منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-05-2012, 11:27 PM   #[1]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي دراسة نقدية في كتاب (الإرهاق الخلاق) للكاتب عبدالله على إبراهيم

[justify]لما القطار صفر وقف ..
حينها تتبادر للذهن هذه المدينة ذات الإيقاع الخاص .. تقاطع السكك لحديدية – النكهة العمالية – أفواج العجلات التي تخترق الشوارع – الصافرة التي تعلن بداية اليوم ونهايته – وتنوع الحياة ما بينهما.
هذه الخصوصية شكلت ملامح رجال مدينة عطبرة الذين وضعوا بصماتهم على دفتر النسيج السوداني، من هذا المزيج جاء صديقي عبدالخالق السر يحمل أدوات كتابته خصوصاً وأنه خريج الدراسات النقدية.... في أجواء قاهرية معطونة بنكهة القاهرة الخاصة، ألتقيته في إحدى المقاهي كان برفقتي الصديق هيثم الشريف والحبيب جبير بولاد، وكان السودان حاضراً كهم الغلابة.
ورغم أن صديقي عبد الخالق السر استقر به المقام في استراليا مؤسساً ومفلسفاً لحياته الجديدة وفق رؤية متكاملة إلا أنه لم يستطع فكاكاً من هذا الوطن الذي يسكننا حتى تفاصيل التفاصيل، وفي تناول صديقنا عبدالخالق السر لأزمة الثقافة والمثقف السوداني أطلعنا على دراسته النقدية لكتاب (الإرهاق الخلاق) تأليف الأستاذ المثقف عبدالله على إبراهيم، ولأهمية الدراسة رأيت أن اتناولها هنا تعميماً للفائدة وأشير هنا أن الطرح لا يحدد إتفاقي أو اختلافي مع رأي الكاتب.
أدناه أجزاء من الدراسة:


في نقد "الإرهاق الخلاّق" لعبد الله علي إبراهيم "1-3"
تمهيد:
اكثر من 18 عاما على مقالة "...الإنقاذ تطفئ شمعة والمعارضة تلعن الظلام" وأكثر من 7 سنوات منذ صدور كتاب "الإرهاق الخلاّق"* الذي ضم المقالة المذكورة والجدل المصحوب ،غالبا، بصراخ عالي وادانات لا تنتهي في حق الكاتب هو المشهد السائد. مشهد أهدر فيه الكثير من الحبر الغاضب الذي قد "يغني" الحانقين إلى حين، ولكنه بالتأكيد لا يثمن في حقل الفكر والتثاقف ولا أظنه سيضفي فائدة تنتفع بها الممارسة السياسية أو الثقافية.
أدناه محاولة متواضعة من جانبنا لمقاربة الكتاب نقديا كمفاهيم ورؤى قابلة للفحص والتشكيك، آمل أن تكون إضافة إلى القليل جدا الذي تم في هذا الصدد ولم يكن أصحابه مهمومين بمسايرة مظاهرات الشتم والإدانة بقدر حرصهم على مجابهة الراجل فكريا. فالدكتور عبد الله مهما أختلف رأي الناس في مواقفه الأخيرة، ومهما تباينت تفسيراتهم، يظل واحدا من ألمع المفكرين والمثقفين السياسيين في السودان.

مدخل:
لا يمكن للمرء أن ينخرط في نقد هذا الكتاب دون أن يولي عناية واعتبار كبيرين للتيمة الأساسية التي بنى عليها الدكتور عبد الله علي إبراهيم ،مؤلف كتاب الإرهاق الخلاّق، رؤيته أو فكرته "الطموحة" والمتمثلة في مبادرة للخلاص أو المصالحة الوطنيين. (ص39) ، والتي يعتقد أن أوانها قد أزف بمجيء الإنقاذ كتأكيد لعصر (انتهاء السياسة) في ثوبها القديم بعد أن ألمّ بها الإنهاك.
ويمثل "الإنهاك" في تقدير الكاتب نقطة التحول الكبرى في خارطة الممارسة السياسية متى ما تحولت إلى "إنهاك خلاّق" (ص39) تصطلح من خلاله القوى السياسية على رؤى وشروط جديدة مغايرة لما كان سائد حتى يخرج الوطن من هذه المحنة وينفد من تلاشي وشيك.
