منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-01-2018, 12:43 PM   #[1]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة التاسعة

طاحونة الحكم بالحديد والنار.. تدور
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
عبود يعتمد «قانون دفاع السودان» الدراكوني أساساً للحكم

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

لائحة دفاع السودان أداة قهر النظام التي استند عليها طيلة سنواته
د. محمود قلندر
توالت على المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلال الأيام الأولى لاستلام السلطة ، الشواهد والدلائل على سلامة الخطوة التي اتخذوها بالموافقة على استلام السلطة ، وإيقاف التدهور السياسي الذي أصاب البلاد بالشلل التام في ذلك الوقت . وقد فوجئ المجلس الأعلى بحجم القبول الجماهيري للحركة للحد الذي أضطرت معها أي أصوات معارضة للتحرك إلى الصمت والتواري .
استسلام الساسة والرضى بالمكتوب
ولاشك أن الفريق عبود ورفاقه وجدوا الدفعة السياسية الأقوى من بياني السيدين عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني ، وذلك لما للسيدين من ثقل سياسي وطائفي ، وما لهما من فاعلية في ساحة السياسة الوطنية .
أما على الصعيد السياسي ، فإن الأحزاب السياسية - ما عدا الحزب الشيوعي - لم تبادر بأي موقف ، إلا أن تصريحات بعض قادتها وشخصياتها المفصلية حول تحرك عبود كان أقرب إلى المباركة والتأييد منه إلى المعارضة ، بالرغم من أن عبود حل تلك الأحزاب واتهم قادتها وشخصياتها الكبرى بالفساد والإفساد .
فقد صرَّح السيد الصديق - بعد عودته من سويسرا : أنه ليس لديه ما يضيفه إلى بيان والدهـ ، وقال إن بيان والدهـ يمثل رأي الحزب في الحركة . أي أن الحزب يباركها ويطلب من الجماهير الالتفاف حولها .
أما السيد على عبد الرحمن - رئيس حزب الشعب الديموقراطي - فإنه تمنى للحركة كل التوفيق كي تحقق الاستقرار وتتحسن الظروف .
أما السيد إسماعيل الأزهري فقد قال إنه يثق في وطنية الضباط وطالب بأن يعطوا فرصة لعلهم «يحققوا ما فشلنا فيه» (كأحزاب)..
وقال السيد محمد نور الدين ، الوزير السابق ، إنه يعتقد أن الحركة أمر جيد حيث وصلت أوضاع البلاد إلى سوء ولم يكن تصحيح الأوضاع دون تدخل الجيش .
أما السيد عبد الله خليل فإنه بالطبع أكد بأنه لم يكن ممكناً تجنب تحرك الجيش لصون وحماية الاستقلال ، وقال بأنه دون تلك الحركة فإن السودان كان على وشك أن يدفع ثمناً باهظاً .
وحدهم الشيوعيون كانوا المغردين خارج السرب السياسي المؤيد لانقلاب إبراهيم عبود .. والواقع أن الشيوعيين ، كانوا قد حددوا موقفهم من الانقلاب حتى قبل أن يقع . فقد أصدر الحزب الشيوعي بيانه المشهور ببيان «اليقظة» في بداية شهر نوفمبر .. قبل اسبوعين من نفاذ الانقلاب وكان عنوان ذلك البيان يتنبأ بما سيحدث ، وهو يصرخ :
«افتحوا عيونكم الأميركان يستعدون لتدبير الانقلاب المقبل في السودان»
كان بيان الحزب الشيوعي يدين حزب الأمة باعتبارهـ اليد التي ستنفذ بها المخابرات الأميركية انقلابها . فقد ذهب البيان ليحلل التكتيك الأميركي الجديد القائم على إسقاط الحكومات الضعيفة والموالية لها - والتي يبدو جلياً أن القوى الوطنية على وشك إسقاطها - بانقلاب يحمل إلى السلطة فئات عسكرية تقليدية تكون مساندة في فكرها وتوجهاتها للفكر الغربي الاستعماري . وذكر البيان أن حزب الأمة فشل في تمرير المشروعات الأميركية وحكومته تترنح أمام ضربات القوى الوطنية ، وليس أمام أميركا إلا أن تجهز على هذه الحكومة بانقلاب شبيه بتلك الانقلابات التي دبرتها أميركا في كل من بورما وسيلان وباكستان ..
