنا أسر عبدالله خليل للسفير البريطاني :
"لقد بعثت بالأمس وفداً يضم محجوب ونقد الله ومأمون شريف ليبحثوا مع مبارك زروق شروط انضمام الوطني الاتحادي للحكومة"
ولما كانت تلك معلومات جديدة ، فإن سير أندروز استفسر إن كانت تلك اتجاهاً جديداً في سياسة حزب الأمة ، فأجاب البيه بالإيجاب .
ثم استطرد يشكو من تصرفات الأزهري وتصريحاته في مصر والتي شن فيها هجوماً شديداً على حكومة الخليل وأعلن فيها "عن نية حزبه إبرام ميثاق دفاعي مع مصر"
ثم سأل خليل السفير أندروز عن رأيه في مثل زعيم سياسي يصرح بنيته عقد ميثاق دفاعي مع مصر، فتعمد السفير التهرب من الإجابة على السؤال المباشر . بالرد غير المباشر عن تصريح الأزهري بقبوله شروط التفاوض مع الأمة لقيام حكومة إئتلاف.
واستغل البيه الحديث عن مصر . ليذكر السفير بموقف عبدالناصر فقال : -
"لقد تسلمت رسالة من جمال عبدالناصر عبر سفيرهـ في أديس ابابا ، كما تسلم السيد عبدالرحمن المهدي رسالة مماثلة يعلن فيهما عبدالناصر عن استعدادهـ للقائي لإزالة أية خلافات (مسألة حلايب) . إلا أنني لا أثق فيه . إذ أن هدفه إضعاف حزب الأمة وتشكيل حكومة موالية لمصر . "
ثم تطلع إلى السفير ملياً واستطرد .
"إن مثل تلك الحكومة يمكن أن تطلب التدخل العسكري المصري في حالة الأزمات السياسية"...
كان واضحاً ان البيه والسفير يحاولان سبر غور بعضهما البعض . السفير جاء يحاول الحصول على رد شاف حول الانقلاب الذي تطايرت به الشائعات من كل حدب وصوب . والبيه وهو يتحاشى الحديث المباشر ويلمح إلى مآلات البلاد إذا ما سيطر المصريون عليها عبر الحزب الوطني الاتحادي..
كان عبدالله خليل يحاول أن يرسم للسفيرالبريطاني صورة لمآلات السودان لو قدر للحزب الوطني أن يقود الحكومة ، وأن يحقق الأزهري ما صرح به في مصر من عزم على توقيع ميثاق دفاع مع مصر . وكأنه بالمواربة يبيع فكرة الانقلاب حتى للبريطانيين .
لم تكن مسببات مجيء سير أندروز لملاقاة عبدالله خليل وليد خيال جامح ، فقد تواترت عدة معلومات حول الانقلاب المحتمل صبت في مواعين المخابرات البريطانية والأمريكية في الخرطوم . وكانت مصادر هذهـ المعلومات متنوعة . منها الصحافة اليومية ، وبعض الصحفيين القريبين من السفارتين البريطانية والأمريكية ، وبعض السياسين المقربين للسفارتين أيضاً ، بل وبعض السفارات (غير البريطانية والأمريكية) القريبة من بعض الشخصيات السياسية النافذة .
ورغم أن أخبار الصحف السودانية المنقولة من قبل مكاتب المخارات في الخرطوم كانت متواترة إلا أن هناك مصدادر أخرى كالسفارات ذات الصلة . كالسفارة الإثيوبية في الخرطوم .
فقد نقلت المخارات البريطانية في واحد من تقاريرها أن السفير الإثيوبي ملس عندوم نقل للسفير البريطاني قوله أن الإمبراطور هيلاسلاسي التقي في أواخر أكتوبر بعبدالله خليل في أديس ابابا ، وظل على مدى ساعات يحذر خليل من مغبة التورط في انقلاب عسكري .
وجاء في تقرير السفارة البريطانية : إن الإمبراطور ذكر لخليل أنه لايريد ديكتاتورية عسكرية شبيهة بعبدالناصر على حدودهـ . وقال السفير الإثيوبي إن خليل بدأ متفهماً لقلق الإمبراطور يومها"
على صعيد آخر كان هناك تقرير آخر من مكتب المخابرات البريطانية في الخرطوم يقول أن الصحفي البريطاني سليد بيكر من صحيفة الصنداي تايم كان قد أبلغ السفير البريطاني أن عبدالله خليل أخبرهـ بأنه أصدر أوامرهـ إلى الجيش السوداني للقيام بانقلاب عسكري قبل شهرين ، إذ كان يري أن ذلك الإجراء هو البديل الوحيد للمناورة المصرية والتي كانت ستؤدي إلى فقدان السودان لاستقلاله .
ويشير ذلك التقرير إلى أن السفير البريطاني رجى مندوب الصنداي تايم يومها بعدم نشر ذلك الخبر، وقد استجابت الصندي تايم والصحفي لرجائه .
بالرغم من أن السفير أندروز لم يخرج من ذلك الاجتماع بما يشفي الغليل من خليل ، إلا أنه لم يتوانى في الالتقاء برصيفه الأمريكي الذي كان مهتما بمجريات الأحداث في السودان لما كانت تحتويه من عنصر مصري في الأحداث . وقد جرى لقاء تقييم بين السفيرين لأحداث السودان يمكن تلخيصه بالقول أنه رأى أن الحل للأزمة هو ائتلاف عريض يضم الأحزاب الرئيسية الثلاث مع الجنوبيين .
ولخص اللقاء الموقف في حزب الأمة بأنه رهن صحة الإمام عبدالرحمن المهدي التي كانت تتدهور باستمرار . وقد رأي الاجتماع أن وفاة المهدي ستعود بالخسران على عبدالله خليل إذ أن صعود نجم السيد الصديق كإمام لا يصب في مصلحة الأميرآلاي الذي لم تكن العلاقة بينه وبين الصديق على ما يرام .
وفيما يتعلق بالإنقلاب العسكري فقد رأى اجتماع السفيرين أنه ممكن فقط بموافقة عبدالله خليل ودعوته .
وما يلفت النظر في لقاء التقييم بين السفيرين البريطاني والأمريكي أنهما لم يتطرقا إلى الخطر المصري" الذي بدأ عبدالله خليل مشغولاً به جداً .
كما أن السفيرين لم يعتبرا تصريحات الأزهري حول ميثاق دفاعي مع مصر، ومناداته برفض المعونة الأمريكية والبريطانية ، إلا جزء من ميكافيلية الأزهري أكثر منها مؤامرة لتنحية حزب الأمة وفرض الوصاية المصرية .
ومن ثم فإن بانارويا الأميرآلاي لم تكن موضع اهتمام السفيرين الأخطر في الخرطوم .
بل كان همهما فهم موقف الأميرآلاي ، ذي التاريخ العسكري الطويل ، من مماحكات الساسة والسياسة . وقراءة ما يمكن أن يكون عليه رد فعله إذا ما ضيقوا عليه الخناق .
فما هي وقائع ذلك الحال السياسي الذي ضاق به - على البيه الخليل - الخناق .؟
نواصل في الحلقة التالية
....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 04:56 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 09:31 AM   #[3]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

17 نوفمبر وعبود - الحلقة الثالثة

بقلم : د.محمود قلندر
لايمكن الوقوف علي الاسباب الحقيقية لبارانويا الاميرآلاي عبدالله خليل ، دون قراءة الواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي في تلك الفترة من خمسينات القرن الماضي .
فعلي الصعيد الداخلي :
كانت الحكومة التي ترأسها عبدالله خليل قد جاءت الي الحكم في مارس 1958م بعد انتخابات برلمانية فشل فيها اي من الاحزاب في الحصول علي اغلبية تمكنه من الحكم المنفرد . ولذلك فقد وجد الحزبان الامة والشعب الديمقراطي انفسهما مجبرين علي الائتلاف - مرة اخري - في حكومة واهنة ما يفرقهما فيها اكثر مما يجمعهما .
فالحزبان في الاساس هما قطبا السياسة المتنافرين إذ دعامة كل منهما الطائفتان المتنافستان ! الانصار والختمية .
* والحزبان متضادان ’’تأريخيا‘‘ في مواقفهما السياسية الداخلية والخارجية علي حد سواء ، واحد وقف مع مصر ودعا لوحدة وادي النيل ، والآخر وقف بعيداً عن مصر - قريباً من بريطانيا - فدعا للإستقلال التام .
* وراعياً الحزبين تنافسا في كسب الاتباع ورضي المريدين وتنازعا النفوذ علي امتداد البلاد .
اما قطبي الحزبين السياسيين ؟ الشيخ علي عبدالرحمن وعبدالله خليل ، فقد غاب عن علاقاتهما الشخصية الاستلطاف حتي ان الخليل اقر بانه صعب عليه التعامل مع (شيخ علي) .
اما علي الصعيد الخارجي :
فإن نهايات الحرب الكونية الثانية وبداية الحرب الباردة التي تمثلت في التمحور القطبي بين العملاقين الامريكي والسوفيتي كانت هي التي تلقي بظلالها علي علاقات الحزبين ايضا .
* فعلي الحدود الشمالية كان عبدالناصر يشكل الصوت الاقوي لحركات التحرر الوطني ، وكان صوته يغض مضاجع البريطانيين والامريكيين علي حد سواء .
* وفي الوقت الذي تسابق القطبان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لكسب ود الدول والحكومات المستقلة حديثا ، كان مثل ذلك السباق يوسع الشقة بين القوي السياسية في البلد الواحد . وقد اخذ السباق علي كسب الدول والحكومات اشكالا مختلفة ، كان ابرزها واشهرها المشاريع والمنظمات التالية :
1- مشروع ايزنهاور . الذي اشتهر باسم المعونة الامريكية ، وهو مشروع شقه الاقتصادي دعم البلدان الحديثة الاستقلال ، وشقه السياسي إبعادها عن النفوذ السوفيتي .
2- مجموعة الكمونولث وهو تجمع ترعاهـ بريطانيا ، ويضم مستعمراتها السابقة ، وهو تجمع قصد - من بين ما قصد - إبقاء علاقات الاعتماد بين بريطانيا والاقطار التي كانت تستعمرها ، كما قصد إبعاد النفوذ الشيوعي من تلك الدول .
3- ثم حلف بغداد ، وهو حلف عسكري ارادت له الولايات المتحدة ان يكون الحلقة الثالثة ؟ من بعد حلفي الناتو (شمال الاطلنطي) والسياتو(جنوب شرق اسيا) - في حلقات تضييق الخناق علي الاتحاد السوفيتي . وكان المفروض في ذلك الحلف ان يضم معظم دول الشرق الاوسط ، ومن اهمها تركيا وايران والعراق .
ولقد ادي هذا الصراع المحوري بين الشرق والغرب الي بروز محاور شبيهة داخل دول العالم الثالث ، إذ اخذت القوي السياسية الوطنية في التمحور حول قضايا صراعات القطبين ، وصارت تصوغ سياساتها ومواقفها وفق هذا المتغير الخارجي ، فرفعت بعض القوي شعار مناهضة الامبريالية والاستعمار ، بينما رفعت القوي الاخري شعارات معاداة الشيوعية ومعاداة محاولات التغلغل الشيوعي ؟ من قبل الاتحاد السوفيتي وسط شباب بلدان تلك الدول .
بناء علي هذين البعدين . الداخلي والخارجي ، فإنه يمكننا الآن تلخيص ابعاد التضاد في العلاقة بين حزبي الحكومة المؤتلفين تحت رئاسة عبدالله خليل في الابعاد الثلاثة التالية :
المحور الاول :
محور العلاقات التاريخية بين الحزبين ، فالحزبان قاما منذ تكوينهما علي التعارض في المواقف والافكار والاهداف الكلية ، اذ يستند كلاهما علي قاعدة العصبية الدينية بما يستتبع ذلك من تنافس في الولاء ، وحزازات واحتكاكات تلقي ظلالا سياسية وتجعل مكسب احدهما خسارة الاخر .
المحور الثاني :
محور السياسات الخارجية للحزبين ، اذ تبني كل منهما موقفا حاد التعارض مع الاخر ، ففي الوقت الذي اقترب فيه حزب الشعب من مصر ، كان حزب الامة اقرب ما يكون الي بريطانيا ، وفي الوقت الذي رحب حزب الامة بالمعونة الامريكية ومشروع ايزنهاور ، بشقيه الاقتصادي والعسكري ، كان حزب الشعب الديمقراطي يعارض بقوة المعونة الامريكية ومجتراتها الاخري .
المحور الثالث :
محور العلاقات الثنائية العملية بين الحزبين ، والذي تمثل في التنافس المستمربين الشريكين واتصال الكيد السياسي بينهما حتي وهما حليفان في الحكم ، حتي لم يعد خافيا ان كلا منهما يعمل علي استبعاد الاخر عن الحكم ، وان حجم الكيد السياسي والتآمر الحزبي فيما بينهما فاق حجم التنافس بينهما وبين الحزب الثالث الكبير ، الوطني الاتحادي .
برانويا عبدالله خليل التي عبر عنها من خلال حديثه مع السفير البريطاني - كما رأينا في الحلقة الماضية - هي اذن بارانويا متعددة الابعاد . يمكن تلخيصها فيما يلي :
البعد الاول :
الازهري ومناوراته . فقد رأينا كيف تحدث الاميرآلاي بمرارة مع السير شابمان اندروز عن تصرفات الازهري في القاهرة ومناداته بحلف مع مصر ودعواته فيها لإسقاط الخليل ، والواقع ان الاميرآلاي كان يري في الازهري وانتقاداته المريرة لحكومته مؤشرا لوجود دعم مصري لمواقف الازهري ربما تجاوز مجرد الاقوال الي الافعال ، فقد كانت رحلة الازهري الاخيرة في نوفمبر عام 1958م ، والتي شملت بغداد ثم القاهرة ، هي الرحلة القاصمة لشك الخليل في نوايا الازهري ، اذ جاءت فيها تصريحات الازهري عن استعدادهـ لتوقيع ميثاق دفاع مع مصر ، كما شملت هجوما ظنه الاميرآلاي منظما ضد الحكومة ، ورئيسها علي وجه الخصوص .
البعد الثاني :
لبرانويا الخليل كان هو الشيخ علي عبدالرحمن ، رئيس الحزب الحليف ووزير الداخلية فيها ، والذي رأي فيه الاميرآلاي حليفا خصما ، لايمكن الاطمئنان اليه ، فقد كان الشيخ علي وحزبه شوكة في جانب الحكومة التي هم اعضاء فيها ، اذ عارض المعونة التي استطيبها حزب الامة ، ورفض المطارات الامريكية التي رحب بها الامة الشريك ، كما ان الشيخ علي كان يؤرق مضجع الخليل بتقاربه المستمر مع الوطني الاتحادي ، ففي الوقت الذي توجه فيه الازهري من بغداد الي القاهرة ، طار الشيخ علي عبدالرحمن من الخرطوم الي القاهرة ، بينما عبدالله خليل في اديس ابابا ، وقد راي عبدالله خليل في رحلة وزير خارجيته - غير المتفق عليها - جانبا من مؤمرات الوطني الاتحادي التي يقودها الازهري ضدهـ ، كما رآها جزء من خيانة الشيخ علي الشريك ، بل رآها موآمرة مصرية لتوحيد الحزبين وكسر شوكة الامة .
البعد الثالث :
كان السيد الصديق هو البعد الثالث لبرانويا الاميرآلاي ، اذ لم تكن العلاقة بين الخليل والسيد الصديق طيبة دوماً ، فعبدالله خليل جاء الي حزب الامة بجهد السيد عبدالرحمن الذي اراد جمع بعض المثقفين من حوله ، وكان السيد الصديق ، والذي بدأ في تولي امور الحزب بعد تدهور صحة والدهـ ، كثير الاعتداد بنفسه ورأيه ، وعلي عكس والدهـ - قليل الاعتماد علي الاميرآلاي سكرتير الحزب ، حتي ان السيد الصديق كان في اخريات ايام الحكومة الائتلافية يجري اتصالاته مع الحزب الوطني الاتحادي بغرض تشكيل تحالف جديد ، بعيدا عن عبدالله خليل سكرتير الحزب ، كما ان السيد الصديق لم يتحمس كثيرا لإصرار عبدالله خليل علي رئاسته للوزارة في كل ائتلاف .
البعد الرابع :
كان البعد الرابع لبرانويا الاميرألاي هو جمال عبدالناصر فلم يكن عبدالله خليل من الذين يحبون التعامل مع عبدالناصر ، اذ رأيناهـ يصف علاقته بعبدالناصر للسفير البريطاني بالقول بانه لايثق به البته ، ومن ثم فقد اعتبر عبدالله خليل محاولات عبدالناصر للاقتراب منه ومن السيد عبدالرحمن المهدي ، والتي حملتها رسائل من عبدالناصر للإثنين ، جزء من المناورة التي تسبق المؤامرة ، وفي تقديرنا ان موقف عبدالله خليل من عبدالناصر له بعدان سياسي وشخصي .
فعلي الصعيد السياسي ، يمكن اعتبار موقف اللاثقة امتداد لمواقف حزب الامة التاريخية من مصر والتي تمتد ذيولها الي الحركة والثورة والدولة المهدية . فقد كان قهر مصر الخديوية للسودانيين واحدا من اقوي اسباب التفات عامة الناس حول المهدي وحركته ، كما كانت مصر الدولة جزء من آلة القهر التي نزلت بالموت علي رجال المهدية في كرري وما بعدها .
* اما علي الصعيد الشخصي فان موقف الاميرآلاي عبدالله خليل ، وهو احد ثوار 1924م - ربما كان انعكاسا لمشاعر اختزنها الاميرآلاي منذ سنوات الثورة السودانية الاولي ، وهي مشاعر الخذلان من تقاعس المصريين عن مساندة ثوار 1924م اثناء معركة مستشفي النهر ، وخذلانهم لهم برفض المواجهة مع القوات البريطانية التي حاصرت الثوار وحصدتهم ، بينما وقفت القوات المصرية وهي تتفرج علي المجزرة .
هل يمكن القول بان موقف عبدالله خليل السياسي الذي قادهـ الي اعطاء الاوامر للجيش بالانقلاب عليه هي مجرد برانويا سياسية لا يسندها سند او دليل ؟
هل كان عبدالله خليل ميكافيليا قرر ان يهدم المعبد عليه وعلي اعدائه ، حينما ابصر ان رئاسة الوزارة كانت علي وشك ان تنزلق من بين يديه ؟
ام هل كانت هناك بالفعل شواهد وعلامات تدلل علي ان المصريين كانوا يتحركون في اتجاهـ صنع الاحداث في السودان ؟
قد يكون مفيدا ان نقرأ ترجمة لفقرة من تقرير المخابرات البريطانية رقم 99 (1019) بتاريخ 25 نوفمبر 1958م ، وهو تقرير تقييمي لإنقلاب 17 نوفمبر 1958م .
يقول : التقرير معلقا علي مخاوف عبدالله خليل من مؤامرات مصر .
’’إن هذهـ المخاوف التي ابداها عبدالله خليل من قيام حكومة موالية لمصر في السودان ، لايبدو انها محض خيال ، وكان من الممكن ان يكون نهج الاحداث كما يلي : ان يجتمع البرلمان يوم 17 نوفمبر 1958م وبعد فشل جهودهـ في تسوية الخلافات مع الحزب الوطني الاتحادي يبادر عبدالله خليل بطلب طرح الثقة في حكومته بدعم من الشعب الديمقراطي والجنوبيين (..) وبعدها فجأة سيهزم عبدالله خليل في البرلمان حول مسألة الدعم الامريكي والبريطاني ونعطي الثقة لعلي عبدالرحمن وبتأييد من اكثرية الحزب الوطني والشعب الديمقراطي وباعداد كبيرة من الجنوبيين وبعض المنشقين من حزب الامة ، وبعد هزيمة عبدالله ستحدث هناك احداث عنف وتظاهرات من قبل الانصار ، ويصبح هناك موقف يحتم تدخل الجيش ، وفي نفس الوقت سيبادر السيد علي عبدالرحمن بطلب مساعدة القاهرة بإعتبارهـ رئيسا للوزراء . وبناء علي ذلك سيتصرف ناصر كما تحركنا نحن والامريكيين من قبل في ظروف مشابهة استجابة لنداء لبنان والاردن .
هل كان تحليل المخابرات البريطانية البعيد للإنقلاب مستنداً علي دلائل موثقة عن احتمال التدخل المصري في السودان ؟
ام هل كانت محاولة لبيع الجنرالات الجدد في الخرطوم للحكومة البريطانية ؟
وهل كانت السفارة البريطانية في الخرطوم علي علم تام بتفاصيل ما كان يجري في مباني رئاسة اركان الجيش السوداني في تلك الايام الاخيرة من شهر اكتوبر وبدايات نوفمبر 1958م ؟ .
نقلا عن جريدة الصحافة
.....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 06:02 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 10:26 AM   #[4]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة الرابعة