تلك هي خلاصة الكتاب في التحليل الأخير. أما الكيفية أو الآلية التي يتوسلها الكاتب لتحقيق هذه الغاية وتجسيدها واقعا فهي محط مقاربتنا النقدية لهذا الكتاب.

الإرهاق الخلاّق أو "المساومة" كمنهج للخلاص الوطني:
المساومة -على ما يبدو- تمثل مفهوما أصيلا في فكر الكاتب السياسي، والاقتراب من هذا المفهوم سيمنحنا قدرة على الاقتراب ابستمولجيا لمقاربة أفكاره نقديا. ولا أعرف في هذا الصدد أحدا افضل من الدكتور حسن موسى** في تناوله للمساومة في أدب عبد الله السياسي:

"أقول أن انخراط عبد الله في خيار المصانعة و المساومة قديم و سابق بسنين لمساومته و مصانعته مع نظام الإنقاذ.. .... فالمصانعة في الأصل موقف دفاعي.بل هي ـ في تجربة الحزب الشيوعي السوداني مكيدة استراتيجية أصيلة ، بدونها ما كان لهذا لحزب " الطليعي"(اقرأ : الصفوي) الصغير عدديا أن يبقى و يقيم على كل هذا البأس الرمزي الذي يتمتع به، " حدّادي مدّادي"، وسط قطاعات واسعة من السودانيين المتعاطفين مع أطروحاته دون ان يجرهم التعاطف للانخراط في الحزب كعضوية منظمة. و ضمن استراتيجية الدفاع تمكن الشيوعيون السودانيون في أكثر من مناسبة ،من استثمار قوة خصومهم المهاجمين و تحريف اتجاهها و تملكها كوسيلة في رد الأذى السياسي عن جسم الحزب المعنوي و المادي....... قلت أن عبد الله سياسي، وبحكمة السياسي الواعي بقدر نفسه و العارف بسعة ماعونه توصّل لموقف المصانع المساوم كخيار سياسي، و هو موقف غير مريح فداحته ووعورته تملك أن تثني أشجع أبطال المسرح السياسي السوداني، إلا أن عبد الله الذي لا ينشد الراحة زاهد في منصب "أشجع أبطال المسرح السياسي"، و لو شئت الدقة لقلت بأنه الأشجع بين ذلك النفر الذي يعرّف في التقليد المسرحي بعبارة "ضد البطل"( "آنتي هيرو") Anti heroعلى صورة الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم، مؤسس معهد أمدرمان العلمي، الذي وقع عبد الله في سحر شخصيته الوطنية المغايرة و انتفع به ، كـ " ضد البطل" ، في التأسيس لمفهوم " نقد الذهن المعارض" ضد الصورة الأيقونية البسيطة للبطل الوطني التي لا تستغني عن صورة " الخائن الوطني".و اختصار التاريخ لمجرد " إذاعة ذكر الأبطال و تحقير الخونة" هو عند عبد الله زوغان عن " الشوف الشامل" في الظاهرة التاريخية.و " إدراك " الشوف الشامل"( و الحقوق محفوظة للشاعرة عائشة بت الملازمي) لا يكون بغير " ذكرى المصانعين" من نوع" ضد البطل" " ممن لن تكتمل معرفتنا بالأبطال بغيرهم، فضلا عن عدم جواز التاريخ ـ كعلم ـ إلا بهم" ( جريدة الصحافة 5 ـ 4 ـ 1980 أنظر " عبير الأمكنة " دار النسق 1988)... (حسن موسى: أشغال العمالقة – www.sudan-forall.org).
[/justify]



التعديل الأخير تم بواسطة اسامة عبدالماجد ; 21-05-2012 الساعة 11:51 PM.
التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2012, 11:31 PM   #[2]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

[justify]وإذا كان مبتغى المصانعة عند عبد الله علي إبراهيم – حسب تعبير حسن موسى- هو الشوف الشامل، إذن يمكن القول: إن المساومة ،ومن مفهوم نظري، تمثل فهما دقيقا ومتعمقا لتعقيدات الواقع – خصوصا وجهه السياسي- إلا أنها على أرض الواقع مفهوم متفلّت وزئبقي لا يمكن السيطرة عليه إلا بمشقة وانتباهه تسهران على طرد الأوهام والتفكير الرغبوي والانحياز العاطفي أو الالتفاف الأيديولوجي وكل ما من شأنه أن يصرف التفكير عن حقائق الواقع كما هي ماثلة وليست كما مشتهاة حتى لا تتحول إلى شوف "أعور". ومن هنا سنبدأ: أي تفحص الرؤى والمفاهيم التي أستند عليها الكاتب لطرح مساومته إن كانت ذات صلة بحقائق الواقع التي لا غنى عنها للمساومة ك"شوف شامل" أم هي محض تهاويم وتفاكير رغبوية باعثها إرهاق "شامل" طال الوطن ولم ينجو من تأثيراته حتى الكاتب نفسه؟.
يتأسس الكتاب على مقالتين نشرت الأولى فيهما في أواخر عام 1990م بمناسبة مرور عام على قيام الإنقاذ – على حد توضيح الكاتب- (ص6). أما المقالة الثانية فقد نشرت عام 1997م بجريدة "المشهد الدولي" اللندنية والتي بنى فيها على مقاله الأول. (ص7).
واللافت للأمر أن ما يفصل بين المقالتين 7 سنوات كاملات جرت فيهما الكثير من المياه تحت جسر السياسة السودانية تخلخلت معها الكثير من الحقائق والافتراضات من تلكم التي بنى عليها الكاتب رؤيته، ومع ذلك نجده ما زال متمسكا بحذافير هذه الفرضيات في تشبث غريب لا يعززه منطق الأحداث التي تتابعت قبل الشروع في مقالته الثانية والذي صاحبتها هرولة مضطربة تنفي وتؤكد – من حين لآخر - في حقائق الواقع دون أن يترتب على ذلك أي إخلال بالسياق الذي يحكم بنية المقالتين – كما سوف نرى- والذي يلتزم ذات الفرضيات في تشبث غريب وتجاهل أقرب للتعمد لحقائق الواقع التي دحضت بما لا يدع للشك هذه الفرضيات. وما يزيد الأمر حيرة هو أن هذا التجاهل لحقائق الواقع لا يمكن أن يكون مصدره خفة أو عدم دراية بالأمور لواحد من ألمع المثقفين السودانيين، وربما كان هذا مصدر كل هذه الهبة الغاضبة التي قوبل بها الكتاب ومؤلفه حينها وما يزال.
سيكون منهجنا هو التعامل مع المقالتين كل على حده، والتعامل من ثم في خاتمة المقاربة النقدية مع الكتاب كخلاصة للفكرة الأساسية المطروحة حتى يسهل على القاري تتبع مسار هذه المحاولة النقدية.

نحو استراتيجية شاملة للوفاق الوطني في السودان
الحكومة تطفئ شمعة والمعارضة تلعن الظلام:
كان ذلك عنوان المقالة الأولى والتي يستهل الكاتب في أسطرها الأولى تهنئة النظام على صموده طيلة العام الأول والشماتة على المعارضة في خيبة توقعاتها بزوال النظام قبل عامه الأول:
"أطفأ حكام السودان الحاليون شمعة عامهم الأول في الحكم ... ويحق لهؤلاء الحكام العسكريين أن يهنيء واحدهم الآخر على هذه الموهبة للبقاء في الحكم لسنة كاملة بعد أن راهن معارضوهم على قصر عمرهم السياسي.). (ص9).
والتشديد هنا من عندي للتذكرة حتى يتم الانتباه لذلك الضغط المركز والمكرر من قبل الكاتب لفصل المحاولة الانقلابية عن جذورها الايدولوجيه ممثلة في تنظيم الجبهة الإسلامية كما سوف يرد تباعا. كما سوف نرى لاحقا أن هذا الفصل "التعسفي" – من وجهة نظرنا- لم يتم عفوا بقدر ما أنه كان عملا قصديا سعى من خلاله الكاتب أن يفسح مكانا جوهريا (لحياد) القوات المسلحة في أطروحته والتي لا يستقيم مفهوم المساومه الوطنية دونه. وهذا ما سوف نأتي لتبيانه لاحقا.
