الحلقة الثانية عشر
المقاومة العسكرية لنظام عبود
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
علِى حامد يقود حركة الضباط الأحرار
قاد على حامد محاولة 9 نوفمبرللضباط الأحرار ضد نظام عبود
د. محمود قلندر
انقلاب الضباط الأحرار نوفمبر 1959م :
غني عن القول إن نظام عبود انزعج أيما انزعاج لتلك النزعة الانقلابية التي أخذت تسري بين الضباط في الجيش . فلم تمض أشهر على استلام عبود للسلطة إلا وبدأ الضباط على مستويات مختلفة - اختبار حظهم في الأمر ..
كما سردنا من قبل ، فقد بدأ المسلسل بحركة محي الدين وشنان الأولي في الثاني من مارس .. وحين أصابت المحاولة ، كررها شنان ومحي الدين بعد أيام قليلة ، إذ أعادا قواتهما لتحاصر العاصمة للمرة الثانية بعد يومين ، في الرابع من مارس ، ومن ثم حققا كل أهداف تحركهما الأول ... ثم أعاد شنان ومحي الدين الكرة في مايو .. وفشلا هذه المرة ومن ثم جرت محاكمتهما على نحو ما رأينا .
وبين تحركات شنان الأولى والثانية والثالثة ، كانت هناك بوادر تنم عن أن الضباط الصغار ليسوا ببعيدين عن تلك التحركات . فلم يكن محي الدين وشنان يعملان من فراغ ، بل إن عددا من الضباط صغار الرتبة كانوا أصحاب أدوار إيجابية في تحرك عضوي المجلس الأول والثاني ، وقد دفع أولئك الضباط الثمن سجناً أو طردا من القوات المسلحة . ويمكن أن ندرك حجم مشاركة هؤلاء الضباط الصغار حين نعلم أن عدد الضباط المحاكمين في تحرك شنان ومحي الدين الفاشل بلغ تسعاً وعشرين ضابطاً معظمهم من الرتب الوسطى والصغيرة وهذا العدد يمثل نسبة عالية جداً في ذلك الوقت المبكر من تطور الجيش الوطني .
بيد أن الدليل الأقوى على أن تطلع العسكريين للحكم لم يتوقف على كبار القادة جاء في سياق أخطر المحاولات وأكثرها جرأة على عبود ، وهي محاولة التاسع من نوفمبر عام 1959م .
وتكتسب حركة نوفمبر 1959م ، والمعروفة في التاريخ السياسي العسكري السوداني بحركة على حامد ورفاقه ، أهميتها التاريخية للأسباب الآتية :
أولاً
إنها التحرك الأول الذي يقودهـ ويوجهه الضباط الصغار وحدهم . فقد جاءت الحركة وعلى رأسها بكباشي (مقدم) هو البكباشي على حامد ، بينما ضمت في صفوفها عدداً كبيراً من الضباط من رتبة الصاغ (رائد) واليوزباشي ( النقيب). وبذلك فإن تلك الحركة هي حركة الضباط الشباب الذين لم تجاوز أعمارهم الثلاثينات بأي حال من الأحوال .
وبذلك فإن تحرك نوفمبر 1959م يشكل علامة تاريخية مهمة تشير إلى أن تنظيم الضباط الأحرار كان قد وصل في ذلك الوقت ، إلى قناعة وثقة بأنه يمتلك من الإمكانات البشرية والتنظيمية ما يسمح له بقيادة حركة عسكرية ضد السلطة دون الحاجة إلى التستر خلف القيادت العليا كما فعل في مايو 1959م .
ثانياً :
إن حركة على حامد لم تكن حركة مطلبية عسكرية بحتة ، تتجه إلى تغيير الوجوهـ في المجلس ، أو توسيع دائرة المشاركة فيه كما حدث في حركتي 2 و 4 مارس . فقد استهدفت الحركة الإطاحة الشاملة بعبود ونظامه ونظامه ، ومن ثم رمت إلى إحداث تغيير جذري في الحكم وأنماطه .
