منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-01-2018, 03:20 PM   #[16]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الرابعة عشر

المقاومة المدنية لنظام عبود

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
الأحزاب تستيقظ
رفض عبود طلب عبد الله خليل تعيين عبد الرحمن المهدي رئيساً
د. محمود قلندر
الصديق وأزهري يطالبان الجيش بإعادة "تسليم العهدة"
لم يبق الشيوعيون وحدهم في ساحة المواجهة لنظام عبود لوقت طويل ، إذ سرعان ما استيقظت الأحزاب ، وبدأت تفيق من حلمها الواهم بأن الجيش سيعيد الأمانة بعد أن تزول الفوضى (كما وعد عبود في بيانه الأول) . فقد وضح خلال العام ، أن عبود ورفاقه قد تذوقوا حلاوة السلطة ، وأنهم على وشك أن يصابوا بإدمان بها لا فكاك منه .. فقد أخذ عبود مع بدايات عام 1959م ، في التصرف كرئيس دولة ، لا كحافظ وديعة ، فقد تمكن من توطيد علاقاته برؤساء مثل ناصر وتيتو وباندارنايكا ، وصار له صيت ومكانة مع تصاعد نجم دول عدم الانحياز التي صارت موضع غزل دولي من القطبين . وهكذا فقد بدا أن عبود وأعضاء المجلس الأعلى بكامله ، ليسوا مستعدين لإعادة العهدة التي سلمت لهم من قِبَلْ عبد الله خليل .
والواقع أن أكثر الحالمين خسارة في تلك المعادلة كان هو عبد الله خليل ، فقد ظن البيه الأميرآلاي أنه ، وبعد أن أمر الجيش باستلام السلطة - كما صرح للسيد بيكر الصحفي البريطاني - سيكون له بعض سطوة وسلطة عند من جاء بهم ، وأنه - ربما - بحكم الأقدمية العسكرية ، و- ربما - بحق "الفتح" للجيش لاستلامها ، سيكون له بعض نفوذ على النظام الجديد .
بمثل هذا الوهم اقترب عبد الله خليل من عبود - بعد عدة أشهر من تسنم عبود للسلطة - طالباً منه أن ينظر في تعيين السيد عبد الرحمن المهدي ، رئيساً للجمهورية . وساق عبد الله مبرراً لذلك الطلب كبر سن الرجل ومرضه ، وأشواقه المعروفة للجميع . ولكن عبود - الذي كان قد استلذ حلاوة السلطة الغامرة - "زجر الخليل" معلناً بأنه يعمل من خلال سلطة مؤسسية لا تقبل مثل ذلك الكلام!
نص ما قاله عبود في هذا الصدد كان ما يلي :
"بعد الانقلاب بنحو شهر جاءني عبد الله خليل وقال إن السيد عبد الرحمن صحته معتلة وإذا ممكن تعملوهـ رئيس جمهورية ، فقلت له إنني أعمل مع مجلس وهذا كلام غير مقبول"
إن هذا يعني بالوضوح أن الخليل كان يحلم بأن تكون له سلطة ومكانة بين الانقلابيين - بعد أن حملهم بمحض اختيارهـ إلى السلطة . بل لعله كان يظن أنه لا محالة عائد إلى مواقع النفوذ بصورة أو أخرى .. فقد رأيناهـ وهو يصرح بعد الانقلاب مباشرة لمن زاروهـ متعاطفين من بعد استيلاء الجيش على السلطة .. رأيناهـ منبسط الأسارير يتحدث مع المحجوب وشيخ على عبد الرحمن وكأنه لا زال صاحب السلطة .. فهو يقول للمحجوب أنه سيرسله وإبراهيم أحمد مع إثنين من الضباط لمصر لاستكمال المباحثات التي انقطعت (بالانقلاب).
ويبدو أن عبد الله خليل وغيرهـ - من مخططي أو مباركي انقلاب الجيش - قد أصيبوا بصدمة شديدة ، وهم يشهدون عبود وقد قلب ظهر المجن لمن دفعوهـ دفعاً لمكان الرئاسة . فقد ظنوا أن الأسد الذي أخرجوهـ من القفص .. سيحفظ لهم صنيعهم ، وسيكون طيعاً داجناً كما يشتهون ..
و لا بد أن إمبراطور إثيوبيا الحكيم هيلاسلاسي كان يضحك يومها وهو يرى القولة التي قال بها للخليل قد ثبتت صحتها وهي كلمات لم يجف مدادها بعد .. فقد كتب الإمبراطور إلى الخليل - في تلك الأيام التي كان الخليل يستبطئ الجيش فيها تنفيذ استيلائه على السلطة - كتب له عن طريق سفيرهـ الأشهر مليس عندوم ، ليحذرهـ .. إن الجيش كالأسد ، إذا أطلقته من إسارهـ لن تستطيع أن تعيدهـ .. فحذار ..
حرب المذكرات
لا شك أن الخليل وصحابه ، يئسوا ، من بعد مناورة تعيين الإمام رئيس جمهورية ، من عودة المارد إلى قمقمه وقد استحلى السلطة واستطاب طعمها ..
و لاشك أن غيرهم من السياسيين الذين هادنوا وآثروا إحناء الرؤوس حتى تمر بدايات العاصفة ، أيضاً يئسوا من انتظار عودة المارد إلى القمقم ...
وبمرور الأشهر رأت قيادات الأحزاب أنه لا بد من عمل ما لكي يفيق العسكريون من خدر السلطة اللذيذ الذي بدأوا في استمرائه . و لم يكن هنالك بالطبع - في ذلك الوقت المبكر- أي تحرك منظم للأحزاب . فقد وجدوا جميعاً أنفسهم عاطلين عن العمل بعد 17 نوفمبر ، ولم تكن هناك رابطة تربطهم ، ولا تلاقوا على أي شكل من أشكال المعارضة . وكانت المناسبات والعلاقات الاجتماعية وحدها هي أسس التلاقي بين قيادات الأحزاب .
كان الأمر كذلك ، حتى وفاة الإمام عبد الرحمن المهدي في مارس 1959م وتسلم السيد الصديق للإمامة ، فجاءت وفاته فاصلا مهماً في حركة المعارضة السياسية لنظام 17 نوفمبر . بل لعلها كانت نقطة بداية المعارضة ، فالإمام عبد الرحمن كان مناصراً لفكرة الانقلاب ، وقد استند الخليل على مباركته ومناصرته ليقفز فوق رغبات السيد الصديق الشاب الرافض لإقحام العسكر في السياسة .
وبما أن الساحة كانت قد خلت من أية تناقض داخلي بالنسبة للسيد الصديق بعد موت والدهـ .. فقد كان ذلك الحدث هو بداية التحرك السياسي المنفرد والمنظم ، والذي تتوج بقيام الجبهة الوطنية .
وجاء أول عمل سياسي حزبي مناوئ لحكم عبود في ثنايا مذكرة السيد الصديق المرفوعة بعد أشهر من وفاة والدهـ . وكانت تلك المذكرة هي في الواقع مذكرة وضع الحد الفاصل ما بين موقف الوالد وموقف الإبن .
فقد كتب الصديق المذكرة بعناية ، حاول فيها أن يتلمس طريقه نحو قلوب وعقول العسكريين في آنٍ واحد . فقد قال الصديق فيها أنه وقف موقف والدهـ المؤيد لاستلام الجيش للسلطة ، باعتبار أن الظروف التي سادت في ذلك الوقت استدعت مثل ذلك العمل الاستثنائي . ثم قال إنه وبعد هذه الفترة - أي بعد هدوء الأحوال واستقرارها - يرى أنه من الواجب أن يعيد الجيش السلطة للأحزاب "مشكوراً على دورهـ في تحقيق الاستقرار". ثم تحدث الصديق عن خطوات محددة يتم من خلالها استعادة النظام الديمقراطي البرلماني .
تسلم عبود ومجلسه الأعلى مذكرة السيد الصديق ، ولكن عبود ومجلسه الأعلى المخمور بنشوة السلطة ، لم يعيرا رسالة الصديق أي اهتمام ، بل تجاهلا المذكرة تماماً .
فتقدم إسماعيل الأزهري بمذكرة شبيهة بمذكرة السيد الصديق ، طالب فيها هو الآخر بعودة الجيش ووضع دستور وقيام انتخابات برلمانية ..
فلم يعر عبود ومجلسه المخمور بنشوة السلطة مذكرة الأزهري أية اهتمام ..
تكوين جبهة الأحزاب
بتجاهل عبود ورفاقه لمذكرتي أهم شخصيتين سياسيتين في البلاد ، وجدت الأحزاب نفسها في ركن ركين ، وتأكد لها أن المجلس الأعلى قد أخذت بكل قواهـ نشوة السلطة ، وأنه ليس أمام تلك الأحزاب إلا تجميع القوى ورص الصفوف استعداداً للمجابهة مع نظام في يدهـ القوة ، والسلطة ، ولا حسيب عليه ولا رقيب .
كانت بداية التوحد التقاء الأنصار والاتحاديين على صلاة العيد عام 1960م في قبة الإمام المهدي بأمدرمان ، وهو لقاء توج بلقاءات تشاورية سياسية أزعجت المجلس العسكري ... ونتج عنها قيام جبهة الاحزاب كأول تجمع مناهض لنظام نوفمبر ، وهو تجمع استند في أوله على ثلاثة أحزاب هي الأمة والوطني الاتحادي والشيوعيون .. وغاب عنه الختمية والشعب الديموقراطي .
عبود يزيل الجفوة ، وناصر يدعم عبود
وكان الختمية وحزب الشعب قد آثرا الابتعاد والبقاء في البداية - على الحياد ، ثم انطلقا بعد قليل في ركاب الثورة مؤيدين ومبايعين ، بل ومشاركين . و لاشك أن مبعث ذلك الموقف كان هو التقارب اللصيق الذي كانت خطواته تتسارع بين مصر عبد الناصر، ونظام 17 نوفبر. فقد تمكنت مصر من الفوز الثمين في علاقتها بنوفمبر في ثلاثة مجالات :
* أولها ، طي مشكلة حلايب من ساحة العلاقات السودانية المصرية ، وتمكن النظام من إزالة "الجفوة المفتعلة"..
* وثانيها ، تتويج محادثات مياهـ النيل بتوقيع اتفاق يعطي مصر كل ما اشتهت وتمنت ، في اتفاقية مياهـ النيل ..
* وثالثها قبول السودان - أو نظام عبود في السودان - بمشروعات السد العالي وقبوله تعويضات ترحيل أهالي حلفا البالغة 15 مليون جنيه استرليني .
وما كان لنظام عبود أن يدفع كل هذا الثمن لمصر دون مقابل . فقد كان المقابل هو أن يسند ناصر النظام بما لديه من ظل ومكانة ، فدفع عبد الناصر بحلفائه التاريخيين في السودان ، لتأييد النظام والوقوف معه . فنجح ناصر في إقناع السيد على الميرغني ، ومن خلفه الختمية والشعب الديموقراطي بذلك . وهو إقناع كان سهلا وهيناً على عبد الناصر بما كان عليه عبود كرئيس ختمي الالتزام ، شديد الولاء للدائرة الميرغنية ، عميق التقدير والاحترام للسيدة مريم ساكنة سنكات ولأبنائها وبناتها.
أما محاولات ناصر مع الاتحاديين فقد تعثرت لأن الاتحاديين في عمومهم كانوا أكثر ميلاً نحو الاستقلال في علاقاتهم بمصر، فقد رأينا كيف حول الأزهري موقفه من الاتحاد مع مصر عشية الاستقلال ، ناسفاً بذلك أساس الكيان الاتحادي كله . أما الختمية والشعب الديموقرطي ، فقد كان الولاء الطائفي يسيطر تماماُ على حركته السياسية ، ومن ثم فقد ظللت الرغبة الميرغنية الموقف الحزبي ولونته بألوانها .
وهكذا وجد عبود نفسه قريباً من ناصر- بكل زخمه العروبي والعالمي .. واستمد من ظله قوة سياسة محلية وظلاً عالمياً ساعدهـ على الانطلاق نحو كتلة عدم الانحياز ..
فقد ازداد عبود زخماً سياسياً بزيارة عبد الناصر للسودان عام 1960م ، وهي زيارة كان الغرض منها دفع نظام عبود نحو مواقع الفاعلية وتثبيت الأقدام ، ليس محلياً بل إقليمياً وعالمياً .
فقد وجد عبود نفسه من خلال صلة حميمة بهيلاسلاسي ، زعيما إفريقياً ورائداً من رواد الأفريقانية Pan Africanism المتجسدة وقتها في قيام منظمة الوحدة الإفريقية.
ثم وجد عبود نفسه لصيقاً بناصر وتيتو ونهرو وباندرنايكا ، وهم ثلة الرؤساء الذين قامت على أكتافهم حركة عدم الانحياز المشهورة وقتها بمبدأ الحياد الإيجابي .. فارتبط هو الآخر بتلك الجماعة العالمية .
باختصار كان عبود يعيش نشوة الحكم حتى الثمالة .. ولم يكن إيقاظه من تلك النشوة سهلاً .
مذكرات الجبهة و"مذكرة كرام المواطنين"
بازدياد زخم نظام نوفمبر بما حققته علاقاته مع ناصر، وجدت هيئة الأحزاب المكونة حديثاً تحت مسمى الجبهة الوطنية المتحدة - وجدت نفسها مرغمة على إثبات وجودها بأية صورة . ولم يكن أمامها في البداية إلا المخاطبة بما هو متاح ، ومن ثم فقد بدأت حرب المذكرات ..
كان أولها مذكرة وقع عليها عبد الله خليل وإسماعيل الأزهري ، وهي مذكرة ، كسابقاتها ، طالبت بعودة الجيش إلى الثكنات وتمكين الأحزاب من الحكم . ثم أعقبت تلك المذكرة أخرى جرت مجرى سابقاتها دون أن تعيرها الحكومة اهتماماً .
وفي خضم ذلك ، وقف الختمية والشعب الديمقراطي ، موقفاً استثنائياً تقدموا فيه بمذكرة اشتهرت يومها "بمذكرة كرام المواطنين"، وهي مذكرة تأييد طويلة تمادت في وصف النظام بالثورية والتقدمية ، وكالت له من المدح ، وكالت لكاتبي مذكرات المعارضة بالقدح والذم واتهمتهم بموالاة الاستعمار، وهي التهمة التي كان يوالي بها عبد النا صر أعداءهـ .
لم يجد الحكم بداً ، بعد أن أخذت تترى المذكرات ، من مفاوضة السيد الصديق ، فانعقدت لقاءات شارك فيها طلعت فريد والمقبول من جانب والسيد الصديق ، منفرداً من جانب آخر . ولكن لم تؤد تلك المفاوضات إلى شيء . إذ لم يكن النظام مستعداً - في غمرة التلذذ بالسلطة - للتنازل عنها وتسليمها .
وبفشل مفاوضات السيد الصديق مع المجلس ، كانت الأحداث تنحدر نحو منزلق المواجهة الدموية ..
حوادث المولد ، ونفي السياسيين
توترت الأجواء السياسية باتصال التعنت العسكري وتضييقه الخناق على النقابات واعتقال قياداتها ، وبتعطيله المتكرر للدراسة في جامعة الخرطوم والمعهد الفني ، والقاهرة فرع الخرطوم .. وبزجه بعدد كبير من قيادات الحزب الشيوعي ومن كوادرهـ العمالية في السجون ..
كما تواترت أنباء التعذيب الذي أخذت تمارسه السلطات في المعتقلات ضد النقابيين والشيوعيين ، وكانت أشهرها تعذيب أحد كوادر الحزب الشيوعي في الأبيض بما دفع جبهة الأحزاب إلى رفع مذكرة احتجاج شديدة اللهجة ، وصفت النظام بالوحشية ، وطلبت منه التنحي وتسليم السلطة . وقد قامت السلطات بعد تلك المذكرة باعتقال القيادات السياسية الحزبية وأرسلتهم جميعاً إلى جوبا في أول معسكر اعتقال جماعي للسياسيين .
وفي الخرطوم توترت الأحداث بين السيد الصديق والنظام بدرجة خطيرة أدت إلي منع الحكومة لمواكب شباب الأنصار في مناسبة المولد في يونيو 1961م . وقد أصر شباب الأنصار على مسيراتهم فاصطدموا بالشرطة فيما عرف بحوادث المولد.. ونتج عنها أول أحداث دموية في صدام سياسي منذ أحداث أول مارس الشهيرة 1954م .
وفاة الصديق وانسلاخ الشيوعيين
كانت وفاة الإمام الصديق في أكتوبر 1961م هي العلامة الفارقة في منحى مقاومة الأحزاب لحكم إبراهيم عبود .. إذ تلى اعتقال القيادات السياسية في جوبا ، انحسار كبير في اتجاهـ الحركة السياسية المناوئة لنوفمبر. وكانت أهم أسباب ذلك الانحسار
بالإضافة إلى وفاة السيد الصديق- هو
انسلاخ الحزب الشيوعي من جبهة الأحزاب عام 1962م ، واتجاهه اتجاهاً مناوئاً قرر بموجبه العمل من داخل مؤسسات النظام لتقويضه من الداخل .
وباتجاهـ الشيوعيين نحو سياسة التقويض من الداخل ، وانسلاخه من جبهة الهيئات ذهبت الجبهة في سبات عميق ..
وقد ظلت كذلك حتى أيقظها من سباتها هدير الجماهير في 21 و22 و23 و24 أكتوبر 1964م .