حول «الزعــيم العسگـري»
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
هو من خريجي المدرسة الحربية ومؤسسي جمعية الإتحاد السوداني

د. محمود قلندر
كانت ليالي الخرطوم الانتخابية في سنوات الديمقراطية الأولى 1954م - 1958م ، تتميز بحضور مهم للشعراء والشعر في الليالي السياسية . وكان مشهداً مألوفاً أن يقف شعراء - شعبيون في الغالب الأعم - مشهود لهم بطلاقة اللسان وحسن البيان ، في الليالي السياسية لينالوا من الخصوم الحزبيين بشعر شعبي هو أشبه ما يكون بالشعر الحلمنتيشي الذي راج في حقبة السبعينات .
وكان من أبرز شعراء الليالي السياسية ، شاعر شعبي ارتبط بالحزب الوطني الاتحادي هو حسن طه الذي لقِّب «بشاعر الجماهير» . والذي عرف بقوة تصويرهـ لعيوب خصوم الحزب الوطني الاتحادي ، وتجميله لمرشحي حزبه . وكان للشاعر حسن طه هذا قصيدة مشهورة أيامها في ذم عبدالله خليل ومدح الأزهري . كانت كلماتها تقول :
قل للزعيم العسكري
وبطانة المستعمر
بطل القضية جاءكم
يا ويلكم من أزهري

وبالرغم أن القصيدة رمت إلى ذم واقع أن عبدالله خليل كعسكري يلبس لبوس السياسي ، إلا أنها عبرت بالصدق عن جوهر الأميرلاي عبدالله خليل بيه . فالرجل كان بالقطع «عسكرياً» بتاريخه الطويل ، كما كان عسكرياً في انضباطه وسلوكه ، وكان عسكرياً في أنفته وشخصيته الكاريزمية ، بل وكان عسكرياً حتى في عنادهـ و- بالدارجية - «قوة رأسه».
ولم نجد عنواناً أقرب إلى مضمون هذهـ الحلقة من استعمال عبارة شاعر الحزب الديمقراطي في وصف الأميرالاي «بالزعيم العسكري» ، لأن هذهـ الخصائص التي أشرنا إليها كانت تقف - في تقديرنا - وراء تلك التحولات المفصلية التي عاشها السودان من بعد نوفمبر 1958م ، ومن ثم فإن محاولة البحث في أسباب دعوة عبدالله خليل للجيش لاستلام السلطة ربما تكون بدايتها الصحيحة هي بالنظر إلى شخصية عبدالله خليل وتاريخه العسكريين ، ثم النظر إلى الواقع العسكري السائد وقتها ، والربط بين البيئة التي جاء منها الخليل ، وتلك التي عاد إليها بعد سنوات كوزير دفاع .
ولا نجد بداية أنسب لذلك من النظر إلى العلاقة بين الداعي والمدعو- عبدالله خليل الداعي والجيش المدعو .
والواقع أن صلة عبدالله خليل بالجيش هي صلة «عضوية» إن جاز لنا استعمال التعبير لوصف العلاقات الإنسانية - المؤسسية. فالخليل أميرلاي (عميد) سابق خدم في الجيش من أدنى رتبه وتدرج سلم العسكرية حتى تلك الرتبة التي وصلها قليل من الضباط وقتها .
وعبدالله خليل من أفراد الدفعة الثامنة للمدرسة الحربية في طورها الأول - وليس طور إنشائها الثاني - (والذي يعتبر رفاق عبود من خريجيه)، وكغيرهـ من شباب ذلك الزمان ، فإن طريق عبدالله خليل إلى المدرسة مر عبر كلية غردون التي تخرج منها مهندساً ثم التحق بعدها بالكلية الحربية طالباً حربياً بدفعتها الثامنة التي أنهت تدريبها وتخرجت عام 1910م ..
وبذلك فإن عبدالله خليل يسبق الفريق أحمد محمد - أول قائد عام سوداني - بسبعة أعوام وبأكثر من إثنتى عشرة دفعة.. فقد تخرج أحمد محمد في العام 1917م ضمن الدفعة الحادية والعشرين ..
بينما يسبق الخليل الفريق إبراهيم عبود بثمانية أعوام ، فعبود تخرج من الكلية الحربية في العام 1918م ، ضمن أفراد الدفعة الرابعة والعشرين .
ومن ثم فإن العسكريين الثلاثة : عبدالله بيه خليل ، وأحمد باشا محمد ، وإبراهيم باشا عبود من جيل المدرسة الحربية ، قبيل إغلاقها عقب أحداث 1924م (الألقاب الثلاثة ألقاب رسمية اكتسبها الثلاثة بحكم رتبهم العسكرية ، وقد ظلت ألقاباً رسمية حتى الغاها المجلس العسكري برئاسة الفريق إبراهيم عبود بعد انقلاب 17 نوفمبر 1958م بقليل).
.. ولكن عبدالله خليل هو أكبرهم سناً وأقدمهم تسلسلاً في «أقدمية الجيش» ، إلا أنه ترك الجيش في فترة مبكرة ، بينما بقي أحمد محمد وعبود ليتبوأ كل منهما - في فترتين متتاليتين - منصب القائد العام .
ومهم جداً أن نشرح مسألة الأقدمية العسكرية وأهميتها هنا لأنها ذات تأثير بليغ في منعطفات مهمة من تطور نظام عبود ، منذ تكوين المجلس ، وحتى لحظاته الأخيرة في أكتوبر 1964م ، فالمعلوم أن الجيوش تحتفظ بسجل العسكريين - ضباطاً وجنوداً - متسلسلاً حسب تاريخ الالتحاق ثم تواريخ الترقي من رتبة إلى أخرى . ومن ثم فإن ذلك التسلسل الراتب ذو تأثير مهم في تحديد مواقع وحجم المسؤولية لكل ضابط . ولهذا فإن الضباط يحفظون جيداً موقع كل زميل من الدفعة ويولون للأقدمية أهمية كبيرة . إذ يحدد موقع الضابط في السجل ، قيادته لعدد من زملائه من ذات دفعته حتى ولو كان أصغرهم سناً . وأقدمية الضباط في الجيش تظل محل احترام وتقدير حتى وإن ترك الضابط الخدمة العسكربة ، إذ يحفظ له زملاؤهـ مكانته حتى وإن تجاوزوهـ رتبة ومسؤولية . ولعل أقرب الأمثلة للأذهان علاقة الرئيس البشير اليوم بالرئيس جعفر نميري . فرغم أنهما يحتلان ذات الرتبة والموقع إلا أن البشير يحفظ لنميري موقعه كقائد عام سابق كان البشير تحت قيادته .
الأمير لاي والسياسة
لم يكن عبدالله خليل في سنوات حياته العسكرية (عسكرياً صرفاً) ، رغم أنه كان ملزماً بذلك بحكم الولاء والقسم وبحكم القانون الملزم بالبعد عن السياسة والتحزب ..
وفي إطار ذلك الإلتزام فإن عبدالله خليل الضابط ، شارك - على مستوى العمليات العسكرية - في معركة المضائق بتركيا خلال الحرب العالمية الأولى ، وكان من ضمن المشاركين في عمليات استعادة دارفور من السلطان على دينار عام 1916م .
أما على مستوى الانتماء والشعور الوطني ، فإن عبدالله خليل الضابط لم يتوان في لعب دور وطني سياسي حتى وهو في الخدمة العسكرية ، مثله مثل عدد من الضباط في تلك الفترة .
فقد كان الأمير لاي أحد المؤسسين لجمعية الاتحاد السرية ، مع عبيد حاج الأمين وسليمان كشة وتوفيق صالح جبريل وغيرهم من أقطابها .. وكان عبدالله هو مسؤول الجمعية عن الشؤون المالية ..
وكان أكثر من عشرين ضابطاً - منهم حامد صالح المك وعلي عبداللطيف وإبراهيم عبود - أعضاء فاعلين في جمعية الاتحاد السوداني .. وقد وصل العدد الكلي للضباط الأعضاء في جمعية الاتحاد السوداني أكثر من عشرين ضابطاً حسب رواية أحد المصادر .
وكان عبدالله خليل عنصراً نشطاً من عناصر ثورة 1924م ، إذ كان بيته موقعاً من مواقع إعداد المنشورات السرية التي اتخذتها الجمعية وسيلة للتعبير عن الرأي المناهض وقتها . وقد احتفظ عبد الله خليل بمعدات النشر السري الخاصة بالجمعية في منزله حتى سنوات متأخرة .
ثم أن الخليل كان أحد الضباط المدافعين عن الضباط ثوار 1924م عند محاكمتهم أمام المحاكم العسكرية .
أما دخول الخليل ساحة السياسة ، فقد كانت وراءها رغبة السيد عبدالرحمن المهدي في ضم عدد من الشخصيات الوطنية المتميزة إلى صفوف حزب الأمة الوليد وقتها ، وقد دعا السيد عبدالرحمن الأمير لاي للإنضمام لصفوف الحزب بعد أن جمعت بينهما رياضة البولو وحصينها مع اللواء حامد صالح المك الذي لعب دوراً كبيراً في إقناع صديقه عبدالله خليل بالنزول عند رغبة المهدي .
وقد انتخب عبدالله خليل زعيماً للجمعية التشريعية في العام 1948م ، ثم أصبح وزيراً للزراعة قبل أن يكوِّن أول حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة والشعب الديموقراطي .
العسكرى الزعيم وزيراً للدفاع
لا بد أن مبررات تولي عبدالله خليل لوزارة الدفاع في حكومة السيدين، شملت - ضمن ما شملت من مبررات- صلته السابقة والثابتة بالجيش والعسكريين . ولا بد أن تلك المبررات قامت على أن الأمير لاي أدرى بشؤون الجيش - أسلحة وتنظيماً وتدريباً- دون غيرهـ من أعضاء الحكومة . وبالتالي فإنه الأصلح لتولي منصب وزير الدفاع .
كما أن تلك المبررات لا بد أنها استلهمت علاقات الزمالة المهنية التي ربطت عبدالله خليل بقيادة الجيش الجديدة - إبراهيم عبود وأحمد عبدالوهاب وغيرهم . فعبود كان من زملاء عبدالله خليل في جمعية الاتحاد السوداني ، كما أنهما خدما في ذات القوة التي عرفت فيما بعد بقوة دفاع السودان .
وعبدالله خليل في سنواته العسكرية ، كان (سينير) عبود ومن قبله أحمد محمد ، وغيرهما من ضباط رئاسة الأركان الذين كانوا بالخدمة وقتها . وقد صار عدد من ضباط الرئاسة الذين أصبح يلتقى بهم الأمير لاي وزير الدفاع ، صاروا فيما بعد أعضاء مجلس (ثورة 17 نوفمبر) .
من هؤلاء أحمد عبدالوهاب ، وطلعت فريد ، وأحمد عبدالله حامد ، وحسن بشير نصر، وأحمد رضا فريد ، وجميعهم أبناء دفعة واحدة هي الدفعة الأولى للكلية الحربية في دورتها الثانية بعد إغلاقها في أعقاب ثورة 1924م ، وقد تخرج جميعهم العام 1938م برتبة الملازم ثاني . ومنهم محي الدين أحمد عبدالله ، أحمد مجذوب البحاري ومحمد نصر عثمان ، والخواض محمد أحمد ، ومحمد أحمد التجاني ، وكان هؤلاء من دفعة 1939م .
أما البقية ، فمنهم عبدالرحيم شنان ، ومحمد أحمد عروة وعوض عبدالرحمن صغير ، وحسين على كرار وهؤلاء من دفعة 1941م .
وبذلك يمكن القول بأن رئاسة الأركان وقيادة الحاميات كانت تضم جيلاً من العسكريين موحد المزاج إلى حد كبير . وهو جيل ناضج سياسياً ، فقد كان له دور بارز في المعارك التي شاركت فيها قوة دفاع السودان في الحرب العالمية الثانية ، فترك ذلك الجيل ذكرى حسنة حيثما قاتل ، في شمال إفريقيا في طبرق وبرقة بليبيا ، وفي شرقها في أغوردات وتسني بإريتريا . حتى ارتقى ذلك الجيل في قلوب الناس منزلة ومكانة ، فتغنى به وبعطائه المغنون والشعراء في أغنيات وطنية رسخت وبقيت حتى اليوم .
وكان لذلك الجيل من الضباط دورهـ المقدَّر والمشهود في وضع البلاد على أعتاب الإستقلال وذلك بما كانت عليه وعود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية التي وثَّقت للشعوب التي كانت تحت استعمارها -والتي حاربت معها - عزمها على منحها الإستقلال بعد النصر في الحرب . ومن ثم فإن حساب تضحيات ذلك الجيل إنما يتم بحساب دورهـ في تحقيق الاستقلال بالتضحية والاستبسال خلال معارك الحرب الكونية الثانية .
كان هذا هو جيل العسكريين الذي تعامل معه عبدالله خليل وزير الدفاع في آخر حكومات ما قبل نوفمبر..
وكان جيل العسكريين ذلك جيلاً قريباً من عبدالله خليل في التكوين والتفكير، وهو بحكم السن والأقدمية ، يكن له المكانة والتقدير .
فعبدالله خليل إذن بحق الزمالة العسكرية هو موضع تقدير واحترام ، منبعهما وأساسهما تلك الخلفية التاريخية لعلاقة الزمالة والرفقة العسكرية - وموقع الأقدمية المتقدم - التي ربطت الخليل بأقطاب رئاسة الأركان يومها .
وعبد الله بحق الموقع الجديد - وزيراً للدفاع - هو موضع الرئيس المباشر لقادة الجيش ، ومن ثم موقع القرار الأخير في فعاليات العمل العسكري ذي الصلة بالجهاز الحكومي التنفيذي .
الأمير لاي في رحاب الجيش
كان هناك الكثير الذي جمع عبدالله خليل إلى رئاسة أركان الجيش . وإلى ضباط الرئاسة ، بل وقادة الحاميات .
فهناك سنوات العمل العسكري الطويلة التي تزامل فيها عبدالله خليل مع بعض الذين وجدهم على رأس الجيش .
وهناك المزاج العسكري المتشابه الذي جمع الخليل مع القادة العسكريين ، وهو مزاج قرَّب بينه وبين هؤلاء القادة وجعله يجد في رحاب رئاسة الأركان جواً مفعماً بالإلفة والطمأنينة .
وهناك الإنضباط الصارم والتعامل الشفيف بين المستويات القيادية المختلفة بما يحفظ المكانة ويعلى شأن الموقع ويحقق ثبات القرار .
كان عبدالله خليل يعيش في الجيش حين يأتيه وزيراً للدفاع سمو العلاقة بين الزملاء ، ووضوح خطوط التعامل بين المستويات كافة ، وجدية التناول للمسؤوليات والواجبات . كل ذلك محاطاً بسلوك إنساني شفيف ، وتعامل متأدب رقيق يحفظ المسافات ويعلى المقام ويقدر الموقع .
بينما كان عبدالله خليل يعيش في سوق السياسة - حين يخرج إليه من رئاسة الجيش - حالة من الشقاق والتآمر، وجواً من التفرق والتناحر، ويجد نفسه - الأمير لاي البيه - تناوشه الألسنة من كل جانب وترشقه الأقلام من كل اتجاهـ . لا تعتبر موقعه ولا مكانته ولا مسؤوليته .
تلك حالة التناقض التي كان يعيشها الأمير لاي . بين الجيش المنضبط والبرلمان المنفلت .
ولابد أن ذلك التناقض البين بين واقع الساسة والسياسيين وواقع الجيش والعسكريين قد حرَّك في نفس الأمير لاي كثيراً من الحيرة والتساؤل المقارن . بين مؤسسات السياسة الناهشة لبعضها البعض ، وبين الجيش المتماسك المشدود لبعضه البعض .
ولا بد أنه تساءل . من أولى بحكم السودان؟
....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 06:09 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 10:55 AM   #[5]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة الخامسة

حـول «الزعـيم العسـگـري»
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
قوة دفاع السودان في قلب السياسة