ثاني يوم الانقلاب 18 نوفمبر، أصدر الحزب الشيوعي بيانه الدامغ لحركة عبود ، بعنوان «17نوفمبر انقلاب رجعي». وقد فصل البيان في القول بأن الحركة ليست حركة ضباط ثوريين بل هي مجرد تسليم وتسلم بين عبد الله خليل وقادة الجيش . وبذلك البيان وضع الحزب الشيوعي نفسه - وحيداً - في موقع المواجهة بعد أن انفض سامر الحركة السياسية بمباركة السيدين واتخاذ بقية القيادات السياسية موقفاً يصب - في أحسن حالاته - في خانة الرضى بما هو مكتوب .
عبود : سأترك النقابات ما تركوني
حينما التقى شابمان أندروز - سفير بريطانيا بالخرطوم - إبراهيم عبود ذات يوم الانقلاب ، سأل عبود إن كان يعتقد أنه سيكون هناك تحرك مضاد لحركته من قبل القوى السياسية أو العسكرية ..
رد عبود بالقول
«بالرغم من أن الموقف الحالي مطمئن تماماً ، فإنه في خلال أسبوعين أو ثلاثة سيكون هناك - بلا شك - تحرك مضاد».
وحينما استفسر عن اتجاهـ ذلك التحرك وشكله ، لم يرد عبود إلا بالقول «حتى الآن تركت نقابات العمال لوحدها .. إلا لو بدأوا بأي شيء»، ويتضح من سياق هذا الكلام أن عبود كان يعرف أن هبوب المعارضة سيكون من جهة الحزب الشيوعي ونقابات العمال التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي . وهو أمر كان لحظتها ينبئ بوضوح باتجاهـ الانقلاب ونواياهـ ..
ولا شك أن بيان الحزب الشيوعي في اليوم التالي ، صب زيتاً على نار شك الفريق عبود في الشيوعيين وحلفائهم في النقابات . وهو شك استبقه عبود ومجلسه الجديد بإصدار قانون دراكوني غير مسبوق تم تعليله بغرض إنهاء الفوضى وفرض النظام والانضباط على ساحة البلاد كلها . كان ذلك القانون هو قانون دفاع السودان..
قانون دفاع السودان : حكم الحديد والنار
قانون دفاع السودان هو القانون الذي تبناهـ نظام عبود لحكم البلاد مثلها مثل أية وحدة عسكرية . فالقانون باسمه وموادهـ قانون عسكري الملامح والقسمات ، وهو لا شك استند على خبرتي المستشار القانوني العسكري العميد عبد الرحمن الفكي ، والمستشار القانوني للمجلس وقتها ، أحمد خير ، الذي حسب قوله - بقي ليومين في القيادة يقدم المشورة ويكتب القوانين والأوامر المتعلقة بالنظام الجديد ، قبل أن يقبل بأن يكون وزيراً للخارجية .
وقد تضمن قانون دفاع السودان المذكور مواداً تعاقب بالإعدام على الآتي :
* تكوين الأحزاب .
* الإضراب أو الدعوة إليه ..
* العمل على إسقاط الحكومة .
* بث الكراهية ضد الحكومة .
ومضى القانون في الشطط فخول - لأول مرة في تاريخ السودان - محاكمة الأفراد المدنيين امام محاكم عسكرية ..
كما تضمن القانون عقوبات أخرى تتصل بالنشر، والإساءة إلى رؤساء الدول الصديقة والشقيقة ، والإساءة إلى موظفي الدولة وأجهزتها .. وأعطى القانون صلاحيات واسعة لقوى الأمن للقبض والتفتيش والاقتحام والمحاكمة ..
