منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 27-05-2013, 12:56 PM   #[1]
الرشيد اسماعيل محمود
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الرشيد اسماعيل محمود
 
افتراضي وقائع عند منتصف الليل تماماً..!!

الثانية عشرة منتصف الليل، باحة المطار تشهد حركة لا تنتهي؛ جموع من المغادرين رفقة مودعيهم من الأهل والأصدقاء، ضجيج الطائرات الهابطة، نداءات إعلام المطار المتواصلة، كنت أتأمّل المسافرين ومودِّعيهم، الحقائب التي يجرُّها الناس خلفهم، الابتسامات التي تطوف بالمكان، الأضواء الخافتة، الأطفال العابثين، النساء الماهرات في اختيار الموضة، الأيدي والأرجل المخططة برسومات حناءٍ تبدو كلعبة متاهة ثعبانية.
المساطب الملساء التي ينتهي أعلاها علي شكلٍ هرميٍّ كثير الشبه بالشمسيات الضخمة، جعلت من الناس تحتها، كقوم يثقون في ربِّهم كثيراً، أدّوا صلاةً للاستسقاء للتو، ثمّ جلسوا بانتظار المطر.
كنتُ في ساحة المطار، أتفرّس في الملامح العامّة، فقفزتْ إلي ذهني محطات القطار، والحزن الحقيقي للإنسان، الدموع، الايدي الملوِّحة، القطار الذي يخرج من المدينة للمجهول، الغبار الناتج عن تزاحم البشر المودعين، التأوهات وحشرجات الأهل والأصدقاء، الوصايا العجولة والجوّابات التي تنتفخ بها الحقائب اليدوية، الإمتلاء والألفة وكلُّ أمر حميم، فبدا لي أن أحزان الفراق أكثر اخضراراً في محطات القطار الدافئة، منها في مطارات السفر المضاءة.
وأنا في مقارناتي التي لا تنتهي، حيلتي في الابتعاد عن الاسئلة الكئيبة، نظرت أمامي فإذا بها، نزلتْ عن التاكسي ذي اللون الأصفر، ثمّ أتت تمشي بثقة ملحوظة، وقع قدميها علي الرصيف جعلني أخمِّن أنها تستمع عبر سمّاعات الأذن لأغنية "الشوق والريد"، بالرغم من أنّ هيئتها العامّة تقول بعكس ذلك. ترتدي بنطلوناً أسود، وبلوزة بلونٍ بيج خفيف، وعلي كتفها الايسر شنطة جلدية سوداء خفيفة، شعرها معقوف للوراء بطريقة مميّزة، ما زاد من إثارة اهتمام الناس بها.
إلتقت عندها نظرات الجميع لأجل اختلاسها، كان علي الجميع ترك ما يشغلهم، والإلتفات لرؤية ما يجب أن يُري، بدأتُ أتأملها وهي قادمة، تخطو باتجاهي مباشرة، حتي وازتني ثم عبرتني، أحسستُ بطيف من النسيم النبيل يعبر معها، يتجاوزني الطيف بنُبله، يصير خلفي، يتخفي، ألتفت لأتأكد من برهان وجودها، تدخل مكتب اجراءات تأشيرة خروج المسافرين، تخرج بعد هنيهة، تقف في مكان بعيد عن الناس، قريب مني، بؤرة الهواجس والرؤي والشجن، أخرجتْ هاتفها من حقيبتها، بحركة لا واعية وجدتني أُخرج هاتفيَ المحمول من جيبي، أجرت اتصالاً، بدأتْ تتحدّث، تري من هو الطرف الآخر هذا، فجأة قفز في ذهني تساؤل موجع مفاده أنْ هل يمكن أن يغِير الانسان علي شئ لا يملكه؟، هل يمكن أن تتملكك الغيرة علي إنسان لمحته للتو، لا تعرف عنه شيئاً ولم ينتبه لوجودك معه في فضاء واحد؟
كانت تقف بهيئة تشبه الامتنان، تتحدّث بهدوء هامس كأنها تخشي إيقاظ طفل مشاغب بجوارها نام بعد جهد كبير، بصري معلَّق بها، بوقفتها، بالزجاج خلفها، أبحلق فيها بتمعن رسام بورتريه حاذق، أنهت محادثتها، أعادت الهاتف لحقيبتها، نظرت لساعة معصمها الذهبية اللامعة، وأطلقت زفرة موجعة، ارتعدتُ أنا من مكاني رعدة خفيفة، مثلما تفعل الدواب حين تهم بهشِّ حشرة مشاغبة عن ظهرها، حينها أيقنتُ أن الله لم يخلق الأنثي إلا لكي ندرك أن الانسان حالة من الظمأ الابدي للحياة، وهل الحياة سواها!.
كانت في وقفتها، لا يُعرف لها لونٌ أو شبه، تبدو ككلِّ البنات ولكنها لا تشبههن، فاتنة في تلك العتمة والأضواء الخفيفة، كنت أراها وغلالة من الحرقة تعمي ناظريّ، والجموع المتواثبة تحجب عني مرآها حيناً لتتبدّي حيناً آخر، لكن في الحقيقة، ليست الجموع ما كان يحجبها حيناً بعد آخر، بل لأنها لم تُخلق لأمر آخر غير هذا التبدّي والاختباء وترك الحيرة والحسرة غصّة في القلب لا يزيلها تدفق الأيّام.
مع ذلك، كنت قادراً علي رؤيتها من تلك الزاوية حتي وهي في حالة التخفي، فالمرءُ يمكن أن يفلح في أيِّ شأنٍ كان، فقط إذا استطاع أن يجعله همّه الأوّل.



التعديل الأخير تم بواسطة الرشيد اسماعيل محمود ; 28-05-2013 الساعة 12:54 AM.
الرشيد اسماعيل محمود غير متصل   رد مع اقتباس
 

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 06:33 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.