د. محمود قلندر
نود في هذهـ الحلقة أن نستجلي حقيقة المقولة التي ظل يرددها بعض السياسيين والأكاديميين عن أن الجيش في السودان ظل مهنياً صرفاً منذ تكوينه المنفرد عام 1925م باسم قوة دفاع السودان Defense Force Sudan والتي اشتهرت بالمختصر الانجليزي (إس دي إف)، وحتى نوفمبر 1958م . ونود أن نستوثق من حقيقة أن جيل الضباط الأوائل الذين انخرطوا في سلك الجندية بعد أحداث 1924م ، حرصوا على الابتعاد التام عن الصراعات السياسية التي أخذت في التصاعد منذ الثلاثينيات في البلاد ، وأنهم نأوا بأنفسهم عن معارك السياسة في ذلك الوقت.
ويأتي حرصنا على التثبت من هذهـ المقولة في إطار الفرضية التي طرحناها في الحلقة التمهيدية التي قلنا فيها أن الجيش والسياسة في السودان كانا أكثر التصاقاً مما يظن الكثيرين . فقد أوضحت الوقائع التاريخية أن الجنود السودانيين لم يتوانوا عن الانتفاض في وجه الظلم السياسي أو العسكري بدءاً بعام 1900م ، أي بعد عامين من نهاية الثورة المهدية بانتفاضة الأرطتين 11 و14 بأمدرمان ، واتصالاً بحركات وانتفاضات امتدت إلى ملكال في سبتمبر 1924م ، و تلودي في نوفمبر ، ثم الخرطوم في نوفمبر أيضاً من عام 1924م .
هدلستون يخطط لعزل العسكريين من الحركة السياسية
بيد أن قوة دفاع السودان التي تكونت تحت إمرة الجنرال هدلستون منذ عام 1925م سعت إلى إبعاد ضباطها عن تأثيرات التيارات السياسية التي سادت وقتها . فلجأ هدلستون إلى سياسات التفريغ والإحلال وذلك بالتخلص المتدرج من كل الجنود والضباط الذين كانوا على صلة بأحداث 1924م ، كما جرى التقليل من سياسة الاعتماد على ترقية ضباط صف إلى رتب الضباط واعتماد سياسة جديدة يتم بموجبها اختيار الضباط على أسس موضوعية أهمها المستوى التعليمي . ولذلك ثم فقد بدأ منذ ذلك الوقت استيعاب خريجي كلية غردون من مختلف التخصصات كطلبة حربيين .
ثم اتبعت سياسة تدريبية عسكرية صارمة لإفراغ الطلبة المستوعبين من "الروح المدنية" وإكسابهم روحاً عسكريةً صارمة وذلك من خلال العزل التام عن الحياة المدنية والتدريب العسكري الكثيف ، ثم من خلال خطة محكمة لتوزيع الطلبة الحربيين على الوحدات العسكرية البعيدة عن العاصمة والمراكز الكبيرة لعامين ونصف . وتنتهي تلك الخطة بإعادة الطلاب الحربيين للمدرسة الحربية بأمدرمان لينالوا المستويات الأعلى من التأهيل العسكري الإداري والقانوني لستة أشهر، يتم في نهايتها ترقيتهم لرتب الملازم ثاني وتوزيعهم على الوحدات.
وكانت سياسة استيعاب الطلبة الحربيين من خريجي كلية غردون سياسة اقتضتها ظروف الحاجة لقوات مقاتلة تشارك في المعارك المنتظرة في أطراف إفريقيا الشمالية والشرقية .
أما سياسة (تفريغ الطلاب من الروح المدنية) فقد كان هدفها هو ضمان عدم تكرار أحداث 1924م ثورة والتي قدر البريطانيون أنها نتجت عن أمرين أولهما اختلاط الضباط بالمدنيين في العاصمة وخضوعهم للتيارات السياسية التي سادت وقتها ، والثاني هو ضعف الانضباط العسكري نتاجاً لظروف التواجد خارج المعسكرات والعيش المتلاصق مع المدنيين .
ولذلك فقد اتجه الجنرال هدلستون إلى سياسة استيعاب طلبة كلية غردون بكفاءات مختلفة ، وإرسالهم وعلى الفور إلى الوحدات العسكرية خارج الخرطوم لعامين ونصف يتم خلالها تدريبهم تدريباً عسكرياً صارماً يعودوا بعدها إلى المدرسة الحربية برتبة الجاويشية ويبقوا فيها نصف عام قبل تخرجهم برتبة الملازم ثاني .
يمكننا القول إذن أن الضباط الذين كتب لهم أن يقودوا حركة 17 نوفمبر 1958م ، كانوا من هذا الجيل من الضباط .
فقد كانوا جميعهم . وبلا استثناء من خريجي كلية غردون . وإن اختلفت دفعاتهم وتخصصاتهم .
وكلهم عايشوا التطورات والأحداث التي مر بها بالسودان منذ 1924م ، بدءاً بالثورة وتطوراتها ، ثم بما تلاحق من بعد ذلك من تطورات سياسية اتصلت بنمو الوعي السياسي وبداية الحركة السياسية مع ميلاد الفجر والحضارة ومولد الجمعيات الأدبية ، ثم التطورات التي صاحبت اندلاع الحرب العالمية ووجود السودانيين أنفسهم في نصفها . ثم ما صاحب ذلك من تطورات على ساحات الحياة السياسية أدت إلى ميلاد المهدية الجديدة وصعود نجمي ونفوذ الزعيمين الميرغني والمهدي ، وانتهت بقيام مؤتمر الخريجين وتبلور الأحزاب السياسية وانبثاقها من صراعات الخريجين وتنافس الطائفتين المهدية والختمية .
لم يكن ممكناً للضباط إذن أن يكونوا بعيدين عن هذهـ الأحداث والتطورات ، ولم يكن في مقدورهم أن يكونوا بمعزل عن التأثر بها والتفاعل معها وهم جزء من الصفوة المستنيرة في ذلك الوقت. بل يمكننا أن نقرر هنا أن تلك الأحداث كانت بالقطع ذات أثر بالغ في صياغة شخصيات أولئك الضباط وفي بلورة اتجاهاتهم الفكرية وفي تحديد قناعاتهم وتصرفاتهم في المقبل من السنوات.
واعتماداً على ذلك يمكن القول أن الجيش لم يجد بداً من الالتصاق بالسياسة طوال سنوات التكوين الأولى ، شاء أو لم يشأ ، وهناك من القرائن على ذلك الالتصاق ما يمكن أن نحددها على النحو التالي :
القرينة الأولى : -
الضباط والحرب ومستقبل السودان
حينما سألت صحيفة القوات المسلحة في بداية الثمانينات الفريق أحمد محمد - أول قائد عام للجيش - أن يستعرض ذكريات سودنة منصب القائد العام ، أسهب الفريق في الحديث عن دور الضباط في الاستقلال ، فقد قال أنهم كضباطٍ وطنيين في تلك السنوات ، تعاهدوا فيما بينهم على أن يبلوا في الحرب بلاء حسناً ليس خدمة لأهداف انتصار الإمبراطورية البريطانية ، بل لغرض أكثر أهمية ونبلاً .
قال الفريق أحمد محمد ، إن بريطانيا كانت قد أعلنت في ذلك الوقت وعلى لسان قادتها السياسيين انها ستعمل على تطبيق مبادئ ميثاق الأطلنطي (Atlantic Charter) الموقع بين ونستون شيرشل وفرانكلين روزفلت ، وهو الميثاق الذي تضمن من بين بنودهـ التعهد بأن تكافئ جبهة الحلفاء البلدان التي يحارب رجالها إلى صف الإمبراطورية بمنح تلك الدول حق تقرير المصير . وقد أصبح وعد منح الاستقلال هو الوعد الذي قاتل في ظله جنودنا وضباطنا بشرف ومسؤولية على امتداد ساحات المعارك من شمال إفريقيا إلى شرقها .
ويذكر الفريق أحمد محمد - عليه رحمة الله - إن حجج الحركة السياسية السودانية ممثلة في مؤتمر الخريجين - في مطالبتها بالاستقلال استندت - من بين ما استندت إليه - على بلاء ضباط السودان وجنودهـ في الحرب ، وعلى الوعد المقطوع لمن يبلي جنودهـ ويشاركوا في الحرب .
القرينة الثانية :
الضباط وضغوط سودنة منصب القائد العام
في السنوات القليلة السابقة على الاستقلال ، كانت ساحة الحركة السياسية تعج بالأحداث التي كانت توشك على تشكيل فجر الحرية في السودان . وفي تلك الأيام نفسها كانت رئاسة أركان الجيش السوداني تشهد كبار الضباط السودانيين وهم في حالة من التحاور القلق فيما بينهم . فقد طارت في تلك الأيام أنباء خطط السودنة وخطواتها المنتظرة على طريق الحرية . فقد كان شائعاً يومها أن الجنرال سكونز- القائد العام البريطاني الأخير- يرى أن منصب القائد العام ينبغي أن يكون آخر المناصب التي تجري تسليمها للسودانيين ، وكان من بين ما اقترحه الجنرال سكونز أيضاً أن لا تتم سودنة قيادت الحاميات الجنوبية إلا بالتدريج وعلى مراحل تتجاوز اليوم المعين للاستقلال .
وكان مصدر انزعاج الضباط الوطنيين وقلقهم هو انعقاد النية لو تمت الموافقة على رؤية الجنرال سكونز- على منح السودان استقلالاً ناقص السيادة ، فيه يكون الجيش الذي ينبغي عليه أن يحرس الاستقلال ويحميه ، تحت إمرة من يمثل رمز المستعمر .
ومن ثم فقد شكل الضباط يومها جماعة - أو جمعية أو مجموعة ، أخذت تولي أمر سودنة منصب القائد العام همها . وكان من بين أعضاء تلك اللجنة إبراهيم عبود وعبداللطيف الضو وأحمد عبدالوهاب ، وجميعهم من أعلى الرتب الوطنية يومها . وقد قامت تلك اللجنة بانتداب إبراهيم عبود للتحدث أمام لجنة السودنة وطرح رؤية كبار الضباط الوطنيين . فتولى عبود التحدث باسم الضباط وتقديم حججهم بوجوب سودنة منصب القائد العام قبل أن يتم إعلان الاستقلال باعتبار أن استقلالاً يحميه جيش يقودهـ المستعمر ليس استقلالاً كاملا .
القرينة الثالثة : -
الضباط والضغوط على الأزهري لإعلان الاستقلال
الدليل الرابع أساسه واقعتان لم تحظيا بكثير من الإضاءة في أي وقت . ولعلها وقائع لم يرد لها أطرافها أن تكون معلومة للجميع في ذلك الوقت ، فالطرف العسكري في تلك الوقائع ربما سعى إلى إبقاء تلك الأحداث طي الكتمان بحكم انتمائه العسكري وانضباطه ومن ثم رغبته في إبعاد شبهات التدخل في السياسة عن أنفسهم . أما بالنسبة للطرف السياسي فربما كان السبب هو أن الأطراف السياسية سعت إلى إبعاد شبهة التأثر بالضغوط العسكرية عن نفسها .
مهما يكن من أمر مسببات غياب تلك الأحداث عن معرفة شعبنا بها ، نرى من المهم هنا أن نروي تفاصيلها كما وجدناها في بعض المصادر مروية على لسان بعض حضورها ، (الفضل ، 1984م) . ففي الواقعة الأولى وحسبما ذكر عبدالرزاق الفضل ، فإن الرئيس إسماعيل الأزهري التقى عام 1954م بثلاثة من ضباط الجيش في تلك الفترة التي حفلت بانقسام السودانيين والتهاب المشاعر بين الاستقلال أو الاتحاد مع مصر، وأنه استمع إلى ثلاثة من ضباط الجيش هم القائمقام عبدالله الأمير إسماعيل ، والبكباشي محمد أحمد عروة والصاغ عمر الحاج موسى ، وتناقش معهم طويلاً في مآل السودان في تلك الفترة ، وقد أكد الضباط للأزهري أنهم لا يرغبون في التدخل العسكري ، ولكنهم يرون استقلال البلاد أساساً لا بد من الالتزام به .
أما الواقعة الثانية فهي تلك التى ذكرها الأميرلاي محي الدين أحمد عبدالله - العضو اللاحق بمجلس عبود العسكري - عن اجتماعه مع سبعة من الضباط بمنزل البكباشي حسين على كرار، وإعلانهم عزمهم على فرض الاستقلال بالقوة إن لم يقم البرلمان بذلك ، وقد ذكر محي الدين أنهم أخطروا الأزهري بعزمهم ذلك ، دون أن يشير إلى رد فعل الأزهري .
ولا يمكننا بالطبع الجزم بالسبب الحقيقي وراء عدول الأزهري المفاجئ ونكوصه عن بلاتفورم حزبه الذي فاز بموجبه في الانتخابات ، وهو الوحدة مع مصر . ولكننا استناداً على منطق الأشياء يمكننا أن نقول أنه مهما كانت أسباب الأزهري وحساباته ، فلابد أن رأي الضباط الذين عهد بهم حماية الوطن وفي يدهم السلاح كان موضع التقدير والتفكير حينما اتخذ ذلك القرار الصعب .
و لابد أن الأزهري وغيرهـ من الساسة أدركوا يومها أن الجيش ليس بعيداً عن السياسة حتى وإن ادعوا ذلك .
....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 06:43 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 11:12 AM   #[6]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة السادسة

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة قبل أن يتسلمها عبود بعام
كبيدة ومحمد عيسى ومحمود حسيب خططوا للاستيلاء على السلطة
د. محمود قلندر
صراعات القادة السياسيين دفعت العسكريين لولوج ساحة السياسية بعد الاستقلال
تنظيم الضباط الأحرار الوليد خطط للتغيير السياسي في يونيو1957م
ليس صحيحاً أن عبدالله خليل هو الذي أطلق المارد العسكري من قمقمه يوم دعا القائد العام لاستلام السلطة . فقد كانت هناك بدايات سابقة وأحداث دالة على أن المارد كان قد انطلق من قبل ذلك بأكثر من عام .
في الحلقة الماضية تابعنا تفاصيل الضلوع العسكري الأول في مواطن السياسة ، من قبل كبار الضباط ، بيد أننا في هذهـ الحلقة نتابع بتفصيل بدايات الانغماس الفعلي للجيش والضباط -صغارهم على الأخص - في العمل السياسي وبداية تكوينهم لتنظيم عسكري سري هدف إلى الاستيلاء على السلطة من المدنيين ، كما نتابع وقائع أول محاولة للانقلاب العسكري لم يتم تنفيذها لاكتشاف مخططها من قبل السلطات .
تنظيم الضباط الأحرار: البداية والأهداف
لا نريد أن نعيد هنا ما سبق أن ذكرهـ آخرون في عدد من الكتب والمقالات عن تفاصيل تكوين الضباط الأحرار، ولكنا نعيد سرد بعض المعلومات ذات الأهمية في سياق سرد وقائع الضلوع الأول للجيش-السابق على عبود - في محاولة الاستيلاء على السلطة. ونورد تلك التفاصيل في نقاط على النحو التالي:
بداية تكوين تنظيم الضباط الأحرار كانت عام 1952م ، عقب نجاح الثورة المصرية بقليل، وكان رواد تكوين التنطيم هم: الصاغ عبدالرحمن كبيدة ، الصاغ محمود حسيب والصاغ محمد عيسى ، وكان الغرض والأهداف سياسية بحتة تهدف إلى تغيير الواقع وفرض نظام سياسي يستبدل الصراع السياسي الدائر وقتها.
ليس صعباً الاستدلال على وجود التأثر وربما التأثير المصري في تكوين وأهداف التنظيم . إذ كان هناك تنسيق- وإن كان خفياً - بين التنظيم وبين عدة جهات سياسية وعسكرية المصرية ، وكانت لذلك التنسيق أوجه مختلفة منها ، المساعدة في التنظيم والعمل السياسي ، والالتقاء بالقيادات المصرية (عبدالناصر- صلاح سالم) ، وتأمين قادة التنظيم في حالات اكتشافه ، والمساعد المادية من قبل الجيش المصري للجيش السوداني .
بعض كبار القادة أشتركوا في التنظيم في بداياته ، وكان من بين هؤلاء عبداللطيف الضو ، أحمد أبوبكر، أحمد عبدالوهاب وحسن بشير نصر . وبالرغم من أن قادة التنظيم كانوا مترددين في التعامل مع كبارالقادة ، فقد قبلوا ببعضهم لاعتبارات قوة الشخصية والمكانة . إلا أن التنظيم قرر لاحقاً إبعادهم تخوفاً من إمكان وقوف هؤلاء القادة مع القيادت العليا ضد صغار الضباط .
بدأت الصحف السودانية منذ عام 1954م في الإشارة إلى وجود تنظيم عسكري شبيه بذلك الذي قاد ثورة مصر، وكان بعضها يلمح إلى دور محتمل للتنظيم في الحياة السياسية . وقد ربطت بعض الصحف بينه وبين الحركتين الاستقلالية وحركة الوحدة . وقد نفى وزير الدفاع وقتها ?خلف الله خالد - تلك المعلومات وقال إنه ليس هناك أية عمل سياسي في الجيش .
كانت هناك شخصيتان عسكريتان يركز عليهما تنظيم الضباط الأحرار لقيادة السودان وهما الأميرآلاي عبداللطيف الضو والأميرآلاي أحمد عبدالوهاب . وقد أدى ذلك إلى بروز صراع خفي بين الضابطين امتدت آثارهـ حتى استيلاء عبود على السلطة .
أو ل عمل سياسي للتنظيم كان هو المطالبة بمشاركة العسكريين في الدفاع عن مصر في أعقاب حرب قناة السويس في عام 1956م . وقد طالب التنظيم في مذكرة وقعها عدد من الضباط المنتمين له - رفعت للقيادة - بوجوب قيام الجيش السوداني بواجبه تجاهـ الشقيقة مصر، وطالبوا بإرسال قوات سودانية لتحارب جنباً إلى جنب مع الجيش المصري .
حاول التنظيم أيضاً فرض وجودهـ من خلال دعوته لاختيار قيادة نادي الضباط - على النسق المصري - بالانتخاب وليس بالتعيين كما هو الحال ، ولم ينجح التنظيم في مبتغاهـ ذلك . وفي تقديرنا أن التنظيم قدم بذلك دليلاً آخر على صلته الوثيقة بمصر.
عمد التنظيم إلى اتباع أسلوب المنشورات والاتصالات الفردية للتجنيد وللإقناع ، وقد استمر في توزيع المنشورات ، وإرسالها إلى الضباط في الوحدات الخارجية خلال أعوام 56/55/54 و1957م . وتمكن بحلول عام 1957م من تجنيد عشرات من صغار الضباط ، بحيث صارت لقيادته القدرة على تحريك كوادرهـ داخل العاصمة وخارجها . ومن ثم فقد بدأت حركة اتصالات بغرض التحرك .
تحرك يونيو 1957م الذي لم يتم :
تشير كل الدلائل إلى أن تنظيم الضباط الأحرار قرر التحرك والاستيلاء على السلطة في مايو 1957م . وكان العقل المدبر لذلك هو الصاغ عبدالرحمن كبيدة ، وقد قام كبيدة بتجنيد عدد من ضباط الصف لصالح التحرك ، كما قام بتجنيد عدد من الطلاب الحربيين من الكلية الحربية .
لم يكن محمود حسيب ، ثاني أهم شخص في التنظيم في العاصمة حين بدأ الصاغ كبيدة تحركه ، إذ كان قد أبعد من العاصمة لشك في تحركاته واتصالاته . ومن ثم فقد وقع العبء على كبيدة وحدهـ .
وكانت أسباب التحرك ، أسباب سياسية بحتة ، ذكر منها الصاغ كبيدة قبول الحكومة للمعونة الأمريكية ، ومحاولات السفير الأمريكي شراء النواب في البرلمان لصالح المعونة ، وفشل الحكومة في بيع قطن السودان الذي كان مصدر الثروة الوطنية الأساسي .
وقد تضمنت الخطة اعتقال كبار القادة خلال حفل اجتماعي صوري واحتلال مباني رئاسة الوزراء ، ورئاسة الجيش والإذاعة وسلاح الذخيرة ، واعتقال رئيس الوزراء.
وتشير الوقائع إلى أن التنظيم لم ينفذ خطة الاستيلاء وإن كان قد وضع تفاصيلها وحدد "ساعة صفرها" ، فقد اتضح إن عدداً كبيرا من أعضاء التنظيم كانوا خارج العاصمة بينما كان على الصاغ كبيدة الاعتماد على الطلاب الحربيين وضباط الصف في كل مراحل التنفيذ .
تسربت أنباء المخطط إلى مسامع القيادة العسكرية التي قامت باستدعاء الصاغ كبيدة وحذرته ، من التمادي . ومع استمرار تصاعد شائعات الانقلاب وانتقالها إلى الصحافة أضطرت قيادة الجيش إلى التحرك . وقام اللواء إبراهيم عبود في يونيو عام 1957م بإصدار بيان عام أعلن فيه اعتقال الصاغ كبيدة وعدد من ضباط الصف للتحقيق معهم حول التخطيط المزعوم .
التحقيق والمحاكمة والعقوبات
جرت عمليات التحقيق ومن ثم المحاكمة لعدد من الضباط وضباط الصف الذين اثبتت التحقيقات صلتهم بالتحرك وكان من بين الذي حوكموا طلاباً حربيين عادوا بعد سنوات طويلة ليكونوا جزء من الحركة السياسية ، كما كان من بينهم ضباط عادوا بعد سنوات طويلة في السبعينات ليجدوا لهم دوراً ومكانة .
والواقع إن محاكمة الصاغ كبيدة كانت محاكمة لتنظيم الضباط الأحرار، فبالرغم من أن عدداً كبيراً من أعضاء التنظيم لم يشاركوا في التخطيط والإعدادا المباشر لحركة يونيو، إلا أنهم عوقبوا بالطرد أو الإبعاد من الجيش ، وكانت أسباب ذلك الإبعاد هي الخوف من تحركاتهم السياسية المستقبلية .
المحاكمون والمبعدون :
قائمة المحاكمين والمبعدين من ضباط وضباط صف وطلاب تحرك يونيو 1957م المؤود تستحق التأمل . فقوائم المحاكمين كانت تفاصيلها على النحو التالي :
أولاً : الضباط :
السجن عشرين عاماً لكل من الصاغ يعقوب كبيدة / الملازم عمر خلف الله
الإحالة للمعاش لكل من البكباشي أحمد عيسى/ البكاشي أحمد ابوبكر/ البكباشي يعقوب كبيدة . الإحالة للاستيداع لكل من البكباشي عبدالحفيظ شنان/ الصاغ أحمد البشير شداد/ الصاغ الطيب المرضي/ الصاغ تاج السر مصطفى/ اليوزباشي عوض أحمد خليفة / اليوزباشي جعفر محمد نميري/ الإنذار لكل من اليوزباشي أحمد محمد أبوالدهب/ اليوزباشي محمد خير محمد سعيد .
ثانياً : ضباط الصف والطلاب الحربيين :
السجن 14 عاماً للجاويش محمد الطيب ، السجن سبعة أعوام للطلبة الحربيين بابكر عوض/ محمد أحمد حسن جحا/ حسين خرطوم دارفور، الطرد من الخدمة للطلبة محمد الأمين التجاني ، والحبر بركات .
كانت نتائج تحركات الضباط الأحرار ذات أثر بالغ على الساحة السياسية الوطنية، فقد وجدت الحركة تعاطفاً واسعاً من بعض القطاعات السياسية ، خاصة العمال والطلاب ، كما وجدت المحاكمات صدىً لها في الصحف المحلية، حيث نوهت عدد من الصحف المحلية إلى المخاطر التي تحوق بالبلاد وهي لا زالت حديثة الاستقلال من جراء الخلافات السياسية العاصفة . وقامت بعض الصحف المتعاطفة مع اليسار والمعارضة لحكومة حزب الأمة بنشر بيانات أصدرها تنظيم الضباط الأحرار وأشار فيها بالوضوح إلى أن حزب الأمة يخطط لتطهير الجيش من العناصر التي لا تميل إليه، محذراً من الفتن والدسائس التي يمكن أن يزج بجيش البلاد فيها .
لم يبق من قادة تنظيم الضباط الأحرار إلا البكباشي محمود حسيب والذي كان قد تم إبعادهـ في وقت مبكر من الخرطوم إلى الأبيض بعد أن توجست القيادة العسكرية ضلوعه في تحركات الضباط ، وفي اتصالاته الظاهرة والمستترة مع عدد من المسؤولين والضباط المصريين .
ولم ينعم محمود حسيب بوقت طويل دون أن تناله يد المحاسبة ، مع الشهور الأولى لتسلم عبود للسلطة .
الخلاصة إذن هي أن الأعوام التي تلت الاستقلال لم تكن أعوام هدوء في الجيش ، الذي لم يكن بعيداً مما يحدث من صراع على الساحة السياسية .
ومن ثم فإن السؤال الملح يبقى هو .
هل كان قرار عبدالله خليل بتسليم السلطة لعبود ورفاقه تحسباً من تحركات صغار الضباط ومن تنظيم الضباط الأحرار بما له من صلات واتصالات بمصر؟
هل يمكن اعتبار ذلك النشاط السياسي العسكري الذي شهدناهـ ، والذي تتوج بحركة يونيو 1957م ، جزءً من مبررات تسليم السلطة التي ساقها الخليل لنفسه لإقناعها بسلامة قرارهـ بهدم المعبد على ذاته ؟
....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 15-03-2025 الساعة 07:42 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 11:34 AM   #[7]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة السابعة
شمسون وهدم المعبد
عبدالله خليل يستنجد بالجنرالات
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
عصف أذهان الجنرالات حول ضرورة الانقلاب