نجد الكاتب في هذه الفقرة قد نحى إلى تسجيل صوت لوم خفيف الجرس للحكومة لتقاعسها عن تنفيذ توصيات مبادرة الحوار الوطني التي شارك فيها هو من قبل. ولم يخفي خيبة أمله لهذا التجاهل لكنه لم يصل للنهايات المنطقية للتبعات المترتبة على هذا التجاهل لأن ذلك يخل بفكرة الحياد كمفهوم بنيوي ترتكز عليه مبادرته كما أبنا. ومع ذلك سوف نجد أن هذه "الخيبة" تأتي بمفردات ذات دلالات تعكس حالة التضاد الداخلي الحاد لمنطق الكاتب فيما يخص عناده أمام حقيقة انقلاب الإنقاذ والتي تعريها هذه التفلتات التي تجسد بعض منها هذه الفقرة التالية هذا قبل أن ينهار هذا العناد تماما أمام حقائق الواقع كما سوف نتابع في المقال الثاني:
"... وهو نظام غير خاف أنه بحاجة إلى إجراءات استثنائية جمة لكي يتشبث بالبقاء. وهي الإجراءات التي شملت الاعتقال والتحفظ والتعذيب والتطهير وتعيين أهل الولاء وهلمجرا...". (ص13).
وما يعنينا هنا أهل "الولاء"، فذلك يعني بلا لبس أن الكاتب مدرك سلفا بأن هناك قاعدة أيدلوجية تقف وراء النظام العسكري الحاكم يرفض أن يسميها ويصر على إنكار وجودها. في الأسطر التالية يمهد الكاتب لمبادرته للخلاص الوطني والتي تقوم على افتراض أن النظام الحاكم جهة وطنية محايدة تمثل واجهة للقوات المسلحة يمكن مساومتها لصالح حل وطني شامل:
"... وأمل هذه المبادرة معلق بشكل استثنائي على الفريق عمر البشير رئيس مجلس الإنقاذ الوطني ورئيس الوزراء.". (ص13).
ولكي تنجح هذه المبادرة فيرى الكاتب تجنب عزلة هذا "النظام" -هكذا بتجريد تام يعتمد مراوغة اللغة- لأن:
"عزلة هذا النظام خطر يجب أن يتوقاها الوطنيون الحادبون حتى لا ينحدر إلى عصبة من عتاة الأيديولوجيين ومحبي السلطة والراغبين في الثراء بأي طريق تكبد الوطن أسفا وحزنا كثيرا.". (ص13).
ولأن الحياد ملك عليه كيانه فقد تناسى الكاتب أن النظام قد ميز نفسه كعصبة وعتاة من الأيدلوجيين ومحبي السلطة يوم أن سفه توصيات "الوطنيون الحادبون" في مبادرة الحوار الوطني وجرعهم مرارة التجاهل والازدراء. كل ذلك لا يثنيه عن التمترس خلف هذه الفرضية، بقدر ما يزيد قناعاته بتماسكها كما تبين هذه الفقرة:
"ولكنني أعلق هذه المبادرة على الفريق عمر قد صدر في مبادرته عن حس صادق بأزمة الحرب والسلام والمستضعفين والأغنياء في بلادنا وبناء على تجربة شخصية حسية ربما لا تتوفر لأشرس خصومه السياسيين المدنيين...". (ص14).
ولا يكتفي الكاتب في الفقرة أعلاه بإدهاشنا، بل يسعى بإصرار عجيب لصعقنا بما يعرفه هو دون أهل السودان أجمعين، حتى الجبهجيين أنفسهم، في حماسة تعجز راديكالي اسلاموي في قامة إسحاق أحمد فضل الله نفسه، كما تبين هذه الفقرة:
"إن الذين ينسبون انقلاب عمر البشير إلى هاجس شيطاني هجست له به الجبهة الإسلامية ربما لم يحسنوا كل الإحسان إلى شخصه أو لانقلابه." !!!!. (ص14).
