الحالِم سبانا : نغم يُغرد في سماواتنا ـ لعصمت والأحباء
[align=center]الحالِم سبانا : نَـغَمٌ يُغرِّد في سماواتنا[/align]
لا أعلم كيف يعمل الذهن البشري ، ولا أعلم كيف يُمسك السَمعُ بقِدْر ذكريات الصبا الباكر ، يُدلِقها كيفما اتفق . تسمع أنتَ أغنية (الحالِم سبانا ) من المذياع أو التلفاز ، فتتقافز الصور المُجسمة المُتَحركة ، تُحادِثك كأنك ركبت عجلة الزمن وهجرت الحاضر إلى الماضي .
كانت ولم تزل ( الحالِم سبانا ) كأساً من كؤوس الماضي ، من النُخب الأُوَل من رحيق العواطف . كتبها ( محمد عوض الكريم القُرشي ) وغناها الرائع ( عثمان الشفيع ) . وراء نظمها قصة من قصص عِشق الجمال حيث تبدى ، فما أحلاهُ وأنتَ تنهل من قربه : ـ
[align=center]
ما أنضَر بَهَاهُو ،
زي الفُل مَفتح
..يا ورد الخميلْ
وين بِتشُوف نَظيرو ،
يمدَح في شُروقُو
.. يصدَح في الأصيلْ
ما أحلاها بَسمة وما أسمَاها رَسمَةْ[/align]
كانت رؤوسنا الصغيرة وقت الصِبا الباكر ، تحلم وتتخيل : أين كان يقضي ( ود القرشي ) لياليه العامرة بين أصدقائه وأحبائه في خمسينات وستينات القرن الماضي ؟. كيف يصنع الفنان الماهِر من نظرة حبيب إلى القلب ، طفر دم الغضبِ إلى وجنتيه ، أو هجر المحبوب عناداً حتى ألهب عاطفة الشاعر وفجَّر أشجان انطلقت بعذوبتها تملأ الكون ؟ .
يُشرككَ ( ود القرشي) التأمُل حين يكتُب : ـ
[align=center]تأملْ فِيهُو مرَّة وشُوف دَلّ العَذارى
تَجِد الصوُرة تَحلِف يُوسُف في إطارا[/align]
حين يُمسِك شاعرنا أصابِع خيالَك لتتحسس : ـ
[align=center]أمّا جِسيمُو نَاعِم
الفَم فِيهُو خَاتم
رب الكون أمَر
ما بتقدَر تَعَايِن لما تَراهُو بايِن
الحَاجِب قَمرْ
لابس الدُر قِلادة
وخاتي النور وِسَادَة[/align]
ينازع الشاعر صديق عُمره ( عثمان الشفيع ) ، يُمسِك بآلَة العود ، ويقول له :
ـــ خُذ مَدخَل نغمٍ للأغنية ..هُنا حروف المَد وحركاته في ( الحَالِم ) و ( سَبَانا ) .انطلق بصوتك يا عثمان ، فصوتي به من الغِلظة ما يمنعني الانطلاق ، وصوتُك يا ( عثمان ) مزمار ركَبَه المولى لتصدَح . استبطِن معي كيف نستحدِث لازِمةً تُليق بمن نُحِب حتى تنطلِق زغاريد أفراح أزهاره الفَوّاحة تُعطِر المَسَامِع .
تهبط من ذاكرتي أيام الثانوية في مدرسة المؤتمر بأمد رمان . أزياء الدراسة المُميزة :
القميص الأبيض و ( الشُورت الكَاكِي ) ، وشارة المدرسة الخضراء المزركشة قُرب القلب . تتلألأ مصابيح أصدقاء العُمر الجميل من أزِقة أمد رمان وحواريها قَدِموا :
أحمد شامي ، إبن عُمر ، عُمر عُثمان ، عبد الرافع ، الشيخ محمود وهاشم خلف الله ، وإبراهيم الباقر ....
من بعد حادث الجمعة 17 /7/1966 م المشؤوم في الطريق إلى شندي ، حيث بُتِرت ساعد الفنان الرائع عثمان الشفيع ، حرمت الدُنيا اليد من دندنة العود وصفاء النفس حين النجوى بين الشِعر والنغم . انتبهنا نحن حينها لصفاء موجات الفرح والشجون
والأسى ، وكل المشاعر المُتداخلة التي أطرب بها وجداننا شاعر الحَنين وصداح النغم . تتقاطَع مشاعِرك في طور نموها بتلك الحدائق الوارِفة ، فتدخُل أنتَ نعيم السَمع من أبوابه المُشرَعة . تفارِق وإلى الأبد الغِلاظ الشِدَاد ودنياهُم ، لا تسمَع طنينهم أبدا . المَوج الأزرق من جواهر العيون إلى الأذن ، فالسمع ثم البصر والفؤاد يتسابقون كل تبتغي كِساء العِشق .
مَنْ يُمَجِد الفن وأهله ؟
دوماً تُطرِب العصافير دواخلنا كلما قست علينا الدُنيا أو أظلمت ، نستضيء من شجنهم .
نتمنى لهم طيب المراقِد ونِعم جلوس الأرائك ،
يشربون من دَنِّ نعيم لا يزول .
عبد الله الشقليني
21 أكتوبر 2005 م
التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله الشقليني ; 21-10-2005 الساعة 10:39 AM.
|