د. محمود قلندر
في بيت الصديق خليل يقول لعبود لا منقذ إلا الجيش وعبود يستشير القادة العسكريين
مهما كان من أمر معرفة وموقف السيدين والسرايتين بالانقلاب وتأييدهما له ، فإن المهم أن الخليل كان قد مضى بعيداً في مسألة انعقاد عزمه على استلام الجيش للسلطة . وكان قد بدأ في دق أبواب رئاسة الأركان بفكرة تولي الجيش للسلطة .
كيف بدأ عبدالله خليل رحلة بيع الانقلاب للجنرالات ؟ ومتى بدأت ؟
الوثائق التي نبحث فيها تشير لنا بوضوح الى أن اجتماع (أو جلسة) أغسطس 1957م في بيت السيد الصديق كانت هي البداية . وهي جلسة أشرنا إليها في الحلقة الماضية ولكن نفصل فيها هنا .
ويقول الفريق عبود حول تلك الدعوة :
«قبل الانقلاب بنحو شهرين جاءني عبدالله خليل إلى المكتب ، وقال لي حتكون في جلسة في منزل السيد الصديق بأم درمان ودعاني لحضورها ، فأخذت معي أحمد عبدالوهاب ، وكان موجوداً السيد الصديق وعبد الله خليل وزين العابدين صالح . وافتكر كان معنا عوض عبدالرحمن وحسن بشير كان معي حتما».
والملفت في حديث عبود أنه قرر اصطحاب قيادات عسكرية عليا معه ، وهو ما يعني أنه كان على إدراك باتجاهـ الحديث ، ومن ثم فقد أخذ معه نائبه وحسن بشير نصر، والاثنان من الشخصيات العسكرية ذات المكانة العالية . ولعل عبود أرادهما معه لأكثر من غرض ، منها أنهما الرتب التالية له أقدمية - لغياب طلعت فريد في الجنوب - ومنها أنه لم يكن يريد أن يكون هناك تناول سياسي دون كل القيادة ، حتى لا يبدو الأمر وكأنه «تآمر» من القائد العام ، وربما لمعرفته بقرب الاثنين عبدالوهاب وحسن بشير من السرايتين . أما زين العابدين صالح فقد كانت له صلات وثيقة ، بعضها صلة نسب بعبدالله خليل وأحمد عبدالوهاب ، كما كان شديد القرب من السيد عبدالرحمن المهدي .
في تلك الجلسة التي جرت في بيت الصديق ، تطرق الحديث إلى الظروف السياسية التي شرحها الصديق ، وأبان فيها أن البلاد في وضع سياسي غير مستقر، مشيراً إلى الحاجة إلى صيغة تمكن من أن يكون للجيش دور يمكنه من تثبيت الوضع غير المستقر، وكان من بين ما طرح إمكانية تعيين وزير دفاع عسكري . وبالرغم من أننا لا يمكن أن نخلص من هذا الكلام إلى أن المجتمعين كانوا يحرضون الجيش لاستلام السلطة ، لكننا يمكن القول بأن ما كان يجري هو شكل من أشكال العصف الذهني الرامية إلى تحقيق مناخ ذهني يمكن من قبول الأفكار غير المستحبة .
ولقد انتهى ذلك الاجتماع دون أن يصل إلى شئ . ولكنه في تقديرنا فتح أذهان العسكريين على أن الساحة السياسية يمكن أن تكون مسرح عملياتهم القادم . ولعله هذا هو السبب الذي جعل أحمد عبدالوهاب يقول إنه كان يرى أنه من الأوفق أن يتسلم الجيش الأمر كاملاً بإرادته وليس «بتعليمات» من السياسيين .
إن الفكرة - فكرة تولي ضابط كبير منصب وزير الدفاع - يمكن أن نرى فيها ظلال الرغبة في إقحام الجيش في السياسة ، بحيث يصبح وزير الدفاع العسكري في فترة لاحقة ، عنصراً سياسياً يمكن دفعه إلى تحريك الجيش في ساعة الحاجة السياسية .
وفي تقديرنا أن حجة إشراك وزير دفاع عسكري ، كانت هي الحل الوسط بين ما أرادهـ خليل - وربما عبدالرحمن المهدي - وبين رؤية السيد الصديق الذي لم يرد أن يقحم الجيش في السياسة .
عبدالله خليل و«الأمر» بالاستلام :-
كيف ومتى توجه عبدالله خليل بالوضوح وبدون مواربة ، بطلب الي القائد العام لاستلام السلطة السياسية وقلب نظام الحكم ؟
في هذا الأمر تتباين الأقوال :-
تقرير المخابرات البريطانية المرسل صباح يوم الانقلاب ، يقول إن عبدالله خليل صرح لصحافي بريطاني بأنه «أعطى أوامر للجيش» باستلام السلطة منذ شهرين (من الانقلاب نفسه). تقرير آخر يشير إلى أن هيلاسلاسي حذَّر عبدالله خليل من الخوض في انقلاب خلال زيارة سرية لعبدالله خليل لأثيوبيا حوالي أغسطس ، أجرى فيها فحوصات طبية في مستشفى أميركي .
أما إبراهيم عبود فإنه يقول إن عبدالله خليل جاءهـ قبل عشرة أيام من الانقلاب وقال له إن : «الحالة السياسية سيئة جداً ومتطورة ، وممكن تنتج عنها أخطار جسيمة ، ولا منقذ لهذا الوضع غير الجيش يستولي على زمام الامور».
ثم جاء خليل بعد يومين يعاود عبود الذي كان قد أخطر ضباط الرئاسة - عبدالوهاب وحسن بشير- بما طلبه عبدالله خليل .
ثم أرسل عبدالله خليل لعبود زين العابدين صالح الذي أخذ يستعجل التنفيذ مع اقتراب موعد انعقاد البرلمان المؤجل .
وكان خليل لا يريد للبرلمان أن ينعقد بسبب ما كان يمكن أن يحيق به من هزيمة ، ومن ثم احتمال عودة الأزهري بتحالف مع الشعب الديمقراطي أو مع الأمة ولكن بغياب الأميرآلاي .. بمعنى آخر فإن عبدالله خليل كان سيكون الضحية في كل الحالات .
كيف كانت اتصالات الخليل بعبود ؟
يقول إبراهيم عبود : «مرة ثانية جاءني عبدالله خليل ، فأخبرته بأن الضباط يدرسون الموقف ، فقال لي ضروري من إنقاذ البلاد من هذا الوضع . ثم أرسل لي بعد يومين زين العابدين صالح ليكرر نفس الكلام . والضباط كانوا وقتها يدرسون الخطة لتنفيذها».
إذن فقد أعد الجيش خطة لتنفيذ الانقلاب .
ولكن هل يعد مثل هذا الكلام أمراً من الوزير واجب التنفيذ على القائد العام ؟ وهل كان يمكن لعبود رفض دعوة عبدالله خليل ؟
ليست هناك وثائق رسمية بصدور أمر وزاري بذلك . ولا نتصور أنه سيكون هناك مثل هذا الأمر. كما أنه يمكن القول بإن ما أدلى به عبود أمام لجنة التحقيق في الانقلاب ، لا يشير إلى أن تعليمات صريحة قد صدرت بذلك من الوزير . ففي الحالات العادية - ناهيك عن الخطيرة كدعوة انقلاب - يصدر الوزير أوامرهـ في شكل مكتوب وبصيغة معروفة ومحددة . بل هناك استمارة محددة تتم تعبئتها في بعض الحالات .
وبذلك يمكن القول بأن الالتقاء وتبادل الأفكار والرجاء والتطلع ، ليست جزءا من وسائل «صرف التعليمات» في الجيش ، كما أنها ليست من أساليب إصدار القرارات من قبل الوزراء .
بيد أنه أيضاً لا بد من أن نأخذ في الاعتبار تلك الحقائق المتعلقة بصلة عبدالله خليل بالعسكريين وماضيه كضابط ، ثم صفة الاحترام والانضباط العالي الذي يتعامل بها العسكريون السودانيون مع بعضهم البعض . وبذلك الاعتبار يمكن القول إن الجنرالات أخذوا في اعتبارهم - عندما وافقوا على الاستيلاء على السلطة - احترام رغبة الأميرالاي صاحب المكانة العسكرية والسياسية على حد سواء .
ثم إننا لا بد أن نضيف إلى ذلك حسابات الواقع السياسي الذي كان يعيش فيه السودان . والجو العام الذي كان ينبئ بأن كارثة على وشك الوقوع . وهي كارثة المنقذ منها بكل مقياس ، هو العمل العسكري الحافظ للأمن والنظام . وقد عبر اللواء أحمد عبدالوهاب عن هذا الجو العام الذي كان سائداً وقتها إذ يقول:
«وكان ناس كتار يتصلوا بي ويقولوا وين الجيش بتاع البلد ؟ ولماذا لا يتدخل لينقذ من كل الأحوال السياسية السائدة في البلد».
والواقع إن أحمد عبدالوهاب نفسه كانت لديه بعض المآخذ على واقع الممارسة السياسية الذي كان سائداً ، فهو كان على صلة بالضباط الصغار الذين كانوا يتحركون سياسياً (الضباط الأحرار) بل وساند إحدى مذكراتهم التي طالبت بتسليح الجيش . كما أن أحمد عبدالوهاب كان يكتب - عن طريق صديقه جعفر حامد البشير- المقالات السياسية التي تطالب بالاهتمام بالجيش والالتفات إلى احتياجاته المادية والمعنوية .
ومن ثم فمن الممكن القول بأن قيادة الجيش كانت منذ أكتوبر 1957م ، قد وضعت سايكولوجياً في أجواء الانقلاب على السلطة السيادية ، بواقع اضطراب الحال السياسي أولاً ، وبمباركة وتعضيد ، بل وتحريض السلطة السيادية نفسها ثانياً .
ولكن هل كان سهلاً على القيادة العسكرية الانفراد بقرار استلام السلطة ، دون معرفة ومباركة الوحدات العسكرية الأخرى ؟ وما هو موقف تنظيم الضباط الأحرار الوليد - وقتها - من ذلك التحرك ؟

.....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 20-03-2025 الساعة 08:47 AM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 12:05 PM   #[8]
ناصر يوسف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية ناصر يوسف
 
افتراضي

حباب عودة قلمك يا المحسي لهذا البيت الكبير سودانيات



التوقيع:
ما بال أمتنا العبوس
قد ضل راعيها الجَلَوس .. الجُلوس
زي الأم ما ظلت تعوس
يدها تفتش عن ملاليم الفلوس
والمال يمشيها الهويني
بين جلباب المجوس من التيوس النجوس
ناصر يوسف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 12:14 PM   #[9]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

إبراهيم عبود و17 نوفمبر - الحلقة الثامنة

شــمــســـــــون وهـــــدم المــــعـــــبد
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
فگرة الإنقلاب بين السرايتين