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 03:57 PM   #[17]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الخامسة عشر
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
بقلم : د.محمود قلند
مع تصاعد الضغوط على 17 نوفمبر، فكر دهاقنة النظام في ركوب موجة الديمقراطية كوسيلة من وسائل سحب البساط من تحت أقدام القوى السياسية التي ما فتئت تزعج النظام بمذكرات متوالية تفيض شوقاً إلى الديمقراطية . وقد رأي هؤلاء أن النظام يمكنه تحقيق ذلك بتطعيم حكمه ببعض المحسنات الديمقرطية ، على أن لا تكون الديمقراطية ، ديمقراطية كاملة الأركان . ولعل مرد ذلك الحرص هو الظنون والشكوك المتوطنة في نفس النظام حول الديمقراطية الحزبية ، بعد تجربة سنوات ما بعد الاستقلال ، وربما جرياً على ما كان عليه الحال من حول السودان وقتها ، من أنظمة اشتراكية وأنظمة نيابية قصيرة الظل كتلك التي كانت على حدود السودان الشمالية ..
و لابد أن الواقع السوداني المناهض للشمولية والرافض لها بأشكال المختلفة - والذي أسمته لجنة أبورنات الأولى (والتي وضعت قواعد التنسيق بين الحكم المحلي والمركزي) "حب السودانيين للديمقراطية"- لا بد أنه كان واحداً من مبررات ذلك المضي على طريق التغيير النيابي . فقد واجهت نظام نوفمبر من أشهرهـ الأولى أمواج عارمة من المقاومة جعلته يبحث - ما استطاع - عن منافذ وطاقات يتمكن بها من السماح للشعب بالتنفس الديمقراطي .
لجنة أبورنات الأولى : مجالس المحافظات ومجلس المديرية
كون الفريق عبود لجنة أبورنات الأولى عام 1959م ، بعد مرور عام على انقلابه ، وأسمى تلك اللجنة بلجنة التنسيق بين الحكم المحلي والمركزي ، وهي اللجنة التي وضعت أسس قيام مجالس للحكم المحلي ومجالس للمديريات كنواة وقاعدة للهرم الإداري المنتظر. وبموجب توصيات تلك اللجنة ، فقد تم تقسيم السودان إلى قطاعات إدارية صغرى هي المجالس المحلية .
وكان المقترح الأساسي الذي تقدمت به لجنة أبورنات ينادي بتكوين المجالس المحلية في المحافظات - بكاملها - من شخصيات يتم اختيارها بالتعيين . وقد ذكرت اللجنة في حيثياتها أنها تعتقد أن أية ممارسة انتخابية ديمقراطية في هذا المستوى ستؤدي إلى :
"دخول أعضاء غير مناسبين وسيحط من قيمة المجلس نفسه ، ويدفع إلى بروز تكتلات حزبية ، ويعطل أعمال المجلس ويؤدى إلى إهمال المجلس لأدوارهـ الأساسية."
هذا بالرغم من أن ديباجة تقرير لجنة أبو رنات المكتوب باللغة الإنجليزية ، يقول بالحرف الواحد وباللغة الإنجليزية :
The love of democracy is ingrained in the character of this nation
"حب الديمقراطية محفور في وجدان هذا الشعب"
كانت توصية أبورنات الأساسية إذن هي أن تكون مجالس المحافظات بالتعيين المطلق من قبل السلطات المحلية التي ينبغي عليها أن تجمع المعلومات عن الأشخاص ذوى الأهمية والنفع في المنطقة ثم ترفع قائمة بتلك الأسماء لسلطات المديرية والتي بدورها ترفع توصيات بها لوزير الحكومات المحلية . بيد أن هذا الجانب تم تعديله لاحقاً بحيث سمح بانتخاب بعض الأعضاء ولكن ظل مبدأ التعيين هو المبدأ المسَوَّد في كافة مستويات الحكم المحلي .
مجالس المديريات
كما هو الحال في مجالس المحافظات المحلية ، فقد كان مقترح لجنة أبورنات الأصلي هو أن لا تجرى أية انتخاب على مستوى المديريات أيضاً ، فقد نصت الفقرة (أ) من الباب الثالث على "أن يتكون المجلس من كل رؤساء مجالس المحافظات ، وبعض أعضائها و من شخصيات عامة يتم اختيارها على أساس الخبرات الفنية أو العلمية أو العملية ، ومن رؤساء الوحدات الحكومية وشبه الحكومية - عدا القضاء." وفصلت المادة على أنه ينبغي تعيين كل هؤلاء.
وبذلك فإن المقترح الأساسي للجنة أبورنات استبعد تماماً أية اتجاهـ للانتخاب من قبل المواطنين ، رغم أنه أكد على أن مثل ذلك الانتخاب سيظل هو المرتجى ، ولكن لبعض الوقت لا بد من الاعتماد على التعيين ، وذلك تفصل لجنة أبورنات - حتى لا تتعرض المجالس لما تعرضت له الحياة السياسية النيابية في تلك الفترة .
إلا أن مقترحات أبورنات - كما رأينا - ادعت أن الشعب غير مؤهل لكي يقوم بالانتخاب ، وأن الانتخابات ستفرز شخصياتٍ غير مؤهلة ومحطة من قدر المجالس . وبذلك فقد انتهت اللجنة إلى وجوب تعيين - وليس انتخاب - العضوية الكامل لتلك المجالس .
و لابد أن السلطة الأعلى على أبورنات كانت أكثر وعياً بأهمية التنفيس الديمقراطي ، فقد تم تعديل توصيات أبورنات لتشمل انتخاب جزء من العضوية انتخاباً مباشراً .
وبناء على تلك التعديلات قامت مجالس المحافظات ومجالس المديريات وفيها خليط عجيب من الديمقراطية والديكتاتورية على مستوى المديريات . فعلى مستوى المديرية مثلا كان المجلس المديرية يرأسه "الحاكم العسكري" ونائبه عضو معين ورئيس لجنته عضو منتخب انتخاباً مباشراً من المواطنين.
المجلس المركزي وقانونه
اعتماداً على نتائج لجنة أبورنات الأولى ، كون الفريق عبود لجنة أبورنات الثانية وهي اللجنة الأشهر لأنها التي جاءت باقتراح قمة الهرم نصف الديمقراطي .. والذي تمت تسميته بالمجلس المركزي .
ولا يملك المراقب إلا أن يلاحظ أن فكرة التصعيد المتدرج والمحدود من المحافظات إلى المديريات إلى المجلس المركزي ، إنما هي في مجملها قريبة الشبه من نظام الديمقراطية المركزية الممارسة في الأنظمة الشيوعية مع الفوارق الأيديولوجية والتنظيمية . فالشاهد في كلا النظامين أن الديمقراطية المقصودة هي ديمقراطية قلة تختار من بينها من تراهم مناسبين لتمثيل كافة الناس . ففي نظام عبود الديمقراطي ، يتم التصعيد من مجالس المحافظات بطريق الانتخاب ، وهو انتخاب محدود ليس للشارع دور فيه . فهو انتخاب يتم من قبل أعضاء مجلس المحافظة لبعض أعضائه لمجلس المديرية .
يحدث نفس الشيئ على مستوى المجلس المركزي ، فالمجلس المركزي ليس فيه انتخاب مباشر، إذ تنص لائحة تكوين المجلس المركزي على أن تكون عضويته كما يلي :
* كل الوزراء .
* 45 عضوا منتخبين من قبل مجالس المديريات .
* 18 عضوا يعينهم رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة .
ولو أمعنا النظر في تركيبة المجلس نلاحظ أن شكل ديمقراطية عبود يمكن تلخيصه كما يلي :
* مجالس المحافظات :
تعين الدولة ثلثي أعضاءها .. والثلث الثالث ينتخب مباشرة من المواطنين .
* مجالس المديرية :
تعين الحكومة ثلثاً ويشكل التنفيذيون ثلثاً ثانياً ، وتنتخب مجالس المحافظات من بين أعضائها الثلث الثالث .
* المجلس المركزي :
يعين المجلس الأعلى ثلثه ، ويكون الوزراء الثلث الثاني ، وتنتخب مجالس المديريات من بين أعضائها ثلثه الثالث .
وبالنظر إلى هذه المعادلة يمكن أن نرى أن ديمقراطية نظام عبود تتوقف فقط على انتخاب الثلث الثالث من المجالس القاعدية المجالس المحلية .
وبالنظر إلى هذهـ المعادلة ، فإن تركيبة المجلس المركزي كان شكلها كما يلي :
من مجموع عضوية المجلس الكاملة 86 عضواً ، هناك 63 عضوا للحكومة دور مباشر أوغير مباشر في اختيارهم للمجلس المركزي . وهناك 23 عضواً فقط (27%) تم انتخابهم مباشرة من المواطنين على مستوى المحافظات تمكنوا من الوصول إلى المجلس المركزي ..
تم تكوين أول مجلس مركزي بعضوية فاقت الثمانين ، وكما هو الحال في كل السودان ، فقد احتل العسكريون من أعضاء المجلس الأعلى عدة مقاعد فيه كتنفيذيين (وزراء) ، فكانوا بذلك السلطة الأعلى داخل السلطة الأدني .. بينما تم اختيار رئيس المجلس (عوض عبد الرحمن صغير) من بين أعضاء المجلس الأعلى الذين أخرجتهم حركة محي الدين وشنان . أما رائد المجلس ، فلم يكن إلا الأميرآلاي المقبول الأمين الحاج ، عضو المجلس والضلع الثالث في حركة مارس 1959م .
وبذلك يمكن فهم حجم الديمقراطية التي أتاحها الفريق عبود لشعب السودان من خلال تلك المتواليات الحسابية . كما يمكن فهم ازدحام تلك المجالس وحتى المجلس المركزي بعدد معين من الشخصيات والأفراد الذين أراد لهم المجلس الأعلى الوصول إلي المجلس المركزي .
اختصاصات المجلس المركزي
أراد عبود لمجلسه المركزي أن يكون قريب الشبه من المجالس النيابية في الأنظمة الديمقراطية النيابية . لذلك فقد تحددت للمجلس معظم صلاحيات المجالس النيابية المعروفة في الديمقراطيات الغربية ، إلا قليلاً . والقليل المقصود هو تعيين رئيس الوزراء وعزل الوزراء وإسقاط الحكومات .
فحسب لائحته ، اعتبر المجلس المركزي جزء من السلطة التشريعية التي يكملها المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، كما شملت اختصاصاته إجازة القوانين والاتفاقيات والمعاهدات ، وتضمنت مهامه مهمة إجازة الدستور الذي انتوت 17 نوفمبر وضعه للبلاد .
الشيوعيون والأحزاب والمجلس المركزي :
ذكرنا كيف أن الحزب الشيوعي آثر أن يتعامل مع اتجاهـ عبود لإقامة نظام المجلس المركزي تعاملاً مختلفاً قصد من خلاله ، كما أشارت عدد من بياناته في هذا الصدد ، إلى رغبته في العمل على تقويض النظام من داخله . حدث هذا في الوقت الذي قررت فيه كافة الأحزاب عدا الختمية وحزب الشعب الديمقراطي ، مقاطعة مجالس عبود بكل مستوياتها . واعتبر الحزب قرار نظام عبود بمنح بعض المستوى الديمقراطي ، تراجعاً لمصلحة القوى الشعبية لا يجب التفريط فيه .
وبالرغم من المسببات والمسوغات التي قادها الحزب لتبرير مشاركته في ديمقراطية عبود ، إلا أنه لا يمكن استبعاد سبب سياسي آخر لتلك المشاركة ، وهو تقارب نظام 17 نوفمبر مع الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت ، وهو ذلك التقارب الذي تتوج بزيارة عبود لموسكو، وزيارة سكرتير الحزب الشيوعي برجنيف للسودان ، في واحدة من زيارات الشيوعيين النادرة لإفريقيا في ذلك الوقت .
ومهما كانت أسباب تعاون الشيوعيين مع مجالس عبود ، فقد ترشح عدد من كوادر الحزب في عدد من المجالس المحلية ، فلم يفلحوا في أي منها ، ولم يدخل المجلس إلا التجاني الطيب .
فيما يتعلق ببقية الأحزاب ، فبالرغم من مقاطعتها الرسمية لانتخابات المجالس ، إلا أن عدداً من أقطاب حزب الأمة وبعض الاتحاديين وجدوا أنفسهم وقد تم تعيينهم في المجلس المركزي . وحدهم حزب الشعب الديمقراطي وجماعة الختمية الذين وقفوا موقف إيجابياً من تجربة نوفمبر البرلمانية . إذ كانت المجالس النيابية للنظام - بمختلف مستوياتها - مسرحاً خاليا ً لهم ، فملأوا كافة مستوياته ، وكانوا بكل معني لحمة الديمقراطية النوفمبرية وسداها ..
فهل أسمنت ديمقراطية نوفمبر من جوع الشعب ؟