ثالثاً :
إن الحركة قدمت الدليل على بعدها السياسي باشتراك عناصر سياسية فيها لأول مرة . فقد شارك الرشيد الطاهر بكر، قطب الإخوان المسلمين المعروف ، في تلك الحركة مشاركة فاعلة ، كما كان هناك عدد من العسكريين من ذوي الميول اليسارية ، كمحمد محجوب عثمان ، والضابط نديم . يضاف إلى ذلك أن عدداً من السياسيين - كالدرديري محمد عثمان ، وأحمد سليمان - كانوا على قرب من المخططين والمنفذين .
رابعاً :
إن هذه الحركة كانت هي الإعلان الأول والأكبر على قيام تنظيم عسكري للضباط انتظمت فيه معظم الرتب الصغيرة . ومنذ هذا التاريخ أصبح لتنظيم الضباط دوراً مهماً وإيجابياً في معظم المنعطفات السياسية الوطنية .
القيادة والتنظيم والتحرك
قاد تحرك نوفمبر 1959م ، ضباط مدرسة الإشارة بأمدرمان ومعهم قائدهم البكباشي على حامد . وكان خطط التحرك تقوم على تحريك قوات من مدرسة المشاة على أن تنضم إليها قوات قادمة من القيادة الشرقية . وبما أن القيادة العسكرية كانت على علم بالمخطط والتحرك ، فقد جرى رصد الاجتماعات ومكانها ، كما جرى مراقبة كافة الضباط الضالعين في التحرك .
وفي يوم التحرك كانت رئاسة الجيش قد استعدت له ، ومن ثم فقد تم اعتقال كافة الضباط المشاركين والمنفذين . وقد ضمت قائمة الضباط المنفذين والمخططين أسماء عدد كبير من العسكريين الذين نرى من المهم إثبات أسماء من وجدنا منهم لندرك البعد السياسي لتحرك نوفمبر 1959م . لقد شارك في التحرك الضباط :
البكباشي على حامد ، الصاغ عبد البديع كرار ، يوزباشي صادق محمد حسن ، البكباشي يعقوب كبيدة ، الصاغ عبد الرحمن كبيدة ، يوزباشي عبد الحميد عبد الماجد ، يوزباشي محمد محجوب عثمان (شقيق عبد الخالق محجوب)، وعبد المنعم محمد عثمان . اليوزباشى عبد الله الطاهر بكر، واليوزباشى بشير محمد علي ، ملازم أول محمد جبارة . كما ضمت (الرشيد الطاهر بكر) وكان وقتها من قيادات حركة الإخوان المسلمين .
وقد جرت لهذا العدد الكبير من الضباط محاكمة عسكرية هي من أطول وأشهر المحاكمات العسكرية السياسية في تاريخ السودان .. وقد قامت الأجهزة الإعلام بتغطية جزء من المحاكمات ، ونشرت الصحف بعضاً من وقائعها . وقد قام عدد من المحامين المرموقين بالدفاع عن الضباط والمدنيين المشاركين ، كان من بين أولئك المحامين محمد أحمد محجوب ، وأحمد سليمان ، وأحمد زين العابدين ، ومنصور خالد وأنور أدهم وكمال رمضان . وقد استحوذت المحاكمات على اهتمام المواطنين ، خاصة موقف الضباط والكلمات الرصينة التي دافعوا بها عن تحركهم ، والتي ذكروا فيها أنهم تحركوا بقناعة ورغبة في التغيير وتحقيق التطلعات الوطنية . وكان الناس يتناقلون في مجالسهم الخاصة كلمات الضباط ودفاعهم .
و قد اعتبرت حركة على حامد من قبل بعض المؤرخين حركة ذات أبعاد سياسية متعددة ، فقد شارك فيها شيوعيون ، وإخوان مسلمون . كما كان من بين مخططيها من هو محسوب على الختمية ، وآخرون محسوبين على حزب الأمة . وبذلك فإنه يمكن اعتبارها حركة عسكرية قومية التوجه .
مهما كان من أمر اتجاهـ المنفذين السياسي ، فقد حوكمت هذهـ الثلة من الضباط أمام محكمة عسكرية انعقدت بالخرطوم في نوفمبر وديسمبر من عام 1959م ترأسها الأميرآلالاي محمد أحمد التجاني ، وجلس في عضويتها كل من القائمقامان إيراهيم النور سوار الذهب ، ويوسف الجاك .