د. محمود قلندر
إذا كانت الحالة التي وجد فيها عبدالله خليل نظامه هي التي دفعته للاستنجاد بالجنرالات ، والسعي لهدم صرح الديمقراطية ، بما فيه ومن فيه ، فإن الأميرآلاي لم يكن له أن يقدم على مثل تلك الخطوة التي يمكن اعتبارها بكل مقياس «تاريخية» لو لم يكن يستند على بعض منطق وبعض تعضيد .
أما المنطق . فقد سردنا تفاصيل تطور أحداثه خلال الحلقات السابقة بما نظن أننا لا نحتاج سوى الإشارة الملخصة إلى أن واقع الاختلاف السياسي والصراع المزمن الذي عاشته الساحة السياسية إلى حد العجز والشلل ، مقارناً بواقع الانضباط ، والثبات واستقامة التعامل وانسياب حركة الأداء في ساحة الجندية التي عاشها الأميرآلاي كماضٍ أولاً، ثم كحاضر يتعامل معه بوصفه وزيراً للدفاع. ثانياً ، إضافة إلى شخصية الأميرآلاي التي وصفها عارفوهـ بالعناد المستند على الاعتداد بالذات ، أصولها وماضيها ومكانتها . كل تلك عوامل أخذت الخليل في اتجاهـ تغليب الخيار السمسوني بهدم المعبد على الكل .
أما في ما يتعلق بالتعضيد ، فإنه لا يشك قط أن عبدالله خليل لم يتخذ هذا القرار المفصلي في تاريخ الشعب السوداني وحدهـ ودون استشارة أحد . وليس منطقياً البتة أن يكون الخليل قد تصرف بعيداً عن حزبه أقطاباً ، وراعياً وقيادة . ومهما حاول المدافعون عن موقف حزب الأمة من قضية دعوة الجيش لاستلام السلطة ، فإن هناك من الدلائل ما يشير إلى علم العديد من زعامات الحزب، وضلوع بعضها في خطوات تنفيذهـ .
وهناك الكثير من المعلومات التي وردت في تقارير المخابرات البريطانية - والتي نستند على جانب كبير منها في رواية هذهـ الحلقات ، كانت تشير بوضوح إلى وجود وعي تام بقرب وقوع انقلاب من عديد من الاتجاهات والقوى السياسية . من ذلك مثلا ما حفلت به صحف تلك الأيام خاصة «السودان الجديد» التي أشارت بالمواربة إلى ذلك . بينما لم تخف عدد من القوى السياسية نيتها على مقاومة أية انقلاب .
السرايتان وبيع الانقلاب
من المنطقي والطبيعي - في تلك المرحلة من التطور التاريخي السياسي للسودان - أن أي تحرك سياسي مفصلي ما كان يمكن أن يتم أو يكتب له نجاح - دون «مباركة» أحد أو كلا قطبي السياسة السودانية وركيزتاها - السيدين عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني . فمن الطبيعي إذن أن الذي سيقدم على عمل سياسي بخطورة الانقلاب العسكري في ذلك الوقت أن لا يقدم عليه إلا بمعرفة - إن لم نقل برضى ومباركة - قطبي السياسة السودانية الميرغني والمهدي .
ومن ثم فإن السؤال الذي يظل هو كيف اقترب عبدالله خليل بفكرة الانقلاب من السيدين ؟ وهل تمكن الخليل من بيع الانقلاب لهما معا؟ أم هل أقنع المهدي دون الميرغني بها ؟
ليس لدينا معلومات مباشرة أو مصادر أولية في هذا الأمر، ولذلك نعمد إلى تحليل المعلومات المتوافرة فيها . وبقراءتنا لعدد من الوثائق نستطيع القول بأن سراي المهدي بالخرطوم كانت على علم ومعرفة تامة بتحركات الخليل واتصالاته . بل تشير بعض الوثائق إلى أن السراي كان جزءاً من تلك التحركات .
من ذلك مثلاً : -
إن عبدالله خليل جمع الفريق عبود وأحمد عبدالوهاب وحسن بشير نصر إلى السيد الصديق المهدي ، رئيس الحزب في ذلك الوقت ، في «جلسة» بمنزل السيد الصديق ، وقد دار الحديث في تلك الجلسة حول أحوال السياسة وتناول واقع الحكومة احتمالات الفشل والفوضى . وكان من الملفت أن اقتراحاً قد بدر في تلك الجلسة حول إمكان تعيين وزير دفاع من الجيش وذلك بغرض تقوية الحكومة وتأمين عدم حدوث فوضى . ويتضح من المعلومات حول ذلك الاجتماع أن السيد الصديق لم يكن يؤيد فكرة استيلاء الجيش الكامل على السلطة بينما كان يؤيدها عبدالله خليل . وكانت فكرة الصديق هي أن يكون في الحكومة وزير دفاع عسكري ذي رتبة عسكرية باعتبار أن ذلك قد يلقي بعض ظلال الهيبة على الحكومة . ومن ثم فإن ذلك الاجتماع لم يحسم الأمر وإن كان قد أشار بوضوح إلى وجود نوايا حزبية في التغيير بمعاونة الجيش .
أما فيما بتعلق بموقف السيد عبدالرحمن المهدي ، فإنه يمكن الاستنباط أكثر من الاستناد على وثائق ووقائع ، ففي تقديرنا أن عبد الله خليل كان قد أقنع السيد عبدالرحمن بفكرة الانقلاب ، بينما لم يقتنع بها السيد الصديق . ومن ثم فإن اجتماع أغسطس بقيادة الجيش كان من ناحية نزولاً من السيد الصديق على رغبة والدهـ المتفقة آراؤهـ مع عبدالله خليل . دون اقتناع منه بفكرة تسليم السلطة كاملة للجيش . وما يعضد قولنا هذا هو أن السيد الصديق أخذ نفسه خارج السودان قبل تنفيذ الانقلاب بأيام قليلة ، ولم يعد إلا بعد وقوع الانقلاب بأيام .
أما في ما يتعلق ببيع الانقلاب للسيد على الميرغني ، فإننا نستند أيضاً على تحليل الوقائع أكثر من معلومات وثائق . ولكننا نقول في العموم أن الغالب الأعم هو أن السيد على الميرغني لم يكن على علم يقين بالانقلاب ، بالتأكيد تواترت له المعلومات حوله مثل تواترها لكل الناس على المستوى العام ، فقد كان الانقلاب وفكرته في كل ركن من البلاد ، حتى قيل يومها إن بائعات الفول كن على علم يقين به لأن ورق الصحف الذي كانت تبيع فيه النساء الفول احتوى على معلومات الانقلاب . ولكننا نستبعد أن يكون الخليل قد أسر بنية الانقلاب للميرغني أو حاول كسب رضاهـ حوله على نحو ما ذكر عبدالماجد أبوحسبو في مذكراته . فالميرغني وحزبه كانا في ذلك الوقت شريكين مرحليين للأمة ، بينما هما في الأساس منافسان وغريمان على المستوى الاستراتيجي ، ولايُعقل أن يضع حزب الأمة نفسه في مأزق تاريخي يكشف فيه لغريمه أنه يتآمر عليه . ففي تقديرنا أن السيد علي كان يدرك، كغيرهـ من القوى السياسية ، بمخطط الأمة ، ولكنه لم يكن من المعضدين أو المساندين لفكرته .
والدليل على أن الميرغني والمهدي لم يكونا على ذات المستوى من المعرفة ومن ثم المباركة والتأييد للانقلاب ، نجدهـ في ثنايا سطور البيانين الصادرين من السرايتين بعد وقوع الانقلاب . فقد صدر بيان المهدي مطولاً مفصلاً ، بينما أصدر السيد الميرغني بياناً مقتضباً لم يتجاوز بضعة أسطر . وكان بيان المهدي مفصلاً وشاملاً ، انتقيت كلماته بعناية ، وصيغ بعبارات مليئة بالحرارة ، وفاضت كلماته حماسة وتأييداً . وكان ملفتاً فيها إدانته للواقع السياسي الذي كان سائداً والذي كان حزب الأمة الطرف الفاعل فيه . وقد دللت أساليب وعبارات البيان على أنه جرت كتابته وتم إعدادهـ منذ وقت سابق على يوم الانقلاب . بل إن بيان المهدي كان أشبه ما يكون بالبيان الأول للانقلاب .
أما بيان الميرغني فقد جاء مقتضباً وعاماً بما يوحي بأنه كتب على عجل أو أنه كتب بغرض المجاملة أكثر منه لتسجيل موقف تأييد .
ولعله من المفيد أن نتوقف عند مقارنة فقرات الخطابين قليلاً حتى ندرك الفرق بين موقفي الزعيمين ومكانتهما من الانقلاب .
بيان الميرغني : علم ودعوة بالتوفيق:
تكون بيان السيد علي الميرغني حول استلام عبود للسلطة من خمسة أسطر، أشار فيها في بدايته إلى علمه باستلام نفر من «الضباط المخلصين زمام السلطة في البلاد» ، وأمل فيها في توحيد الجهود والنوايا لتحقيق الاستقرار في البلاد . ثم ختم بالدعاء بالتوفيق لمن تولوا السلطة لتحقيق الرفاهية والازدهار لأبناء الشعب السوداني كافة .
ولم يزد بيان السيد علي الميرغني عن كونه بيان «علاقات عامة» من النوع الذي تتبادله المؤسسات السياسية والاجتماعية ببرود وميكانيكية مطلقة .
وبالرغم من أن السيد علي الميرغني والدائرة الختمية في عمومها كانت على صلة وثيقة بالفريق إبراهيم عبود قائد الجيش ، الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بدائرة الميرغني في سنكات ، إلا أن تلك الصلة لم تنعكس حماساً في البيان السياسي للسيد الميرغني وهو ما كان في تقديرنا يعني أنه لم يكن على رضى تام بالانقلاب وفكرته .
بيان المهدي : ادعموا هذهـ«الثورة»
أما بيان السيد عبدالرحمن المهدي ، فقد كان في واقعه أقرب ما يكون لبيان الانقلاب الأول . فالقراءة الممعنة لبيان المهدي تبين اتصافه بالقوة والرصانة في سرد مسوغات الانقلاب على السلطة السياسية الدستورية .
كانت نقاط بيان السيد عبدالرحمن المهدي الرئيسية على النحو التالي :
* يأسف لأن قادة الأحزاب وحكوماتها فشلوا في تحويل الاستقلال إلى أداة فعالة لازدهار الشعب ورفاهيته.
* كان هناك الخوف من فقدان الأمل في الاستقلال نتيجة لتصرفات الحكام وأن فقدان الأمل كان يمكن أن يكون طريقاً لضياع استقلال السودان . ومن ثم فقد تطلع الناس إلى الخلاص على يد منقذ يدافع عن الاستقلال ويحقق أهداف وتطلعات الناس.
* جاء الغوث اليوم على يد رجال الجيش السوداني باستلامهم السلطة وهم لن يسمحوا بعد اليوم بالتردد والفوضى والفساد في البلاد.
* جاء الوقت لنا جميعاً لنكون سعداء ونحمد الله لأنه منحنا من بين قادة الجيش وأبناء جيشنا المخلصين من استولى على زمام السلطة عازماً على تحقيق تطلعات الشعب وأماله.
* كونوا على ثقة وكونوا مع «الثورة المباركة» التي نفذها جيشكم الشجاع وانصرفوا جميعاً لأعمالكم بثقة وادعموا رجال الثورة السودانية بالعمل والإخلاص وبالتأهب للدفاع عن البلاد.
* إدعموا هذهـ الثورة وادعوا الله أن يكتب لها النجاح ، وقفوا معها باليقظة وبالتصميم على تحقيق الأهداف التي من أجلها تحرك الجيش الساعي لمصلحة الشعب والمخلص لله .
كانت تلك هي ملامح الموقفين ، موقف المهدي والميرغني من الانقلاب ، الذي استدللنا به على أن الخليل لم يتحرك مفرداً لقلب نظام حكمه .
يبقى أن نعرف كيف اقترب الخليل من الجنرالات بفكرة الانقلاب ؟
.....



التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 22-03-2025 الساعة 06:52 PM.
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 12:43 PM   #[10]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة التاسعة

طاحونة الحكم بالحديد والنار.. تدور
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
عبود يعتمد «قانون دفاع السودان» الدراكوني أساساً للحكم

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

لائحة دفاع السودان أداة قهر النظام التي استند عليها طيلة سنواته
د. محمود قلندر
توالت على المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلال الأيام الأولى لاستلام السلطة ، الشواهد والدلائل على سلامة الخطوة التي اتخذوها بالموافقة على استلام السلطة ، وإيقاف التدهور السياسي الذي أصاب البلاد بالشلل التام في ذلك الوقت . وقد فوجئ المجلس الأعلى بحجم القبول الجماهيري للحركة للحد الذي أضطرت معها أي أصوات معارضة للتحرك إلى الصمت والتواري .
استسلام الساسة والرضى بالمكتوب
ولاشك أن الفريق عبود ورفاقه وجدوا الدفعة السياسية الأقوى من بياني السيدين عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني ، وذلك لما للسيدين من ثقل سياسي وطائفي ، وما لهما من فاعلية في ساحة السياسة الوطنية .
أما على الصعيد السياسي ، فإن الأحزاب السياسية - ما عدا الحزب الشيوعي - لم تبادر بأي موقف ، إلا أن تصريحات بعض قادتها وشخصياتها المفصلية حول تحرك عبود كان أقرب إلى المباركة والتأييد منه إلى المعارضة ، بالرغم من أن عبود حل تلك الأحزاب واتهم قادتها وشخصياتها الكبرى بالفساد والإفساد .
فقد صرَّح السيد الصديق - بعد عودته من سويسرا : أنه ليس لديه ما يضيفه إلى بيان والدهـ ، وقال إن بيان والدهـ يمثل رأي الحزب في الحركة . أي أن الحزب يباركها ويطلب من الجماهير الالتفاف حولها .
أما السيد على عبد الرحمن - رئيس حزب الشعب الديموقراطي - فإنه تمنى للحركة كل التوفيق كي تحقق الاستقرار وتتحسن الظروف .
أما السيد إسماعيل الأزهري فقد قال إنه يثق في وطنية الضباط وطالب بأن يعطوا فرصة لعلهم «يحققوا ما فشلنا فيه» (كأحزاب)..
وقال السيد محمد نور الدين ، الوزير السابق ، إنه يعتقد أن الحركة أمر جيد حيث وصلت أوضاع البلاد إلى سوء ولم يكن تصحيح الأوضاع دون تدخل الجيش .
أما السيد عبد الله خليل فإنه بالطبع أكد بأنه لم يكن ممكناً تجنب تحرك الجيش لصون وحماية الاستقلال ، وقال بأنه دون تلك الحركة فإن السودان كان على وشك أن يدفع ثمناً باهظاً .
وحدهم الشيوعيون كانوا المغردين خارج السرب السياسي المؤيد لانقلاب إبراهيم عبود .. والواقع أن الشيوعيين ، كانوا قد حددوا موقفهم من الانقلاب حتى قبل أن يقع . فقد أصدر الحزب الشيوعي بيانه المشهور ببيان «اليقظة» في بداية شهر نوفمبر .. قبل اسبوعين من نفاذ الانقلاب وكان عنوان ذلك البيان يتنبأ بما سيحدث ، وهو يصرخ :
«افتحوا عيونكم الأميركان يستعدون لتدبير الانقلاب المقبل في السودان»
كان بيان الحزب الشيوعي يدين حزب الأمة باعتبارهـ اليد التي ستنفذ بها المخابرات الأميركية انقلابها . فقد ذهب البيان ليحلل التكتيك الأميركي الجديد القائم على إسقاط الحكومات الضعيفة والموالية لها - والتي يبدو جلياً أن القوى الوطنية على وشك إسقاطها - بانقلاب يحمل إلى السلطة فئات عسكرية تقليدية تكون مساندة في فكرها وتوجهاتها للفكر الغربي الاستعماري . وذكر البيان أن حزب الأمة فشل في تمرير المشروعات الأميركية وحكومته تترنح أمام ضربات القوى الوطنية ، وليس أمام أميركا إلا أن تجهز على هذه الحكومة بانقلاب شبيه بتلك الانقلابات التي دبرتها أميركا في كل من بورما وسيلان وباكستان ..
ثاني يوم الانقلاب 18 نوفمبر، أصدر الحزب الشيوعي بيانه الدامغ لحركة عبود ، بعنوان «17نوفمبر انقلاب رجعي». وقد فصل البيان في القول بأن الحركة ليست حركة ضباط ثوريين بل هي مجرد تسليم وتسلم بين عبد الله خليل وقادة الجيش . وبذلك البيان وضع الحزب الشيوعي نفسه - وحيداً - في موقع المواجهة بعد أن انفض سامر الحركة السياسية بمباركة السيدين واتخاذ بقية القيادات السياسية موقفاً يصب - في أحسن حالاته - في خانة الرضى بما هو مكتوب .
عبود : سأترك النقابات ما تركوني
حينما التقى شابمان أندروز - سفير بريطانيا بالخرطوم - إبراهيم عبود ذات يوم الانقلاب ، سأل عبود إن كان يعتقد أنه سيكون هناك تحرك مضاد لحركته من قبل القوى السياسية أو العسكرية ..
رد عبود بالقول
«بالرغم من أن الموقف الحالي مطمئن تماماً ، فإنه في خلال أسبوعين أو ثلاثة سيكون هناك - بلا شك - تحرك مضاد».
وحينما استفسر عن اتجاهـ ذلك التحرك وشكله ، لم يرد عبود إلا بالقول «حتى الآن تركت نقابات العمال لوحدها .. إلا لو بدأوا بأي شيء»، ويتضح من سياق هذا الكلام أن عبود كان يعرف أن هبوب المعارضة سيكون من جهة الحزب الشيوعي ونقابات العمال التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي . وهو أمر كان لحظتها ينبئ بوضوح باتجاهـ الانقلاب ونواياهـ ..
ولا شك أن بيان الحزب الشيوعي في اليوم التالي ، صب زيتاً على نار شك الفريق عبود في الشيوعيين وحلفائهم في النقابات . وهو شك استبقه عبود ومجلسه الجديد بإصدار قانون دراكوني غير مسبوق تم تعليله بغرض إنهاء الفوضى وفرض النظام والانضباط على ساحة البلاد كلها . كان ذلك القانون هو قانون دفاع السودان..
قانون دفاع السودان : حكم الحديد والنار
قانون دفاع السودان هو القانون الذي تبناهـ نظام عبود لحكم البلاد مثلها مثل أية وحدة عسكرية . فالقانون باسمه وموادهـ قانون عسكري الملامح والقسمات ، وهو لا شك استند على خبرتي المستشار القانوني العسكري العميد عبد الرحمن الفكي ، والمستشار القانوني للمجلس وقتها ، أحمد خير ، الذي حسب قوله - بقي ليومين في القيادة يقدم المشورة ويكتب القوانين والأوامر المتعلقة بالنظام الجديد ، قبل أن يقبل بأن يكون وزيراً للخارجية .
وقد تضمن قانون دفاع السودان المذكور مواداً تعاقب بالإعدام على الآتي :
* تكوين الأحزاب .
* الإضراب أو الدعوة إليه ..
* العمل على إسقاط الحكومة .
* بث الكراهية ضد الحكومة .
ومضى القانون في الشطط فخول - لأول مرة في تاريخ السودان - محاكمة الأفراد المدنيين امام محاكم عسكرية ..
كما تضمن القانون عقوبات أخرى تتصل بالنشر، والإساءة إلى رؤساء الدول الصديقة والشقيقة ، والإساءة إلى موظفي الدولة وأجهزتها .. وأعطى القانون صلاحيات واسعة لقوى الأمن للقبض والتفتيش والاقتحام والمحاكمة ..
لائحة دفاع السودان : وزير الداخلية يد النظام الباطشة
استناداً على القانون المذكور صدرت «لائحة دفاع السودان لعام 1958م» وهي اللائحة التي خولت لوزير الداخلية أوسع السلطات ، وجعلت من وزارة الداخلية سلطة بطش وقمع حقيقية . ومن الواضح أن سمعة نظام 17نوفمبر كنظام ديكتاتوري قمعي استندت في أصلها على هذه اللائحة التي تحول بموجبها وزير الداخلية إلى سجان وجلاد للبلاد كلها وللشعب كله . وكي يدرك القارئ حجم الغلواء في لائحة دفاع السودان نلخص فيما يلي أهم ما خولته من سلطات لوزير الداخلية :
* مراقبة الرسائل البريدية / رقابة الصحف / منع دخول الصحف الأجنبية .
* تفتيش أي منزل أو مبنى أو عربة أو مركب أو طائرة بالقوة في أي وقت .
* إعتقال الناس بدون أمر قبض / إرغام المواطن على الإدلاء بأقواله .
* منع المواكب/حظر التجول/ حظر مغادرة اية مواطن/ التحفظ على أي شخص ولأي وقت دون تقديمه لقاض .
* منع أي شخص من الإقامة في منطقة معينة / تحديد إقامة أي شخص في منطقة معينة .
الشيوعيون والنقابيون أول دقيق في طاحونة القهر
وبذلك فإن قانون دفاع السودان صار هو الأنياب التي كشر بها نظام عبود في وجه أهل السودان ..
وكان أول ضحايا القانون هم الشيوعيون وحلفاؤهم .. فبعد عشرة أيام من الانقلاب قام النظام باعتقال عدد من قيادات الحزب الشيوعي من ضمنهم : حسن الطاهر زروق ، محمد سعيد معروف ، قاسم أمين ، محمد السيد سلام ، شاكر مرسال ، بابكر محمد علي ، عزالدين علي عامر ، عزيز أندراوس ، حنا جورج ، سمير جرجس ، عباس محمد الحسن ، والحاج سليمان موسى ..
وأتبع النظام اعتقال القيادات الشيوعية بحل اتحاد النقابات واعتقال قياداته الشفيع أحمد الشيخ ، ومحمد السيد سلام . ثم قام بتعطيل صحيفة «الطليعة» الناطقة باسم اتحاد النقابات .. وشكل النظام لجاناً لإعادة النظر في قانون اتحاد النقابات بغرض تقليص قوته وتحجيم دورهـ ، وشكل لجنة للنظر في إصدار قانون للعمل الجبري يلزم بموجبه الناس للعمل في مناطق الانتاج الزراعي ..
عبود للصحافة : لا تقولوا أي شئ
واجهت «الصحافة» من نظام نوفمبر عنتاً شديداً نتج في تقديرنا من الدور الذي لعبته «الصحافة» في العهد السابق ، إذ كانت واحداً من المنابر التي دارت فيها المعارك الحزبية ، كما كانت الصحف هي منصات تبادل الاتهامات بين أقطاب السياسة وموضع كشف ونشر سوءاتهم . ولذلك فقد ظن النظام أنه كي يتمكن من وقف الفوضى لابد له من غل يد الصحف وكبح جماحها بالقانون . ويكفي أن نورد هنا ما قاله عبود للصحف في مؤتمرهـ الصحفي الأول :
«لا تكتبوا أي شيء ضد سياسة الحكومة ، ولا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية ، ولاتعلقوا على هذهـ الأعمال بشئ ، لا تكتبوا عن الأحزاب السابقة أو الطوائف .. لا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسة البلدان الأخرى»
أما وزير الداخلية ، محمد أحمد عروة ، فقد أضاف إلى قائمة عبود ، بنوداً أخرى ، فقد قال للصحافيين إنه :
«لن يتوانى عن قفل أية جريدة أو تقديم محرريها للمحاكمة إذا حاولت أن تثير الشكوك حول أهداف الحكومة ومراميها».
وطالب عروة الصحف بأن :
«تمتنع عن نشر الأنباء والتعليقات الخاصة بسمعة الحكومة ، التي تسئ إلى العهد أو تقوض الثقة فيها وألا تنشر الصحف التعليقات التي تؤثر على علاقات السودان بالدول الأجنبية».
وهكذا كانت الصحف واحدة من ضحايا نظام نوفمبر، فالصحف - التي سمح لمعظمها بالصدور بعد أسبوع من الانقلاب - وجدت نفسها فجأة وهي لا يحق لها أن تنتقد أحداً من أعضاء المجلس العسكري .. ولا تكتب عن السياسيين والطوائف .. ولا أحداً من المسؤوليين الحكوميين الكبار .. ولا أن تعلق أو تنتقد أحداً من رؤساء أو سفراء أو مسؤولي الدول الصديقة والشقيقة ..
وما دون ذلك فلها أن تنتقد كما تشاء ..!
ومن يومها دارت طاحونة القهر والعنف في السودان ..
وهي طاحونة كانت رحاها أجهزة الأمن من فوق وقانون دفاع السودان من تحت ..
أما دقيقها .. فقد كان المعارضون والمناوئون .. سياسيين ونقابيين وصحفيين وطلاباً ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 01:10 PM   #[11]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة العاشرة