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 04:37 PM   #[18]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة السادسة عشر
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
د.محمود محمد قلندر
الدور الذي لعبه نظام عبود في استعار مشكلة الجنوب لا يعادله في الخطورة إلا دور الجنوب في الإيداء بنظام عبود إلى حتفه .
والدارس الممحص للتاريخ الوطني يحتاج إلى وقفة متأنية ليتمكن من قراءة تلك الحقبة التاريخية قراءة تستجلي الوقائع وترتب الأحداث ترتيباً يساعد على بيان الحقيقة .. وهذه الحلقة هي تلخيص واف لتسلسل الأحداث في الجنوب من زاوية تصرفات وردود أفعال نظام الفريق عبود ..
لم تكن لنوفمبر سياسة خاصة وواضحة تجاهـ الجنوب عند استلامها للحكم في نوفمبر. ولهذا فإنها في بداية الانقلاب ، تعاملت معه بلا التفات لخصوصيته ، وحساسية ما كان يجري فيه . لهذا فقد خضع الجنوب ، كغيرهـ من أجزاء السودان ، للأحكام العرفية . ولكن بعد عدة أشهر من وجودهـ في الحكم ، ونتيجة لتصاعد أعمال العنف في الجنوب ، فقد اتخذ المجلس الأعلى قراراً في يناير عام 1959م باعتبار الأحوال في الجنوب أحوال أمن داخلية ، تتطلب من الجيش تنفيذ عمليات الأمن الداخلي ، ومن ثم بدأ الجيش في تحريك قواته وآلياته ومعداته بكثافة إلى الجنوب لتنفيذ خطط الأمن الداخلي . وبالفعل بدأ الجيش منذ ذلك التاريخ تنفيذ عمليات الأمن الداخلي في كافة مناطق الجنوب مستنداً إلى حالة الطوارئ المفروضة ، وما تعطيه من سلطات وصلاحيات للعسكريين في مناطق القتال . وقد ساعد ذلك على استعار المواجهة بين الجيش وجماعات متمردي 1955م الذين كانوا يقودون الهجمات ضد الجيش وقوافله . ومع استعار حدة المواجهة بين الجيش والجماعات المناوئة ، بدأ المواطنون الجنوبيون والسياسيون ، والموظفون والمثقفون الجنوبيون يتعرضون للمضايقة الرسمية ، والمساءلة الأمنية من قبل الجيش والسلطات الرسمية ، وذلك في إطار الشكوك المتزايدة وقتها بضلوع السياسيين والمثقفين الجنوبيين في حركة المقاومة . ونتيجة لذلك ، فقد لفت مشاعر الشك ، والغضب ، والبغضاء غابات الجنوب ، وتلونت الحياة فيه بألوان الخوف والرهبة .
عبود يلغي عطلة الأحد في الجنوب
وفي خضم تلك المشاعر السالبة في نفوس الجنوبيين ، اتخذت حكومة عبود عدداً من القرارات الإدارية الرامية الي إحكام قبضة الحكومة ، والتي كان لها أخطر الآثار على مسار قضية الجنوب . ففي تلك الأيام ، ولأسباب لا زالت غير معروفة ، وبتاريخ السادس من يناير 1960م ، رفع مدير المديرية الاستوائية ، علي بلدو، مذكرة (رقمها م أ/سري/34/أ/)1 ، إلى السلطات العليا في الخرطوم ، يقترح فيها استبدال عطلة الأحد في الجنوب بعطلة الجمعة . وقد بررت مذكرة مدير الاستوائية اقتراح استبدال العطلة بعدة مبررات ، منها إن نسبة موظفي الحكومة المسلمين تفوق نسبة المسيحيين وإن صلاة المسيحيين غير مرتبطة بميعاد محدد ويمكن أن تؤدى في أي وقت . ومنها أيضاً أن اختلاف العطلات قد يؤدي إلى عدم إمكانية إجراء الاتصالات الممكنة في أي لحظة كما يستدعي الموقف في الجنوب . كما ساق بلدو من المبررات أهمية إشعار الكنائس التي تشعر بسطوتها ونفوذها في الجنوب بأن الدولة مسلمة ، وأن نفوذ هذه الكنائس ليس بلا حدود .
بعث مدير الاستوائية مذكرته إلى السلطات في الخرطوم في يناير من عام 1960م ، وخلال أقل من شهر، في فبراير من نفس العام ، اتخذت حكومة عبود قرارها بتغيير يوم العطلة الأسبوعية في جنوب السودان من الأحد إلى الجمعة . وكان هذا هو أخطر القرارات الإدارية في تاريخ الجنوب السياسي وهو قرار كما نلاحظ هنا ، تم اتخاذهـ بسرعة غريبة ومريبة ، دون إخضاعه للدراسة المتعمقة ، أو تقويم عواقبه أو تقدير النتائج المنتظرة من تطبيقه .
ولم نجد أدلة على المسببات الحقيقية لاقتراح بلدو الخطير ذلك ، ولكننا نقدر أن إدارياً مقتدراً كعلي بلدو لا يمكن أن يتعجل أمراً كهذا لو لم تكن وراء الأمر جهات أعلى دفعته دفعاً .. ولا بد أن تلك الجهة هي التي وقفت وراء قرار الموافقة السريع الذي جاء خلال أيام قليلة ، في وقت كان ينبغي أن يخضع مثل ذلك القرار لتمحيص ودراسة واستطلاع آراء .
ولم يكن قرار تغيير يوم العطلة وحدهـ هو المثير، بل صاحب ذلك القرار، خطوات إدارية قصد منها توسيع دائرة النشاط الإسلامي ، وفي المقابل ، تقليص النشاط المسيحي . فقد بعث مدير الاستوائية مثلا ، بخطاب رسمي إلى وحداته الإدارية كافة يطلب منها مساعدة المسلمين وذوي الديانات المحلية من الأهالي ، وذلك بإقامة المساجد والخلاوي والمدارس ، وإزالة آثار الاضطهاد الديني الذي كانوا يتعرضون له من جانب الكنيسة .
ولا نجد من تبرير لتلك القرارات الخطيرة سوى ذلك الافتراض غير العلمي الذي ظل يرددهـ البعض من أن حل مشكلة الجنوب يمر عبر بوابة إذابة ثقافة الأطراف في ثقافة المركز الغالبة . وهو ذلك الافتراض الذي رأى في سياسة المناطق المقفولة البريطانية مؤامرة لإعاقة تيار الثقافات العربية الإسلامية الذي لو ترك على حاله لكان قد جرف - حتى اليوم - الثقافات الفرعية ومعها مشكلة الجنوب . نعتقد أن هذا هو التيار الذي كان يقف وراء قرارات فبراير 1960م باعتبارها رغبة في تصحيح مسار التاريخ .
ولا بد أن نشير هنا ، إلى أن معظم الأحداث التي بدأت في التصاعد في الجنوب منذ ذلك الوقت ، إنما كانت في معظمها ، ردود فعل على تلك القرارات التي اتخذتها السلطات القومية في الخرطوم حول عطلة الأحد ، وعلى الخطوات الأخرى التي نفذتها السلطات الإدارية في الاستوائية على وجه الخصوص .
فقد أدى تطبيق عطلة الجمعة في الجنوب ، إلى ردود فعل واسعة وعنيفة على امتداد المديريات الجنوبية ، إذ انطلقت الكنائس في كل موقع تطلب من رعاياها مناهضة القرار والوقوف ضدهـ ، كما أخذت في تحريضهم على مغادرة الجنوب إلى خارج الحدود حيث يمكنهم ممارسة أديانهم بحرية ، وأخذت الفعاليات الجنوبية في إبداء تذمرها وسخطها من القرار . وعبرت الفئات المستنيرة والمتعلمة من الجنوبيين عن معارضتها للقرار بصور مختلفة ، بينما عبر المسئولون الإداريون الشماليون عن آرائهم في القرار أيضاً .
فقد عبر مفتش التعليم في المديريات الجنوبية ، السيد سر الختم الخليفة ، عن رأيه في مذكرة رفعها في السابع عشر من فبراير 1960م ، أشار فيها إلى أهمية يوم الأحد بالنسبة للمسيحيين ، ليس باعتبارهـ يوم عطلة ، بل للقدسية التي يتميز بها اليوم في الدين المسيحي . وعبر مدير مشاريع الاستوائية عن رأيه مستندا على معطيات اقتصادية ، موضحا بالأرقام الخسائر التي تتعرض لها المشاريع في حالة تطبيق عطلة الجمعة ونصف يوم الأحد . وعبر عدد من الجنوبيين الموظفين في الحكومة عن معارضتهم أيضاً ، وكان من هؤلاء أقري جادين ، الذي كان حتى ذلك الوقت مساعداً للمفتش بمديرية بحر الغزال ، وماقوت وينفرد ، اليوزباشي السابق بالجيش .
لقد أعطى القرار الهيئات التبشيرية المختلفة في الجنوب أسبابها القوية لمواجهة ومعارضة الحكومة وإجراءاتها . كما أنه منح السياسيين الفرصة المناسبة لدفع حركة معارضتهم في اتجاهـ المناداة بوجوب تحقيق استقلالية سياسية للجنوب في علاقته بالشمال . وبالتالي فقد منح القرار السياسيين والكنيسة الأرضية المشتركة التي وقفوا عليها في معارضتهم لحكم عبود .
ومع تزايد المعارضة من كل جانب لقرار استبدال عطلة الأحد بالجنوب ، صعدت الحكومة رد فعلها على المعارضين لقراراتها . فحذرت السلطات رجال الكنائس رسميا ، وفرضت رقابة أمنية على الموظفين النشطين ، ثم قامت بتقديم بعض القسس السودانيين للمحاكمة .
تطبيق قانون الهيئات التبشيرية ، والاستيلاء على مدارس الكنائس
في إطار ذلك التصعيد ، رأت الحكومة الاتجاهـ نحو الحد الشامل من السيطرة الكنسية في الجنوب . فأصدرت في أغسطس 1960م عدة قرارات تتعلق بالكنائس والقسس ، وتلخصت في الاستيلاء على مدارس الكنائس ، وانتخاب مجلس كنائس سوداني ، و إبعاد المبشرين عن المدارس التي تم الاستيلاء عليها ، والاستغناء عن خدمات الراهبات (السسترات) بوزارة الصحة ، وقفل ورش الكنائس ومستشفياتها .
ثم اتخذت الحكومة عددا آخر من الإجراءات ، فأصدرت قانون تنظيم الهيئات التبشيرية ، والذي لقي إعلاما واسعا في العالم الغربي باعتبارهـ قانونا هدف إلى منع العمل الكنسي وسط المسيحيين . وكان أحد أشهر بنود ذلك القانون هو البند الخاص بمنع الكنائس من تعميد الأطفال إلا بعد استشارة ذويهم ، وبعد ملئ استمارة خاصة أمام موظف حكومي يثبت موافقة ذوي الطفل . كما اشتهر في ذلك القانون بندهـ الخاص بمنع الجمعيات من ممارسة أية نشاط إلا بعد الحصول على إجازة من الحكومة بذلك .
رأت الهيئات التبشيرية العاملة في الجنوب مناوأة القانون بشتى السبل ، فقامت بتنظيم معارضة المواطنين الجنوبيين لقرارات الحكومة المتعلقة بالتبشير . فظهرت عدد من التنظيمات والجمعيات ، والمنشورات السرية معارضة في مدن الجنوب ، بينما قامت الحكومة بتضييق الخناق على الكنائس والقسس وحدت من تحركاتهم على امتداد الجنوب .
الكنائس العالمية وقرارات عبود
لم تصمت منظمات الكنائس العالمية أمام التطورات التي كان يشهدها جنوب السودان فيما يتصل بالعمل المسيحي فيه . فقد أحدثت قرارات عبود المختلفة ردود فعل واسعة على النطاق العالمي . وقد أخذ رد الفعل الكنسي العالمي شكله الأول في صورة الحملة الإعلامية المناهضة لقرارات الحكومة السودانية . فظهرت المقالات الصحفية في كبرى الصحف العالمية تصور ما يجري في الجنوب ، وخاصة قرار استبدال عطلة الأحد ، باعتبارهـ اضطهادا دينيا وعرقيا . وبعد صدور قانون الهيئات التبشيرية نشطت الأقلام المعادية لذلك القانون في الإعلام الغربي عموما والمسيحي على وجه الخصوص .
طرد المبشرين المسيحيين من السودان
وبحلول عام 1964م اتخذت الحكومة أخطر قراراتها في شأن علاقتها بالكنائس على الإطلاق . إذ أعلنت في مارس من عام 1964م ، طرد المبشرين الأجانب من الجنوب وسودنة الكنائس ..
وكانت وزارة الداخلية قد أعدت صحيفة الاتهام للقسس الذين قامت بإبعادهم شملت أنواعاً مختلفة من المارسات والجرائم التي أخذتها عليهم الدولة واعتبرت تلك الممارسات مبرراً للإبعاد . وبالرغم من تلك الاتهامات التي ساقتها مذكرة وزارة الداخلية ، إلا أن قرار إبعاد المبشرين استند ، من بين أسباب أخرى فيما نرى ، على رد الفعل المباشر والغاضب على أحداث محاولة الاستيلاء على مدينة واو في يناير عام 1964م والتي حاول خلالها أحد العسكريين السابقين وابن أحد زعماء الدينكا ، الاستيلاء على المدينة ، حيث اتهم قس كاثوليكي إيطالي بالضلوع في الهجوم على مدينة واو . فقد هزت تلك الحادثة هيبة النظام العسكري وجعلته يحس بخطورة الأدوار التي يمكن أن تلعبها الكنيسة في مسار المشكلة . ونلحظ في المبررات التي ساقتها مذكرة وزارة الداخلية حول طرد المبشرين الأجانب اتهامات واضحة للإرساليات بالعمل السياسي السافر والمضاد للحكومة ، وهو ما يعني أن الدولة قد وضعت هذهـ الهيئات في موضع العدو، وراحت تتعامل معها من ذلك المنطلق . وقد أحدث قرار الطرد ردود فعل أكثر عنفاً على مستوى الحركة الكنسية العالمية ، كما نتج عنه تدهور علاقات حكومة الفريق عبود بالغرب عموماً وبأوروبا الغربية خاصة .
لقد طرد نظام نوفمبر 272 قساً كاثوليكيا ، و28 قسا بروتستنتيا ، وبذلك وضع نفسه في المواجهة المباشرة مع السلطات الكنسية العالمية في أعلى مستوياتهما ، كما عرض نفسه للأعمال الدعائية المضادة من قبل القوى العالمية المساندة للكنائس . وفتح أبواب الدعاية المسيحية والغربية المضادة لحكومة السودان ، إذ نشطت المحافل الكنسية الدولية في اتهام السودان بالسعي إلى فرض الهيمنة الإسلامية العربية في الجنوب .
أما القسس المطرودين ، فإنهم ما لبثوا أن عادوا من النوافذ الخلفية إلى المناطق الحدودية في الدول المجاورة للسودان ، حيث واصلوا نشاطهم المضاد لحكومة السودان وسط اللاجئين .
ومن ثم فإن الجنوب شهد تطورات درامية حادة خلال ذلك العام ، فقد تصاعدت أحداث العنف من كل جانب ، فنشطت الأنيانيا مع دخول عام 1963م ، وتمكنت من إحداث خسائر كبيرة بعملياتها المضادة لقوات الحكومة ، وضد الموظفين الحكوميين ، والمواقع الرسمية المختلفة . وتعرضت القطارات للمهاجمة ، كما نسفت الكباري ، وقطعت الطرق ، وتم اعتراض سبل القوافل (الأطواف) التجارية والحكومية .
وكان من أشهر أعمال تلك الفترة العدائية الهجوم على فشلا في أغسطس عام 1963م ، وهو الهجوم الذي اعتبرهـ البعض فاتحة المقاومة المسلحة من قبل الأنيانيا . ثم جاءت بعدها حادثة الهجوم على واو بقيادة برناندينو، والتي يعتبرها البعض أيضا من العمليات التي أحدثت الصدمة المطلوبة للحكومة المركزية . ومع تزايد أعمال العنف المسلح أخذت المواجهة في الجنوب تتحول تدريجيا إلى ما يمكن اعتبارهـ حرباً أهلية ضحاياها الشماليون والجنوبيون على حد سواء .
وبذلك الاستعار بدأت قضية الجنوب تتحول إلى جرح غائر يكاد أن يعضف بنظام نوفمبر كله .. فلم يجد النظام بداً من الاستنجاد بالآخرين .. كما سنرى في الحلقة القادمة ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 05:20 PM   #[19]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة السابعة عشر