لائحة دفاع السودان : وزير الداخلية يد النظام الباطشة
استناداً على القانون المذكور صدرت «لائحة دفاع السودان لعام 1958م» وهي اللائحة التي خولت لوزير الداخلية أوسع السلطات ، وجعلت من وزارة الداخلية سلطة بطش وقمع حقيقية . ومن الواضح أن سمعة نظام 17نوفمبر كنظام ديكتاتوري قمعي استندت في أصلها على هذه اللائحة التي تحول بموجبها وزير الداخلية إلى سجان وجلاد للبلاد كلها وللشعب كله . وكي يدرك القارئ حجم الغلواء في لائحة دفاع السودان نلخص فيما يلي أهم ما خولته من سلطات لوزير الداخلية :
* مراقبة الرسائل البريدية / رقابة الصحف / منع دخول الصحف الأجنبية .
* تفتيش أي منزل أو مبنى أو عربة أو مركب أو طائرة بالقوة في أي وقت .
* إعتقال الناس بدون أمر قبض / إرغام المواطن على الإدلاء بأقواله .
* منع المواكب/حظر التجول/ حظر مغادرة اية مواطن/ التحفظ على أي شخص ولأي وقت دون تقديمه لقاض .
* منع أي شخص من الإقامة في منطقة معينة / تحديد إقامة أي شخص في منطقة معينة .
الشيوعيون والنقابيون أول دقيق في طاحونة القهر
وبذلك فإن قانون دفاع السودان صار هو الأنياب التي كشر بها نظام عبود في وجه أهل السودان ..
وكان أول ضحايا القانون هم الشيوعيون وحلفاؤهم .. فبعد عشرة أيام من الانقلاب قام النظام باعتقال عدد من قيادات الحزب الشيوعي من ضمنهم : حسن الطاهر زروق ، محمد سعيد معروف ، قاسم أمين ، محمد السيد سلام ، شاكر مرسال ، بابكر محمد علي ، عزالدين علي عامر ، عزيز أندراوس ، حنا جورج ، سمير جرجس ، عباس محمد الحسن ، والحاج سليمان موسى ..
وأتبع النظام اعتقال القيادات الشيوعية بحل اتحاد النقابات واعتقال قياداته الشفيع أحمد الشيخ ، ومحمد السيد سلام . ثم قام بتعطيل صحيفة «الطليعة» الناطقة باسم اتحاد النقابات .. وشكل النظام لجاناً لإعادة النظر في قانون اتحاد النقابات بغرض تقليص قوته وتحجيم دورهـ ، وشكل لجنة للنظر في إصدار قانون للعمل الجبري يلزم بموجبه الناس للعمل في مناطق الانتاج الزراعي ..
عبود للصحافة : لا تقولوا أي شئ
واجهت «الصحافة» من نظام نوفمبر عنتاً شديداً نتج في تقديرنا من الدور الذي لعبته «الصحافة» في العهد السابق ، إذ كانت واحداً من المنابر التي دارت فيها المعارك الحزبية ، كما كانت الصحف هي منصات تبادل الاتهامات بين أقطاب السياسة وموضع كشف ونشر سوءاتهم . ولذلك فقد ظن النظام أنه كي يتمكن من وقف الفوضى لابد له من غل يد الصحف وكبح جماحها بالقانون . ويكفي أن نورد هنا ما قاله عبود للصحف في مؤتمرهـ الصحفي الأول :
«لا تكتبوا أي شيء ضد سياسة الحكومة ، ولا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية ، ولاتعلقوا على هذهـ الأعمال بشئ ، لا تكتبوا عن الأحزاب السابقة أو الطوائف .. لا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسة البلدان الأخرى»
أما وزير الداخلية ، محمد أحمد عروة ، فقد أضاف إلى قائمة عبود ، بنوداً أخرى ، فقد قال للصحافيين إنه :
«لن يتوانى عن قفل أية جريدة أو تقديم محرريها للمحاكمة إذا حاولت أن تثير الشكوك حول أهداف الحكومة ومراميها».
وطالب عروة الصحف بأن :
«تمتنع عن نشر الأنباء والتعليقات الخاصة بسمعة الحكومة ، التي تسئ إلى العهد أو تقوض الثقة فيها وألا تنشر الصحف التعليقات التي تؤثر على علاقات السودان بالدول الأجنبية».