صراع الجنرالات على السلطة
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
انقلاب مارس على انقلاب نوفمبروالأقدمية لم تكن السبب الوحيد

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

شنان ختمي ومحي الدين اتحادي والهدف أحمد عبد الوهاب الأنصاري
د. محمود قلندر
انقلابا 2 و4 مارس

ديموقراطية عسكرية في ثنايا انقلاب

كاد محي الدين أن يقصي عبود ديموقراطياً
وكما هو الحال ، وكما هي طبيعة الانقلابات العسكرية السياسية في كل زمان ومكان ، فإن الطاحونة دارت أول مادارت لتأكل دقيقها ..
فبالرغم من القبضة الحديدية التي أدار بها عبود شأن السودان ، فإن الرجل كان يعاني في الجيش من مشاكل عسكرية الطابع ، خلفتها انعكسات سودنة القيادات بعد رحيل الإدارة البريطانية ، وعمقتها المكونات الشخصية للفريق عبود ، كما تداخلت معها مسائل مزاجية وخلافات عمل .. مع بعض "الأميرالايات".
وكانت هذهـ الأبعاد مجتمعة ، وراء قرار استبعاد محي الدين أحمد عبد الله من المجلس الاعلى في بداية تحرك نوفمبر ، رغم أنه حسب رتبته وأقدميته ، كان يستحق أن يكون عضواً في المجلس الأعلى ، طالما كان الشرط الأساسي للعضوية هو الأقدمية العسكرية .
والواقع إن القادة العسكريين لم يكونوا جميعهم على حالة من التوافق والانسجام .. وهو أمر- في تقديرنا - يتفق مع الطبيعة البشرية ، حيث للنفس ميلها ونفورها . وقد كان أولئك القادة بشراً تراوحت المشاعر فيما بينهم باختلاف الشخصيات . فبالاضافة إلى أن عبود كان له رأي غير إيجابي في محي الدين ، كما ذكر ذلك محي الدين نفسه ، فإن الأمور بين القائد ونائبه لم تكن عسلاً على لبن أيضاً ، فشنان - في مذكراته - مثلاً يشير إلى أن عبود كان بادي السرور - حينما أعلمه محي الدي وشنان في صباح انقلابهما الذي نحن بصددهـ - أنهما قاما باعتقال أحمد عبد الوهاب .
انقلاب 2 مارس .. الأهداف ..
رغم ملابسات المزاج والعلاقات الشخصية ، فإنه يمكن القول بأن مسألة المواقع القيادية والمناصب وحدها لم تكن وراء حركة محي الدين وشنان المعروفة بحركة 2 مارس . بل كانت هناك دوافع وأسباب سياسية ساقها مدبرا الانقلاب ، وأشارا إليها في عدة مناسبات . إذ كانت هناك صراعات داخلية ذات بعد سياسي بين أعضاء مجلس عبود الأول ، وهي صراعات قال عنها المشاركون فيها إنها قصدت إبعاد النفوذ الغربي عن الحكومة والبلاد ، واستبعاد نفوذ حزب الأمة الذي كان يمثله نائب قائد الجيش اللواء أحمد عبد الوهاب .
وإذا أخذنا هذهـ الدوافع السياسية التي جاءت في حيثيات التحقيق مع قادة انقلاب نوفمبر حول الانقلاب على الانقلاب ، فإنه يمكن القول بأن انقلاب عبود كان بذلك قد تجاوز واقع أنه أمر عسكري بتسلم السلطة ، وبذلك فقد دخلت السياسة الثكنات العسكرية من بوابتها الرئيسية .
كان هناك حديث كثير أيامها - عن أهداف انقلاب مارس وحيثياته ، فقد قيل إن الهدف الأساسي من الانقلاب هو السير على نهج مصر وطريقها ، والعمل على التقارب معها ، والابتعاد عن الطريق الذي انتهجه حزب الأمة بقبول المعونة الأمريكية ، والتي كانت وقتها من دلائل ارتباط "الرجعية العربية" بالاستعمار . وبذلك يمكن تفسير مطلب الانقلابيين الأساسي في إزاحة نائب القائد العام باعتبارهـ مطلباً سياسياً وليس عسكرياً بحتاً . فقد كان عبد الوهاب من أنصار حزب الأمة ، والمقربين من عبدالله خليل ، المحرض على الانقلاب الأساسي . بل وهناك من المعلومات ما يدل على أن عبد الله خليل ، خاطب في الأساس أحمد عبد الوهاب بفكرة الانقلاب ، ولكن عبد الوهاب آثر أن لا يتجاوز عبود كرتبة أعلى وقائد عام ، ومن ثم فقد أوعز لخليل التحدث إلى عبود .
ومهما كان من أمر الأسباب ، فقد كانت هناك اتصالات مستمرة بين محي الدين والأميرآلاي (وقتي) عبد الرحيم شنان حول الموقف السياسي ، واتجاهات المجلس الأعلى ، وقد وجد الأثنان نفسيهما متوافقين في الرؤى و الرأي حول وجوب التغيير.
ويلخص الأميرآلاي شنان ذلك التوافق في شكل الأهداف التي جعلتهما يتحركان سوياً في الثاني من مارس ، وتلك الأهداف هي :
* تصفية الحكم القائم
* تكوين مجلس ثورة يضم العميدين محي الدين وعبد الرحيم شنان ، والبكباشيين محمود حسيب وأبوبكر فريد .
* اختيار مجلس وزراء من قبل لجنة قومية ، واقترحت أسماء بشير محمد سعيد ومحمد أحمد عبد القادر وعلي حسن عبد الله كأعضاء .
* وضع دستور دائم وعودة الجيش إلى ثكناته ..
تحرك ونجاح .. ثم تراجع
يشير محى الدين وشنان إلى أنهما أسميا تحركهما ذلك "الثورة التصحيحية" ، معبرين بذلك عن رغبة في تعديل المسار من اتجاهـ سياسي إلى آخر . فقد تمكن قائدا الحركة التصحيحية ، من الوصول إلى الخرطوم ومحاصرتها . إذ دخلت قوات محي الدين القادمة من القضارف ، وشنان القادمة من شندي ، الخرطوم ليلة الثاني من مارس ، وقام العميدان عند دخولهما العاصمة باعتقال ثلاثة من أعضاء المجلس هم أحمد عبد الوهاب ، وعوض عبد الرحمن صغير ، وحسين علي كرار، ثم قاما بتوزيع قواتهما على مداخل العاصمة .. مسيطرين بذلك عليها تماماً .
بعد تأمين الاستيلاء ، توجه محي الدين وشنان إلى منزل الفريق عبود ، حيث قاما بتقديم مطالبهما بحل المجلس .. وإعادة تكوينه ..
رفض عبود وحسب قوله فإنه - أي عبود - "شخط في محي الدين" وطلب منه أن ينتظر حتى الصبح ليجتمع القادة وينظروا في المطالب التي جاء بها محي الدين وشنان ..
وحين التقى القادة صبحاً ، لم تجر الرياح بما اشتهى العميدان المتمردان .. إذ أقنعهما أعضاء المجلس - على طريقة الأجاويد السودانية - بأن يطلقا سراح الضباط الثلاثة ، وأن يعيدا قواتهما إلى قيادتيهما ، على أن يجري البحث في تنفيذ مطالبهما ، على أن يعتبر المجلس الأمر وكأنه لم يكن .
وكان المجلس في الواقع يدبر لاعتقال محي الدين وشنان حال عودة قواتهما المحاصرة العاصمة ، ولكن العميدان فطنا للأمر، فتمكنا من الانضمام للقوات والعودة إلى قيادتيهما في كل من شندي والقضارف .
4 مارس .. انقلاب لإنقاذ الانقلاب الفاشل ..
لما أدرك محي الدين وشنان أن حركة 2 مارس كانت كالمنبت ، لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت ، وأنهما باتا مهددين بالاعتقال ، قررا العودة مرة أخرى إلى الخرطوم بقواتهما لاستكمال انقلاب أثنين مارس في الرابع من مارس . فمحي الدين وشنان إذن قادا انقلابين الأول في الثاني من مارس وهو ذلك الانقلاب الذي تم تذويبه في خضم اجتماع القادة .. أما الثاني فهو تحرك الرابع من مارس الذي استكمل ما توقف عنه تحرك الثاني من مارس .
أما أسباب العودة إلى الخرطوم ومحاصرتها مرة أخرى ، فإنها تعود إلى حقيقة أن شنان ومحي الدين علما أنه وبالرغم من إقرار المجلس الاعلى بمبدأ عفا الله عما سلف لتجاوز المحنة والفتنة ، فقد تواترت الأنباء بأن اللواء أحمد عبد الوهاب ، طالب باعتقال ومحاكمة شنان ومحي الدين كمتمردين .. وبذلك فقد صار مصيرهما قيد ضغوط أحمد عبد الوهاب وعوض صغير وحسين كرار، وثلاثتهم ذوو نفوذ واسع في رئاسة الأركان ..
ومن ثم ، فقد أعاد العميدان التفكير والتدبير، وعقدا العزم على المعاودة مرة أخرى ، فأصبح عليهما صبح الرابع من مارس وكلاهما على طريق الخرطوم ، مصممين هذه المرة على إزاحة عبد الوهاب بالقوة . وحسب ما نملك من معلومات ، فإن العميد شنان قاد منفرداً حركة السيطرة على القيادة العامة ، وتمكن بعدد قليل من الجنود - من محاصرة المجلس الأعلى أثناء اجتماعهم الصباحي ، وفرض عليهم تقديم استقالاتهم جميعاً عدا الفريق عبود . ثم طالب العميدان بعد ذلك بأن يكون اختيار عضوية المجلس الأعلى بالانتخاب من قبل القادة ، وليس بالأقدمية المطلقة .
ديموقراطية في المجلس العسكري
واستجابة لمطالب العميدين المتمردين ، اجتمع القادة في العاصمة بعد يومين وقاموا بالتصويت الديموقراطي على عضوية المجلس الجديد ، وذلك بعد أن تم ترشيح أسماء من قبل كافة الضباط .. وبموجب ذلك الاقتراع الديمقراطي العسكري التاريخي .. خرج الثلاثة المختلف عليه : أحمد عبد الوهاب ، وحسين على كرار ، وعوض عبد الرحمن صغير ..
ودخل المجلس العميدان المتمردان وثالثهما المقبول الأمين الحاج ..
وهكذا تم تكوين مجلس عسكري أعلى جديد ، تبوأ فيه محي الدين وشنان مقعدين مهمين ، كما تقلد فيه القائمقام المقبول الأمين الحاج مقعداً آخر، وأصبح هؤلاء الثلاثة مركز القوى الحقيقي في حكومة نوفمبر منذ ذلك التاريخ .
وبالرغم من كل ما يقال عن دوافع محي الدين وشنان الذاتية في انقلاب مارس ، فإنه من الملفت حقاً أنهما تحركا وفق خطة سياسية ، واضحة المعالم ، فهما لم يطالبا بدخولهما المجلس واكتفيا بذلك ، بل طلبا بحل المجلس ، ثم طالبا بأن يرشح الضباط كافة عدداً من القادة ليكونوا أعضاء المجلس الجديد .
وقد اشتملت مطالب محي الدين وشنان أيضاً على إطلاق سراح الضباط المحاكمين في انقلاب 1957م .. وهو الانقلاب الذي قاده كبيدة وجرت محاكمة مخططيه وسجن عدد من الضباط وضباط الصف فيه .
ثم إن محي الدين وشنان ، طالبا بإبعاد أحمد عبد الوهاب لأسباب سياسية واضحة .. إذ لم يكن هناك من لا يعرف صلة عبد الوهاب بحزب الأمة ، ومن ثم فقد جرى حساب نفوذهـ في المجلس باعتبارهـ نفوذاً لحزب الأمة ، أما العضوان الآخران اللذان أزيحا من المجلس نتيجة لحركة 4 مارس ، فهما أيضاً من المقربين من الأنصار وحزب الأمة ..
وكان واضحاً أن تحركات محي الدين وشنان لم تستهدف عبود ، بل سعت كما يقول شنان في مذكراته إلى الوقوف الصلب مع عبود وحمايته - بما عرف عنه من طيبة ولين جانب - من تأثير أحمد عبد الوهاب ..
ديمقراطية عسكرية
لا يمكن أن نمر عفواً على تلك الواقعة التاريخية التي قل ما يشار إليها ، وهي واقعة اختيار أعضاء المجلس الأعلى ديموقراطياً من قبل الضباط ...
الواقعة تستحق الوقفة والتأمل لسببين ..
فهي أول سابقة يقوم فيها جيش بالاختيار الديمقراطي للقيادة السياسية للبلاد ، والبلاد ترزح تحت ديكتاتوريتهم ..
وهي أول سابقة يقوم فيها عسكريون بالانقلاب على عسكريين ، ويقبلون أن تفرض قيادة الانقلاب بالاختيار الديمقراطي ..
وهي سابقة تدلل في رأينا على وجود تنظيم وتخطيط ، وراء هذا العمل ، ونعتقد أن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن بعيداً عن ذلك ، فعدد من الضباط الصغار المنفذين لتحرك 2 و4 مارس ، كانوا من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار .
ومهما كان من سوابق الحدث ، فقد كان الأمر حقيقة ... فقد جرى الترشيح للمجلس الأعلى من قبل كافة الضباط ، وقام القادة بالاقتراع على اختيار عشرة كأعضاء في المجلس ..
وقد كانت نتيجة التصويت الديمقراطي العسكري كما يلي :
عبود و محي الدين عبد الله 14 صوتاً
حسن بشير و المقبول الأمين 12 صوتاً
أحمد عبد الله حامد و البحاري 11 صوتاً
طلعت فريد ورضا فريد وشنان 8 أصوات
أحمد عبد الوهاب 6 أصوات
وهكذا خرج - بالديمقراطية العسكرية - الثلاثة الذين أراد العميدان المتمردان إخراجهما بالقوة .. فقد خرج حسين على كرار وعوض عبد الرحمن صغير نتيجة التصويت ، أما أحمد عبد الوهاب ، والذي حصل على أقل الأصوات ، فقد قيل أنه رفض أخذ عضوية المجلس ، بينما هناك قول بأنه تم الاعتراض عليه ..
ومهما كانت الوسيلة ، فقد خرج عبد الوهاب من المجلس وأحيل إلى التقاعد ..
وكما يبدو من خارطة التصويت ، فإن محي الدين أحمد عبد الله ، تساوى مع الفريق عبود في الأصوات ، إذ كان من المفترض أن صاحب الأصوات الأعلى هو رئيس المجلس ..
ولما كان الأمر في غاية الحساسية ، فقد تنازل العميد محي الدين لعبود من رئاسة المجلس ، حافظاً له من حرج خوض انتخابات ثانية .. ومن ثم استمر عبود رئيساً في انقلاب جديد ..
ثم مضت سفينة نوفمبر لتبحر في مزيد من الأنواء ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 01:39 PM   #[12]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
ناصر يوسف
حباب عودة قلمك يا المحسي لهذا البيت الكبير سودانيات
موجودين عبر كل قنوات الاتصال ...



