((يجب ان يقال ان الباستيل لم يسقط، ولكنه سلم بعد ناءت به ذنوبه ولم يعد قادر على حمل المزيد))
((مع الصباح أستولت على باريس فكرة، ورأى الجميع نفس الضياء، في كل نفس ضياء وفي كل قلب صوت يقول: قم سوف تستولي على الباستيل، كان ذلك شيئا جنونيا ومن الغريب ان يقال، ومع ذلك فقد آمن به الناس وقد تحقق))
((كذلك حملوا معهم المفاتيح المفاتيح البشعة الغليظة التي أصدأتها القرون، وأثقلتها آلام البشر، انتهت هذه المفاتيح الي يد سجين سابق سلمها للجمعية الوطنية، التي وضعتها في ذات الدولاب الذي يحوي قوانين الثورة، وانتهت ادوات الطغاة محفوظة في ذات المكان مع القوانين التي حطمت الطغيان))
الثورة الفرنسية – ميشيليه
-------
(( قلعة الباستيل لم تبنى لتكون سجناً، بل بنيت للدفاع عن باريس ضد العدوان الخارجي، ولكن عبقرية التسلط وحدها هي التي حولت سلاح الفرنسيين للدفاع عن اعدائهم لتجعله سيفا مسلطا على رقابهم، فبدلا من ان يكون رمزا يفخر به الفرنسيون ويضعونه في عملاتهم صار بعبعا مخيفا يرمز لكل ما هو بشع في نفوس البشر))
((واحدة من أبشع الات التعذيب في الباستيل كانت الاقفاص الضيقة جدا والتي لا تسمح بشيء سوى الوقوف فيها، أضافها اليه الملك لويس الحادي عشر بإيعاز من اسقف فارادان الذي كان منهمكا في تنفيذ اوامر الرب وتطهير فرنسا من البروتستانت بقتلهم وتعذيبهم، ولكن سخرية الاقدار جعلت اسقف فارادان يسجن في الباستيل ويعذب في ذات الاقفاص التي إختراعها بعد أن اتهم بالتآمر على الملك))
بتصرف عن لويس عوض، مقالة نشرت في جريدة الاهرام سنة 1989
---
في منتصف النهار كان المشهد كالآتي: الثوار ومعظمهم من المهنيين الفقراء الذين يقطنون ضاحية سان انطوان مع فصيلتان لا يتجاوز عددهم الثلاثين رجلا من الجنود الفرنسيين و مليشيا المدينة التي شكلتها برجوازية باريس، يحاصرون قلعة الباستيل ويتلقون بصدور عارية الرصاص الذي يطلقه عليهم حراس السجن، وحراس السجن هؤلاء خليط من الجنود الفرنسيين العاديين والحرس السويسري البابوي بملابسهم الزاهية وإنضباطهم العالي، الجنود الفرنسيون يتبعون للملك اما الحرس السويسري فيتبعون لأسقف فرنسا الذي يتبع لقداسة البابا شخصيا... تحالف الدين والسياسة لحماية مصالح دنيوية بحتة، فالمؤسسة الكنسية كانت تملك خمس اراضي فرنسا مشكلة الاقطاعي الاول في البلاد، تملك الاراضي طبعا بما عليهما من ناس وحيوانات، وتملك أفئدة بقية الشعب او هكذا تظن... اما الملك لويس السادس عشر فقد كان واجهة طبقة النبلاء، يخدم مصالحهم ويرعى اقطاعياتهم ويرضخ للكنيسة الضامن الاول لحقه الالهي في الحكم..
قتل حراس السجن من الثوار ثلاثة و ثمانين رجلا، وجرحوا ثمانية وثمانين ولكن لا يلوح في الافق اي تراجع من جانب الثوار، وبدأ صبر المدافعين ينفذ مع تضييق الخناق عليهم شيئا شيئا، ويبدوا إنه في لحظة ما وصل الجميع لقناعة انهم ميتين لا محالة..