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

الجنوب .. قاصمة ظهر نوفمبر
بقلم : د.محمود قلندر
بدأت الأوضاع العسكرية في الجنوب في التردي في الأعوام62 و63 و64 من بعد تمكن المعارضين الجنوبيين من تنظيم أنفسهم سياسياً وعسكريا ، ومهاجمة القوافل والمدن ، وتوجيه الضربات القوية لقوات الحكومة . وقد حاولت حكومة عبود بقدر الإمكان ، منع أنباء تدهور الأوضاع في الجنوب من الوصول إلى الشمال .
ومع تعرض قوات الجيش ومدن الجنوب الكبرى مثل واو وجوبا ، إلى هجمات القوات المناوئة ، وتزايد الجرحى والقتلى من الجنود والموظفين والتجار الشماليين ، أخذت أنباء تدهور الأوضاع في الجنوب في الوصول إلى كل الأسماع . و لم تعد الحكومة قادرة على إخفاء ما يجري في الجنوب ، فتناولته المجالس الخاصة ، كما أخذت الصحف في تناولها بحذر معتبرة ما يجري من تدهور نتاجا للتدخل الأجنبي في البلاد .
ويبدو أن الحكومة ، ممثلة في وزير داخليتها محمد أحمد عروة ، أحست أن العنف لم يحقق الأهداف ، فراحت تبحث عن سبل أخرى لمعالجة الوضع في الجنوب . وفي ذلك الإطار شجعت الدولة المتخصصين وكبار الموظفين إبداء آرائهم حول هذه القضية ، واقتراح بدائل للمعالجة . وقد دفع ذلك عدداً من المسئولين والمثقفين والأكاديميين في الشمال لرفع أصواتهم مطالبين بإعمال العقل بدلا من السلاح في المجابهة . فكتب عدد من التنفيذيين والأكاديميين مذكرات للسلطة العسكرية حول الجنوب ، تطالب كلها باستبدال سياسة المجابهة بالعنف بأسلوب الحوار والتعامل القائم على الاعتراف بخصائص الجنوب .
من بين الشخصيات التي كتبت لسلطة نوفمبر عن الجنوب ، الدكتور محي الدين صابر، والذي كتب مذكرة اعتبرها وزير الداخلية آنذاك (دراسة علمية رفيعة) ، حوت عددا من المقترحات وانتقدت سياسة الحكومة في الضغط والإكراهـ ، كما انتقدت سياستها تجاهـ الكنيسة ، ونادت المذكرة بإيلاء الواقع الإفريقي السوداني الاهتمام اللازم ، ووضع خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب .
وكان من بين كتاب المذكرات ، دكتور جعفر بخيت ، وكامل شوقي ، وأمير الصاوي ، وعبد الوهاب أحمد مدني .
ولم يكن الأكاديميون والمثقفون وحدهم الذين عارضوا العنف في الجنوب ، بل عارضته شخصيات تنفيذية وعسكرية قالت رأيها بوضوح فيما كان يجري هناك . من بين هؤلاء القائمقام الطاهر عبد الرحمن المقبول ، قائد القيادة الجنوبية وقتها ، والذي هاجم سياسة تبني التبشير الإسلامي كنقيض وبديل للتبشير المسيحي ، وكأسلوب لمحاربة الكنائس ، وعدد في خطاب رفعه كمسؤول عسكري ، المضار الناتجة عن مثل تلك السياسة . وطالب بعدم الاعتماد على الحل العسكري ، وأوصى بإقامة وزارة خاصة بالمناطق المتخلفة ، وجنوبة كل الوظائف ما عدا الجيش والشرطة ، ونادى بعدم التقليل من شأن المتعلمين الجنوبيين .
وكان منهم أيضا البكباشي أحمد خالد شرفي ، قنصل السودان في أوغندا وقتها ، والذي رأى أن المشكلة آخذة في التفاقم وفي حاجة إلى مواقف حاسمة .
وكان منهم السيد علي حسن عبد الله ، وكيل وزارة الداخلية ، الذي قال في مذكرته إن الموقف في الجنوب يزداد سوءا ولابد من إيجاد حل يرتضيه الجميع . وكنا قد ذكرنا من قبل مذكرتي السيدين سر الختم الخليفة ، مدير التعليم بالمديريات الجنوبية وقتها ، والطاهر السراج ، مدير مشاريع الاستوائية .
مذكرة عروة الأولى : لجنة تطوير الجنوب
يمكننا أن ندرك صدق إيمان عروة بخطأ اعتماد الحل العسكري كسبيل وحيد للخروج من المشكلة ، حينما نعرف أنه كان وراء مذكرة رفعت إلى مجلس الوزراء في يوم 10 نوفمبر 1962م ، استند فيها عروة على المذكرات التي شجع الأكاديميين وكبار التنفيذيين على كتابتها . وقد أوصى عروة في مذكرته تلك ، بتكوين لجنة عليا لتنمية الجنوب مهمتها العمل على النهوض بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للجنوب . وقد تم بالفعل تكوين لجنة متخصصة ضمت وكلاء عدد من الوزارات ذات الصلة بالخدمات والإنتاج وتركزت مهامها في تطوير الجنوب ، وقد عرفت تلك اللجنة بلجنة تطوير الجنوب . وبالرغم من أن تلك اللجنة لم تحرز كبير نجاح في عملها ، إلا أننا نعتبرها دليلا على وصول نظام نوفمبر إلى القناعة بضرورة معالجة المشكلة بغير المواجهة بالعنف . صحيح أن كثيرين اعتبروا تلك اللجنة جزءاً من الدعاية الحكومية الرامية لذر الرماد في عيون الشعب ، إلا أنها مقروءة مع المذكرات التي بعث بها المسئولون ، أو المهمومون من غير المسئولين ، تشير بوضوح إلى أن البحث عن مخرج بغير الحرب لم يكن أمراً تستبعدهـ حكومة عبود ، أو على الأقل بعض أقطاب حكم عبود .
مذكرة عروة الثانية : العنف لن يحقق الوحدة
ويبدو أن اللواء محمد أحمد عروة وزير داخلية نوفمبر في سنواتها الأخيرة ، كان قد اقتنع هو الآخر بأن القضية قد وصلت مداها في العنف ، وأن الطريق نحو الاستقرار في الجنوب لا يمر عبر البندقية . فاضطر في نهاية الأمر أن يحمل قناعاته تلك إلى أعلى سلطة دستورية .
رفع اللواء عروة مذكرة ضافية إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة حول رؤيته لمسار المشكلة ومايراهـ من حلول . وهي مذكرة هامة وتعتبر علامة فارقة في سياسات نظام نوفمبر نحو الجنوب . لقد جاء في تلك المذكرة التاريخية ما يلي :
"إن سيطرة الحكومة على الموقف (في الجنوب) لا يعني إطلاقا الحل النهائي للمشكلة ، إن الحل الصحيح هو إيجاد حل فعلي ودائم للجانب السياسي للمشكلة . ولذا يجب علينا قبل أن نمضي في تحمل أعباء الصرف والتنمية والإدارة في الجنوب ، وأن نتبين منذ الآن وقبل فوات الأوان مستقبل وحدة البلاد وما هي الإحتمالات أو الأهداف التي ستصل بنا إليها هذهـ الأوضاع بعد فترة من الوقت . إننا طبعا لا نقر الانفصال بأي حال من الأحوال ، ولكن فرض الوحدة بالإكراهـ لن يحل المشكلة ، وربما كان من المستطاع أن نصل إلى حل يرضاهـ ويؤمن به المواطنون في الجنوب والشمال . ومتى ما توصلنا لمثل هذا الحل أمكن لنا أن نعمل جميعا من أجله"
إن هذهـ المقتطفات من مذكرة عروة تشير بوضوح إلى حجم القلق الذي عاشته حكومة الفريق عبود مع تصاعد أحداث الجنوب وتفاقمها . فها هو عروة يتحدث بشجاعة عن قضايا ظل حتى ذلك الوقت الحديث عنها محرماً ، فالقول بوجوب عدم فرض الوحدة بالقوة قول كان في ذلك الزمان هو الكفر الوطني عينه . وربما يلحظ القارئ أن عروة تحدث بالمواربة عن إمكان وجود خيارات أخرى غير الوحدة الجبرية ، بل إنه لا يلغي في مذكرته تلك الانفصال كخيار وارد إذ يشير إلى أن الدولة عليها أن تفكر ملياً في "مستقبل وحدة البلاد واحتمالاتها".
لجنة تقصي الحقائق
لا نجافي الحقيقة كثيرا إن قلنا أن لجنة تقصي الحقائق الشهيرة ، والتي أعلنت حكومة عبود عن تكوينها في أغسطس عام 1964م ، هي من نتاج مثل ذلك النمط من تفكير عروة الذي نادى بإعمال العقل بدلا من السلاح في معالجة القضية . واللجنة الجامعة المشار إليها هنا هي تلك التي تم تكوينها بعد أن أحس نظام الفريق عبود بحجم تدهور الأوضاع في الجنوب ، والاتجاهـ الخطير الذي كانت أحداث الجنوب تقود البلاد برمتها إليه . وهي عين اللجنة التي أودت ندوة حولها ، بنظام نوفمبر كله .
لقد ترأس لجنة تقصي الحقائق تلك السيد أحمد محمد يسن ، أحد رؤساء البرلمان السابقين ، وأحد أقطاب حزب الشعب الديمقراطي . وضمت اللجنة في عضويتها خمسة وعشرين من السياسيين والتنفيذيين الشماليين والجنوبيين ، ذوي الصلة والاهتمام والمسئولية في أمر الجنوب.
ولم تكن مهام تلك اللجنة عريضة وشاملة ، إذ تحدد لها ألا تتناول أي مقترحات تمس النظام السيادي السائد ، أو مبدأ الحكومة الموحدة ، بل تحددت مهامها في البحث عن سبل استعادة الاستقرار والوحدة للبلاد ، و تلمس آراء المواطنين - خاصة في الجنوب - عن أمثل الطرق لتحقيق ذلك .
وهكذا ، وبعد أكثر من خمسة أعوام من اعتبار نظام عبود لأحداث الجنوب أعمال (أمن داخلي)، تقع مسئوليتها في يد وزارة الداخلية ، عادت الحكومة لتقول إن ما يجري في الجنوب إنما هو قضية سياسية ، وطلبت من أهل السياسة الجلوس وتقصي الحقائق في القضية .
ولابد أن القارئ يعرف الآن أن بعض ذيول أعمال تلك اللجنة كانت وراء الأحداث التي قادت نظام الفريق إبراهيم عبود إلى حتفه ، فقد كان بعض ما دعت إليه تلك اللجنة هو أن يدلي المواطنون بآرائهم وتصوراتهم حول القضية . وقد أهتبل طلاب جامعة الخرطوم تلك السانحة ، فأخذوا في عقد ندوات سياسية دعوا إليها سياسيين بارزين ومعارضين لحكم عبود ، فانتهى الأمر إلى منع الطلاب من عقد الندوات ، وتحدي الطلاب لقرارات المنع ، ومن ثم اصطدام قوات الشرطة بالطلاب ، مما أدى إلى وفاة الطالب أحمد قرشي طه ، فالتهبت مدن العاصمة ومدن الأقاليم الأخرى بغضب عارم ، قاد إلى ما نعرفه في تاريخنا المعاصر بثورة 21 أكتوبر 1964م.





التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 05:51 PM   #[20]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الثامنة عشر

مؤسسات الوعي في مواجهة عبود

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

كاد عبود أن يؤمم الصحافة

الأيام تقارن محاكمات العمال بمحاكمات نورمبرج للنازيين
د. محمود قلندر
تعتبر مؤسسات الوعي في أي مجتمع هي أدوات مهمة لقياس موقف الجماهير من النظام السياسي الحاكم ولمعرفة حجم القبول الجماهيري الذي يتمتع به ذلك النظام . إثنان من أهم مؤسسات الوعي الوطني هما الجامعات والصحافة . نفرد هذه الحلقة للنظر في واحدة من هاتين المؤسستين ، الصحافة ، لكي نتمكن من الوقوف على تعامل نظام 17 نوفمبر مع تلك المؤسسة ومواقف مؤسسة الصحافة من النظام ..
عبود للصحافة : ممنوع الكتابة
يمكن تلمس نوايا نظام نوفمبر وموقفه من الصحافة بالتمعن في ملابسات تعامل النظام منذ يومه الأول مع تلك المؤسسة . ففي يوم استلام عبود للسلطة ، وفي أول مؤتمر صحفي له توجه عبود نحو الصحافة والصحفيين ناصحاً بأن لا يكتبوا أي شئ عن الحكومة الجديدة وسياستها . وبنص حديثه ، فإن عبود عدد قائمة الممنوعات الصحفية على النحو التالي :
"لا تكتبوا أي شيء ضد سياسة الحكومة ، و لا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية ، ولاتعلقوا على هذه الأعمال بشئ ، ولا تكتبوا عن الأحزاب السابقة أو الطوائف .. ولا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسة البلدان الأخرى"
أما وزير الداخلية ، أحمد عبد الوهاب فقد أعقب حديث عبود "بقائمة تفسيرية" لتلك الممنوعات ، وقد ضمت القائمة التفسيرية لما ينبغي تجنب الخوض فيه ما يلي :
"الأنباء التي تثير الشكوك حول أهداف الحكومة ومراميها ، الأنباء والتعليقات الخاصة بسمعة الحكومة ، الأنباء التي تسيء إلى العهد أو تقوض الثقة فيها ، التعليقات التي تؤثر على علاقات السودان بالدول الأجنبية"
والواقع أن الصحفيين فوجئوا بحديث عبود عن الممنوعات الكتابية ، حتى صاروا يتندرون بشمولية القائمة التي لم تترك ساحة للنقد لهم سوى كرة القدم ، ولكنهم خشوا من حرمانهم من نقد "حكام" الكرة . ومن فرط ما حاق بالصحفيين من ضباب ، طالبوا النظام الجديد بتوضيح المجالات التي يمكنهم الكتابة فيها ، وقد قامت وزارة الداخلية بالفعل بكتابة مذكرة توضيحية تحدد المجالات التي لا يمكن التطرق إليها ، وهي تلك التي وردت فيها قائمة ممنوعات وزير الداخلية .
قانون 1930م أول تعديل
بات واضحاً منذ البداية ، أن نظام نوفمبر يعتبر الصحافة اللبرالية جزء من فوضى العهد الذي جاء على أنقاضه ، ومن ثم فإن السيطرة عليه كانت ضمن قائمة أوليات النظام . فبعد فترة وجيزة ، عمد النظام إلى تعديل قانون الصحافة لعام 1930م ، ليعيد التعامل مع الصحافة والصحفيين إلى وزير الداخلية ، كما كانت في ظل الإدارة البريطانية ، معبراً بذلك عن رؤيته للصحافة باعتبارها - ليست جهازاً إعلاميأً ومؤسسة للتوعية الوطنية - بل جهازاً للتحريض ضد السلطة وبث الفتن وترويج الشائعات . وبذلك زرعت نوفمبر بذور الشك في حقل علاقتها مع الصحافة .
ورغم أن الشخص الذي تولى وزارة الإعلام بعد فترة اللواء طلعت فريد - كان يتميز بقربه من الصحفيين والإعلاميين - لما له من صلات بعالم الكرة القدم ومحبيها ، فإن ذلك لم يؤثر كثيراً على جو العلاقة المتوترة بين الصحافة والحكومة . فالحكومة ظلت لها شكوكها في الصحافة ، وسعت إلى تكبيلها بالقيود ، وممارسة الضغوط الاقتصادية عليها ، حتى سقط بعضها وبعض ملاكها ومحرريها في قبضة الحكومة .
الصراحة : الضغوط تسقطها في براثن الحكومة
ولعل أصدق الأمثلة على ذلك هو ماحاق بالصراحة وصاحبها عبد الله رجب . فالمعروف أن الصراحة كانت واحداً من منابر اليسار ومن أكثرها شعبية . ولما جاء حكم عبود تعرضت الصحيفة إلى تضييق الخناق عليها ، باعتبارها منبراً من منابر الشيوعيين الذين كانوا في واجهة المعارضة للنظام الجديد . سعى النظام ما أمكنه ليحرم الصحيفة من مصدر دخلها الأساسي وهو الإعلانات ، فتعرضت الصحيفة من جراء ذلك على ديون كبيرة وكثرت عليها المطالبات ، وجر صاحبها إلى المحاكم حتى لم يجد صاحبها منجاة مما هو فيه سوى اللجوء للنظام نفسه ، والذي كان ينتظر لحظة الاستسلام تلك ، فاتفق معه على دفع ديونه على أن تؤول الصحيفة إلى وزارة الإعلام . وبالفعل آلت الصحيفة إلى الحكومة فأصدرتها باسم الصراحة الجديدة تحت إشراف محمود أبو العزائم . وظلت الصراحة الجديدة صحيفة حكومية حتى غضب عليها عبود مرة .. وطلب من طلعت فريد أن يقوم بإيقافها .. ففعل!. ولكنه أغلق معها الصحافة ..! ولا يعرف سبباً لإغلاق جريدة الصحافة يومها سوى مزاج طلعت فريد الذي استغل غضب عبود على الصراحة ليجعل الصحيفتين صريعتي تلك الغضبة . رغم أن عبد الرحمن مختار يظن أن صحيفته أوقفت لأنها أشارت إلى مظاهرات الطلاب في البرازيل في الصفحة الأولى بما يوحي بتحريضه للطلاب .
ومع ادلهام الأمر عليه ، وجد عبد الله رجب ، صاحب الصراحة ، نفسه مضطراً من بعد ذلك - إلى الاستناد على النظام في معاشه ، فانضم إلى وزارة الإعلام ليستظل بجناحي طلعت فريد العريضتين ، ومن ثم أصبح واحداً من أعمدة جريدة النظام الرسمية "الثورة" بل ورأس تحريرها في فترة لاحقة.
تعطيل الصحف لنصف عام وعام كامل!
العاملون في الصحافة السودانية
اليوم والذين عايشوا تعطيل الصحف تحت قانون الصحافة ليوم أو يومين ، لا يدركون أن نظام عبود مارس هذه البدعة منذ أربعة عقود من الزمان ، وأن عقوبة التعطيل كانت تمتد أحياناً إلى نصف عام وفي بعض الأحيان عام كامل .
وقد بدأ مسلسل تعطيل الصحف بصحيفة الأيام التي تعرضت إلى أكبر قدر من التعطيل خلال سنوات عبود . فقد أوقفت الصحيفة أوائل عام 1959م - لمدة نصف عام بعد نقدها لقرار محاكمة القيادات النقابية الشفيع أحمد الشيخ ، والحاج عبد الرحمن بموجب قانون دفاع السودان ، بواسطة محكمة عسكرية في أول سابقة في تاريخ السودان المستقل . وقد انتقد تعليق الصحيفة مبررات المحاكمة كما انتقد إجراءاتها ومحاكمة المدنيين تحت محكمة عسكرية . بل وقالت الصحيفة إن محاكم نورمبرج سمحت للصحافة والرأي العام متابعة القضايا ، في الوقت الذي لم يرتكب عمال السودان جرماً كجرم نازيي نورمبرج .
ومع استمرار المواجهة بين الصحافة والحكومة أصبح تعطيل الصحف وإيقافها ديدن العلاقة بينهما ، فقد أوقفت الأيام لمدة عام في 1962م ، والصحافة - والتي ولدت في تلك الفترة - لمدة نصف عام في 1962م ، ولعام كامل في 1963م .. كما تم إيقاف عدة صحف أخرى منها السودان الجديد ، والصباح الجديد . أما الصراحة والسودان الجديد والرأي العام فظلت تنشر آراء مناهضة للحكومة وتتسلم على ذلك إنذاراً وتوبيخاً وتهديداً .
وكان منظر ساعي وزارة الداخلية الذي يأتي حاملاً مظروفاً مختوماً بالشمع الأحمر، كلما كانت هناك أزمة سياسية ، منظراً مألوفاً في دور الصحف تلك الأيام ، إذ كان المظروف في الغالب خطاباً من وزير الداخلية ، وفي بعض الحالات وزير الإستعلامات ، يمنع النشر ويحذر من مغبة ذلك . بل تلقت الصحف في مرات عديدة مذكرات من وزير الداخلية بمن لا يسمح له بالكتابة من الصحفيين والكتاب . وقد ظلت الصحف - على اختلافها - تتلقي مذكرات وزير الداخلية ، تارة ، ووزير الإعلام تارة ، مصحوبة بتوجيهاتهما بخصوص ما يجب أو لايجب أن يكتب حتى أخريات أيام النظام . بل إن الصحف خلال أسبوع ثورة أكتوبر وجدت نفسها محاصرة بالأمن والشرطة ، حتى غدا صدورها مستحيلاً ..
الصحف تقاوم التأميم
مع تواصل موقف الصحافة المناهض للنظام ، واستمرار بعض الاقلام في كيل النقد الموارب حيناً ، وفي بعض الأحيان الصريح ، أخذ نظام نوفمبر في تدبر أمر التعامل مع الصحافة كمؤسسة تملك إمكانات تعبئة الجماهير ويمكنها أن تكون سلاحاً شديد الخطورة على النظام . وقد فكر النظام في هذا الصدد في أمرين : أولهما هو التمثل بجمال عبد الناصر في مصر، والسيدة باندارانايكا في سري لانكا (سيلان وقتها) والعمل على اكتفاء شر الصحافة الحرة بتأميمها تماماً . والثاني هو الاتجاهـ إلى إنشاء صحيفة تنطق باسم النظام وتنافس الصحافة المعارضة .
وبالرغم من أن ناصر وباندارانياكا كانت لهما خلفياتهما الأيديولوجية التي أوحت لهما قرارات تأميم الصحافة في بلديهما ، فإن نظام عبود رأي - في بادئ الأمر- أن يتجه ذلك الاتجاهـ رغم أنه لم تكن له تلك الخلفية الأيديولوجية .
ولكي يصبح التأميم أمراً مجمعاً عليه ، أوعز وزير الإعلام ، طلعت فريد ، ومعه وكيل الوزارة محمد عامر بشير فوراوي ، أوعزا لبعض الكتاب أن يقوموا بالكتابة الناقدة لحال الصحف يومها ، مقترحين أمر تأميمها كسبيل لإصلاح حالها . فظهرت في تلك الفترة عدة مقالات تناولت فكرة تأميم الصحافة السودانية ، ودعت اليها باعتبارها مخرجاً لأزمة الصحافة كما رأوا .
وكان من بين أشهر الكاتبين تأييداً للتأميم الدكتور عبد الله الطيب ، والذي برر تأييده لفكرة التأميم بحرصه على سلامة اللغة العربية ، التي رآها في حالة من التدهور المستمر على أيدي الصحافة والصحفيين الذين تتشكل بهم معارف أجيال من القراء .
وبالجانب المقابل تصدت أقلام كثيرة لمعارضة فكرة التأميم ، فخاضت صحف الأيام والرأي العام ، ونقيب الصحافيين ، بشير محمد سعيد وعدد من الصحفيين ، وساندهم في ذلك بعض أساتذة الجامعات كالدكتور مدثرعبدالرحيم ، وبعض السياسيين ، معركة صحفية ضد فكرة التأميم . وباستعار المعارضة لتأميم الصحف ، لم تجد حكومة نوفمبر بداً من تعليق فكرة التأميم من بعد ذلك .
جريدة الثورة : "بِرِشْ" النظام الخلاب
كان الخيار الآخر هو إصدار صحيفة سياسية خاصة بالنظام . وقد وقع النظام على ذلك الخيار فأنشأ صحيفته الرسمية التي أسماها "الثورة". وجاءت الثورة وقد توفرت لها من الأمكانات ما جعلها تفوق غيرها مظهراً . فكانت أول صحيفة بالحجم الكبير، في وقت لم تعرف فيه صحف السودان إلا حجم التابلويد. وقد حشد لها (عم طلعت) عدداً من الصحفيين البارزين ، يتقدمهم قيلي أحمد عمر، ومنهم محمد الخليفة طه الريفي ، وعبد الله رجب ، وجاء من خلف هؤلاء جيل من شباب الصحفيين (في ذلك الوقت) من أمثال محمد الحسن أحمد.
ورغم الإمكانات المتاحة ، فشلت صحيفة الثورة في جذب القراء إليها ، وصرفهم عن صحف مثل الأيام والرأي العام والصحافة الوليدة وقتها . ولم يشفع للثورة أنها حشدت الأقلام المتميزة ورصدت حوافز مادية عالية - مقارنة بغيرها - للكتاب والمحررين . فظلت الثورة تعاني من مرض الصحافة الرسمية ، لوقت طويل حتى هداها هادٍ إلى فكرة تقديم مسابقة يومية ، تجذب بها الصحيفة القراء ، فارتفع توزيع الصحيفة بتلك المسابقة اليومية .
بشير محمد سعيد يطالب بعودة العسكر للثكنات
اتصلت مواقف الصحافة والصحفيين المنتقدة لنظام عبود ، وظلت الصحف تشكل هاجساً من هواجس النظام يضاف إلى هواجس المعارضة الطلابية والعمالية والحزبية . وقد جاءت قمة المواجهة بين الصحافة ونظام عبود إثر مشاركة بشير محمد سعيد ، نقيب الصحفيين السودانيين وقتها ، في التوقيع على مذكرة الأحزاب التي رفعت للفريق إبراهيم عبود في التاسع والعشرين من نوفمبر 1960م ، بعد أيام من نهاية زيارة عبد الناصر التي قصد بها أن تمنح عبود دفعة سياسية مهمة . وقد طالبت تلك المذكرة عبود ونظامه الالتزام بما وعد من عودة الجيش إلى ثكناته بعد أداء مهام تحقيق الاستقرار.
ولعل المهم في أمر توقيع بشير محمد سعيد على مذكرة الأحزاب تلك ، هو تعبيره عن موقف الصحفيين من النظام العسكري كله . فقد اشتملت المذكرة على مطالب سياسية شاملة نادت بإنهاء الحكم العسكري وتسليم السلطة للمدنيين ، ورفع حالة الطوارئ وعودة الحريات السياسية بما فيها حرية التعبير. وبالرغم من أن نظام نوفمبر قرر تجاهل تلك المذكرة في ذلك الوقت ، إلا أنه أضطر لاحقاً إلى التعامل مع الناشطين في معارضته ، ومن بينهم بشير محمد سعيد ، فاعتقل لبعض الزمن ، ثم خرج ليغادر السودان إلى الأمم المتحدة ليعمل في مكتب الإعلام بالمنظمة .
وقد بلغ من حجم خنق 17 نوفمبر لصوت الصحافة ، أنها منعت كافة الصحف ليلة 21 أكتوبر 1964م ، نشر أنباء الندوة وصدامات الشرطة مع الطلاب ووفاة القرشي . فصدرت الصحف في يوم الثاني والعشرين من أكتوبر وليس في صفحاتها أية إشارة إلى الحدث الجلل الذي هز وجدان الشعب كله . وحدها صحيفة الأيام التي آثرت الاحتجاب في ذلك الصباح بعد أن رأي أصحابها الثلاثة ، بشير ومحجوب ومحجوب ، أنه من الأوفق على للصحيفة أن لا تصدر بدلاً من أن تصدر وليس على صدر صفحتها أهم نبأ في ذلك الوقت .
لا غرو إذن أن يكون واحداً من أسس ميثاق أكتوبر هو حرية الصحافة وضمانات التعبير الصحفي الحر، فقد كانت نوفمبر بما ظنته سوطاً لاهباً للصحافة والصحفيين على مدى سنواتها الستة.