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 02:03 PM   #[13]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الحادية عشر
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
المقاومة العسكرية لنظام عبود

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
انقلاب 22 مايو!
انقلاب للضباط الأحرار واجهته محيي الدين وشنان
د. محمود قلندر
أكثر من ثلاثين من الضباط الأحرار شاركوا في التخطيط والتنفيذ
يذكر المقربون من الفريق عبود في عام 1959م ، أنه صرخ حينما علم بضلوع محي الدين وشنان في ثالث محاولة للانقلاب على حكمه :
"هي إيه الحكاية ، نحن مش حنخلص من حدوتة عمرو والنمر دي؟". والإشارة هنا إلى تلك القصة الشعبية التي تقول بأن عمرو كان يضحك على أهل قريته المتحمسين للمواجهة كل مرة حينما يصيح كذباً أن نمراً يهاجم القرية ، حتى هاجم النمر القرية حقاً دون أن يحرك أهل القرية ساكناً .. فقد رأى عبود في محي الدين وشنان عمرو آخر يهدد - دون أن ينفذ - بالانقضاض على نظامه كل مرة .
ولا يمكن الجزم بأن تحركات العميدين المتمردين ، محي الدين وشنان ، ومحاولة انقلابهما المتكرر على نظام إبراهيم عبود ، هو صراع جنرالات بحت . فقد كانت هناك كثير من المؤشرات على أن تحرك 22 مايو 1959م كان من تدبير وتنفيذ تنظيم الضباط الأحرار، بل وهناك دلائل على أن الضباط الأحرار استعملوا محي الدين وشنان كواجهة وساتر فحسب ، إذ كانت أعلى رتب أعضاء التنظيم لا تتجاوز البكباشي في ذلك الوقت ، وهي رتبة ليست قيادية بما يتيح تحريك قيادة كاملة كالقيادة الشرقية في القضارف و القيادة الشمالية في شندي . ومن ثم فقد عمد التنظيم إلى تحريك سواكن الغيرة المهنية في نفس العميدين ، وإقناعهما بوجوب تصحيح الأوضاع بما يعيد للأقدمية العسكرية عدالتها .
ويمكننا هنا أن نعيد القول بأن تنظيم الضباط الأحرار كان هو المساند لتحرك محي الدين وشنان في 2 و 4 مارس الذي سردناهـ في الحلقة الماضية . ويمكن معرفة حجم ضلوع التنظيم في ذلك التحرك بالنظر إلى قائمة الضباط الذين تحركوا من القيادتين الشمالية والشرقية ، وبالتعرف على أسماء أعضاء التنظيم في الخرطوم الذين لعبوا أدواراً مهمة في تعطيل تحريك الدبابات ضد القوة القادمة لاحتلال الخرطوم .
نحدد من بين الأسماء التي شاركت في ذلك الوقت المبكر الصاغ محمد أحمد أبو الدهب ، والصاغ بشير محمد على ، والصاغ عبد البديع كرار، والنقيب أبوطيارة ، والنقيب عباس الإمام ..
وكما هو معروف ، فإن عبد البديع كرار لعب - كما سنرى دوراً مهما في انقلاب مايو الذي نحن بصددهـ وأعدم بعد انقلاب نوفمبر 1959م . بينما طرد بشير محمد علي وعاد بعد مايو 1969م قائداً عاما ووزيراً للدفاع . أما أبو الدهب فقد دخل التاريخ العسكري الوطني باعتبارهـ ، وصديقه اللدود جعفر نميري (ضباط انقلابيين)
انقلاب 22 مايو 1959م
لم يسعد ذلك التحول الذي حدث في مراكز القوى بدخول محي الدين وشنان نتيجة انقلابي 2 و4 مارس 1959م ، بقية أعضاء المجلس ، الذين رأوا ضابطاً متواضع الرتبة مثل القائمقام المقبول الأمين الحاج يحتل موقعاً سيادياً وسطهم . كمالم تعجبهم تلك الضغوط التي أخذ يمارسها شنان ومحي الدين داخل المجلس ، ولكنهم أحنوا رؤوسهم للعاصفة التي أثارتها مصفحات وناقلات الجنود القادمة براً من القضارف وشندي .
ومن ثم فإن روح التوافق لم تسد إلا لزمان قصير داخل مجلس عبود ، إذ أن شنان ومحي الدين ، لم يكونا سعيدين بما حققا من خلال تحركهما المشترك في مارس ، كما أنهما - حسبما قالا فيما بعد - شعرا بأن سياسات مهادنة الغرب ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية كانت مستمرة . كما أن نائب القائد العام الجديد ، حسن بشير نصر، لم يكن مختلفاً كثيراً في تصرفاته ومحاولاته للانفراد بالسلطة عن سابقه اللواء أحمد عبد الوهاب .
وكان تنظيم الضباط الأحرار قد أقر هو الآخر خطة استلام السلطة بعد أن يئس من الإصلاح من داخل المجلس . ومن ثم فقد تم وضع الخطة بحيث تشارك فيها نفس القيادتان الشرقية والشمالية ، معتمدين في ذلك على نفوذ عضوي المجلس الأعلى محي الدين وشنان على تلك الوحدتين ، ووجود عدد كبير من شباب الضباط الموالين للتنظيم في القضارف وشندي .
وبذلك التقت رغبة العميدين بنوايا تنظيم الضباط الأحرار، ليعود أبطال تحرك مارس 1959م ليقودوا تحركاً جديداً في مايو من نفس العام ..
ولكن لم تسلم الجرة هذه المرة ...
فقد كان بعض أعضاء المجلس العسكري لعبود يتحسبون ويتوقعون تحركاً مثل هذا من شنان ورفيقه . ومن ثم فقد جرى تسليط أجهزة الأمن عليهم لترصد وتتابع تحركاتهما وترصد تبادل الرسائل المشفرة بين الخرطوم وكل من القضارف وشندي .
وفي يوم الحادي والعشرين من مايو، اليوم المضروب لتنفيذ الانقلاب ، تحركت قوات حامية القضارف بقيادة الصاغ أحمد محمد أبوالدهب واليوزباشي عبد الله الطاهر بكر لتنفذ دورها المتفق عليه حسب خطة مسبقة . وقد تمكنت تلك القوة من الوصول إلى مشارف الخرطوم ، بيد أن انكشاف أمر المؤامرة المرصودة من قبل أجهزة الأمن أفشلتها ، ووجد محي الدين قواته في وضع حرج ، حاول بعدها أن يعيد تلك القوات إلى رئاستها بالقضارف .
أما قوات شندي فإنها لم تتحرك بسبب فشل المقدم عبد الحفيظ شنان - الذي أوكل إليه الضباط الأحرار قيادة قوة شندي نحو الخرطوم ، فشل في إقناع ضباط شندي بتحريك قواتهم صوب الخرطوم ، ومن ثم فقد علمت قائد قيادة شندي - ألأميرألاي أبودقن - بما حدث وتم اعتقال الضباط .
فشل ومحاكمة وسجون
وبفشل محاولة مايو 1959م ، وجد أعضاء مجلس عبود العسكري الفرصة سانحة للتخلص من محي الدين وشنان وأفكارهما الراديكالية - بالمقارنة -. وبالرغم من أن عدة محاولات قد جرت لإقناع إبراهيم عبود بتطبيق مبدئه الأثير " عفا الله عما سلف" - للمرة الثالثة - والعفو عن الضالعين في محاولة الانقلاب ، فقد برز تيار قوي داخل المجلس الأعلى اعترض على لين عبود تجاهـ الانقلابيين ، وقام المجلس الأعلى - بالتصويت - على محاكمة جميع الضالعين . فقبل عبود مكرهاً بذلك . ومن ثم فقد تشكلت عدة محاكم عسكرية لمحاكمة عضوي المجلس والضباط الضالعين في (مؤامرة مايو 1959م) بما فيهم أعضاء المجلس الثلاثة أحمد عبد الله حامد ، ومحي الدين وشنان .
وقامت أجهزة الإعلام بمتابعة وتقديم وقائع محاكمة عضوي المجلس اللذين لم يتوانيا في انتهاز فرصة الإعلام ليعبرا عن رؤاهما ويعلنا أسباب تذمرهما من سياسات المجلس العسكري غير الوطنية (أو كما قالا). وقد شدت تلك المحاكمات الجمهور واستحوذت على إهتمامه لما كشفته من صراع داخلي في المجلس الأعلى لنوفمبر، في الوقت الذي أراد المجلس العسكري من إذاعته لتلك المحاكمات أن تكون وسيلة من وسائل إكساب الحكم نوعاً من الشرعية في عيون المواطنين .
وصدرت أحكام تلك المحاكم في سبتمبر من عام 1959م متضمنة الإعدام لقادة الحركة ، بما فيهم عضوي المجلس ، إلا أن حكم الإعدام خفض إلى السجن المؤبد بعد ذلك .
وبذلك حكم بالمؤبد على كل من محي الدين أحمد عبد الله ، عبد الرحيم شنان ، عبد الحفيظ شنان ، حسن إدريس ، محمد علي السيد وأحمد أبوالدهب بدلا من الإعدام .
وقد بلغ مجموع الضباط المحاكمين في انقلاب مايو 1959م إثنين وثلاثين ضابطاً كانت من بينهم أسماء لامعة مثل الصادق محمد حسين وعبد البديع كرار ، الطاهر إبراهيم ، محمود كيلة علي صالح سوار الدهب ، عبد السلام أحمد صالح ، عبد الله الطاهر بكر وكمال بحيري .
أما اللواء احمد عبدالله حامد ، عضو المجلس الأعلى الثالث ، فقد تمت محاكمته بالطرد من القوات المسلحة لما أفادت به التحقيقات عن علمه بالمحاولة وتقاعسه عن التبليغ عنها . وقد ثبت من خلال التحقيق أن محي الدين وشنان اتفقا على توليه رئاسة مجلس الثورة حسماً للخلاف حولها فيما بينهما.
وهكذا دخل أعضاء المجلس الإثنان السجن وتقلبت بهم الأنواء بين سجون شندي وسواكن لبعض الزمان . بينما دخل نظام نوفمبر مرحلة جديدة من عمرهـ ، من بعد محاكمة الرفاق والزج بهم في السجون .. ظن فيها أنه مقبل على سنين من الهدوء والاستقرار ، ولكنه كان ظناً بلا يقين .. فقد كمن الزمان لهم بجديد كان على بعد بضع شهور.




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 02:27 PM   #[14]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الثانية عشر

المقاومة العسكرية لنظام عبود
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
علِى حامد يقود حركة الضباط الأحرار

قاد على حامد محاولة 9 نوفمبرللضباط الأحرار ضد نظام عبود
د. محمود قلندر
انقلاب الضباط الأحرار نوفمبر 1959م :
غني عن القول إن نظام عبود انزعج أيما انزعاج لتلك النزعة الانقلابية التي أخذت تسري بين الضباط في الجيش . فلم تمض أشهر على استلام عبود للسلطة إلا وبدأ الضباط على مستويات مختلفة - اختبار حظهم في الأمر ..
كما سردنا من قبل ، فقد بدأ المسلسل بحركة محي الدين وشنان الأولي في الثاني من مارس .. وحين أصابت المحاولة ، كررها شنان ومحي الدين بعد أيام قليلة ، إذ أعادا قواتهما لتحاصر العاصمة للمرة الثانية بعد يومين ، في الرابع من مارس ، ومن ثم حققا كل أهداف تحركهما الأول ... ثم أعاد شنان ومحي الدين الكرة في مايو .. وفشلا هذه المرة ومن ثم جرت محاكمتهما على نحو ما رأينا .
وبين تحركات شنان الأولى والثانية والثالثة ، كانت هناك بوادر تنم عن أن الضباط الصغار ليسوا ببعيدين عن تلك التحركات . فلم يكن محي الدين وشنان يعملان من فراغ ، بل إن عددا من الضباط صغار الرتبة كانوا أصحاب أدوار إيجابية في تحرك عضوي المجلس الأول والثاني ، وقد دفع أولئك الضباط الثمن سجناً أو طردا من القوات المسلحة . ويمكن أن ندرك حجم مشاركة هؤلاء الضباط الصغار حين نعلم أن عدد الضباط المحاكمين في تحرك شنان ومحي الدين الفاشل بلغ تسعاً وعشرين ضابطاً معظمهم من الرتب الوسطى والصغيرة وهذا العدد يمثل نسبة عالية جداً في ذلك الوقت المبكر من تطور الجيش الوطني .
بيد أن الدليل الأقوى على أن تطلع العسكريين للحكم لم يتوقف على كبار القادة جاء في سياق أخطر المحاولات وأكثرها جرأة على عبود ، وهي محاولة التاسع من نوفمبر عام 1959م .
وتكتسب حركة نوفمبر 1959م ، والمعروفة في التاريخ السياسي العسكري السوداني بحركة على حامد ورفاقه ، أهميتها التاريخية للأسباب الآتية :
أولاً
إنها التحرك الأول الذي يقودهـ ويوجهه الضباط الصغار وحدهم . فقد جاءت الحركة وعلى رأسها بكباشي (مقدم) هو البكباشي على حامد ، بينما ضمت في صفوفها عدداً كبيراً من الضباط من رتبة الصاغ (رائد) واليوزباشي ( النقيب). وبذلك فإن تلك الحركة هي حركة الضباط الشباب الذين لم تجاوز أعمارهم الثلاثينات بأي حال من الأحوال .
وبذلك فإن تحرك نوفمبر 1959م يشكل علامة تاريخية مهمة تشير إلى أن تنظيم الضباط الأحرار كان قد وصل في ذلك الوقت ، إلى قناعة وثقة بأنه يمتلك من الإمكانات البشرية والتنظيمية ما يسمح له بقيادة حركة عسكرية ضد السلطة دون الحاجة إلى التستر خلف القيادت العليا كما فعل في مايو 1959م .
ثانياً :
إن حركة على حامد لم تكن حركة مطلبية عسكرية بحتة ، تتجه إلى تغيير الوجوهـ في المجلس ، أو توسيع دائرة المشاركة فيه كما حدث في حركتي 2 و 4 مارس . فقد استهدفت الحركة الإطاحة الشاملة بعبود ونظامه ونظامه ، ومن ثم رمت إلى إحداث تغيير جذري في الحكم وأنماطه .
ثالثاً :
إن الحركة قدمت الدليل على بعدها السياسي باشتراك عناصر سياسية فيها لأول مرة . فقد شارك الرشيد الطاهر بكر، قطب الإخوان المسلمين المعروف ، في تلك الحركة مشاركة فاعلة ، كما كان هناك عدد من العسكريين من ذوي الميول اليسارية ، كمحمد محجوب عثمان ، والضابط نديم . يضاف إلى ذلك أن عدداً من السياسيين - كالدرديري محمد عثمان ، وأحمد سليمان - كانوا على قرب من المخططين والمنفذين .
رابعاً :
إن هذه الحركة كانت هي الإعلان الأول والأكبر على قيام تنظيم عسكري للضباط انتظمت فيه معظم الرتب الصغيرة . ومنذ هذا التاريخ أصبح لتنظيم الضباط دوراً مهماً وإيجابياً في معظم المنعطفات السياسية الوطنية .
القيادة والتنظيم والتحرك
قاد تحرك نوفمبر 1959م ، ضباط مدرسة الإشارة بأمدرمان ومعهم قائدهم البكباشي على حامد . وكان خطط التحرك تقوم على تحريك قوات من مدرسة المشاة على أن تنضم إليها قوات قادمة من القيادة الشرقية . وبما أن القيادة العسكرية كانت على علم بالمخطط والتحرك ، فقد جرى رصد الاجتماعات ومكانها ، كما جرى مراقبة كافة الضباط الضالعين في التحرك .
وفي يوم التحرك كانت رئاسة الجيش قد استعدت له ، ومن ثم فقد تم اعتقال كافة الضباط المشاركين والمنفذين . وقد ضمت قائمة الضباط المنفذين والمخططين أسماء عدد كبير من العسكريين الذين نرى من المهم إثبات أسماء من وجدنا منهم لندرك البعد السياسي لتحرك نوفمبر 1959م . لقد شارك في التحرك الضباط :
البكباشي على حامد ، الصاغ عبد البديع كرار ، يوزباشي صادق محمد حسن ، البكباشي يعقوب كبيدة ، الصاغ عبد الرحمن كبيدة ، يوزباشي عبد الحميد عبد الماجد ، يوزباشي محمد محجوب عثمان (شقيق عبد الخالق محجوب)، وعبد المنعم محمد عثمان . اليوزباشى عبد الله الطاهر بكر، واليوزباشى بشير محمد علي ، ملازم أول محمد جبارة . كما ضمت (الرشيد الطاهر بكر) وكان وقتها من قيادات حركة الإخوان المسلمين .
وقد جرت لهذا العدد الكبير من الضباط محاكمة عسكرية هي من أطول وأشهر المحاكمات العسكرية السياسية في تاريخ السودان .. وقد قامت الأجهزة الإعلام بتغطية جزء من المحاكمات ، ونشرت الصحف بعضاً من وقائعها . وقد قام عدد من المحامين المرموقين بالدفاع عن الضباط والمدنيين المشاركين ، كان من بين أولئك المحامين محمد أحمد محجوب ، وأحمد سليمان ، وأحمد زين العابدين ، ومنصور خالد وأنور أدهم وكمال رمضان . وقد استحوذت المحاكمات على اهتمام المواطنين ، خاصة موقف الضباط والكلمات الرصينة التي دافعوا بها عن تحركهم ، والتي ذكروا فيها أنهم تحركوا بقناعة ورغبة في التغيير وتحقيق التطلعات الوطنية . وكان الناس يتناقلون في مجالسهم الخاصة كلمات الضباط ودفاعهم .
و قد اعتبرت حركة على حامد من قبل بعض المؤرخين حركة ذات أبعاد سياسية متعددة ، فقد شارك فيها شيوعيون ، وإخوان مسلمون . كما كان من بين مخططيها من هو محسوب على الختمية ، وآخرون محسوبين على حزب الأمة . وبذلك فإنه يمكن اعتبارها حركة عسكرية قومية التوجه .
مهما كان من أمر اتجاهـ المنفذين السياسي ، فقد حوكمت هذهـ الثلة من الضباط أمام محكمة عسكرية انعقدت بالخرطوم في نوفمبر وديسمبر من عام 1959م ترأسها الأميرآلالاي محمد أحمد التجاني ، وجلس في عضويتها كل من القائمقامان إيراهيم النور سوار الذهب ، ويوسف الجاك .
وبعد استماع طويل لدفاع الضباط عن أنفسهم ، أصدرت المحكمة أحكاماً بالإعدام بلغت خمساً ، بينما أصدرت أحكاما بالسجن الطويل على عدد كبير من الضباط الآخرين .
وقد صادق المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، بصفته الهيئة الدستورية الأعلى ، صادق على الأحكام بما فيها الإعدام ، ولكنه وجه بأن يتم الإعدام شنقاً بدلا من الرمي بالرصاص . وبذلك سجل المجلس الأعلى سابقتين بضربة واحدة :
* فهو أولاً أعدم خمسة عسكريين سودانيين - لأول مرة - على يد عسكريين سودانيين .
* وهو ثانياً حرم لأول مرة - الضباط العسكريين شرف الموت بالرصاص ، وهو شرف لم يحرمه للضباط السودانيين حتى المستعمر الذي أعدم ثوار 1924 رمياً بالرصاص .
وقد عم السودان يومها حزن طويل حينما صادق الفريق عبود على إعدام الضباط الخمسة ، وهم : (البكباشى علي حامد ، اليوزباشى عبد الحميد عبد الماجد ، البكباشى يعقوب كبيدة ، الصاغ عبد البديع علي كرار، واليوزباشى الصادق محمد الحسن).
وكما اشتهى المجلس الأعلى ، فقد جرى بالفعل تنفيذ حكم الإعدام في الضباط شنقاً وليس رمياً بالرصاص كما جرى عليه العرف العسكري وكما تقتضيه النظم العسكرية ..
وقد قيل يومها إن المجلس الأعلى كان يخشى من رفض الضباط تنفيذ حكم الرمي بالرصاص في زملائهم ..
وأصدرت المحاكم حكماً بالسجن المؤبد والطرد من الجيش على (محمد محجوب عثمان)، والصاغ (عبد الرحمن كبيدة) ، واليوزباشى (عبد الله الطاهر بكر) بالسجن 14 سنة ، والملازم أول (محمد جبارة) بالسجن 14 سنة ، و (الرشيد الطاهر بكر) بالسجن 5 سنوات.
وورد في تلك المحاكمات أسماء عدد آخر من الضباط لم تجد المحكمة أدلة دامغة وكافية لمحاكمتهم .. وكان من بين تلك الأسماء إسم جعفر محمد نميري ...
ولعله ليس ميسوراً لنا في هذا الوقت بالذات أن نفصل في تكوين ذلك التنظيم الذي قاد حركته على حامد وأهدافه ، فقد كان هناك كثير من الأقوال حول اتجاهات المنظمين ودوافعهم ، بيد أننا يمكن أن نقول أن حركة على حامد كانت أول عمل عسكري منظم قادهـ تنظيم الضباط الأصاغر .. تنظيم الضباط الأحرار.
كما أننا يمكن أن نقول إن تحرك التاسع من نوفمبر هو الدليل القوي على أن الجيش ، منذ 17 نوفمبر 1958م ، كان قد دخل (حوش) السياسة و(توهط) فيه تماماً .
وكان هذا الوثوق في الجلوس هو الذي جعل التنظيم يلملم أطرافه من بعد إعدام عدد من قياداته بعد نوفمبر 1959م . فلم يلبث أن بدأ التنظيم في استقطاب عد كبير من الضباط الصغار الذين دخلوا الجيش على دفعات متتالية منذ عام 1959م - 1960م .
وحينما حل عام 1964م ، كان تنظيم الضباط الأحرار يمارس جل نشاطه التنظيمي في الجنوب بين القوات التي كانت تقاتل في الأحراش . فلم يكن هناك مكان أصلح للاستقطاب والتجنيد لمثل هذا التنظيم إلا ساحةً كساحات القتال حيث يسهل الاقتراب من رفاق السلاح ، إذ تتقارب الرؤى وتوحد الخنادق والبنادق بين أفكار المقاتلين وتطلعاتهم ..
و بعد أن أكمل التنظيم تجمير رجاله في ساحات القتال في الجنوب ، كانت أحداث أكتوبر 1964م ونهاية نظام عبود ، الفرصة المواتية لتنظيم الضباط الأحرار ليبرز في الساحة الوطنية كتنظيم وطني البعد والأهداف ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 02:50 PM   #[15]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الثالثة عشر

