القبة (ج)
أساس إقامة النُّصُب والأنصاب، وهي الحجارة، وكذلك الذبح عليها هو ديانات سودانية ضاربة في القدم تعود إلى حادثة الجد التاريخي هابيل السلام عليه السلام، ابن آدم المسالم.
فبما أنّ اغتياله قد تم بحجر، بقطعة صخر، حسب أثبت الروايات وأكثفها، فقد نشأت ديانات تطهرية، تعاقب نفسها كحال شيعة اليوم تماماً، بمعنى أنَّها تتبنى عقدة ذنب تجاه الحادثة تلك، وقام بعض هذه الأديان المتوثّنة بإضافة ذبح القرابين على تلك الحجارة وقطعة الصخر الرمزية تلك، بحكم أن قربان هابيل الذي تقبّله اللهُ منه كان ذبيحةً وهي الكبش، الذي هو في أديان وثنية مُحَرَّفة ومتأخرة يمثل رمزاً للإله آمون.
والنقطة المهمة هنا، هي أنَّ زعيم وثنية الأسد-أبادمك الملك أركماني حينما نهض بثورته الوثنية ذهب إلى البركل الجبل الطاهر في أقصى الشمال وقام بتصفية جميع كهنة آمون ثم عاد ليؤسّس معابد الأسد والدولة السودانية الوثنية التي لم نستطع أن نقرأ تاريخها إلى اليوم لأنها مكتوبة بالمروية التي لم نهتدِ لمفاتيحها بعد. وسأفرد لهذه اللغة المروية الكتابات الخاصة بها وباجتهاداتي في هذا الاتجاه.
أمّا الشاهد الذي نريده حالياً هو أنَّ أصل عادة إقامة الأنصاب على القبور، وارتباط ذلك بالقبّة يعود لابن آدم المغدور هابيل، وما تزال هذه العادات مستمرَّة في الثقافات السودانية المعاصرة، وهي تملأ ما لا يمكن إحصاؤه ولا حصره ممّا أسميتُه بحوافظ المفاهيم.
وكذلك خرجت هذه العادة من السودان، بعد أن رسّخ لها الفراعنة بالأهرام في السودان ومصر، خرجت مع اليهود المبكّرين مما قبل ملك العقارب، ومع النبطيين-النبتيين من التجار الأوائل للبخور، الذي كان يستخدم في قباب العبادة هذه كما أوضحت، ومع الأوراتيين وغيرهم الكثير من الجماعات التي خرجت من وطنها الأم باكراً. ولنا في نُصُب "صخرة ديان" بصحراء سينا خير شاهد وبرهان، وديان هذا هو موشيه ديان اليهودي الذي لا يحتاج لتعريف، رَكَزَها نُصُباً للطيارين الإسرائليين مَن سقطت بهم الطائرة في الحادثة المعلومة. فالنصب الصخري، الحجري، مرتبط بالدم أبداً، بالموت القاسي، بالقبّة، بالبخور، وبقية الرموز المصاحبة وأبدادها.
والنصب هذا ذاته، الهابيلي، صَاحَبَ اليهودَ إلى داخل فلسطين، ليؤسّس لنا "قبّة الصخرة"، وها هما الرمزان في تعانقهما الأبدي، القبة مع الصخرة وارتباط ذلك بالقداسة والتأسيس الديني، بناء على الدم والقتل والدفن.
وأحسبها من كرامات آل بيت النبي محمّد أن يعود تعانق الرمزين القبّة والصخرة بطقوسهما مرة أخرى في التاريخ الحديث، بعد سفح الدم الطاهر للحسين بن علي عليه السلام وعلى أبويه الأكرمين.
كما رأينا عودة رموز اليقطين-القَرع من عهد هابيل إلى عهد ذي النون (وأنبتنا عليه شجرةً من يقطين)، فالرموز تقود إلى أنَّ قابيل أصيب بمرض جلدي بعد قتله لأخيه، وشفي من تلك الأوحام الجلدية بعد وقتٍ طويل، حينما بان نقاؤه زعماً، في بانقا Bannga مدينة الاسم الذي ستختاره وثنية الأسد لاحقاً كي تشيد معابدها الدينية لجواره في النقعة والمسوّرات. وما استدللتُ عليه بشواهد رموز كثيرة من ضمنها أنّ الولولف يسمون القرعَ (بانـقا)، بينما الدينكا يسمونه (بانـجوك)، والقرع من الرموز الضخمة وبالغة الأهمية، وهو الوجبة المحبّبة للنبي محمّد عليه السلام.