وبعد استماع طويل لدفاع الضباط عن أنفسهم ، أصدرت المحكمة أحكاماً بالإعدام بلغت خمساً ، بينما أصدرت أحكاما بالسجن الطويل على عدد كبير من الضباط الآخرين .
وقد صادق المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، بصفته الهيئة الدستورية الأعلى ، صادق على الأحكام بما فيها الإعدام ، ولكنه وجه بأن يتم الإعدام شنقاً بدلا من الرمي بالرصاص . وبذلك سجل المجلس الأعلى سابقتين بضربة واحدة :
* فهو أولاً أعدم خمسة عسكريين سودانيين - لأول مرة - على يد عسكريين سودانيين .
* وهو ثانياً حرم لأول مرة - الضباط العسكريين شرف الموت بالرصاص ، وهو شرف لم يحرمه للضباط السودانيين حتى المستعمر الذي أعدم ثوار 1924 رمياً بالرصاص .
وقد عم السودان يومها حزن طويل حينما صادق الفريق عبود على إعدام الضباط الخمسة ، وهم : (البكباشى علي حامد ، اليوزباشى عبد الحميد عبد الماجد ، البكباشى يعقوب كبيدة ، الصاغ عبد البديع علي كرار، واليوزباشى الصادق محمد الحسن).
وكما اشتهى المجلس الأعلى ، فقد جرى بالفعل تنفيذ حكم الإعدام في الضباط شنقاً وليس رمياً بالرصاص كما جرى عليه العرف العسكري وكما تقتضيه النظم العسكرية ..
وقد قيل يومها إن المجلس الأعلى كان يخشى من رفض الضباط تنفيذ حكم الرمي بالرصاص في زملائهم ..
وأصدرت المحاكم حكماً بالسجن المؤبد والطرد من الجيش على (محمد محجوب عثمان)، والصاغ (عبد الرحمن كبيدة) ، واليوزباشى (عبد الله الطاهر بكر) بالسجن 14 سنة ، والملازم أول (محمد جبارة) بالسجن 14 سنة ، و (الرشيد الطاهر بكر) بالسجن 5 سنوات.
وورد في تلك المحاكمات أسماء عدد آخر من الضباط لم تجد المحكمة أدلة دامغة وكافية لمحاكمتهم .. وكان من بين تلك الأسماء إسم جعفر محمد نميري ...
ولعله ليس ميسوراً لنا في هذا الوقت بالذات أن نفصل في تكوين ذلك التنظيم الذي قاد حركته على حامد وأهدافه ، فقد كان هناك كثير من الأقوال حول اتجاهات المنظمين ودوافعهم ، بيد أننا يمكن أن نقول أن حركة على حامد كانت أول عمل عسكري منظم قادهـ تنظيم الضباط الأصاغر .. تنظيم الضباط الأحرار.
كما أننا يمكن أن نقول إن تحرك التاسع من نوفمبر هو الدليل القوي على أن الجيش ، منذ 17 نوفمبر 1958م ، كان قد دخل (حوش) السياسة و(توهط) فيه تماماً .
وكان هذا الوثوق في الجلوس هو الذي جعل التنظيم يلملم أطرافه من بعد إعدام عدد من قياداته بعد نوفمبر 1959م . فلم يلبث أن بدأ التنظيم في استقطاب عد كبير من الضباط الصغار الذين دخلوا الجيش على دفعات متتالية منذ عام 1959م - 1960م .
وحينما حل عام 1964م ، كان تنظيم الضباط الأحرار يمارس جل نشاطه التنظيمي في الجنوب بين القوات التي كانت تقاتل في الأحراش . فلم يكن هناك مكان أصلح للاستقطاب والتجنيد لمثل هذا التنظيم إلا ساحةً كساحات القتال حيث يسهل الاقتراب من رفاق السلاح ، إذ تتقارب الرؤى وتوحد الخنادق والبنادق بين أفكار المقاتلين وتطلعاتهم ..
و بعد أن أكمل التنظيم تجمير رجاله في ساحات القتال في الجنوب ، كانت أحداث أكتوبر 1964م ونهاية نظام عبود ، الفرصة المواتية لتنظيم الضباط الأحرار ليبرز في الساحة الوطنية كتنظيم وطني البعد والأهداف ..