وهكذا كانت الصحف واحدة من ضحايا نظام نوفمبر، فالصحف - التي سمح لمعظمها بالصدور بعد أسبوع من الانقلاب - وجدت نفسها فجأة وهي لا يحق لها أن تنتقد أحداً من أعضاء المجلس العسكري .. ولا تكتب عن السياسيين والطوائف .. ولا أحداً من المسؤوليين الحكوميين الكبار .. ولا أن تعلق أو تنتقد أحداً من رؤساء أو سفراء أو مسؤولي الدول الصديقة والشقيقة ..
وما دون ذلك فلها أن تنتقد كما تشاء ..!
ومن يومها دارت طاحونة القهر والعنف في السودان ..
وهي طاحونة كانت رحاها أجهزة الأمن من فوق وقانون دفاع السودان من تحت ..
أما دقيقها .. فقد كان المعارضون والمناوئون .. سياسيين ونقابيين وصحفيين وطلاباً ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 01:10 PM   #[2]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة العاشرة

صراع الجنرالات على السلطة
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
انقلاب مارس على انقلاب نوفمبروالأقدمية لم تكن السبب الوحيد

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

شنان ختمي ومحي الدين اتحادي والهدف أحمد عبد الوهاب الأنصاري
د. محمود قلندر
انقلابا 2 و4 مارس

ديموقراطية عسكرية في ثنايا انقلاب

كاد محي الدين أن يقصي عبود ديموقراطياً
وكما هو الحال ، وكما هي طبيعة الانقلابات العسكرية السياسية في كل زمان ومكان ، فإن الطاحونة دارت أول مادارت لتأكل دقيقها ..
فبالرغم من القبضة الحديدية التي أدار بها عبود شأن السودان ، فإن الرجل كان يعاني في الجيش من مشاكل عسكرية الطابع ، خلفتها انعكسات سودنة القيادات بعد رحيل الإدارة البريطانية ، وعمقتها المكونات الشخصية للفريق عبود ، كما تداخلت معها مسائل مزاجية وخلافات عمل .. مع بعض "الأميرالايات".
وكانت هذهـ الأبعاد مجتمعة ، وراء قرار استبعاد محي الدين أحمد عبد الله من المجلس الاعلى في بداية تحرك نوفمبر ، رغم أنه حسب رتبته وأقدميته ، كان يستحق أن يكون عضواً في المجلس الأعلى ، طالما كان الشرط الأساسي للعضوية هو الأقدمية العسكرية .
والواقع إن القادة العسكريين لم يكونوا جميعهم على حالة من التوافق والانسجام .. وهو أمر- في تقديرنا - يتفق مع الطبيعة البشرية ، حيث للنفس ميلها ونفورها . وقد كان أولئك القادة بشراً تراوحت المشاعر فيما بينهم باختلاف الشخصيات . فبالاضافة إلى أن عبود كان له رأي غير إيجابي في محي الدين ، كما ذكر ذلك محي الدين نفسه ، فإن الأمور بين القائد ونائبه لم تكن عسلاً على لبن أيضاً ، فشنان - في مذكراته - مثلاً يشير إلى أن عبود كان بادي السرور - حينما أعلمه محي الدي وشنان في صباح انقلابهما الذي نحن بصددهـ - أنهما قاما باعتقال أحمد عبد الوهاب .
انقلاب 2 مارس .. الأهداف ..
رغم ملابسات المزاج والعلاقات الشخصية ، فإنه يمكن القول بأن مسألة المواقع القيادية والمناصب وحدها لم تكن وراء حركة محي الدين وشنان المعروفة بحركة 2 مارس . بل كانت هناك دوافع وأسباب سياسية ساقها مدبرا الانقلاب ، وأشارا إليها في عدة مناسبات . إذ كانت هناك صراعات داخلية ذات بعد سياسي بين أعضاء مجلس عبود الأول ، وهي صراعات قال عنها المشاركون فيها إنها قصدت إبعاد النفوذ الغربي عن الحكومة والبلاد ، واستبعاد نفوذ حزب الأمة الذي كان يمثله نائب قائد الجيش اللواء أحمد عبد الوهاب .
