قطع شجرتها وكتل دبيبتها الجزيرة أبا: درة حفها التاريخ واحتوتها البطولات
[frame="7 80"] قطع شجرتها وكتل دبيبتها
الجزيرة أبا: درة حفها التاريخ واحتوتها البطولات
بقلم: أمير الشعراني
الامام عبد الرحمن المهدى ظاهرة متعددة المواهب متنوعة السجايا، تتفتح في كل جانب عن قلب إنسان كبير يعشق العمل، والجهاد في سبيل بلاده، هكذا وصفه الدكتور عبد الحليم وهو احد مستشاريه الاوفياء .
والسيد عبد الرحمن المهدي زعيم ديني كبير، وقائد وطني محنك، ورجل سياسة ودولة، ومال وأعمال واقتصاد، وصاحب إسهامات اجتماعية وخيرية جمّة، ظل متألقاً في سماء السودان لستة عقود من الزمان، وما من مرفق في الحياة إلا وترك بصماته واضحة عليه، وفوق هذا وذاك نهضت على كتفية مدينة الجزيرة بحكاياتها وبطولاتها وحاضرها وعبق تاريخها الجميل.
(1)
بعد هزيمة قوات المهدية فى ام دبيكرات تولى السيد عبد الرحمن المهدى أمر اسرته الصغيرة، كان وقتها في باكورة شبابه، عمره وقتها لم يتجاوز الأربعة عشر عاماً، ورغم صغره اهتم بالأسرة وبنى لهم الرواكيب الصغيرة التي قضى عليها حريق اضطرهم إلى أن يرحلوا إلى جزيرة الفيل وفى صحبتهم قوة من الانصار قوامها ثمانية رجال كان واجبها مرافقة اسرة المهدى، ومنهم أكتسب الإمام قوته ومجتمعه الصغير، واهتم بالزراعة المطرية وفلاحة الجروف يعينه في ذلك الجهد المضني النساء والصبيان من آل المهدي وآل شريف..
(2)
انتقل الامام عبد الرحمن المهدي من جزيرة الفيل الى الجزيرة بعد ان تقدم بطلب تصديق يسمح له باقامة مشروع زراعي، كان طلبه معنوناً "من عبد الرحمن المهدى" الامر الذى رفضه المفتش الانجليزى مخاطباً معاونيه وقال اذا كتب "عبد الرحمن محمد احمد" أعطوه التصديق. ولكن السيد عبد الرحمن المهدي رفض التنازل واصر فى قوة وعناد..
أرسل وفد انجليزى لتفقد الارض التى يرغب الامام فى اقامة مشروعه الزراعي فيها فكتبوا عنها :
" انها ارض قاحلة مليئة بالثعابين ولا تصلح للزراعة" . الامر الذى جعل المفتش الانجليزى يتنازل عن قراره ويصدق للامام عبد الرحمن المهدى باقامة مشروعه الزراعي بالجزيرة أبا .
(3)
بدأ الإمام عبد الرحمن في زراعة الجزيرة أبا عام 1908 وفلح الأرض على نهج تقليدي يعينه بعض الأنصار ممن وفدوا إليه ولحقوا به تباعاً..
فأتى مفتش الزراعة ليسخر من مشروعهم الوليد فوجد امامهم شجرة مقطوعة امامها ثعبان كبير الحجم قتله الانصار فقال متعجباً: سودانى تمام قطع شجرتها وكتل دبيبتها ..
وفى العام (1915) سجلت الحكومة جزء من أراضى الجزيرة أبا باسم ورثة المهدي لتنبت البذور وتثمر ببركة الامام وفلاحة الانصار وتنهض الجزيرة أبا بوفود الانصار الذين حجوا اليها من كل حدب وصوب ، نصرةً لابن المهدى ..
تعاهد الأنصار برعايتها وزراعتها ، فيما وجد الإمام من قطع حطب الحريق من غابات الجزيرة أبا مصدراً آخر لدعم ثروته إذ تعهد لبعض الدوائر الحكومية بتوريد حاجاتها من الحطب بعد أن توقف استيراد الفحم الحجري من أوروبا بسبب الحرب العالمية الاولى ..
(4)
نجاح الامام عبد الرحمن في زراعة الجزيرة أبا بمعاونة أبناء أخويه عبد الله الفاضل ومحمد الخليفة شريف وبعض الخواجات مثل كونت ميخالوص. لم يصرفه عن دعم الاستقلال وقد كان له دور كبير فى رتق الخلاف الذى شب بين دعاة الاستقلال ودعاة الاتحاد من مناوشات عنيفة، وكان الإمام كلما طار منها شرر أطفأه بأياديه البيضاء حتى تنازلت دولتي الحكم الثنائي وجرت الانتخابات في 1953 وكسبتها الأحزاب الاتحادية برئاسة السيد إسماعيل الأزهري.
بعد ذلك شهدت الجزيرة أبا زيارة تاريخية خاصة جداً سجلها الزعيم اسماعيل الازهري إلى دار الإمام وأخبره فيها، بأنه سيطرح فكرة الاستقلال من داخل قبة البرلمان فأشاد به الإمام ودعا له بالخير والتوفيق.
(5)
ولأن المساجد بيوت الله جل وعلا، وهي خير بقاع الأرض، تعلقت بها قلوب المحبين لله عز وجل، لنسبتها إلى محبوبهم..
قلوب المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، وأقدام العابدين إلى بيوت معبودهم مترددة، تلك: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً ولو مثل مِفْحَصِ قُطَاة، بنى الله له بيتاً في الجنة)..
ومسجد الكون في الجزيرة أبا، يستحق ان نقف عنده ونحن نوثق لنفحات من سيرة الجزيرة أبا، بأقدام العابدين وقلوب المحبين لله تعالى، الطامعين في مغفرته..
(6)
مسجد الكون، كونٌ من المعمار والتاريخ ونضال الرجال، يعتبر أحد أكبر مساجد السودان مساحة وشُهرة ...
أسسه الامام محمد أحمد بن السيد المهدي حين لجأ إلى الجزيرة متعبداً حيناً، ومقاتلاً للمستعمر في أحايين..
أعاد بناءه الإمام الهادي عبدالرحمن المهدي بعد أن أوكل أمره للشيخ محمد أحمد أحيمر، قبل ان يغادر الجزيرة أبا مكرهاً في الواحدة صباحاً من فجر 31 مارس 1970م قبل أن يُقتل على مشارف الكرمك عقب أحداث الجزيرة أبا وهو في طريقه لأثيوبيا...
شهد مسجد الكون أحداثاً عاصفة على مدى عقود من الزمان، حلّقت فوقه الطائرات ودارت حوله القذائف وسقطت عليه المنشورات، لكن بركة القرآن وقداسة بيت الله وعنايته حفظت المسجد من كل مكروه..
(7)
هذه نفحات من حكاية رجل ومدينة وصفحة اولى من كتاب ملئ بالحكى فمن يجود علينا بالسرد والتوثيق .[/frame]
|