علي الكعيب
وعلي الكعيب كان حبيس بداوته فهو ينتمي الى عربان الهواوير الذين كانوا ينزلون النيل في مروي وجوارها للعمل في جمع التمر وحفر الآبار وبيع العطرون والحرجل والمحريب، لكنه لم يكن هواريا كان اسود البشر وقيل انه من الرقيق (اخس وتبا لها من عبارة) كان يتصرف كهواري ويعمل ما يعمله الهواوير - كانوا ياتون من بعيد من مضاربهم في صحراء بيوضة - يمتطون ظهور الجمال - ياتون رجالا ونساء واطفال فالوطن يكون حيث يتيسر الرزق.
لماذا سمي الكعيب - لقب اطلقه عليه الشايقية في الغالب فاضافوا اليه محبسا ثالثا وهو ليس ناقصا اصلا.
نحيف ريقه اجف من وديان الصحراء الكبرى دائم الاستعجال - ينجز ما يوكل اليه في زمن وجيز - فلماذا يلقب بالكعيب اذن وقد استكثروا عليه اسم او لقب كعب فصغروه الى هذا حد المقيت.
وعلي كان قانع بحياته لا يكترث الا لشي واحد - جمله او بعيره - كان نحيفا مثله يحمل من القراد حمولة معتبرة لذا كان علي زبونا دائما لاصحاب المدابغ البلدية يتسولهم القطران ويشتريه احيانا .
كنا نراه يتبختر وهو يقود جمله ويترفق به لدرجة انه لا يركب عليه كثيرا ولا يضع عليه من الاحمال الا ما يحتمل هو حمله من خلال بروفات مضحكة كانت محل سخرية الجميع - ما معنى الاصرار على عدم تحميل الجمل ما ينوء الانسان بحمله - رفق بالحيوان اين منه بريجيت باردو وغيرها من غلاة الرفق بالحيوان.
علي وجمله صورة واحدة ومشهد وحيد في عصريات طفولتنا السابقة كنا نلاحقه بالصياح ( علي الكعيب ان شاء الله جملك يموت) هكذا دفعة واحدة كنا ندخل قدس اقداسه متمين على الله يقطع وصل اهم واجمل علاقة في حياته - وكيف لا وعلي لم ير مع بشر الا نادرا لا يعنيه الناس غدوا ام راحوا حتى حين كان يعمل في حفر بئر او خلافه كان يربط جمله في مرمى نظره ويضع امامه قدرا كافيا من الطعام - لم يتزوج علي قالوا لنا بسبب نقص النساء اللائي يحملن ذات الدرجة من لون بشرته في مضارب البادية - ماذا تنتظرون من رجل طرد طردا من عالم الانسانية فخرج من دنياه هذه بجمل اجرب يشاركه فيه القراد وغيره من العوالق.
(علي الكعيب جملك يموت) يهيج علي - يذبد ويرغي يتناول الحجارة واحدا تلو الاخر ويقذفنا بها - ثم يرد علينا قائلا( يموت صلب اماتكن) علي يدعو على امهاتنا بالعقم - هذه بتلك - انتشرت عبارته هذه وعمت الافاق - كنا نسمعها عشرات المرات في اليوم مثلما كان يسمع دعوتنا على جمله.
بعد سنوات من الغياب سمعنا بموت علي الكعيب قيل لنا ان جمله ضاق ذرعا بعنايته به وحبه الزائد له فرماه ارضا حتى دقت عنقه - اهكذا تموت يا علي الماك كعيب وعلى يد من - دنيا يا رهين المحابس الثلاثة
مودتي
|