د. عبد الله علي ابراهيم يحكى :حسن الأمين شِفِت حلة المحطة
نعت وزارة التربية والتعليم منذ أيام الأستاذ حسن الأمين المستشار بالوزارة. وطالعني في كلمة الرثاء وجهه الشاب فأعادني إلى أيام حلة المحطة بمدينة عطبرة في أوائل خمسينات القرن الماضي. وتقع الحلة الآن تحت كوبري العموم الذي استبدل البوابة القديمة التي كانت تنظم (أو تعطل) حركة المرور متى تهادت القاطرات العديدة فوق خطوط السكة الحديد الشتى عند محطة عطبرة. وهي حلة من جزءين. القسم الجنوبي سكنه كبار الموظفين. أما قسمنا فكان لكبار العمال. وتَكَون من صفين متقابلين من البيوت في كل صف نحو ستة أو سبعة منازل. وسكنت أسرة حسن في الصف الغربي في البيت الثاني أو الثالث من الجنوب بينما سكنا في الصف الشرقي في البيت الثالث من الشمال.
وعدت مراراً في أحاديثي مؤخراً عن تربيتي إلى حلة المحطة. فبينما كان للناس قرى وفرقان وحتى حلال كانت لنا حلة بوظيفة مبتكرة. فقد خصصتها الحكومة لفريق من عمالها مكلف بصورة مباشرة بإطلاق القاطرة من المحطة إلى مقاصدها المختلفة. فقد كان يسكنها ناظر المحطة. وكان أبي ناظر عطبرة. سكنا الحلة مرتين. مرة في النصف الأخير من الأربعينات ثم نقلنا إلى أبي حمد ثم عدنا لها في العام 1952 وسكنها عامل التابلت وسواق الترولي وأسطى الدريسة وأسطى التابلت وسائقو القاطرات وربما ناظر الليل وآخرون. ولم يغب عن ذهننا أبداً أننا لم نكن في مركز دائرة المدينة (التي قوامها السكة الحديد) بل في مركز السكة الحديد كلها التي تدار من عطبرة. بل من مكتب العموم الذي كان على مرمى حجر منا. بل كنا نلعب على مرأى من عربة مدير السكة الحديد (وسائقها الحاذق العم محمد بشير بزيه الأبيض النسيق وهو والد رفيقنا عبد اللطيف محمد بشير). وقد وقتنا هذه الحلة التي سقف شغلها الوطن بأسره من جاهلية القبيلة النتنة ومن ''عصبية القبيلة'' التي لا ندورها. فقد كان المرحوم حسن جعلياً من بلدة (المحميةso what? (ويعني؟). وكنا بديرية دهمشية so what? (وبعدين؟). وكانت اسرة عبده نوبية من رماة الحدق so what? (زي بعضو). فقد انصرفت طاقات أولياء أمورنا إلى مهمة غاية في الدقة هي تسيير القطارات لتقلع من محطة عطبرة بكفاءة وانضباط بروح الفريق. هذه كانت وظيفة حلة المحطة لا غير. لا تحدق بأهلها أنساب إلى جد حقيقي أو وهمي ولا تجيشهم طريقة صوفية.
وكان حسن هو ''شفت'' حلة المحطة. وكانت نوادر مغامراته هي أنسنا نحن الذين نصغره عمراً. فقد كان يكبرني بنحو مرحلة دراسية. فقد تخرج من عطبرة الأميرية الوسطى في 1952 وهو عام قبولي بها. وأذكر أنه هو الذي أهداني نسخة جديدة من ''الرد برايمر'' باكورة مقرر الإنجليزية بالوسطى. كان في نظرنا بطلاً لا يعجزه شيء. وكانت الفترة التي نمر بها هي فترة ''خفة اليد'' الطفولية. فقد كانت أيدينا الصغيرة تطال ما وسعها. وأذكر سرقتنا لـ ''خطرات'' العجلات متى اجتمع مستقبلو القاطرات عند المحطة. يتزود الواحد منا بمسمار ثم يقعي عند مؤخرة العجلة ويطعن لستك الخطر ليوسعه فتقع الزجاجة الحمراء بيدنا. وكان يحرس واحدنا الآخر خوف الشرطة أو الفضوليين من حفظة النظام العام. ولا أدري ما كنا نفعله بهذه الخطرات. ربما كنا نتلذذ فقط بالحصول على شيء بغير ثمن.
وكان حسن هو خفيف اليد الأول بغير منازع. فقد تجاوز سرقة الخطرات من طرف الحلة إلى ما هو أكثر إثارة ومغامرة. فقد كان هو الذي اكتشف ''الطرور'' وجاء لنا به من مخزن البضاعة الواقع شرقي المحطة ويفصله عنها فضاء كبير تحتله خطوط السكة الحديد. والطرور عيدان ''فخة'' من شجر الصعيد لا أدري لم احتاجت له السكة الحديد. وأذكر يوم جاء يحكي لنا عن مغامرة له مع الطرور. فقد ملأ يديه منه غير أن نفراً من بوليس السكة الحديد رآه وناداه أن يقف. ولم يفعل. واشتعل حسن جرياً بخطو صبي وثاب فوق تلك الخطوط الكثيفة والبوليس في أثره. ولم تمر لحظات إلا وتعثر البوليس فوق خط ما وسقط يئن من جرحه ويلعن حسن الذي واصل قفزه الرشيق فوق تلك الخطوط. وربما ساقته رشاقته هذه ليكون بعد تخرجه من معهد التربية بشندي معلم تربية رياضية بل وخبيراً فيها.
