عند قيام حرب الخليج الاولي كان الجو العام في المكتب في غاية التوتر – لم يكن ياسر يخفي تعاطفه مع صدام أو بالاحري استهجانه لاستعانة الخليجيين بالقوات الامريكية .
في اليوم الذي نفذت فيه القوات الامريكية هجومها الكاسح علي الجيش العراقي في الكويت لم يحضر صديقي للمكتب . حضر للعمل بعد يومين في حالة يرثي لها . كان منكوش الشعر , متسخ الثياب و متورم العينين من أثر البكاء . أخبرني لاحقا بان المنظر الذي أبكاه طويلا كان لقطة شاهدها في السي أن أن لجندي عراقي لحظة استسلامه حين خرج من الخندق الذي كان يختبئ فيه وارتمي علي الارض يقبل حذاء أقرب جندي امريكي قابله .
لم يحتمل مشاهدة التلفزيون بعد ذلك لعدة أشهر .
يمر من أمامنا سرالختم ود كسلا - مشغل الكمبيوتر بالمكتب . كان أصغر منا سنا , أصلعا و لايهتم كثيرا بمظهره وكان رغم انطوائيته الشديدة كثير المزاح مع ياسر .
"تعال ياوله . عامل لي بتاع كمبيوطر – علي النععمة أنت مكوجي و لا أقولك أيه دا أنت حتة صبي مكوجي – أيدك نضيفة ياوله؟"
" قالوا عرست يامصري يامعفن"
" آه عرصت – وأنت مال دين أمك؟ "
لسبب ما لايستخدم أخواننا المصريين كلمة "عرس" ومشتقاتها ولايجيد بعضهم حتي نطقها .
كنت آنذاك الوحيد في المكتب الذي يعرف قصة زواج ياسر والمأساة التي انتهي بها ذلك الزواج .
لعن الله الاغتراب فقد كان يريد أن يتعرف علي فتاة مصرية يتزوجها خلآل اجازته السنوية بمصر . أربعة أسابيع فقط يحدد فيها شريكة حياته - وقد كان . عند عودته من ألاجازة كان سعيدا جدا . فقد عقد قرانه بمصر وبدأ مباشرة اجراءات احضار زوجته لامريكا.
أخبرني لاحقا بأنه في اليوم التالي لوصولها لامريكا (يوم صبحيتهما) خرج من غرفة نومهما ليجدها جالسة في الصالون تتحدث الي كرسي بجوارها وقالت له :
" اعرفك علي الجني اللي جاء معاي من مصر "
عقدت المفاجاءة لسانه الا أنه تدارك نفسه وسألها أين هو هذا الجني ؟ فاشارت الي الكرسي الشاغر بجوارها. بدأت بعد ذلك في الصراخ وقذف الاواني والكراسي نحو الشبابيك – أستدعي الجيران الشرطة – بعد أكتمال التحقيقات تم أيداعها مصحة للامراض العقلية.
قام بالاتصال هاتفيا باهلها وعرف منهم أنها كانت مصابة في السابق بمرض "الشزوفرينيا" الذي أخفوه عنه عندما تقدم للزواج منها . ربما ظن أهلها أنها قد شفيت تماما من ذلك المرض لعدم حدوث نوبة مرضية لها لعدة سنوات . وربما تكون الضغوط الناجمة عن الزواج , السفر , الغربة و مفارقة الاهل قد تسببت في رجوع المرض اللعين لتلك المسكينة .
بعد أسابيع خرجت من المستشفي . و رأيتها معه في صلاة العيد – بنية مصرية جميلة .
كان يظن انها قد شفيت الا ان النوبات المرضية سرعان ما كانت تعاودها . بعد ستة أشهر من قدومها لامريكا رجعت لاهلها في مصر وتم بعد ذلك الطلاق .
كنت أشعر ببعض الذنب لانني كنت دائما ما أحذره من الزواج من امريكية و كنت أدفعه دفعا للزواج من أحدي بنات بلده .
"أولاد الكلب أدوني مرة مضروبة " هكذا كان يقول لي عندما يضيق صدره الا أن معرفتي الوثيقة به كانت تدلني علي أنه لايحمل حقدا لزوجته السابقة و لا لاهلها و قد تأكد لي ذلك عندما فاجاني في صبيحة يوم بالمكتب بقوله :
" ما تباركلي ياسحس ماهي مرآتي أتجوزت "
كان سعيدا جدا لزواجها و قد أخبرني أنها قد تزوجت ضابط شرطة بمصر .
أماصديقي فقد تزوج بعد ذلك من سيدة مصرية فاضلة و رزقهما الله بعدة أطفال
ثم جاءت حودث الحادي عشر من سبتمبر .
|