يمكن هنا تصور الرئيس عمر البشير يقرأ هذه الفقرة وتقفز إلى ذاكرته نكتة العرضحالجي الشهيرة، والتي تحكي: أن صاحب مظلمة جاء إلي كاتب عرضحالات قرب المحكمة بغرض أن يحرر له عريضة كاربة يدخل بها إلي القاضي. فأفهمه العرضحالجي بأن هناك نوعين من العرضحالات: رخيص وغالي فأجاب صاحب المظلمة بأنه يريد الغالية. وبالفعل شرع الرجل في كتابة العريضة، وما إن انتهى وقراءها عليه، حتى انفجر صاحب المظلمة في بكاء مرير. فارتبك العرضحالجي لهذا الموقف الدرامي، وطفق يهدي من روع الرجل ويستفهمه عن سبب بكاءه. فاجاب صاحب المظلمة من بين النحيب: والله أصلي ما كنت قايل نفسي مظلوم الظلم ده كله وما عارف؟.
ولأن المقام في هذه اللحظة مقام تمثلات كان لابد أن يختم الكاتب شهادته الإيمانية في حق نظام الإنقاذ بهذه الفقرة الفقهية الكلاسيكية ذات الدلالة التي لا تخفى في الأدبيات الإخوانية:
"إنني لأجرؤ على تثبيت الفريق عمر في الولاية في حين خلعه عنها المعارضون يتخطونه إلى الجبهة الإسلامية القومية كالوالي الفرد. والفريق عمر عندي راع ومسئول عن رعيته. وهذه تبعة عظيمة إنشاء الله. وهي التي ترجع تعليق أمر مبادرة المصالحة الوطنية عليه."!!. (ص15).
ورغم أن التاريخ أثبت أنها لم تكن تبعة عظيمة ولاشيء، بقدر ما أنها وكالة لم يحسن حتى تسييرها، فإن اللافت للنظر في هذه الفقرة هو ذلك الانتقاء الواعي لمفردات ذات دلالات إيحائية : "والي، راعي، رعية" يعي جيدا الكاتب – كماركسي عتيد وما زال "على حد علمي" – سلبية وقع استخدامها وتناقض معناها السياقي مع مفهوم دولة الديمقراطية التي ينشدها في مصالحته. وهو في تقديري محض استعداء للمزاج العام وامعان في مكايدة المعارضة كما درج على ذلك لاحقا. وإذا كان المزاج العام في تقديرنا هو السواد الأعظم الذي يسعى الكاتب لتمثيله، فإننا نجد للمفارقة أن الكاتب طيلة سعيه الدؤوب للمساومة كان يمعن في استعدائه بهذا النوع من الخطاب المستلف من أدبيات الحركة الإسلامية كما سوف نرى تباعا.
تتابع صفحات الكتاب ولا نجد الكاتب يحيد عن النسق القائم على فرضية الحياد التي بدونها لا معنى للمساومة التي تمثل فرصة تاريخية للسلام. ولأنه نظام "محايد وثوري كمان" في تقدير الكاتب كان لابد أن يسعى لتثمين منهجه الدرامي في تقويض بنى الدولة الاقتصادية والبيروقراطية والسياسية بدعوى محاربة الفساد:
"فلو لم تكن المعارضة مسكونة بالسلبية لقدرة حماسة النظام الراهن لرد الاعتبار للمال العام في وقت أصبحت الأموال المختلسة من الدولة عبئا ماليا تكرر ذكره في تقارير المراجع العام. فقد استحسنت مثلا إقدام أعضاء الإنقاذ الوطني لتقديم إقرارات ذمة بما يملكون حاليا في محاولة منهم لتطهير الحكم من دنس الثراء من موقع السلطة...". (ص17).
نقول درامي لأنه كان يقوم على "البروباقدنا" وتمرير خطط ضرب "الخصوم" سياسيا واقتصاديا وبيروقراطيا من منطلق الإحلال والإبدال أكثر من كونه استراتيجية وطنية هادفة كما أبانته سياسة التمكين التي اتبعها النظام بعد فترة وجيزة. ولو تقبلنا منطق الكاتب حينها وفقا للسياق القائم على فرضية الحياد، ستصيبنا الدهشة وخيبة الأمل حيال صمته في مقالته الثانية التي أتت بعد 7 سنوات لم يعد من الممكن بعدها التشكك في هوية النظام أو صعوبة فحص نزاهته حيال المال العام ومحاربة الفساد كما هلل الكاتب لذلك:
"مما يحمد للنظام الحاكم مساع له دءوبة للكشف عن الفساد في ميادين لا يمكن اتهامه بأن له غرض سياسي واضح فيها...."!!. (18).