وإذا أخذنا هذهـ الدوافع السياسية التي جاءت في حيثيات التحقيق مع قادة انقلاب نوفمبر حول الانقلاب على الانقلاب ، فإنه يمكن القول بأن انقلاب عبود كان بذلك قد تجاوز واقع أنه أمر عسكري بتسلم السلطة ، وبذلك فقد دخلت السياسة الثكنات العسكرية من بوابتها الرئيسية .
كان هناك حديث كثير أيامها - عن أهداف انقلاب مارس وحيثياته ، فقد قيل إن الهدف الأساسي من الانقلاب هو السير على نهج مصر وطريقها ، والعمل على التقارب معها ، والابتعاد عن الطريق الذي انتهجه حزب الأمة بقبول المعونة الأمريكية ، والتي كانت وقتها من دلائل ارتباط "الرجعية العربية" بالاستعمار . وبذلك يمكن تفسير مطلب الانقلابيين الأساسي في إزاحة نائب القائد العام باعتبارهـ مطلباً سياسياً وليس عسكرياً بحتاً . فقد كان عبد الوهاب من أنصار حزب الأمة ، والمقربين من عبدالله خليل ، المحرض على الانقلاب الأساسي . بل وهناك من المعلومات ما يدل على أن عبد الله خليل ، خاطب في الأساس أحمد عبد الوهاب بفكرة الانقلاب ، ولكن عبد الوهاب آثر أن لا يتجاوز عبود كرتبة أعلى وقائد عام ، ومن ثم فقد أوعز لخليل التحدث إلى عبود .
ومهما كان من أمر الأسباب ، فقد كانت هناك اتصالات مستمرة بين محي الدين والأميرآلاي (وقتي) عبد الرحيم شنان حول الموقف السياسي ، واتجاهات المجلس الأعلى ، وقد وجد الأثنان نفسيهما متوافقين في الرؤى و الرأي حول وجوب التغيير.
ويلخص الأميرآلاي شنان ذلك التوافق في شكل الأهداف التي جعلتهما يتحركان سوياً في الثاني من مارس ، وتلك الأهداف هي :
* تصفية الحكم القائم
* تكوين مجلس ثورة يضم العميدين محي الدين وعبد الرحيم شنان ، والبكباشيين محمود حسيب وأبوبكر فريد .
* اختيار مجلس وزراء من قبل لجنة قومية ، واقترحت أسماء بشير محمد سعيد ومحمد أحمد عبد القادر وعلي حسن عبد الله كأعضاء .
* وضع دستور دائم وعودة الجيش إلى ثكناته ..
تحرك ونجاح .. ثم تراجع
يشير محى الدين وشنان إلى أنهما أسميا تحركهما ذلك "الثورة التصحيحية" ، معبرين بذلك عن رغبة في تعديل المسار من اتجاهـ سياسي إلى آخر . فقد تمكن قائدا الحركة التصحيحية ، من الوصول إلى الخرطوم ومحاصرتها . إذ دخلت قوات محي الدين القادمة من القضارف ، وشنان القادمة من شندي ، الخرطوم ليلة الثاني من مارس ، وقام العميدان عند دخولهما العاصمة باعتقال ثلاثة من أعضاء المجلس هم أحمد عبد الوهاب ، وعوض عبد الرحمن صغير ، وحسين علي كرار، ثم قاما بتوزيع قواتهما على مداخل العاصمة .. مسيطرين بذلك عليها تماماً .
بعد تأمين الاستيلاء ، توجه محي الدين وشنان إلى منزل الفريق عبود ، حيث قاما بتقديم مطالبهما بحل المجلس .. وإعادة تكوينه ..
رفض عبود وحسب قوله فإنه - أي عبود - "شخط في محي الدين" وطلب منه أن ينتظر حتى الصبح ليجتمع القادة وينظروا في المطالب التي جاء بها محي الدين وشنان ..