المقاومة المدنية لنظام عبود
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
الشيوعيون صادموا 17 نوفمبر .. بالقرافيتي والمنشور والإضراب

أدب المنشور السياسي راج خلال نوفمبر وكان فعالاً
د. محمود قلندر
كان أشهر قرافيتي شيوعي ضد عبود.. «حكمنا عليكم بالإعدام»
لا يمكن لمؤرخ منصف إنكار دور الحزب الشيوعي والنقابات في المقاومة المدنية لنظام إبراهيم عبود خلال النصف الأول من حكمه . فقد كان الحزب الشيوعي والحركة النقابية العمالية يوغر العمال ، كانوا هم السلاح الأمضى في مقاومة نظام إبراهيم عبود بقوة في بدايات سنوات النظام . ومن نافلة القول أن نعيد ما ذكرناهـ سابقاً من مواقف سياسية متناقضة للأحزاب السياسية الكبيرة الثلاثة ، الأمة والإتحادي ، والشعب الديموقراطي ، فقد وقف حزبان مؤيدان لحركة عبود «المباركة» بينما وقف الإتحادي موقفاً سالباً في أول أمرهـ ، أما الشيوعيون فقد رأيناهم بادئ الأمر - وقد استبقوا الإنقلاب ببيان «اليقظة» الشهير، وهو البيان الصادر في الثالث من شهر نوفمبر، في الوقت الذي كانت مطابخ رئاسة الجيش مشغولة بالترتيبات الأخيرة لطبخة الإنقلاب .. وقد حوى البيان - المقال تحذيراً من تكرار تجارب دول شرق آسيا (سيام ، بورما ، باكستان) التى تمكنت الإمبريالية الأمريكية من إحداث عدد من الإنقلابات فيها في مناطق تعتبر جزءاً من نفوذها وبذلك فقد حذر الحزب الشيوعي من إنقلاب أميركي الصنع على نظام أميركي الوجهة (أو كما ظن وقال).
بيان 18 نوفمبر:
الإنقلاب رجعي ولا بد من مقاومته
كنا قد ذكرنا في حلقة سابقة أن الفريق إبراهيم عبود في أول حوار له مع السفير البريطاني بعد الإنقلاب ، أكد للسير شابمان أندروز أنه لا يخشى على حركته إلا من تحرك النقابات . وقال إنه لم يمس النقابات بالحل في بيانه الأول كما فعل مع الأحزاب السياسية ، ولكنه - قال لأندروز - لن يتوانى في التصدي لها إن لم تترك نظامه الجديد وشأنه .
والواقع أن عبود لم يكن يخشى النقابات بقدر خشيته ممن كان يقف وراءها ويحركها ، وهو الحزب الشيوعي . فعبود كان يعلم مسبقاً موقف الحزب الشيوعي من حركته العسكرية ، علم بذلك من بيان الحزب الإستباقي في الثالث من نوفمبر. كما أنه كان على علم تام بسيطرة الشيوعيين على النقابات وخاصة نقابات السكة الحديد ، بكل حجمها وقوتها ومكانتها الطليعية وسط حركة النقابات السودانية .
لذلك فإن حديث عبود مع السفير البريطاني ، كان بالمواربة - هو حديث رفع السبابة في وجه الحزب الشيوعي .
ولم يتردد الحزب الشيوعي في الرد - على سبابة عبود المرفوعة في وجهه - عملياً ..
فقد أصدر الحزب بيانه الأول في نفس ليلة الإنقلاب ، وتم توزيعه صباح الثامن عشر من نوفمبر، فكان بين يدى الطلاب والعمال وموظفى المؤسسات صباح ثاني يوم الإنقلاب .
أما البيان نفسه فقد كان بياناً قصيراً عكس بيانات الحزب التحليلية المعروفة ، إذ كان غرضه تحديد موقف الحزب الشيوعي من الحركة ، خاصة بعد إذاعة بياني السيدين وصمت الإتحادى .
وقد أعاد البيان إلى الأذهان بيان اليقظة السابق الذكر، وقال إن ما توقعه الحزب قد وقع .. قال البيان بوضوح :
* إن الذي حدث صباح اليوم إنما هو إنقلاب رجعي
* وأن الذين قادوا الإنقلاب هم طبقة كبار الضباط (البرجوازية العسكرية)..
* وقال البيان إن الإنقلاب ليس حركة ثورية تستجيب لتطلعات الجماهير .
* وقال إن الإنقلاب هو عملية تسليم وتسلم من قيادات رجعية موالية للإمبريالية إلى قيادة عسكرية موالية هي الأخرى للإمبريالية ..
ومن ثم فقد وضع الحزب الشيوعي - بذلك البيان - قدمه في مواقع المواجهة المبكرة مع نظام عبود .
سلاح القرافيتي السياسي والمنشورات
قامت مواجهة الحزب الشيوعي لنظام عبود على ركنين : الدعاية المضادة ، والفعل المضاد .
أما الدعاية المضادة فكان ركنها الأول هو المنشورات السياسية التي لم ينقطع سيلها حتى نهاية النظام في أكتوبر 1964م وكانت منشورات الحزب الشيوعي المشهورة «بالبيان» في مجملها تحليل يقوم على تحليل الأحداث السياسية وفضح مواقف نظام 17 نوفمبر مع توضيح موقف الحزب الشيوعي منها. وكانت تلك البيانات في عمومها ثيرمومتراً للأحداث واتجاهاتها ، كما كانت وسيلة إعلام لقطاعات واسعة من العمال والطلاب والموظفين ، إذ لم تكن تمد بالتحليل فحسب ، بل وبالأخبار والمعلومات المحجوبة من قبل الدولة . وكان تأثير هذهـ المنشورات الحزبية السلبي بليغاً على السلطة حتى أن وزارة الداخلية توسعت في تلك الفترة في إنشاء قسم الأمن الداخلي الذي أنشأ وحدة خاصة مهمتها متابعة منشورات الحزب الشيوعي وتحليلها ، إضافة إلى محاولة معرفة مقر طباعتها والأدوات المستعملة في الطباعة . وقد قامت أجهزة الأمن في تلك الفترة بتسجيل ماكينات الرونيو كافة وأنواعها في البلاد ، كما قامت بوضع ماكينات الطباعة في المؤسسات والوحدات الحكومية وحتى الشركات الخاصة تحت الرقابة اللصيقة لأجهزة الأمن .
القرافيتي .. ابتداع وتأثير قوي على الرأي العام
أما الركن الثاني في سلاح الدعاية المضادة فقد كان أسلوباً فريداً؟ وإن لم يكن جديداً - أدخله الحزب الشيوعي للمخاطبة الجماهيرية استبدل به صحافته المصادرة ولياليه السياسية الممنوعة..
كان سلاح الحزب الدعائي هو القرافيتي السياسي ..
والقرافيتي في أساسه هو عمل إتصالي دعائي فني يقوم على استعمال حوائط المباني والمركبات للتعبير الفني أو الأدبي من قبل الأفراد أو الجماعات غير القادرة على التعبير عن نفسها من خلال أجهزة الإتصال المتاحة في المجتمع لأسباب إجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ..
ويظهر أدب القرافيتي الفني دائماً في مناطق وأحياء المهمشين ، وقد ظهر في الغرب في مدن مثل نيويورك ولندن وباريس .. ففي مدينة نيويورك مثلاً امتلأ ويمتلئ حي هارلم ، كما تمتلئ قطارات الأنفاق ، بقرافيتي فني وأدبي وأحياناً سياسي ، يعبر عن مكنونات الأفراد ..
ثم انتقل هذا الفن إلى السياسة بواسطة جماعات المقاومة السرية اليسارية في أميركا اللاتينية وكوبا وجنوب شرق آسيا في الخمسينات من القرن الماضي ..
وقد أدخل الحزب الشيوعي السوداني أدب القرافيتي السياسي في السودان منذ عهدالإستعمار، حينما كان الحزب جبهة معادية للإستعمار، وعبر من خلال القرافيتي عن مواقفه السياسية ورفع شعاراته من خلالها .. كمناهضته للمعونة الأميركية ، وزيارة نكسون إلى البلاد ..
ومع اشتداد الخناق على الشيوعيين في سنوات عبود الأولى لجأ الشيوعيون إلى القرافيتي للتعبير عن رأيهم ولكسب الرأي العام لمواقفهم .. فكان القرافيتي الشيوعي يملأ حوائط المدارس الإستراتيجية ، كمدرسة المؤتمر الثانوية بأمدرمان ، ليعلن عن مواقف الشيوعيين ، ويعبئ الجماهير حول قراراته وخطواته .. كدعواته للإضراب ، ومقاطعة المواقف والبرامج والقرارات الحكومية ، مثل ترحيل أهالي حلفا ومؤازرة المواقف الأميركية في الكونغو.
ولعل أشهر قرافيتي شيوعي مناهض لنظام عبود هو ذلك الذي رد به الشيوعيون على شعار نظام نوفمبر «أحكموا علينا بأعمالنا» بالقول «حكمنا عليكم بالإعدام».. والذي امتلأت به حوائط المدارس والمؤسسات في العاصمة وبورتسودان وعطبرة ومدني والأبيض ..
ويمكن إعتبار قرافيتي الشيوعيين في نوفمبر من أقوى أسلحة الدعاية عند ذلك الحزب ، وواحدة من أسباب جماهيريته وتأثيرهـ في ذلك الوقت .
وفي التقدير أن منشورات وقرافيتي الحزب الشيوعي من المجالات التي تتطلب الدراسة من قبل طلاب الإعلام والعلوم السياسية ..
تصادم نوفمبر مع العمال وسلاح الإضراب
منذ يومهم الأول وجد العمال أنفسهم في مواجهة عبود . فبعد أقل من شهر من وعد عبود للسفير البريطاني حول النقابات ، أصدر نظام نوفمبر قرارهـ المتوقع بحل اتحاد نقابات العمال في الثالث من ديسمبر 1958م كما صدر قرار بإغلاق دور وصحف الإتحاد .
وبمثل ذلك العداء لم يكن أمام العمال إلا اللجوء إلى الأسلوب الذي يجيدونه تماماً ، الإضراب . استعمل العمال ، بمؤازرة من الحزب الشيوعي ، سلاح الإضراب استعمالاً واسعاً ، وتمكنوا من شل حركة أهم شريان ناقل في السودان وقتها - السكة الحديد - لفترات مختلفة من سنوات الحكم العسكري .
بتصاعد المواجهة بين النقابات ونظام عبود ، قرر النظام وضع الحركة النقابية تحت جناحه ، فقام بإلغاء قانون العمل والعمال لسنة 1948م ، وهو ذلك القانون الذي وضعه المستعمر البريطاني ومنح بموجبه الحركة العمالية حرية واسعة ، فقامت بموجبه الحركة العمالية واكتسبت شرعيتها كممثل للعاملين ومندوب عنهم في التعامل مع الحكومة . وبإلغاء القانون وحل النقابات دق نظام عبود بينه وبين العمال عطر منشم ، وفتح على نفسه أبواب الرياح العمالية العاتية .
بعد شهر واحد من حل الإتحاد اعتقل النظام رئيس ونائب رئيس اتحاد العمال ، وتم تقديمهما وعدد من قيادات العمال لأول محكمة عسكرية لمدنيين في تاريخ السودان .. وقد حكمت المحكمة على تسعة منهم بسجون متفاوتة حسب قانون ولائحة دفاع السودان اللذين صارا - منذ ذلك الوقت - السوط الذي جلد به نظام عبود الحركة السياسية الوطنية .
وهكذا دخل الصراع بين حكم نوفمبر والعمال نفق اللا عودة .. وتوالت إضرابات العمال ..
* جاء أول إضراب للعمال في نوفمبر 1959م ، حيث قدم العمال مذكرة تطالب بإطلاق سراح القيادة العمالية المحاكمة بالسجن الطويل ، كما طالبوا بإعادة النقابات .. وتلى اعتقال مقدمي المذكرة إضراب جزئي للعمال في الخرطوم صاحبه إضراب لطلاب الجامعة في نفس الإسبوع .
* في يونيو 1961م أضرب عمال السكة الحديد ، وكان ذلك من أشهر إضرابات العمال إذ امتد الإضراب لأسبوع كامل وتمكن من شل حركة النقل الداخلى شللاً كاملاً . وقد قامت الحكومة بإجراءات تعسفية جديدة تم بموجبها حل النقابة التي كانت قد تكونت تحت قانون جديد ، وألقت بقيادتها في السجون .
* ثم تلى ذلك إضراب يوليو 61 والذي شاركت فيه معظم وحدات السكة الحديد ، وإن لم يكن كلها .
لجأ نظام نوفمبر - من بعد ذلك - إلى تكتيك شق الحركة العمالية واستقطاب بعض قياداتها . وقد نجح النظام في ذلك إلى حد ما ، فعقد مؤتمراً عمالياً أشرفت عليه الحكومة في أغسطس 1963م ، وتمكنت من تصعيد قيادات مهادنة . وبالرغم من ذلك تمكنت الحركة العمالية الشرعية بمؤازرة الشيوعيين من تحويل ذلك المؤتمر لصالح النقابة الشرعية ، فانتهي المؤتمر لصالح وحدة الحركة العمالية ، إذ نادى المؤتمر في توصياته النهائية بوحدة الحركة النقابية ، وطالب بعودة النقابات الشرعية ، وهو ما أضطر الحكومة للقبول بقرارات المؤتمر وأعيدت النقابات الشرعية .
وقد ظلت القيادات العمالية تتعرض إلى السجن والتشريد لفترات مختلفة حتى أغسطس 1964م ، قبل أن يتم حل النقابة المؤقتة للسكة الحديد ، وإلغاء المؤتمر الذي كانت الحركة العمالية قد إستعدت لإكتساح الإنتخابات فيه ..
الشيوعيون وتكتيك التفتيت الداخلي
بالرغم من مواقف الشيوعيين الصلبة في بداية نظام نوفمبر، عاد الشيوعيون في العام 1962م ، يدعون إلى المشاركة في مؤسسات نظام نوفمبر، وقاموا بترشيح عدد من أعضائهم في انتخابات المجالس المحلية . وقد برر الشيوعيون ذلك بمبدأ التفتيت الداخلي المعروف ، وكان الشيوعيون قد انسحبوا في أواخر العام 1962م من تجمع الأحزاب المكون لمناهضة نظام عبود ، بدعوى أن التجمع لم يوافق على اقتراح الحزب بالإضراب السياسي كوسيلة لإسقاط النظام . وقد مهد لهم ذلك الإنسحاب التعامل مع انتخابات المجالس المحلية ، التي اعتبرها الشيوعيون مكاسب تحققت بفعل النضال الجماهيري .
هناك تفسيرات كثيرة لموقف الشيوعيين المعتدل تجاهـ عبود منذ منتصف 1962م ، لعل أقربها إلى الواقع هو ذلك التحسن الذي طرأ على العلاقات بين نظام نوفمبر والإتحاد السوفيتي الذي لعب فيه عبد الناصر دوراً بارزاً ، كرد جميل لعبود على مواقفه من مصر . وقد بلغ حد التحسن في العلاقات أن زار برجنيف الخرطوم ، كواحدة من الزيارات القليلة لسكرتير الحزب الشيوعي السوفيتي لأفريقيا .
ومهما يكن من أمر التفسير، فإن موقف الشيوعيين المهادن ظل على حاله حتى تبدل مع تسارع الأحداث في أسبوع شهر أكتوبر الأخير من العام 1964م.





التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 06:12 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.