وهو فساد تبارى أصحاب المشروع أنفهسم في كشفه مكايدة وهدم للمعبد بما فيه أكثر من كونه توبة واحساس صادق بالندم. ومع ذلك يعجب المرء حقا لهذا التمادي في سكب كل هذا الحبر في عدد لا يستهان به من الصفحات ليثمن من هذه المحاولات الدرامية التي تمثل تيمة أساسية – لا جديد فيها- في كل خطابات الأنظمة الانقلابية التي تزعم أنها في الأصل ثورة على الفساد السياسي لا تلبس بعده أن تتحول إلى مستودع للفساد. وربما كان الكاتب محقا في نقده لمفهوم المعارضة من أجل المعارضة الذي تتبناه دوما القوى السياسية الليبرالية واليسارية وفي لجاجة تصرفها عن القضايا الحقيقية والتي تجعلها – على حد تعبيره- في نهاية الأمر:
".. خالية الوفاض من الموهبة أو الخبرة في الحكم أو حتى الاستعداد لتلقي دروس عن الخصم في هذا الشأن.." (21)
ولكن ذلك في تقديري كان "شوفا بعين واحدة" تحسن جيدا تتبع عورات المعارضة وفي نفس الوقت تفرط في حسن الظن بهكذا أنظمة كما درج الكاتب على المبالغة في كل أسطر هذا الكتاب. ثم أن الأمانة كانت تقتضي أن يتدارك ما كان قد دفعه للعجلة في تثمين مواقف النظام في مقالته الآتية رغم أن هذه المواقف استحالت كابوسا على أرض الواقع قبل أن يشرع في كتابة هذه المقالة، وهو كابوس على كل حال لم يفق منه الوطن حتى اللحظة.[/justify]



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2012, 11:34 PM   #[3]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

[justify]تلاشي انقلاب يوليو في نظام متدرج نحو الشرعية: أحلام سعيدة!.
كان الكاتب قد وصف واقع الحال الذي تمخض عنه مجيء الإنقاذ بـ"عصر انتهاء السياسة" المستوجب تدخلا من قبل قوى الشعب الحية (سواد الناس) حتى تستعيد فعلها في الحياة السياسية والمدنية. ولأنه يعتبر نفسه واحدا من هذه القوى الحية فقد سعى من خلال هذه المبادرة أن يستثير وعيا لا مناص من استثارته في ظل تلك الأزمة السياسية التي عصفت بالمشهد السياسي السوداني والذي مثله بعصر انتهاء السياسة. وهو مشهد طالما برع الكاتب في وصفه وتحليله في الكثير من أجزاء الكتاب خصوصا المقال الثاني كما سوف نرى. وعصر انتهاء السياسة في تقديره هو:
"تلك الحالة التي تجد جماعة من العقارب نفسها وهي في زجاجة تلسع أحدها الآخر حتى الموت. فالناس في عهد "نهاية عصر السياسة" لا ينقسمون إلى معارضة وحكومة بل إلى طغم ذات شره قدسي بالحكم وملذاته وعائد. فالسياسة في مثل عهد نهاية السياسة لا تتجه إلى ضبط الجشع ، كما قال انطونيو قرامشي، بل إلى إطلاق سعاره على الناس بغير قيد أو شرط وبصورة فضائحية". (ص7).
هذا عن عصر انتهاء السياسة، ولكن ماذا عن المبادرة وكيف يراها على أرض الواقع؟ وما الذي ألمّ بفرضية حياد القوات المسلحة؟
علاقة الإنقاذ بالجبهة الإسلامية: يطفئ جمري أل ما في اعتقادي:
كان شاعرنا الكبير محمد سعيد العباسي قد كتب قصيدته الغنائية الخالدة (برضي ليك المولى الموالي) مدفوعا بعناد قوامه حالة عاطفية جيّاشة تتأبى على التسليم بحقيقة أن علاقته بمحبوبه قد انتهت لولا أن رشح هذا الشطر من البيت رغم أنف عناده: "يطفيء جمري أل ما في اعتقادي ...." ليكشف واقعا طالما عمل جهده لإخفائه.