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 06:14 PM   #[21]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة التاسعة عشر

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

مؤسسات الوعي في مواجهة عبود

جامعة الخرطوم تقض مضاجع نوفمبر
د. محمود قلندر
ليس هناك شك في أن طلاب الجامعات والمعاهد العليا - على قلتهم في تلك الفترة - كانوا رمح المواجهة المدنية لنظام الفريق عبود . ولا نبالغ في القول إن قلنا إن الطلاب قدموا نموذجاً في المقاومة تأست به الأحزاب السياسية بعد عام من الزمان ، وهي تتجمع وتتلاقى وتبدأ مناهضتها لنظام إبراهيم عبود . ولم يسبق الطلاب إلى النضال ضد نظام عبود إلا العسكريون من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذين قادوا حركتي مايو ونوفمبر 1959م على نحو ما سردنا في وقت سابق .
ولابد من إثبات أمر هام هنا ، وهو أن الحركة الطلابية التي قادت مواجهات قطاع الطلاب لنظام عبود كان رأس رمحها طلاب جامعة الخرطوم واتحادهم الشهير. ولكن قوة تلك الحركة وتأثيرها كان مرفوداً بعدد من المؤسسات التعليمية العالية - والقليلة وقتها . فكانت الحركة الطلابية وقتها من نسيج جامعتين ، هما الخرطوم والقاهرة الفرع ، والمعهد الفني (جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا اليوم) ، وعدد من الكليات العليا ، وكل مدارس السودان الثانوية والتي تعدها أصابع اليدين .
مذكرة الطلاب الأولى : بالديمقراطية تصحح الأخطاء
استلهم طلاب جامعة الخرطوم ، منذ انقلاب عبود ورفاقه على الديمقراطية ، استلهموا دور الطلائع من طلاب الجامعة وخريجيها في مناهضة الاستعمار ثم في مسيرة الاستقلال ، وهم يقفون في صف المعارضة لنظام عبود . وكان أول موقف طلابي جامع في مواجهة نظام نوفمبر هو مذكرتهم التي رفعوها في سبتمبر 1959م ، والنظام لم يكمل عاماً من عمرهـ بعد .
وتعتبر مذكرة سبتمبر المشار إليها ، مذكرة ذات أهمية تاريخية في مسار التصدي المدني لنظام إبراهيم عبود . فهي أول مذكرة معارضة يتسلمها نظام عبود من فئة مدنية تواجهه بمطلب تسليم السلطة وعودة الحريات . فحتى ذلك الوقت لم تكن أي من فئات المعارضة ، عمالاً أو أحزاباً ، قد تقدمت بمطلب مباشر لنظام نوفمبر ينادي بعودته إلى الثكنات وإعادة السلطة السياسية . فمذكرة العمال المرفوعة بعدها - في نوفمبر 1959م - ، كانت مذكرة مطلبية يمكن وصفها بأنها نقابية أكثر من كونها سياسية ، إذ صب موضوعها الأساسي في إطلاق سراح القيادات العمالية المحاكمة والمعتقلة آنذاك ، وإعادة النقابات على أساس قانون 1948م . أما فيما يتعلق بالأحزاب فإن أول عمل سياسي مناوئ كان هو خطاب السيد الصديق المهدي لمجلس نوفمبر في نهاية 1959م ، بينما أرسلت الأحزاب ممثلة في الجبهة الوطنية المتحددة أول مذكرة لها بعد عام من مذكرة الطلاب ، في نوفمبر 1960م .
نخلص بذلك إلى أن الطلاب كانوا هم المبادرين في المواجهة السياسية لعبود ومجلسه الأعلى بمطالبته بالتخلي عن الحكم . وقد استندت حجج مذكرتهم الأولى على إحساسهم بروح المسؤلية الوطنية ، وإحساسهم بواجبهم الذي تمليه عليهم مسؤلية الوفاء لشعبهم الذي هيأ لهم الوصول إلى أعلى مدارج التعليم . ودافعت المذكرة عن الديمقراطية كخيار وطني ناضل من أجله الشعب وحقق الاستقلال الوطني وصولاً إلى تحقيق الحريات الكاملة فيه . وأكدت المذكرة بأن أخطاء الممارسة في الفترة الماضية لا ينبغي أن تحسب على النظام الديمقراطي ، مؤكدة بأن أخطاء الديمقراطية تصحح تحت نظام ديمقراطي يتعلم منه الشعب .
ولأهميتها التاريخية ، نورد ملخصاً للمطالب التي اختتمت بها المذكرة :
أولا : التعجيل بإقامة حكومة مدنية تمثل كافة الاتجاهات السياسية الوطنية .
1. أن يكون من أول واجبات تلك الحكومةإقامة لجنة وطنية تضطلع بالآتي :
أ ) تضع مسودة دستور دائم للسودان تتحاشى فيه الثغرات التي أدت إلى زعزعة النظام النيابي في الدستور الملغي.
ب ) تضع قانون انتخابات ينتخب على أساسه برلمان جديد تعرض عليه مسودة الدستور لإقرارها أو تعديلها .
2. تكون تلك اللجنة القومية للحكومة كلجنة استشارية في المسائل الوطنية الكبرى وذلك كي تتسع رقعة الحكم وتكون الأوضاع أقرب إلى الديمقراطية .
ثانيا : وكنتيجة طبيعة للمطلبين السابقين ولكي يهيأ الجو المناسب فإننا نرى أن تطلق الحريات الديمقراطية بما في ذلك الصحافة وعودة الأحزاب والنقابات والاتحادات ، وأن تلغى جميع القوانين المقيدة للحريات الديمقراطية الموضوعة قبل الاستقلال وبعدهـ .
اعتقال الطلاب وإضراب الجامعة
ليس هناك ما يدل على أن المجلس الأعلى قد تسلم بالفعل تلك المذكرة من الطلاب ، ولكن بالقطع تسلمتها أجهزة النظام الأمنية والعدلية المختلفة . فقد قامت السلطات بعد ذلك بقليل باعتقال قيادات الطلاب ، مسجلة بذلك بداية مسلسل الزج بالطلاب في المعتقلات وبدء مشوار الصدام بين الطلاب وقوى الأمن . وقد ظلت قيادة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم التي رفعت المذكرة التاريخية ، تحت الاعتقال حتى اضطرت الحكومة إلى إطلاق سراح الطلاب بعد عدة أسابيع إثر دخول طلاب الجامعة ، وعدد من المدارس والكليات في إضراب شامل استحوذ على اهتمام المواطنين ولقي إعلاماً في الصحافة المحلية والعالمية.
عاش ناصر، يسقط عبود
لم يمض عام على مذكرة سبتمبر 1959م كأول مواجهة بين نظام نوفمبر والطلاب ، إلا وكان الطلاب مرة أخرى على خط المواجه . وكانت المناسبة هذه المرة هي زيارة جمال عبد الناصرللسودان في الذكرى الثانية لانقلاب نوفمبر في عام 1960م . وقد استغل طلاب جامعة الخرطوم زيارة عبدالناصر لمنزل الفريق عبود ، والذي كان يجاور داخليات الطلاب ، فاعتلوا أسطح الداخليات المواجه لمنزل عبود ، وقاموا بالهتاف بحياة عبد الناصر وسقوط عبود . كما رددوا هتافات تطالب بعودة الحريات والديمقراطية النيابية .
وتجيئ أهمية تظاهرة داخلية الطلاب تلك ، لكونها حدثت في وقت كان يرمي فيه عبود إلى استغلال علاقاته مع ناصر لتحسين وجه النظام ورفع رصيدهـ السياسي المحلي والإقليمي والعالمي . وكانت دار الفريق عبود ليلتها تغص بعدد من كبار الضيوف الزائرين للبلاد بمناسبة ذكري نوفمبر، وبالدبلوماسيين الأجانب ورجال الصحافة والإعلام العالميين ، الذين جاءوا لتغطية الأحداث والزيارات . فوجد كل هؤلاء أنفسهم شهوداً على مواقف الشريحة المستنيرة من المجتمع للنظام الحاكم في السودان ، وهو ما أغضب إبراهيم عبود . وكانت غضبة عبود على الطلاب "وسلوكهم" يومها غضبة كبرى ، عبرت عنها وزارة الداخلية بدفع شرطتها لأول مرة لأقتحام الحرم الجامعي ، ومطاردة الطلاب والطالبات في داخل غرفهم .
قانون جديد لتأديب الجامعة
يشكل استقلال الجامعات ركناً مهما من أركان الرفعة الأكاديمية والعلمية . إذ لا سبيل لرفعة الجامعات إلا بإعلاء شأن الحرية الأكاديمية الجامعية ، وحمايتها بسياج من القانون والدستور. ويعتبر قانون جامعة الخرطوم الأصيل واحداً من القوانين المميزة في هذا الجانب . إذ أتاح القانون للجامعة حرية واسعة في اختيار إدارتها العليا ، وعماداتها دون تدخل من الدولة ، وذلك باعتبارها صرحاً مهماً من صروح النهضة الوطنية ومؤسسة قومية تسمو فوق الحزبيات والعنصريات . وقد هيأ مثل ذلك الاستقلال للجامعة أن تحتل مكانتها السامية وأن يكون لها دورها الرائد والاصيل في المجتمع . وفي إطار ذلك الإستقلال كان الطلاب والأساتذة يتعاملون مع القضايا القومية باعتبارها قضايا وطن ، لا قضايا نظام . وفي إطار هذا الفهم يمكن تفسير مذكرات الطلاب ومواقفهم السياسية من نظام 17 نوفمبر.
ولما كان طلاب الجامعة قد تعاملوا مع النظام من خلال مثل هذا التفسير لاستقلال الجامعة ، فإن استقلال الجامعة أرق مضاجع نظام نوفمبر منذ يومه الأول . ولذلك فلم يكن غريباً أن يستهدف النظام ذلك الاستقلال . فقررت حكومة 17 نوفمبر في فبراير 1961م ، وضع الجامعة تحت سيطرة الدولة وأصدرت قراراً بتعديل قانون جامعة الخرطوم أصبح بموجبه رئيس الدولة راعياً للجامعة ، وأصبحت له سلطة تعيين مدير الجامعة بدلاً من انتخابه من قبل مجلس الجامعة . أما مجلس الجامعة نفسه فقد أصبح خاضعاً للتعيين من قبل مجلس الوزراء . وهكذا ، بضربة واحدة أراد نظام نوفمبر شطب استقلال الجامعة نهائياً ووضعها بكاملها تحت سيطرة الدولة .
ثم أعقبت الحكومة تعديل قانون الجامعة بقرار حكومي - في نوفمبر 1963م - تم بموجبه ضم جامعة الخرطوم إلى وزارة المعارف ، لتصبح بذلك الجامعة بكاملها ، وإداراتها وطلابها تحت سيطرة وإشراف الوزير. وكان ذلك القرار هو المسمار الأخير في نعش استقلال الجامعة .
إضراب ومطالبة بعودة الجيش إلى الثكنات
رأى الطلاب في قرارات عبود المستهدفة السيطرة على جامعة الخرطوم وإلغاء استقلالها ، محاولة غرضها الأساسي الحد من دور الطلاب في معارضة النظام والتي كانت هي سن الرمح الذي تبقى من بعد نجاح النظام في شق الحركة العمالية ، وانحسار المعارضة السياسية الحزبية وضعفها في العموم . فقد شعر النظام خلال عامي 61 و62 ، أن الصوت الوحيد الذي كان لا يزال قادراً على الجهر بالمعارضة هو الطلاب عموماً ، وبقيادة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم .
أدرك الطلاب إذن أن الغرض من تعديل قانون الجامعة ، والقرارات الحكومية التي تلته ، لم يكن تحسين أوضاع الجامعة وتمكينها من أداء دورها كمؤسسة تعليمية عليا ، كما زعمت ديباجات القوانين والقرارات التي صدرت . بل كان الغرض هو وضع الجامعة في قفص النظام ، وإنهاء أسطورة الاستقلال الأكاديمي لأغراض السياسة . ومن ثم فقد قرروا أخذ الحال بما يستحقه من رد فعل ، فإذا كان غرض النظام أن تسكت أصوات المطالبة بتنحيه ، وأن تخلو له الساحة دون معارضة ، فليكن الرد بما يؤكد استمرار أصوات المعارضة .
رفع الطلاب مذكرتهم في وجه زحف نظام عبود المستمر على الجامعة ، في نوفمبر 1963م ، وجاءت المذكرة وهي تناقش قضايا أشمل من مجرد الاعتراض على القانون المعدل أو على قرار ضم الجامعة إلى وزارة المعارف . كانت المذكرة مذكرة سياسية شاملة ناقشت قضية الحريات العامة للشعب قبل مناقشة قضية الحرية الجامعية ، وركزت في الحديث عن استقلال إرادة المواطنين جميعهم قبل استقلال الجامعة .
ملخص المطالب التي جاءت في مذكرة نوفمبر 1963م كان نصها ما يلي :
1- رجوع الجيش إلى ثكناته ليباشر مهامه الأساسية وهي الدفاع عن الوطن .
2- قيام حكومة انتقالية لوضع الدستور وإجراء الانتخابات.
3- تصفية المعتقلات ورد الحريات العامة للشعب وإلغاء قانون الطوارئ .
ولم يكن الطلاب وحدهم في موقف الرفض لسلب حرية الجامعة ، فقد شارك مدير الجامعة وأساتذتها في المعارضة ، فتقدم المدير والأساتذة جميعهم باستقالات جماعية ، مشروطة بعودة الحكومة عن قراراتها المتعلقة بتبعية الجامعة لوزير المعارف . وقد انتصرت إرادة الطلاب وأساتذتهم بإعادة الحكومة النظر في قرار الضم لوزارة التعليم .
ندوات الجنوب : ساحة المعركة النهائية مع النظام
لم يقعد تعديل قانون الجامعة ولا قرارات ضمها إلى وزارة المعارف ، الطلاب عن مواصلة المجابهة لنظام 17 نوفمبر. ففي الوقت الذي كانت أعوام 62 و63 هي أعوام تراجع فيها مد المقاومة السياسية لنظام عبود ، بعد وفاة السيد الصديق ، وانشقاق الحركة العمالية ، وقرار الشيوعيون العمل من داخل النظام ، بقي الطلاب بمذكراتهم ومظاهراتهم وإضراباتهم المتكررة مصدر القلق الأساسي للنظام . بيد أن معارضة الطلاب في مجملها لم تكن أمراً مقلقاً للنظام فمظاهرات الطلاب تأييداً لأهالي حلفا ، أو إدانة لمواقف أمريكا وبلجيكا ، أو حتى إدانة مواقف نظام عبود من قضية لوممبا لم تشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار النظام بعد سنوات الانحسار في المعارضة الحزبية ، وانتهاء مسلسل الانقلابات بعد إعدام على حامد ورفاقه .
وحدها بقيت قضية الجنوب مصدر الزعزعة لنظام عبود ، خاصة وأن عاما 62 و63 شهدا تصعيداً ميدانياً وسياسياً للقضية من بعد طرد المبشرين ، وتدخل الكنائس العالمية بالصورة التي أشرنا إليها من قبل . وكان الجنوب مصدر قلق حقيقي للنظام في تلك الفترة بعد تزايد المعارك وفقدان عدد من العسكريين في المعارك ، بما اضطر معه النظام إلى البحث عن مخرج عبر لجنة تقصي الحقائق - كما رأينا - التي رأسها أحمد محمد يسن . وهي اللجنة التي دعت قطاعات الشعب للإدلاء بآرائهم في القضية واقتراح حلول سياسية بدلا من الحل العسكري.
وقد عبر طلاب جامعة الخرطوم عن رأيهم في قضية الجنوب عبر 6 ندوات - خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 1964م ، هاجمت جميعها نظام نوفمبر واعتبرت سياساته مسؤولة عن مآل الحال . ولا شك أننا في حل من إعادة تكرار القصة .. فندوة
21 أكتوبر كانت واحدة من سلسلة ندوات الإدانة لسياسات نوفمبر في الجنوب ، وهي تلك الندوة الممنوعة التي فجرت الدم ، والمشاعر، وبها انبلج صبح أكتوبر الثورة ..





التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2018, 06:41 PM   #[22]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة العشرون

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة
17 نوفمبر .. سيناريو النهايات
ست ندوات عن الجنوب في الجامعة آخرها ندوة استشهاد القرشي
بقلم : د.محمود قلندر
أنسب بداية لسيناريو نهايات 17 نوفمبر هي تلك الندوة التي نسميها الندوة القاضية ، ندوة ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م وهي الندوة الممنوعة ، التي أقيمت على أنقاض الندوة السابقة التي فضتها الشرطة بالقوة في العاشر من أكتوبر.
وفي الحقيقة ، لم تكن ندوة أكتوبر هي أول الندوات ، بل سبقتها - في سبتمبر- ندوات شارك في بعضها أساتذة الجامعة وطلابها ، ثم تمددت الندوات فيما بعد لتشمل سياسيين ، وانصبت معظمها في مناقشة أسباب وخلفيات المشكلة ، كما تناولت بعضها الجوانب القانونية ، والإدارية ذات الصلة بتطور القضية وتعقدها.
الندوات تدين النظام وتعتبرهـ المشكلة
ورغم أن الندوات أخذت في أولها منحى علمياً جعلها تستحوذ على اهتمام الحكومة حتى أن عضواً في المجلس الأعلى - هو الأميرآلاي المقبول - شهد بعضاً منها ، كما شهدها السيد أحمد محمد يسن ، رئيس لجنة تقصي الحقائق حول مشكلة الجنوب ، إلا أنها سرعان ما انزلقت نحو المناوأة والنقد السياسي ، حتى أن المقبول وجد نفسه في إحداها في وضع حرج اضطر معه إلى الخروج الغاضب . ومن ثم فقد غلب على بقية الندوات طابع الهجوم وإدانة أساليب النظام القمعية ، وتحميل أسلوب المعالجة المسلحة المسؤولية فيما وصل إليه الحال من تصاعد خطير . ومنذ أول أكتوبر، أخذت الندوات مساراً أكثر سياسية وأقل علمية ، فصارت مسارات الحوار في اتجاهـ الحديث عن إستحالة حل المشكلة تحت نظام عسكري ، وكان هناك شبه إجماع على أن النظام العسكري هو أقل الأنظمة قدرة على معالجة قضية ذات بعد ثقافي واجتماعي وسياسي معقد كقضية الجنوب .
من أشهر تلك الندوات ، الندوة التي تحدث فيها الدكتور حسن الترابي ، وكان وقتها حديث العودة من دراساته العليا بفرنسا ، وحديث الصعود إلى مراقي القيادة في تنظيم الإخوان المسلمين . وقد تلخص حديث الترابي في تلك الندوة في أن "حل مشكلة الجنوب إنما يكمن في حل مشكلة الشمال،" ومشكلة الشمال هي في هذا النظام الديكتاتوري العسكري ، ولا حل إلا بزوال النظام العسكري الذي فاقم المشكلة وعقدها بلجوئه إلى القوة المسلحة وحدها .
مع تزايد حدة النقد لنظام نوفمبر في تلك الندوات ، أصدرت وزارة الداخلية ، قراراً بوقف الندوات استناداً على قانون الطوارئ ، بالرغم من أن ندوات جامعة الخرطوم كانت جزء من نشاط لجنة تقصي الحقائق التي كونها المجلس الأعلى نفسه . وكان ذات المجلس قد أقر ما يشبه التجميد لبنود قانون الطوارئ التي تمنع التجمع ، وذلك حتى تتمكن اللجنة من دعوة المواطنين إلى المساهمة برأيهم كما طالب بذلك أمر تأسيسها .
بالرغم من قرار المنع استند طلاب الجامعة على مبدأ استقلال الجامعة وقرروا عقد الندوات في إطار علمي لبحث القضية المشكلة . ومن ثم دعوا لندوة ليلة العاشر من أكتوبر، وهي تلك الندوة التي لم تسمح إدارة الجامعة بعقدها في نادي الطلاب ، فاتجه الطلاب إلى داخليات (البركس) حيث تجمعوا بين داخليتي القاش وكسلا لعقد الندوة ، قبل أن تتدخل الشرطة وتمنعهم من عقدها .
واعتماداً على تقرير وزير الداخلية بالإنابة - أحمد رضا فريد - نستكمل رواية تطور الأحداث التي أدت إلى ندوة ومواجهات ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964م .
قال اللواء أحمد رضا فريد :
" في تاريخ لاحق (ليوم 10 أكتوبر 1964م ، ليلة قامت قوات الأمن بفض ندوة البركس بالقوة)، تقدم عشرة من لجنة الطلاب (لجنة حافظ الشيخ) بعريضة لوزارة الداخلية ، كانت كلها هجوماً سافراً وتحد مرير للسلطات (كانت المذكرة هي احتجاج على دخول حرم الجامعة ، وضرب الطلاب ، وأكد إيمان الطلاب بضرورة عودة الديمقراطية) واعتقلت السلطات مقدمي العريضة تحفظاً ولم تقدمهم للمحاكمة . ومنذ ذلك التاريخ خرجت صحف الحائط للمعسكرات والاتجاهات المختلفة ترتكب المخالفات القانونية الواضحة ، وظلت السلطات تراقب عن قرب وصبر هذهـ الأعمال الصبيانية لعل الطلبة يعودون إلى رشدهم ..
بدأ الطلبة التحضير لتحدي الحكومة والقانون (بعقد ندوة جديدة) وكانت السلطات تعلم بأنهم أعدوا العدة للاصطدام بالبوليس ، ففي يوم أمس الأول دعا الطلاب إلى إقامة ليلة لدراسة مشكلة الجنوب ، علماً منهم أن قيام مثل تلك الليلة يمنعه القانون . فلما بدأ الطلبة خاطبهم الضابط المسؤول فأنذرهم بالتفرق ، فلم يزدهم إنذارهـ إلا تحدياً وتحدثوا عن تكميم الأفواهـ وتقييد الحريات ..
ثم قال اللواء :
عند إصرار الطلاب إضطر البوليس إلى إلغاء القنابل المسيلة للدموع فجرى الطلاب إلى داخلياتهم ، ثم عادوا حيث بدءوا في رمي البوليس بالحجارة كما التحم بعضهم مع البوليس مستعملين العصي الغليظة وفروع الأشجار والزجاج الفارغ ، مما أوقع الأذي بثلاثين من رجال البوليس . وكان إصرار الطلبة واضحاً في تحديهم لقوات الأمن تاكيداً لما ذكروهـ وهو دحر رجال الأمن مهما كلفهم الأمر . ظل البوليس يحاول لفترة ساعة كاملة تفريق جماعة كبيرة من الطلبة مسلحة بالعصي الغليظة والحجارة والزجاج مستعملين معهم أقل ما يمكن من قوة إلا أن الطلبة استغلوا هذا الموقف وأحكموا الحلقة على تلك الفئة من الرجال (الشرطة) الذين وجدوا أنفسهم في موقف صعب ، الشيء الذي دعا الضابط المسؤول وهو برتبة حكمدار أن ينذر الطلبة للوقوف عند حدهم"
ثم يسطرد وزير الداخلية بالإنابة :
كرر الضابط عبارات الإنذار بأنه سيطلق النار.. الشيء الذي تسبب في موت طالب وإيقاع الأذي بآخرين حجز بعضهم بالمستشفى . وظل الطلبة يتربصون برجال الأمن ، ويرمون عرباتهم بالحجارة .
ومنذ الصباح الباكر بدأت جموع الطلاب تزحم ساحة المستشفى بالخرطوم متذرعين بتشييع الطالب المتوفي ، ولما سمحوا لهم بذلك استغلوا الموقف وخرجوا في مظاهرات عدائية لم تقف عند حد الهتافات ، بل تعدته إلى أعمال الضرر بالممتلكات والعربات الحكومية ، وامتدت مظاهرات الطلبة إلى العديد من الشوارع والطرقات وكان رائد الطلبة في كل مظاهراتهم إظهار العنف وأعمال التخريب .. وأن قوات الأمن لن تسكت على ذلك .. ولن تتهاون .
كان ذلك هو سردا لأحداث ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر من وجهة نظر نظام نوفمبر الذي كان - وقتها - يلفظ أنفاسه الأخيرة .
عشرون من الطلاب جرحى
بلغ عدد الطلاب الجرحى في ليلة المواجهة الدامية عشرين طالبا ، نرى للتاريخ أن نثبتهم هنا : وهم بابكر حسن عبد الحفيظ (وقد استشهد متأثراً بجراحه بعد أيامخالد نجم الدين ، حسن أحمد عجبنا ، جلال الدين عباس ، حسن الوديع السنوسي ، عثمان البلك ، خالد الحاج ، علي إبراهيم أحمد ، حمزة عبد الله كنة ، محمد الحسن محمد سعيد ، النور عبد الخالق ، يس الدسوقي ، محمد فائق يوسف ، محمد الفاتح الطريفي ، الأمين عبد الله ، حمد أحمد المهدي ، عبد العزيز محمد فرج ، سليمان عبد الواحد ، وسهام مصطفى الصاوي .
والشاهد في أمر هذهـ المصادمة ، أنها كانت علامة فارقة في التاريخ السياسي السودانية لسبب أساسي واحد ، وهو أن الطلاب السودانيين لم يتعرضوا للموت ، قبل ذلك التاريخ على أيد سودانية ، فقد كانت حدودهـ المواجهات والصدامات السياسية مع الطلاب ، وغيرهم من القوى في أقصى حالاتها ، قنابل الدموع وعصي الخيزران ..
لم يعرف طلاب السودان العنف المفضي إلى الموت إلا على يد نوفمبر ....
التصعيد والتشييع وميلاد جبهة الهيئات
كان يوم الثاني والعشرين من أكتوبر هو يوم تشييع جثمان الشهيد أحمد القرشي طه ، إبن القراصة الذي آل إخوانه وزملاؤهـ وأساتذته على أن يجعلوهـ رمزاً لمقاومتهم للسلطة العسكرية . ولم يكن الطلاب وحدهم هناك ، بل كانت جموع الشعب من كل حدب وصوب ..
جاءت الأحزاب السياسية بكبارها إلى ميدان عبد المنعم ، فكان هناك الهادي المهدي ، ومحمد عثمان الميرغني ، واسماعيل الأزهري ، والصادق المهدي - الذي صلى على جثمان القرشي ، وأحمد المهدي ، ومحمد احمد محجوب ومبارك زروق ، وغيرهم من أقطاب الأحزاب . بعد الصلاة على القرشي الشهيد .. علت هتافات الطلاب والمواطنين ضد النظام .. وبدأت الجماهير تجوب الطرقات مع الطلاب تهتف ضد النظام .. ووجدت الجماهير نفسها وهي تسيطر على شوارع الخرطوم بينما وقفت قوات الأمن بعيداً حتى لا تتكرر مأساة الليلة الماضية .
وكانت تلك هي بدايات التكوين لتنظيم المقاومة الجماهيري غير المرتبط بالأحزاب .. والمكون من فئات الطلاب والأساتذة والمحامين والمهنيين الآخرين . وقد انتظم هذا الجمع بعد ذلك بقليل في دار أساتذة الجامعة .. مؤذناً بميلاد تنظيم جبهة الهيئات .
التنظيم الذي تقدم الخطى على طريق تفكيك نوفمبر ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 11:33 AM   #[23]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الحادية والعشرون
إبراهيم عبود و17 نوفمبر
17 نوفمبر.. سيناريو النهايات..

