(ثقافة الإرهاب)
نعم .. طويلة لكنها رائعة ومعبرة .. أتمني ان تقرؤها
انها ....!!
لــ"أحمد مطر"
:
يحكي الكاتب الأوروغواني إدواردو جاليانو في (كتاب المعانقات) أنه قرأ، مرةً، رواية يلتقي في أحد فصولها جد مسن جداً بأصغر أحفاده.
الجد الطاعن في السن هذا خرف تماماً (أفكاره هي لون الماء.. كما تصفه الرواية)، وهو يبتسم ابتسامات لاهية تشبه ابتسامات حفيدة المولود حديثاً.
الجد الأكبر سعيد لأنه فاقد الذاكرة، وحفيده الأصغر سعيد لأنه لم يمتلك
بعد أية ذاكرة.
ويعلق جاليانو علي ذلك قائلاً: إن هذه، كما أتصور، هي السعادة الكاملة.. لكنني لا أرغب في أي نصيب منها !
لا يريد جاليانو نصيباً من هذه السعادة، لأنها في الواقع سعادة البلهاء، أي أنها، بعبارة أخري، سعادة المواطنين الصالحين بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية ومن الطبيعي بالنسبة لرجل مثله، أمضي أعواماً عديدة من عمره بين المنافي والسجون، بسبب دفاعه عن الحرية، أن يرفض هذا الصلاح الفاسد ، وأن يستخدم كل مواهبه من أجل تعريته، سواء أجاء بوجه أجنبي أم بوجه وطني.
هذا النوع من السعادة، عنده، هو معادل الارهاب الذي يتحول علي يد السلطة المستبدة الي (ثقافة) قائمة بذاتها، حيث تستخدم كل الوسائل الممكنة من أجل تجذيرها في بنية المجتمع، حتي تثمر، مع الأيام، يقيناً عاماً بأنها جزء لا يتجزأ من كينونة هذا المجتمع.
ولعل هذا هو ما يفسر لنا اختلاط المشاعر الذي يدعو المضطهدين الي الخوف من التحرر المفاجيء، أو يحمل الضحايا علي البكاء، لدي زوال جلاديهم فجأة!
إن (ثقافة الارهاب) تتحول، بعد تجذرها، الي حلقة تبادلية فعالة، تنتج الطغيان من الأعلي، وتنتج الطغاة من الأسفل!
وفي استعراضه لبعض عناصر هذه الثقافة يقول جاليانو :
إن الاستعمار الواضح يشوهك دون أية ذريعة: إنه يمنعك من الكلام، يمنعك من الفعل، ويمنعك من الوجود.
أما الاستعمار الخفي، فهو يقنعك، بأية طريقة، بأن العبودية هي قدرك، وأن العجز هو طبيعتك: إنه يقنعك بأن من غير الممكن أن تنطق، من غير الممكن أن تفعل، ومن غير الممكن أن توجد !
وماذا يكون الاستعمار الخفي سوي السلطة الوطنية الجائرة؟!
إن الكاتب لا يفاضل، هنا، بين جور وجور آخر، لكنه يصفع بشدة وجوه أولئك الذين يعتقدون ان الخضوع لسلطة القمع الداخلي هو البديل الوحيد والأهون عن الوقوع فريسة للغزو الخارجي، في محاولة لايقاظهم علي حقيقة مروعة: هي أن الفرق بين الاستعمار الخارجي والاستعمار الداخلي، هو أنهم في الثاني يشاركون، باقتناع تام، في حفلة اعدامهم!
ويسوق مثالاً علي تلقيم الخنوع، وتحويل المواطن الي مجرد رقم، من كتاب مدرستي كان يستعمل حتي وقت قريب في مدارس أورغواي: (في ما يتعلق بالطفل المثالي:
فتاة صغيرة تلعب بدميتين وتوبخهما لكي تظلا ساكنتين.
الطفلة نفسها تبدو مثل دمية: جميلة جداً، وطيبة، ولا تزعج أي أحد).
إن صدي مثل هذا التأليف المدرسي المجرد يتردد في الواقع علي شكل دُمي حقيقية حية.
وذلك ما نجد مثاله في حكاية فتاة اسمها راميونا كارابالو كان أسيادها قد وهبوها الي بعض الناس كهدية، عندما كانت بالكاد تتعلم المشي!
وفي عام ،1950 إذ كانت تلك الفتاة لا تزال طفلة، اشتغلت كعبدة في أحد بيوت مونتيفيديو عاصمة الأوروغواي، حيث كانت تعمل كل شيء مقابل لا شيء.
وذات يوم جاءت جدتها لزيارتها، ولم تكن راميونا تعرفها أو تتذكرها. وكان علي الجدة القادمة من الريف أن تعود الي قريتها بسرعة، ولهذا فإنها شرعت، حال دخولها البيت، بإنجاز مهمتها، إذ حملت السوط وراحت تجلد حفيدتها جلداً مبرحاً، ثم انصرفت، تاركة الطفلة تنحب وتنزف.