تناهى إلى الذاكرة هذا المشهد وأنا الحظ كيف أن الكاتب وتحت ضغط حقاق الواقع، بدأ يعدل عن وجهة نظره المؤسسة على مسئولية القوات المسلحة الكاملة لانقلاب الإنقاذ، فنجده يشير من هنا وحتى نهاية الكتاب على تورط الجبهة تارة – على نحو ما- وتارة أخرى صراحة وذلك بعد طول إنكار ومكابرة وصلت حد اللوم والتعريض بالمعارضة، وهذا عناد مرده في تقديري تمترس من قماشة المكابرة – وتخريج التعبير ينسب للكاتب- حيال فكرة حياد القوات المسلحة التي تقوم عليها المساومة كما أبنا من قبل. وربما هذا – للمفارقة- هو السبب الذي جعل مثل هذا التصريح لا يخل بالسياق العام للكتاب في أي شيء بقدر ما أنه سيقود مبادرته إلى تبنى أيدلوجية الجبهة في كثير مما يظن أنه يمثل حلا لاشكالات البلاد، وبشكل مثير حقا كما في "اسلمة القوات المسلحة"!!.
التلاشي المتدرج للنظام نحو الشرعية هي الفكرة المحورية للمبادرة كنهج مفارق لمطلب المعارضة:
"وقولنا بتلاشي النظام الانقلابي الحالي بعيد عن مطلب المعارضة التي تعمل لتفكيكه وتجريده بصورة متعجلة". (24).
ولأن الكاتب هنا مطالب بتأكيد أن أهل الحكم زاهدون في البقاء ومن ثم تبقى مساومتهم للتلاشي في الشرعية الدستورية مطلب وطني، كان لابد أن يتبنى نهجا انتقائيا ينصب فيه انقلاب الإنقاذ بأنه حالة استثنائية بقرينة أنه (مشروع إنقاذي) وبالتالي لابد أن يكون زاهدا في الحكم!!، مع أن هذه الإنقاذية هي وصف أضفاه منفذي الانقلاب على أنفسهم وليس بالضرورة توصيفا للواقع المعاش. ولذلك نجده يغدق أمانيه وتفاؤلاته بشأنه:
"جاء الانقلاب الحالي للحكم بمشروع إنقاذي. والواقع أنه لا بأس في المشروع الإنقاذي في حد ذاته إذا جمع بين اعتناق أساسي للديمقراطية وممارسة إنقاذية فيها قبول قومي وطوعي لأنواع من الحجر والاستثناءات بالنظر إلى مهددات الحرب والشتات الأهلي وقوى الجشع التي تنخر في قماشة بلادنا بلا هوادة".(26-27).

ورغم أن الكاتب يفرد مساحة لا بأس بها شارحا في منطق متماسك ينم عن معرفة عظيمة لما اسماه بـ"الظاهرة الانقلابية" لا تجد بين ثناياها ما ينم عن أية أمل أو ثقة يمكن أن يوليها إنسان عادي لانقلابي ناهيك عن أن يكون سياسي محترف في حصافة الكاتب:
"ومع حاجتنا للتعرف النظري الأفضل للظاهرة الانقلابية إلا أنه يسهل التقرير أن الانقلاب عنف صريح من قبل أولئك الذين يريدون حل عقد الحكم والقيادة بتبسيطات إجرائية مثل الحزم والضبط والربط واعلاء أيدلوجية "العمل لا الكلام". ففي أعقاب الانقلاب يأتي التطهير كمخالفة لحق العمل، ويأتي الاعتقال التحفظي كمخالفة لحرية الحركة، والقوائم السوداء كمخالفة لحرية السفر، ويأتي تعيين أهل الولاء كمخالفة لمبدأ الفرص المتساوية، وتأتي دعاوى الديمقراطية الجديدة كغطاء لمصادرة حق التعبير والتنظيم والممارسة. ....." (26).