يوم زأر عبد المجيد إمام

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة


انصرف قرشي فارس بجنودهـ فكانت تلك بداية سلطة الجماهير


قادت جبهة الهيئات المقاومة بإعلان الإضراب السياسي
بقلم : د. محمود قلندر
الذين يعرفون عبد المجيد إمام ، يعرفون فيه هيبته وقوة شخصيته ، والذين شهدوهـ في مواقف الشدة يعرفون حزمه وحسمه ، كما يعرفون صوته الجهوري الطاغي في مثل تلك اللحظات . يوم المواجهة في الرابع والعشرين من أكتوبر، كان صوت عبد المجيد إمام هو صوت الحسم لواقع المجابهة بين سلطة نوفمبر، وسلطة الجماهير التي كانت لحظتها في حالة التكوين . كان عبد المجيد ورفاقه على وشك السير بمذكرة المحامين والقضاة إلى المجلس الأعلى حينما اعترضتهم ثلة من جنود الشرطة قفلت الطريق . طلب منهم الضابط الملازم (وقتها)، قرشي فارس ، بأن ينصرفوا لأن لديه تعليمات بعدم السماح للموكب بالتقدم . ولما كانت للقضاء سلطة على الضباط ، صاح عبد المجيد إمام في قرشي فارس بصوت رددت صداهـ ساحة القضاء كلها «أنا عبد المجيد إمام قاضي المحكمة العليا ، بهذا أمرك بالانصراف بجنودك فورا».
وقال قرشي فارس بعد ذلك بزمان ، إنه لم يكن هناك لحظتها من هو أسعد منه وهو يصيح رداً على القاضي الأكتوبري.. «حاضر سعادتك»، وينصرف بجنودهـ ، فقد كان ضابط الشرطة حائر النفس بين واجب المهنة وحتمية الالتزام بالإرادة الشعبية ..
كانت تلك اللحظات هي لحظات حاسمة في تاريخ السياسة السودانية . فقد دكت كلمات عبد المجيد إمام حائط الرهبة الذي كانت تقف وراءهـ سلطة نوفمبر ، وأعلت صوت القانون .
كان انصياع قرشي فارس لتعليمات القاضي هو رداً للأمور إلى نصابها .. وتعبيراً عن سيادة حكم القانون حتى في أحلك اللحظات وأكثرها ظلاماً .. فعبد المجيد كان لحظتها يمثل سلطة القانون التي سلبت منذ حكم رجال نوفمبر بقانون الدفاع .. وكانت صيحته في قرشي فارس هي صيحة الحق .. وكان انصياع قرشي هو الإيذان بأن الحق حتماً يعلو ويسود.
جبهة الهيئات : الميلاد من رحم الدم
الذين وقفوا أمام القصر متأهبين للتوجه نحو القصر حاملين المذكرة كانوا جبهة الهيئات ، ذلك التنظيم الذي ولد من رحم الدم ، من بعد تشييع القرشي . تلاقى قادة الهيئات ، من قضاة ومحامين وأساتذة وعمال وموظفين ، تلاقوا جميعاً على وجوب مواجهة البطش ، فلما تلفتوا يبحثون عن قيادة سياسية فلم يجدوا أحداً منها في الساحة ، فأعلنوا أنفسهم قيادة..
وهكذا كان ميلاد جبهة الهيئات ..
كان القضاة ثاني فئة - بعد أساتذة الجامعة المستقيلين - تخرج على سلطة النظام ، وهي تصوغ عريضتها الدامغة التي كانت توشك أن تسير بها مع المحامين ، لتسلمها لعبود . وكان نص العريضة مرافعة قانونية ضد النظام كله . فقد دمغت العريضة تصرف السلطة مع الطلاب ، وردت على بيان وزير الداخلية ، مؤكدة أن الطلاب لم يخالفوا قانوناً طالما كانت الداخليات هي مكان انعقاد الندوات . وقالت العريضة إن تصرف الشرطة جاء دون إذن من قاضٍ وهو مايستوجب المحاسبة . وطالبت العريضة بمعاقبة المسؤلين حتى ولو كانوا أعضاء بالمجلس الأعلى .. ثم ختمت المذكرة قائلة ..
لن ندوس على ضمائرنا ونسكت على هذا الأمر الخطير.
المواجهة العصيبة بين القانون والقوة المسلحة
بانصراف قرشي فارس ، أسرعت السلطة باستبدال الجنود بوحدة عسكرية ، سدت أمام القضاة والمحامين الطريق ، وبدت لحظة من لحظات المواجهة الرمزية بين سلطة القانون وسلطة الجيش ..
وبما كان عليه الموقف من تأزم .. حبس الناس أنفاسهم في باحة الهيئة القضائية ، ووقفوا ينتظرون المآل الخطير .. تحت إصرار القضاة والمحامين على سير موكبهم ، وإصرار وحدات الجيش على وجود تعليمات صريحة بعدم السماح به . ولما زادت حدة الموقف وكادت الكارثة تقع تدخل رئيس القضاء ، محمد أحمد أبو رنات ، فطلب من المجلس الأعلى بالسماح للموكب بالتقدم واستلام المذكرة منه حقناً للدم ، وتداركاً للمآلات الخطيرة المحتملة .
ميلاد الإضراب السياسي
في تلك اللحظات العصيبة نفسها ولد العصيان المدني ، أو الإضراب السياسي . إذ رأى المحتشدون أمام الهيئة القضائية ، من أساتذة وقضاة ومحامين وعمال ومهنيين ، أن السبيل الوحيد لمواجهة القوة المسلحة التي توشك أن تحصد رجال العدالة ورجال العلم والقيادات المهنية الوطنية ، هو الركون إلى عصيانها بالسلاح المدني الوحيد : الإضراب .
و لابد من الإقرار هنا بأن الحزب الشيوعي كان هو رافع راية الإضراب السياسي منذ العام 1961م ، فقد نادى من خلال منشوراته وبياناته بأن تعتمد المعارضة السياسية لنظام نوفمبر الإضراب السياسي وسيلة لإسقاط نظام نوفمبر . بيد أن ضعف انفعال القوى السياسية مع اقتراحه ذلك قادهـ إلى التخلي حتى عن جبهة الهيئات في وقت لاحق . وكان الذين رفعوا اقتراح الإضراب السياسي من عناصر الشيوعيين في جبهة الهيئات ، وقد كانوا كثراً بحكم السيطرة النقابية للشيوعيين في تلك الأيام . وكان من الطبيعي أن يكون أول الذين نادوا بالإضراب السياسي في تجمع الهيئات يساريين من مثل عابدين إسماعيل وطه بعشر واللذين كانا في قيادة جبهة الهيئات . ومن خلال مكبرات الصوت ، وأمام الهيئة القضائية أعلن الإضراب السياسي في ذلك الموكب الرهيب ، وطلب من كل العاملين وفي كل موقع أن يلتزموا بيوتهم وألا يعودوا إلا بسقوط النظام ..
كانت سلطة الجماهير آخذة في التشكل لحظتها ، وكانت القيادات البديلة للقيادة السياسية قد بدأت في التبلور.. وكان نظام نوفمبر قد بدأ في الترنح .. وقتها هبت الأحزاب من غفوتها ..
جبهة الأحزاب .. تستيقظ وتتجمع في السراي
مع تصاعد المد الجماهيري وفيضان الطرقات بالمظاهرات الجماهيرية الهادرة في مواجهة سلطة نوفمبر، كانت الأحزاب تستيقظ من سباتها العميق وتحاول ما استطاعت أن تلاحق مد الجماهير الهادر.. صحيح أن معظم السياسيين البارزين شاركوا في المواجهات منذ لحظتها الأولى ، ولكن بعضاً من أولئك السياسيين كالمحجوب وزروق وأحمد السيد حمد مثلاً شاركوا بوصفهم محامين في نقاباتهم ، ولم يكونوا يتعاملون مع جبهة الهيئات بصفاتهم الحزبية . كما أن الأقطاب كانوا في قلب الأحداث بواقع مكانتهم الاجتماعية كقيادات دينية أو اجتماعية أكثر من كونها قيادة أحزاب .
فكما ذكرنا من قبل ، كانت المعارضة الحزبية لنوفمبر قد تضعضعت منذ موت السيد الصديق المهدي ، وانسحاب الحزب الشيوعي من الجبهة في نهايات العام 1962م ، ولكن مع تصاعد أحداث ندوة أكتوبر بجامعة الخرطوم ، ومع بروز كيان المهنيين الذي تبلور في جبهة الهيئات التي وجدت نفسها قيادة فعلية لحركة المعارضة الجماهيرية لنظام نوفمبر، مع هذا التطور الجديد ، استيقظت الأحزاب إلى حقيقة أن الهيئة الجديدة تكاد تسحب البساط من تحت أقدامها .. ومن ثم سارعت لتدارك الموقف .. فأصدر الحزب الشيوعي أول بياناته حول الأحداث في الثامن والعشرين من أكتوبر، بعد التصاعد الخطير الذي أدى لإطلاق النار أمام القصر .. فيما عرف بعدهـ بمذبحة القصر. كما أصدر السيد على الميرغني بياناً شديد الضبابية ينادي الحكومة بأن «تحافظ على شعور الشعب وتحقق أهدافه»، وينادي الشعب بأن«يهدأ ويستجيب لنداء العقلاء». وأصدر السيدان الهادي المهدي ، وإسماعيل الأزهري بيانات منفصلة ، طالبت بعودة الديمقراطية ، ودعت الجيش إلى استعمال الحكمة وحقن الدماء ، بالعودة إلى الثكنات .. ثم التقى من بعد ذلك أقطاب الأحزاب السياسية في قبة المهدي بأمدرمان ، وبذلك أعادوا إحياء جبهة الأحزاب التي كادت تموت خلال العامين السابقين ..
وبقيام جبهة الأحزاب ، وجدت الجماهير نفسها منقسمة بين قيادتين ، قيادة جبهة الهيئات التي اتخذت من دار أساتذة الخرطوم مقراً لها ، وقيادة تجمع الأحزاب التي اتخذت قبة المهدي مقراً..
وبين هذين الموقعين وبين القصر الجمهوري ، ورئاسة الجيش كانت أحداث الأيام الثلاثة الأخيرة من عمر نظام نوفمبر تحت التشكيل ..
وكان أهم عوامل ذلك التشكل هو ما كان يجري داخل المؤسسة العسكرية ..
وكان أهم ما يجري هناك هو دور الضباط الصغار ..
الضباط الأحرار ..





التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 11:52 AM   #[24]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة الثانية والعشرون
17 نوفمبر.. سيناريو النهايات
الضباط الأحرار وأكتوبر

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة


مجموعة حمد الله ، ونميري ، ونور الدين ، والضباط الأحرار من أسفل
بقلم : د. محمود قلندر
لن تستقيم رواية النهاية لنوفمبر دون الوقوف على حقيقة وحجم الدور الذي لعبه ضباط الجيش من غير قيادة المجلس الأعلى في تحقيق الإرادة الشعبية في أيام الثورة .
وللحقيقة ، فإن دور العسكريين في تحقيق أهداف أكتوبر لم يلق كثير إضاءة من المؤرخين والباحثين الذين اكتفوا بإشارات مقتضبة ، هنا وهناك في بحوثهم ، للحديث عن دور بعض الضباط الذين رفضوا الانصياع لأوامر تحريك المدرعات إلى القصر أو مداخل الجسور.
ونرى لزاماً علينا ، بحكم ما اطلعنا عليه من معلومات حول دور الجيش والضباط ، والضباط الأحرار على وجه الخصوص ، نجد لزامناً علينا أن نروي بتفصيل دور بعض العسكريين الذين لم تجد أدوارهم الحاسمة - في تقديرنا - في إنفاذ إرادة الشعب في أكتوبر من خلال مواقفهم وضغوطهم على المجلس الأعلى لنوفمبر، لم تجد تسجيلاً كما ينبغي.
وللحقيقة أيضاً ، ينبغي أن نشير هنا ، إلى أن المعلومات التي نصوغها في الحلقتين الثلاث الأخيرتين من هذه السلسلة ، هي من نتاج بحث وتنقيب ، وقراءة لعدد من المذكرات والأوراق الشخصية ، ونتاج أسئلة واستفسارات لعدد من الشخصيات جرت في أماكن مختلفة وفي أوقات متباعدة بعضها مضى عليه أكثر من عقدين من الزمان ..
ونود أن نوضح في هذا المقام أن بعض المعلومات ذات الصلة بدور الضباط الأحرار استقيناها من مصدرين ، هما محجوب برير محمد نور، الذي أوردها في سياق سيرته الذاتية المروية في كتابين ، كما وردت بعض أجزائها في سياق حوارات متقطعة دارت بيننا على فترات مختلفة من الزمان . أما الثاني فهو عبد الرازق الفضل ، وهو ضابط استخبارات من الذين أتيحت لهم فرص الاطلاع على العديد من الملفات المتعلقة بالأحداث السياسية المهمة ، وقد سجلها في رسالة ماجستير من معهد الدراسات الآسيوية والإفريقية بجامعة الخرطوم . ولم يكن هذان المصدران وحدهما اللذين اعتمدنا عليهما ، بل عمدنا إلى استقاء معلومات حول أحداث أكتوبر في فترات سابقة من خلال حوارات أجريناها - في زمان العمل الصحفي - مع عدد من الذين كانوا ذوي باع في أحداث أكتوبر، منهم المرحوم عمر الحاج موسى ، والذي أفاض في تفاصيل الأحداث ومجرياتها ، واللواء محمد طلعت فريد ، والعميد فتحي كمبال ، وعدد من الضباط الذين شاركوا في صنع الأحداث أو كانوا بالقرب من مواقعها .
الضباط الأحرار .. التخطيط لانقلاب في أكتوبر
لا يعرف كثيرون أن الضباط الأحرار، والذين انتهت حالهم إلى تضعضع بعد محاكمات حركة على حامد ، كانوا بحلول العام 1964م ، قد استجمعوا قواهم ، وتمكنوا خلال سنوات 1963م و1964م من بناء تنظيمهم بتؤدة وفتحوا أبوابهم لعدد كبير من الضباط الجدد الذين تخرجوا من الكلية الحربية مع بداية حقبة الستينات . كما أن التنظيم كان قد ازداد قوة وتوسع بإقبال الضباط الشيوعيين من الانخراط فيه والعمل كجزء منه ، رغم أنهم لهم كيانهم المستقل والمرتبط عضوياً بالحزب الشيوعي.
وحسب الرواية التي نستند عليها، (محجوب برير)، فإن التنظيم كان قد أعد لنفسه برامج عمل وخطط مستقبل تضمنت قيامه بحركة عسكرية (تصحيحية) يتم بمقتضاها قيام مجلس عسكري مدني يسمى مجلس الشعب القيادي ، تؤول له صلاحيات رأس الدولة بعد حل مجلس الأعلى لعبود .
وكان من المقرر أن يتحرك التنظيم لاستلام السلطة صباح الخامس والعشرين من أكتوبر .. إلا أن الأحداث تصاعدت منذ ليلة الحادي والعشرين منه على النحو المعروف .. وهو ما جعل تنظيم الضباط الأحرار يطوي في صدور أعضائه حقيقة الانقلاب الذي سبقته أحداث جامعة الخرطوم بأربعة أيام .
الأحداث وعصيان الضباط ومطالبة بحل المجلس الأعلى
لما اتجهت الأحداث اتجاهها المعروف خلال ليلة وصباح الثاني والعشرين من أكتوبر، وبعد أن اخذت المظاهرات تعم العاصمة والجماهير تعبر عن غضبها لما جرى ، بدأت سلطة نوفمبر في التحسب للموقف بتحريك بعض وحدات الجيش لحماية المؤسسات والمنشآت.
ولما كانت المدرعات هي وحدة الحماية الاساسية للمنشآت ، فقد أصدرت السلطات العسكرية أوامرها للرائد فاروق حمد الله - سكرتير تنظيم الضباط الاحرار - بقيادة قوة من المدرعات لحراسة كبري النيل الأزرق وقفله .
ولما كان فاروقاً يدرك أن وجودهـ على رأس مجموعة حراسة الجسر قد تؤدي به إلى إطلاق النار على المواطنين ، فقد أعلن رفضه التام وبلغة الجيش «عصيانه لأوامر» التحرك بالمدرعات.
وقد دار نقاش حام يومها ، بين فاروق والضابط الآمر قال فيه فاروق ما يمكن تلخيصه كما يلي:
إنه يعرف انه بقراره ذلك إنه إنما يعصى أمراً عسكرياً رسمياً ، ولكنه قال فاروق : لا يستطيع أن ينفذ أمراً يمكن أن يؤدي به إلى إطلاق النار على المواطنين.
ثم قال فاروق للضابط الآمر
«هأنذا أمامك يا سيدي ، ومن حقك أن تعاقبني .. وأنا مستعد لقبول العقوبة».
وكان موقف فاروق حمد الله ذلك هو أول المواقف المنبئة بما سيكون عليه موقف الضباط من تحرك الشارع .
فقد تلى موقفه هذا مواقف عدة ، لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار وغيرهم من الضباط ، فالضابط الذي طلبت منه السلطات قيادة المدرعات بدلا من فاروق ، خرج بها وعاد دون أن يؤدي مهمته ، وحينما سئل عن عدم تنفيذهـ لمهمة تفريق الجماهير، رد النقيب فتحي كمبال ، إنه كلما حاول تفريق الجماهير، تفرقت تلك الجماهير من تلقاء نفسها ، فلم يجد لازماً لاستعمال القوة ضدها .. ووضع النقيب فتحي تحت المساءلة أيضاً ..
تكتل ضباط المدرعات وعرائض من ضباط الوحدات الأخرى
على صعيد آخر كان ضباط المدرعات يلعبون دوراً مهماً في انحياز الضباط ، فقد عبروا عن موقفهم المؤيد لحركة الشارع وأعلنوا وقوفهم مع مطالب تجمع الهيئات الذي كان قد انتظم في دار أساتذة جامعة الخرطوم . وكان عدد مقدر من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار - منهم خالد حسن عباس ، ومحجوب برير ، ورشيد نور الدين ، وفاروق حمد الله ، وهاشم العطا - ضباطاً في وحدة المدرعات ، التي كان مقرها الشجرة . ولما كان جعفر نميري - والذي كان دارساً بكلية القادة والأركان وقتها - أقدم الرتب بعد قائد حامية الشجرة ، فقد بدأ الضباط في التحلق حوله فيما يشبه التكتل . وبوجود ذلك التكتل من الضباط الأحرار الذي أخذوا في المجاهرة بمواقفهم ، شعر قائد حامية الشجرة بحرج موقفه كقائد للوحدة ، فاتصل بالقيادة يعلنها بأن ضباطه على وشك التمرد. فبعثت القيادة وفداً ضم الشريف الحبيب وعمر الحاج موسى ، للتحاور مع مجموعة الشجرة ، ونتج عن ذلك الحوار بروز تيار غالب وسط الرتب الوسيطة من الضباط يحبذ قيام الجيش بتسليم الحكم للمدنيين .
وقد تكررت ، من بعد ذلك ، المواقف الشبيهة بموقف ضباط المدرعات في وحدات العاصمة الأخرى ، حتى انتهى الأمر إلى التعبير عن هذه المواقف كتابة ، حيث سلموا قادتهم عرائض تتضمن مطالبتهم القيادة العليا بتسليم السلطة للشعب .
ثم تعدى الأمر رتب الضباط ، ليبدأ ضباط الصف في التجمع وتأكيد عدم استعدادهم لتنفيذ أي أوامر تصدر إليهم من ضباطهم بالتصدي للمواطنين ..
كان التمرد العسكري وقتها أشبه بسم بطئ السريان يسري في جسد القوات المسلحة .. فقد بدأت دعوات التمرد على أوامر إطلاق النار على الجماهير بموقف فاروق حمد الله ، ثم تصاعدت المواقف بالصورة التي جعلت بعض القادة يرون عين الحكمة في حل المجلس الأعلى وانسحاب الجيش من ساحة السياسة ..
ولقد كانت ليلة السادس والعشرين من أكتوبر هي ليلة الحسم.. ليلة تكاملت مواقف ضباط القيادة ، بحصار الضباط الأحرار للقصر..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 12:20 PM   #[25]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الحلقة « الاخيرة»