وحين التقى القادة صبحاً ، لم تجر الرياح بما اشتهى العميدان المتمردان .. إذ أقنعهما أعضاء المجلس - على طريقة الأجاويد السودانية - بأن يطلقا سراح الضباط الثلاثة ، وأن يعيدا قواتهما إلى قيادتيهما ، على أن يجري البحث في تنفيذ مطالبهما ، على أن يعتبر المجلس الأمر وكأنه لم يكن .
وكان المجلس في الواقع يدبر لاعتقال محي الدين وشنان حال عودة قواتهما المحاصرة العاصمة ، ولكن العميدان فطنا للأمر، فتمكنا من الانضمام للقوات والعودة إلى قيادتيهما في كل من شندي والقضارف .
4 مارس .. انقلاب لإنقاذ الانقلاب الفاشل ..
لما أدرك محي الدين وشنان أن حركة 2 مارس كانت كالمنبت ، لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت ، وأنهما باتا مهددين بالاعتقال ، قررا العودة مرة أخرى إلى الخرطوم بقواتهما لاستكمال انقلاب أثنين مارس في الرابع من مارس . فمحي الدين وشنان إذن قادا انقلابين الأول في الثاني من مارس وهو ذلك الانقلاب الذي تم تذويبه في خضم اجتماع القادة .. أما الثاني فهو تحرك الرابع من مارس الذي استكمل ما توقف عنه تحرك الثاني من مارس .
أما أسباب العودة إلى الخرطوم ومحاصرتها مرة أخرى ، فإنها تعود إلى حقيقة أن شنان ومحي الدين علما أنه وبالرغم من إقرار المجلس الاعلى بمبدأ عفا الله عما سلف لتجاوز المحنة والفتنة ، فقد تواترت الأنباء بأن اللواء أحمد عبد الوهاب ، طالب باعتقال ومحاكمة شنان ومحي الدين كمتمردين .. وبذلك فقد صار مصيرهما قيد ضغوط أحمد عبد الوهاب وعوض صغير وحسين كرار، وثلاثتهم ذوو نفوذ واسع في رئاسة الأركان ..
ومن ثم ، فقد أعاد العميدان التفكير والتدبير، وعقدا العزم على المعاودة مرة أخرى ، فأصبح عليهما صبح الرابع من مارس وكلاهما على طريق الخرطوم ، مصممين هذه المرة على إزاحة عبد الوهاب بالقوة . وحسب ما نملك من معلومات ، فإن العميد شنان قاد منفرداً حركة السيطرة على القيادة العامة ، وتمكن بعدد قليل من الجنود - من محاصرة المجلس الأعلى أثناء اجتماعهم الصباحي ، وفرض عليهم تقديم استقالاتهم جميعاً عدا الفريق عبود . ثم طالب العميدان بعد ذلك بأن يكون اختيار عضوية المجلس الأعلى بالانتخاب من قبل القادة ، وليس بالأقدمية المطلقة .
ديموقراطية في المجلس العسكري
واستجابة لمطالب العميدين المتمردين ، اجتمع القادة في العاصمة بعد يومين وقاموا بالتصويت الديموقراطي على عضوية المجلس الجديد ، وذلك بعد أن تم ترشيح أسماء من قبل كافة الضباط .. وبموجب ذلك الاقتراع الديمقراطي العسكري التاريخي .. خرج الثلاثة المختلف عليه : أحمد عبد الوهاب ، وحسين على كرار ، وعوض عبد الرحمن صغير ..
ودخل المجلس العميدان المتمردان وثالثهما المقبول الأمين الحاج ..
وهكذا تم تكوين مجلس عسكري أعلى جديد ، تبوأ فيه محي الدين وشنان مقعدين مهمين ، كما تقلد فيه القائمقام المقبول الأمين الحاج مقعداً آخر، وأصبح هؤلاء الثلاثة مركز القوى الحقيقي في حكومة نوفمبر منذ ذلك التاريخ .
وبالرغم من كل ما يقال عن دوافع محي الدين وشنان الذاتية في انقلاب مارس ، فإنه من الملفت حقاً أنهما تحركا وفق خطة سياسية ، واضحة المعالم ، فهما لم يطالبا بدخولهما المجلس واكتفيا بذلك ، بل طلبا بحل المجلس ، ثم طالبا بأن يرشح الضباط كافة عدداً من القادة ليكونوا أعضاء المجلس الجديد .