لا أظن ان صمود الثوار حول السجن كان ممكناً لولا ان اي واحد فيهم يعلم انه جثة متحركة، في تناقض يرغب في حله بأي طريقة، إما ان يحطم الطغيان فيولد ويدخل الي الحياة من أبوابها او تستقر رصاصة في رأسه فيصبح جثة هامدة عادية مثله ومثل جثث رفاقه الثمانين التي تكومت امامه، الثائر الصامد حول الباستيل كان يبحث عن الانتماء بشكله المطلق، الانتماء للحياة او الموت ...
(الجميع ميتون لا محالة)
(الحرس السويسري البابوي هم أكثر من ولغ في دم الفرنسيين، فهم بحمايتهم للملك يحمون الكاثوليكية في فرنسا، فينالون رضا الرب ويعصمون أنفسهم من دخول النار، كما اخبرهم اسقف باريس، وقرأ لهم من الكتاب المقدس ما يعضد كلامه)
استعطف الجنود الفرنسيين الكوموندان دي لوني قائد السجن بأن يوقف هذه المذبحة الآن، كان هذا عند الساعة الرابعة عصرا، فبأي حال من الاحوال سيقتحم المهاجمون القلعة عاجلا ام آجلا، دي لوني قرر ان تأتي النهاية على يديه، فأخذ مشعلا وأتجه الي مخزن البارود، سيشعل النار في 135 برميل بارود هو كل مخزون سلاح المدفعية الملكي، سينسف الانفجار القلعة بكاملها وستسحق الاحجار المتساقطة الثوار وضاحية سان انطوان وربما ثلث باريس، هكذا فكر، وهذه هي الطريقة التي اختارها لموته... ولكن طريقة موته تلك تقاطعت مع طريقة موت اخرى أكثر نبلا ورحمة، أختارها جنديان من الحرس السويسري كانا يحرسان المخزن، منعه الجنديان من بلوغ المخزن بتهديد السلاح، "دعهم هم يقلتوننا" هكذا قال ضابط الحرس السويسري لقائده، حاول دي لوني الانتحار عن طريق طعن نفسه بسكين ولكنهما انتزعاها منه، وطلبا منه كتابة ورقة يطلب فيها الاستسلام...
مُررت ورقة دي لوني للمهاجمين، وبعد مفاوضات قليلة وعده كل هولان وإيلي بضمان حياته مقابل الإستسلام، وفي عصر ذلك اليوم دخل الثوار الباستيل، ورغم كل الحنق والغضب لم يقتل سوى جندي واحد لحظة الاقتحام، والجميع كان يبحث عن الحرس السويسري الذين خرجوا من السجن بهدوء ونجوا من مذبحة كانت حتمية بسبب ملابسهم الزاهية، حيث ظنهم المهاجمين من الخدم الفقراء مثلهم..
ولكن الحنق انفجر لاحقا، حين انضمت مجموعات من الناس من ضواحي باريس الي الثوار وهم عائدون من الباستيل ومعهم الاسرى، فعبروا عن خيبة املهم في عدم المشاركة في تحدي الموت بصدور عارية بقتل الاسرى !!
بدأ الثوار في قتل الاسرى، وأنتابت حمى ضرب الجنود الاسرى حتى الموت الجميع، عدا هولان الذي تمسك بوعده لأسيره دي لوني حتى على بعد خطوات من ميدان جريف، وهناك حاصرته الجموع التي لم تكن تعلم عن دي لوني شيئا سوى انه حاسر الرأس، فأخذ هولان غطاء رأسه ووضعه على دي لوني وصار يتلقى الضربات بدلا عنه، ولكن بعد قليل أكتشفت الجموع الثائرة الخدعة، وكان بينهم نساء هن زوجات من قتلوا عند حصار الباستيل كانت واحدة منهن تصرخ بجنون طالبة سكين...
دافع هولان عن وعده ولكن لا توجد قوة في الارض قادرة على ايقاف الجموع الثائرة، فسقط ارضا وهو يناضل بصعوبة كي ينهض، وحين استطاع رفع عينيه من الارض، كان اول منظر يراه هو رأس دي لوني معلقا على حربة...
أواصل..