سيناريو الختام ليلة حصار الضباط للقصر

دراسة في وقائع الولوج الأول لجيش السودان دار السياسة

حمل الباقر عرائض مطالبة الضباط بالتنازل عن الحكم لعبود في القصر
تماماً كأي انقلاب ..
دبابات الضباط الأحرار حاصرت المجلس الأعلى
بقلم : د. محمود قلندر
كانت ليلة الخامس والعشرين من أكتوبر هي ليلة الحسم النهائي. ليلتها كان الضباط الأحرار قد عقدوا عزمهم على التحرك مع الجماهير بالقوة اللازمة ، لإجبار المجلس الأعلى على تسليم السلطة .
وفي نفس الوقت كانت هناك فئة من الضباط الكبار، لم تنتمِ لتنظيم الضباط الأحرار.. ولكنها كانت مع الجماهير في نبضها .. كانت هذه الفئة تضم - من بين أفرادها الكثر - اللواء محمد إدريس عبد الله والعميد عثمان حسين عثمان ، والعقيد عمر الحاج موسى والعقيد محمد الباقر أحمد والعقيد حسن فحل ، والعقيد الطيب المرضي .
وكان معظم هؤلاء الضباط هم ضباط القيادة ، أو ضباط رئاسة الأركان . فالباقر مثلا ، كان مدير العمليات الحربية ، وهو الفرع المنوط به كافة أعمال التحرك للأفراد والقوات والمركبات العسكرية ، بما في ذلك وضع خطط القتال .. وبذلك فإنه في ذلك الوقت كان يشكل واحداً من الضباط الذين يمكن أن تناط بهم أخطر المهام في ظل تلك الظروف . أما عمر الحاج موسى ، فقد كان وقتها مدير سلاح الإشارة ، ولكنه كان قريباً جداً في تفكيرهـ من الضباط الأحرار حتى كان موضع ثقتهم . أما الطيب المرضي فقد كان وقتها المسؤول عن الاستخبارات العسكرية ، وهو بذلك مصدر المعلومات عن اتجاهات الرأي العام العسكري ، والذي كان واحداً من أهم عوامل رضوخ عبود وقبوله بحل المجلس ..
ويكاد المتابع لأحداث تلك الفترة ، يشهد بأن الضباط على اختلاف رتبهم ومواقعهم القيادية - إلا مجموعة المجلس الأعلى بالطبع - كانوا قد وصلوا إلى قناعة تامة بوجوب انسحاب الجيش من إدارة شؤون البلاد السياسية . ولذلك فإن مواقف عدد من كبار القادة ومن القادة وسيطي الرتب ، كانت كلها تصب في ذات الاتجاهـ . فاللواء محمد إدريس عبد الله مثل اً، كان يدفع في اتجاهـ حل المجلس الأعلى ومعه القائمقام محمد الباقر أحمد ، والقائمقام الطيب المرضي ، وحسن الجاك طه ، وعمر الحاج موسى .
في تلك الليلة كانت مجموعة من القادة - من غير أعضاء المجلس الأعلى - منهم اللواء محمد إدريس عبد الله ، والعقيد محمد الباقر أحمد ، والعقيد عمر الحاج موسى ، والعقيد الطيب المرضي تضع لمسات تحركها ، فقد جمعت تلك المجموعة توقيعات الضباط التي كانت قد وردت للقيادة وتوجهت بها للقصر لتقدم دليلاً على وجود رأي عام عسكري مناهض لاستمرار المجلس الأعلى في السلطة . وحمل الباقر تلك البرقيات والعرائض التي وصلت للقيادة إلى الفريق عبود بالقصر، ليعلمه بحجم التعاطف العسكري مع حركة الشارع ، ثم حمل إليه خطاباً تشير بعض المصادر إلى مشاركة ضباط كبار من أمثال حمد النيل ضيف الله ، ومحمد إدريس عبد الله ، ثم مزمل سليمان غندور في كتابته . وهو خطاب مطلبي الطابع يحث عبود على تسليم السلطة وحل المجلس الأعلى .
ثم طلب المجلس العسكري من مدير الاستخبارات ، الطيب المرضي تقديم تقرير شامل عن «الرأي العام العسكري» وهو تقرير مفصلي يتم تقديمه من قبل إدارة المخابرات كلما كان هناك أمر ذو أهمية سياسية أو عسكرية تتباين حوله الآراء والمواقف. ويكون تصرف القيادة مستنداً في معظم الأوقات على اتجاهـ الرأي العام العسكري.
وقدم العقيد الطيب المرضي تقريراً طويلاً ومفصلاً ومفحماً .. فقد ذكر بأنه حسب ما وصله من تقارير من ضباط الاستخبارات في مختلف وحدات الجيش خارج العاصمة وداخلها ، فإن هناك إجماعاً تاماً من كافة الرتب ، ضباطاً وضباط صف وجنود ، على وجوب حل المجلس الأعلى والاستجابة لمطالب جبهة الهيئات بتسليم الحكم للمدنيين .
حصار القصر :
في الساعات الأولى من صباح السادس والعشرين من أكتوبر، كان الرشيد نور الدين - عضو تنظيم الضباط الأحرار- يتوجه بعدد من مدرعاته نحو القصر، تنفيذاً لقرار تنظيمي بالضغط على القيادة العامة والوقوف الإيجابي مع تحرك الشارع السوداني . وفي الوقت نفسه كانت القيادة العامة قد وضعت في الليلة السابقة عدداً من المدرعات لحماية القصر ومن فيه ، تحسباً من «تحرك مضاد» غير معروف الاتجاهـ .
ووفقاً لما لدى الضابط الآمر للوحدة المدرعة المكلفة بحراسة القصر بأوامر القيادة العامة ، كان من الممكن أن يشتبك مع دبابات الضباط الأحرار، في معركة دموية ما كان يعرف أحد مداها .
ولكن من صدف القدر - ولطفه - أن قائد الوحدة التي أناطت به القيادة العامة حماية القصر ومن بداخله ، كان واحداً من الضباط الأحرار، وهو النقيب محجوب برير.
واستناداً على الصلة التنظيمية الجامعة بينهما (باعتبارهما عضوين بالضباط الأحرار)، تقدم الرشيد نور الدين من محجوب برير، وأصدر إليه أمراً بوضع قواته تحت قيادته .. ومن ثم صار الرشيد نور الدين قائداً لقوة محاصرة القصر باسم الضباط الأحرار.. وبذلك حاصر الضباط الأحرار القصر باختراق دفاعاته .
عمر الحاج موسى وحماية أعضاء المجلس:
في داخل القصر كانت الأمور تسير بالصورة التي سردناها.. الفريق عبود يتسلم تقارير القيادة التي جاء بها الباقر، وخطاب القادة الذي جاءهـ بما يشبه الرجاء بتسليم الأمر وحل المجلس.
وفي الخارج الضباط الأحرار وقد ربضوا بمدرعاتهم ، تحيط بالقصر، وبالقيادة العامة ..
أما في القصر، فقد اجتمع المجلس الأعلى يقلب ما هو واجب اتخاذهـ .
وكانت هناك عدة آراء قد برزت في المجلس .. أجمعت كلها على حل المجلس .. ولكن تباينت من بعد ذلك الآراء .
كان هناك رأي ينادي بإعادة تكوين المجلس من ضباط جدد ، على أن يظل عبود في موقع القيادة ..
وكان هناك رأي آخر ينادي بحل المجس وإعادة تكوينه مطعماً بعدد من الشخصيات السياسية الوطنية ، مع بقاء عبود رئيساً له ..
ثم كان هناك رأي ثالث ينادي بقيام حكومة عسكرية مدنية يرأسها ضابط ، واقترح مزمل سليمان غندور.. وكان هناك من يرى بوجوب العودة إلى المجلس المركزي ليحسم الأمر برمته ..
في خضم هذا التخبط ، وضح جلياً أن الغاية الشعبية في انتهاء الحكم العسكري لن تتحقق في ظل وجود تهديد لأعضاء المجلس ، كالذي كانت تصك أسماعهم وقتها هتافات من شاكلة «القصاص بالرصاص» التي كانت تتردد حول ساحة القصر. كما أن البيانات الصادرة من الهيئات والاتحادات كانت كلها تتحدث عن وجوب محاكمة أعضاء المجلس بجرائم سياسية وجنائية على حد سواء.
وسط ذلك الجو المتوتر، تقدم عمر الحاج موسى باقتراح أن يتم حل المجلس الأعلى ، على أن تكون هناك ضمانات موثقة تقضي بألا يُعاقب أعضاء المجلس الأعلى على ممارستهم أعمال السيادة ، باعتبارهم رأس الدولة خلال السنوات الست . وذلك حسب مقتضى الأعراف في مختلف الدساتير، والتي تمنح رأس الدولة الحصانة خلال فترة ممارسته لمسؤولياته السيادية.
وكان ذلك الاقتراح هو المخرج النفسي للأزمة ، إذ مهد لقبول أعضاء المجلس بحل المجلس الأعلى ، فأعلن عبود مساء ذلك اليوم حل المجلس الأعلى ..
الشعب يفاوض جيشه :
يوم السابع والعشرين من أكتوبر كان يوماً غير مسبوق في التاريخ الوطني. كان هو يوم جلس فيه بعض السودانيين يفاوضون بعض السودانيين لاستعادة حكم البلاد منهم . كان اليوم هو يوم التقاء وفدي جبهة الهيئات وجبهة الأحزاب بممثلي القيادة العامة . وكان الأمر في مجمله غريباً ، فالجيش الوطني يفاوض بني وطنه على عودة الجيش لممارسة مهامه الطبيعية .
المتفاوضون ضموا من رئاسة الجيش اللواء عوض عبد الرحمن صغير، محمد إدريس عبد الله ، العقيد يوسف الجاك طه ، العقيد مزمل غندور، والعقيد محمد الباقر أحمد.
أما الجبهة القومية الموحدة - وهي الجبهة العريضة التي ضمت جبهتي الهيئات والأحزاب ، فقد ضمت : بابكر عوض الله ، طه بعشر ، أحمد سليمان ، عابدين اسماعيل ، الأمين محمد الأمين ، مبارك زروق ، الصادق المهدي ، حسن الترابي وأحمد متولي العتباني .
وقد حرصت المجموعة العسكرية المفاوضة - خلال التفاوض مع الجبهة القومية الموحدة - على أن يتم التأكيد على عدم محاسبة أي من أعضاء المجلس على أعمال قاموا بها بصفتهم سلطة سياسية عليا . وكان حرص المجموعة العسكرية حرصاً تفرضه ضرورات التأمين لمسار تسليم السلطة بكاملها للمدنيين . إذ كان يمكن أن يقود رفض مبدأ الحصانة إلى انتكاس خطير، قد يؤدي إلى انشقاق الجيش بشكل غير مسبوق.
ولم يكن أمر حصانة أعضاء المجلس الأعلى هو وحدهـ العقبة التي اصطدم بها التفاوض بين الطرفين .. إذ كانت هناك قضية الفترة الانتقالية ورئاستها .
كان الأمر الأول هو رأس الدولة . وقد نوقش الأمر، ثم استقر الرأي على أن يظل عبود رئيساً لها.. وقد أصر العسكريون على ذلك ، باعتبار هذا الأمر جزءاً من ضمانات ألا يحاسب أعضاء مجلس نوفمبر على أفعالهم السيادية ، فقد رأوا أن وجود عبود رأساً للدولة يمنع أي نكوص عن الاتفاق.
وكان الأمر الثاني هو رئيس وزراء الفترة الانتقالية .. فقد اختلفت الأحزاب والهيئات في من يكون .. واستعرضت عدة أسماء.. منها بابكر عوض الله الذي كان عضوا متفاوضاً فرفض . ومنها الأستاذ عتباني الذي كان مستشاراً قانونياً فرفض هو الآخر، ثم اقترح العسكريون سر الختم الخليفة .. عميد المعهد الفني وقتها .. فوافق الرجل استناداً على أساسين : أن تكون فترة محدودة الزمان ، وأن تكون محددة الواجبات ، مرهونة باستكمال تلك الواجبات ، ثم جرت المفاوضات الماراثونية حتى تم تكوين الوزارة و أقسم الخليفة رئيساً للوزراء.
ثم جاءت كلمات سر الختم الخليفة صباح يوم الثلاثين من أكتوبر التي وجهها لشعب السودان معلناً الاتفاق بين المتفاوضين:
«.. لذلك يسرني أن أعلن - والغبطة تملأ جوانحي- أنه تم بحمد الله الاتفاق الشامل بين مندوبي القوات الوطنية المسلحة وممثلي الجبهة القومية الموحدة ، بعد سلسلة من الاجتماعات دامت حتى فجر هذا اليوم الجمعة 30 أكتوبر، ويسرني ويسعدني أكثر أنه قد ساد المفاوضات التي جرت جو من المحبة والاحترام المتبادل والثقة الحسنة لم يسبق لها مثيل في بلد لم تنقض على الحكم الأجنبي فيه سوى بضع سنوات. لقد تم كل هذا بفضل وعي الشعب وكفاحه وبفضل إخواننا الأبرار في القوات المسلحة وقوات الأمن ، الذين تجاوبوا مع رغبات الشعب وأمانيه .. لذلك فإننا نسجل لهم هذا الجميل في ما أبدوهـ من تجاوب مع بني وطنهم ..».
وانتهت بذلك ست سنوات عواصف من حكم نوفمبر وعبود في السودان.




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2018, 08:54 AM   #[26]
imported_فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_فيصل سعد
 
افتراضي

السلام و التحايا أخونا المحسي،، و حبابك ما غريب الدار.. شكرا لهذا الجهد و التوثيق..



التوقيع:
[frame="5 80"]اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
[/frame]
imported_فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 19-02-2018, 10:23 AM   #[27]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

سلام الاخ فيصل والحضور ..
لا شكر علي واجب ...
هنا كتاب
السودان في الوثائق البريطانية
إنقلاب ابراهيم عبود 1958م
جمع وترجمة / وليد محمد سعيد الكاظمي
دراسة موثقة عن الوثائق السرية البريطانية التي رفعت عنها قيود السرية في 1989م في لندن

روابط علي







التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-08-2019, 12:16 PM   #[28]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

محمود قلندر - السودان ونظام الفريق عبود 1958م - 1964م
مراجعة صحفية
لملابسات التدشين الاول
للمؤسسة العسكرية
في دهاليز السياسة السودانية
ط عزة للنشر






التعديل الأخير تم بواسطة elmhasi ; 14-03-2025 الساعة 01:01 PM. سبب آخر: تعديل روابط التحميل
التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-08-2019, 03:17 PM   #[29]
imported_عبدالله الشقليني
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

مرحباً بك أستاذ المحسي ، هذا عمل رائع بحق ، يحمل شهادة مفصلة .



التوقيع: من هُنا يبدأ العالم الجميل
imported_عبدالله الشقليني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-08-2019, 04:21 PM   #[30]
imported_عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عادل عسوم
 
افتراضي

تسلم ايدك ياحبيب



التوقيع:
[frame="7 80"].

سُكْنايَ حيثُ يحكي النيلُ عن حضارةٍ عظيمة
يشُقُّ صدرَ أرضنا السمراء في عزيمة
وينحني تأدباً في (البركل) الذي يلي كريمة
عادل عسوم
www.marawinews.com
[/frame]
imported_عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 05:06 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.