وكانت لحسن وزميله المرحوم م ح آ ، الذي يسكن بقطاع حلة الموظفين بجهة المستشفى، خفة يد أطعمتنا من جوع للذائذ الخواجات ولم تؤمنا من خوف. فقد كانا يتسللان إلى بقالة ماركتو الإغريقي المواجهة لمحطة السكة الحديد. وكانت ''عفراء مول'' زمانها لا يقترب منها سوى الإنجليز ومن لف لفهم من كبار الموظفين السودانيين. لم يكن لأسرتنا مثلاً غرضاً بها سوى علب مسحوق الكاكاو الذي كان الوالد يشتريه متى أصاب الجلاخ (حرارة تنبت في الفم وعلى اللسان) أحدنا. وكان الوالد يغشى ماركتو متى جاء عمنا من البلد وكان العم يحب ''الخمرة المصرية''. ولا أزيد. ما منعونا. ومن مروياتنا في البيت أن الوالد، الذي عف فمه عن شرب المكروه، إراد إكرام العم (مكرهاً أخاك) فسأل ماركتو: ''يا خواجه عندك خَمٌر؟'' وتبسم الخواجه وقال عندنا كل الأصناف فماذا تريد. وأسقط في يد الوالد.
كان حسن ورفيقه يتسلالان إلى صنف الحلوى بأنواعها العجيبة في بقالة الخواجة ويعودان بأصناف منها. وكانا يطعماننا منها. ولا يزال مذاق المن والسلوى على فمي منها. وكان حسن ورفيقه بارعين. جنانهما ثابت ولا يطرف لهما جفن في حضرة الخواجات وأشيائهم ذات الجمال المرعب وهما يستردان لرعيتهما نحن الصغار بعض ما أختلسه ''ابن أثينا''، في قول التيجاني يوسف بشير، من بلدنا. وكانا همباتة صغار. فهما لا يسرقان بل يعيدان توزيع الثروة وفي مادة الحلوى الجاذبة. ولذا ارتفع حسن في أعيننا فهو الولد الذي جعلنا لا ندفع نقوداً لنطعم من ماركتو.
ولم تكن الحياة بالطبع كلها حلوى مستعادة أو مستفادة. كان منزل الأمين، والد حسن، هو رأس جسري الباكر إلى حقيقة الموت وطقوسه. فقد كان توفي عثمان، شقيق حسن، وهو في سني. أصابته حمى فنقلوه إلى المستشفى. ولم يمكث بها طويلاً وعاد جثة على إسعاف. واقتربنا بموت هذا الصبي من الموت. فالموت ليس للصغار. كان عثمان فتى حريفاً. أذكر أنه كان إذا لعب ''الفورة'' سل روحك من فرط احتفاظه بالكرة صاعدة هابطة كأنها مشدودة برباط إلى قدمه. يا لقدمه الذهبية. وعاجله الموت. يا رحمة الله عليك يا عثمان. ولم نعرف حتى كيف نحزن عليه. لم نكن قد دخلنا في مصطلح العزاء بعد.
وقد تعلمت من ''بكاء'' عثمان شيئاً عن طقوس الرحيل ما أعانني مستقبلاً على فهم منزلة الطقوس في الحياة وهي من علم الأنثربولجيا. فقد تناقل صغار الحلة قصة الجارة الدنقلاوية التي كانت في أشد حالات البكاء على عثمان ثم رأت ابنها من على البعد فنادته: ''يا مهمد! هاك أجر جيب قش الغنماية''. واستغربنا كيف لم يمنع جلال الموت هذه المرأة من تذكر إطعام غنماية لها ''بذي سلم''. وظننا، ونحن الصغار الأخلاقيين، إن فعل المرأة خروج على النص الحزين لإفتراضنا أن البكاء بكاء لا يلوثه ذكر الغنم والقش. وعشنا لنعلم أن الحزن على الميت شيء والطقس المقام على رحيله شيء آخر. بل ربما كان طقس البكاء هو أكثر الممارسات رباطة جأش وبعداً عن الإفراط في شق الجيب والنحيب. ومازلت أذكر كلمة للأستاذ شاموق علق فيها على فتح الحكومة لفراش الفقيد العقيد جون قرنق بغير تحوط طقوسي. وحكى في المقابل عن الرجل الذي جاءه خبر وفاة قريب حبيب فطلب من أهله الكف عن الحي ووب أوإعلان البكاء. وأخذ يرتب كل شيء من مؤونة الأكل حتى أباريق الوضوء للصلاة. وسأل أهل بيته إن كانوا قد أعدوا عدة الطقس ولما قالوا إنهم فعلوا قال: ''أفتحوا البكاء''. وتعالى الثكلي. ونقول في عبارتنا ''البكاء على الحي'' تحسباً للهمة المنتظرة من الإنسان تجاه التبعات التي تركها الغائب. وقيل عن السداد في هذا البكاء على الحي: ''اليتيم بتربا والموت بينفضح''. فتأمل هذه العبارة عن انفضاح الموت. وهذا من حكمة الثقافة التي لا تألو جهداً في طلب الجمال والحق.
رحم الله حسن الأمين "نقلا عن الراى العام "
|