جدة راميونا كانت تصرخ بها وهي تنهال عليها بالسوط:
- (إنني لا أضربك بسبب ذنب ارتكبته.. إنني أضربك بسبب ما سوف ترتكبينه)!
هل ثمة فرق بين ما فعلته تلك الجدة وبين ما تفعله جميع السلطات في أوطاننا السعيدة، أو ما تفعله أمريكا علي مستوي العالم كله؟!
ان الفعّالية التي تتحرك بها دائرة التبادل بين الطغيان وضحاياه، لا تقتصر علي تلك النماذج الناتئة الواضحة، لأن ذلك التلقين المقدس يتناسل حتي في الأماكن التي يظنها المرء خارج هذه الدائرة.
يعدد جاليانو في هذا الاتجاه، طائفة من (المكرمات): الابتزاز، الإهانة، التهديد، الصفع، الضرب، الجلد، الغرفة المظلمة، الدوش المثلج، التجويع، الاتخام بالقوة، الحرمان من مغادرة البيت، الحرمان من قول ما تعتقد، الحرمان من فعل ما ترغب، الاذلال العلني .. ثم يقرر بشكل صاعق أن تلك الاشياء كلها هي بعض مناهج العقاب التقليدية في الحياة الأسرية!
فمن أجل معاقبة التمرد، وتهذيب السلوك الخارج عن اللياقة، يعمد التقليد الأسري الي تخليد (ثقافة الارهاب) التي تهين المرأة، وتعلم الطفل علي الكذب، وتنشر حولها وباء الخوف.
ولهذا فإن أندريس دومينغيز أحد أصدقاء جاليانو لم يتعد الصواب حين قال له مرة: إن حقوق الانسان يجب أن تبدأ في البيت .
إن هذه البداية الصحيحة هي التي يمكن أن تحقق للانسان حصانة ضد الأوبئة المدمرة كلها، وفي مقدمتها وسائل الاعلام التي لم يسبق لعصر أن ابتلي بسيطرتها التامة والواسعة مثل عصرنا المنكود.
فإذا كان الناس علي دين ملوكهم، فإن ملك هذا الزمان، بلا منازع، هو الاعلام وان سلطته الجبارة الأقوي من أية سلطة، هي في أغلبها لسان صدق في فم الكذاب، إذا تأكد شرط امتلاكه للقوة!
ولعل الحكاية النموذجية التالية التي يرويها جاليانو كافية تماماً لاظهار صورة الدمار الهائل الذي يخلفه هذا الوباء:
يقول جاليانو انه اطلع لدي محامٍ يدعي بيدرو ألغورتا علي ملف ضخم حول جريمة قتل امرأتين نفذت بالسكين في نهاية عام ،1982 في احدي ضواحي مونتيفيديو .
المتهمة ألما دي أغوستو كانت قد اعترفت بجريمتها المزدوجة، وقد مر علي ايداعها السجن أكثر من عام، وكان من الجليّ أنها قد حُكم عليها بأن تتعفن هناك حتي آخر لحظة من حياتها.
وكما جرت العادة، فإن رجال الشرطة اغتصبوها وعذبوها، وبعد شهر من مواصلة ضربها بقسوة، استطاعوا ان ينتزعوا منها: عدة اعترافات!
لم تكن اعترافات ألما متطابقة، وبدت كما لو أنها ارتكبت الجريمة بطرق كثيرة مختلفة، فقد كان هناك أشخاص مختلفون يظهرون في كل اعتراف مثل خيالات وهمية لا أسماء لها ولا عناوين.
وذلك لأن التعذيب كان من شأنه أن يحول أي شخص الي مؤلف قصصي كثير الانتاج. والأكثر من ذلك فإن هذا المؤلف يقدم حكاياته برشاقة لاعب أولمبي، وبزينة مهرجان أمازوني، وببراعة مصارع ثيران محترف!
لكن الأكثر اثارة للدهشة كان غني التفاصيل. ففي كل اعتراف كانت ألما تصف بدقة بالغة: الملابس، الايماءات، الأجواء المحيطة، المواقع، والأشياء.
وموضع العجب في هذا كله هو أن ألما المسكينة كانت عمياء!
الأدهي من ذلك أن جيران المتهمة الذين يعرفونها جيداً ويحبونها كثيراً، كانوا مقتنعين تماماً بأنها هي القاتلة.
سألهم المحامي:
- لماذا؟!
- لأن الصحف قالت ذلك .
- لكن الصحف تكذب !
- ولكن الراديو قال ذلك أيضاً.. والتلفزيون !
هل يحق للغالبية العظمي منا أن ترفع اصبع اللوم في وجه أولئك الجيران؟
كلا.. لأننا في الواقع مثلهم تماماً، خيوط مرتبة بكل نعومة وتناسق في نسيج (ثقافة الارهاب) الشاملة ..!
"من أدبيات أحمد مطر"
|