وكذلك عاد هذان الرمزان القبة والصخرة بكل مصاحباتهما وأبدادهما إثر سفح دم الحسين عليه السلام، فقد أورد القاضي التنوخي في كتابه "الفرج بعد الشدة" عن عبد الملك بن مروان الملقّب بـأبي الملوك أنَّه (مَنَعَ أهلَ الشام من الحج إلى مكة، وبنى قبة الصخرة في بيت المقدس، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها، بدلاً من الكعبة، وأقام الناس على ذلك أيام بني أمية. اليعقوبي 2-261).
وقد أورد هذا الخبر كلُّ المحققين من أهل التاريخ، كما أورده ابن تغري بردي ضمن كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
أمّا ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية، المجلّد الثامن، صفحة 309 فقد أورد الآتي {ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال والعمال، ووكل بالعمل رجاء بن حياة ويزيد بن سلام مولاه، وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس، وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حياة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغا ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات وأكثروا، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون، وعملا للقبة جلالين أحدهما من اليود الأحمر للشتاء، وآخر من أدم للصيف، وحفا القبة بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداما بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران، ويعملون منه غالية ويبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا،
وجعل فيها العود القماري المغلف بالمسك وفرشاها والمسجد بأنواع البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البخور شم من مسافة بعيدة، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أياما، ويعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس، وأنه دخل الصخرة، وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير، ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، بحيث إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج، وبحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس، وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان، وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووادي جهنم، وكذلك في أبوابه ومواضع منه، فاغتر الناس بذلك، وإلى زماننا، وبالجملة أن صخرة بيت المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الأرض بهجة ومنظرا، وقد كان فيها من الفصوص والجواهر والفسيفساء وغير ذلك شئ كثير، وأنواع باهرة}.
وهنا نجد كل رموز ودوال القتل القابيلي، والقبة ببخورها وعطورها، ما استخدمه قابيل من لبان ومُر ليزيل عن يديه رائحة جثة أخيه التي أروحت (ينكب شيحك ومرايق ريحك)، أي صار لها رائحة بينما هو يحملها قبل أن تهديه الغربان إلى دفنها.
وقابيل من بعدها في بعض الروايات أنّه تحوّل إلى عبادة النار وسن الوثنية الأولى لأن الشيطان أغراه بذلك مستغلا تلك النار التي كانت تأكل القرابين دلالة على تقبلها، أي حينما قربا قربانيهما فتُقبِّل قربان أخيه إذ أكلته النار، بينما رُفِض قربانه هو فلم تمسسه النار.
فتأمل كيفية عودة قبة الصخرة في التاريخ، إنها الوثنية ذاتها -السياسية- التي يصطنعها عبد الملك بن مروان كي يحارب بها عبد الله بن الزبير ويصرف الناس عنه وعن مكة، بينما الحسين عليه السلام كان قد قتله عسسُ يزيد بن معاوية، وهكذا يخترع لهم عبد الملك في "استعادة" تاريخية وثنية قابيل بخطيئتها وإلحادها ودماء لعنتها، وجرأتها على أبناء الأنبياء (وتلك الأيام نداولها بين الناس).
إنه عبد الملك بن مروان أوّل من وجِّه إليه سؤال (من أنتم؟) في تاريخ المسلمين، قبل أن يُولد القذافي بآلاف السنين، إذ سأله الشاعر أبو قطيفة هاجياً له..
نبئت أن ابن العملس عابني ... ومن ذا من الناس البريء المسلم؟
من أنتم من أنتم خبرونا من أنتم ... فقد جعلت أشياء تبدو وتكتم!
الصخرة والقبة المقامة عليها، ما أثبت علماء الإسلام أنها لا علاقة لها بالإسلام ولا المعراج، هي صخرة النُّصُب التي أساسها صخرة موت هابيل وقبته.