وقد اشتملت مطالب محي الدين وشنان أيضاً على إطلاق سراح الضباط المحاكمين في انقلاب 1957م .. وهو الانقلاب الذي قاده كبيدة وجرت محاكمة مخططيه وسجن عدد من الضباط وضباط الصف فيه .
ثم إن محي الدين وشنان ، طالبا بإبعاد أحمد عبد الوهاب لأسباب سياسية واضحة .. إذ لم يكن هناك من لا يعرف صلة عبد الوهاب بحزب الأمة ، ومن ثم فقد جرى حساب نفوذهـ في المجلس باعتبارهـ نفوذاً لحزب الأمة ، أما العضوان الآخران اللذان أزيحا من المجلس نتيجة لحركة 4 مارس ، فهما أيضاً من المقربين من الأنصار وحزب الأمة ..
وكان واضحاً أن تحركات محي الدين وشنان لم تستهدف عبود ، بل سعت كما يقول شنان في مذكراته إلى الوقوف الصلب مع عبود وحمايته - بما عرف عنه من طيبة ولين جانب - من تأثير أحمد عبد الوهاب ..
ديمقراطية عسكرية
لا يمكن أن نمر عفواً على تلك الواقعة التاريخية التي قل ما يشار إليها ، وهي واقعة اختيار أعضاء المجلس الأعلى ديموقراطياً من قبل الضباط ...
الواقعة تستحق الوقفة والتأمل لسببين ..
فهي أول سابقة يقوم فيها جيش بالاختيار الديمقراطي للقيادة السياسية للبلاد ، والبلاد ترزح تحت ديكتاتوريتهم ..
وهي أول سابقة يقوم فيها عسكريون بالانقلاب على عسكريين ، ويقبلون أن تفرض قيادة الانقلاب بالاختيار الديمقراطي ..
وهي سابقة تدلل في رأينا على وجود تنظيم وتخطيط ، وراء هذا العمل ، ونعتقد أن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن بعيداً عن ذلك ، فعدد من الضباط الصغار المنفذين لتحرك 2 و4 مارس ، كانوا من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار .
ومهما كان من سوابق الحدث ، فقد كان الأمر حقيقة ... فقد جرى الترشيح للمجلس الأعلى من قبل كافة الضباط ، وقام القادة بالاقتراع على اختيار عشرة كأعضاء في المجلس ..
وقد كانت نتيجة التصويت الديمقراطي العسكري كما يلي :
عبود و محي الدين عبد الله 14 صوتاً
حسن بشير و المقبول الأمين 12 صوتاً
أحمد عبد الله حامد و البحاري 11 صوتاً
طلعت فريد ورضا فريد وشنان 8 أصوات
أحمد عبد الوهاب 6 أصوات
وهكذا خرج - بالديمقراطية العسكرية - الثلاثة الذين أراد العميدان المتمردان إخراجهما بالقوة .. فقد خرج حسين على كرار وعوض عبد الرحمن صغير نتيجة التصويت ، أما أحمد عبد الوهاب ، والذي حصل على أقل الأصوات ، فقد قيل أنه رفض أخذ عضوية المجلس ، بينما هناك قول بأنه تم الاعتراض عليه ..
ومهما كانت الوسيلة ، فقد خرج عبد الوهاب من المجلس وأحيل إلى التقاعد ..
وكما يبدو من خارطة التصويت ، فإن محي الدين أحمد عبد الله ، تساوى مع الفريق عبود في الأصوات ، إذ كان من المفترض أن صاحب الأصوات الأعلى هو رئيس المجلس ..
ولما كان الأمر في غاية الحساسية ، فقد تنازل العميد محي الدين لعبود من رئاسة المجلس ، حافظاً له من حرج خوض انتخابات ثانية .. ومن ثم استمر عبود رئيساً في انقلاب جديد ..
ثم مضت سفينة نوفمبر لتبحر في مزيد من الأنواء ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 01:24 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.