إلا أن الدهشة والعجب سيتملكانك حين تجد أن كل هذه المعرفة بخبايا الانقلابات والانقلابيين لا تثنيه عن الإيمان بهذا الانقلاب الاستثنائي والى الحد الذي يدفعه إلى الأمل في نجاح مساومة منفذيه ودفعهم بـ"برفق" نحو الشرعية التعددية فيما اصطلح عليه بـ "التلاشي" التدريجي للانقلاب!!. والأكثر إثارة من ذلك إنّ الكاتب لم يوفر جهدا لتلويم المعارضة حيال موقفها من الانقلاب كمبدأ :
"ولهذا استعجبت لما رأيت معارضة النظام الحالي لا تكتفي بإدانته كانقلاب لأن أكثر ما يغيظها وتشدد عليه هو أنه انقلاب الجبهة الإسلامية القومية وكأن انقلابا لحزب الأمة أو الاتحادي الديمقراطي أو للشيوعي هو الأفضل أو الأقل ضررا." (26).

هذا في تقديري انعكاس واضح للاضطراب المنهجي والتفكك المنطقي والتمزق الذي بات يعيشه الكاتب حيال فكرة الحياد التي ما فتئت تتهشم أمام ضغط حقائق الواقع التي لم يعد مجديا إنكارها ، كما سوف نرى، ولكن رغم ذلك نجده يتمسك بالمكابرة واللجوء للتكثيف الدرامي فيما يخص خيبات المعارضة واستخدامها كساتر في محاولة للعبور بفكرة المساومة الهشة إلى درب السلامة. ولما كان ذلك النهج لم يستطع أن يصمد أمام حقائق الواقع، سنجد أن الكاتب قد وجد نفسه مضطرا لأن يسلك نهجا تبريريا انتقائيا ليمرر معه حقيقة قيام القوات المسلحة بالانقلاب لصالح الجبهة الإسلامية بالوكالة وهي حقيقة سنجد أن الكاتب يعمل على تمريرها بالتقسيط في مقبل صفحات الكتاب في محاولة لتجنب آثارها الصاعقة على مشروعه. وسيتبدى في الفقرة التالية بوضوح ما أسميته بتقسيط حقيقة انقلاب الجبهة ، وهو هنا محاولة حذرة تكتفي بتمويه حقيقة العلاقة بين الإنقاذ والجبهة وبشكل يعمل على ترجيح موقفه السابق القائم على استقلالية منفذي الانقلاب أي حياديتهم بتعبير آخر يتسق ومشروع الكاتب:
"... وقد استنكرت الجبهة الإسلامية القومية فكرة هذا التحالف لأنه في قولها، أن إدخال النقابات والقوات المسلحة حلبة السياسة يخرج بنا عن أصول اللعبة الليبرالية وتمرق الجبهة الإسلامية من العزلة التي بدأت يضرب عليها بإبعادها أو ابتعادها من حكومة الوحدة الوطنية – آخر حكومات الصادق المهدي العديدة- خرجت بنسختها المحدودة من التحالف مع قسم من القوات المسلحة باسم الإنقاذ الوطني. ولعل أكثر ما أضر بالفكرة الإنقاذية الحالية أنها تلبست في أكثر أحوالها برنامج الجبهة الإسلامية القومية حتى أن أكثر نقاطه تطرفا مما جعل المشروع الإنقاذي امتدادا لسياسة الجبهة الإسلامية القومية بطريقة أخرى"!!!.
كان العباسي في ذلك المشهد الجمالي المهيب يجالد سطوة الحقيقة في سبيل الإبقاء على علاقة عاطفية يبدو أنها كانت تضفي علي حياته معنى بهيا، لذا صادفت كلماته – على مر الأزمان- احتفاءً كبيرا و تعاطفا عظيما، بينما نرى الكاتب الكبير فيما اقتبسناه من فقرات سابقات ولاحقات يمارس إنكارا واضطرابا مفاهيميا يشوش به على حقائق الواقع
ويدفع بتناقضاته إلى أعلى مستوى كما رأينا وسنرى في لاحق السطور في محاولة غريبة قوامها الاستعانة بالوهم لتغيير الواقع. فالذي أدان من قبل اتهامات المعارضة بضلوع القوات المسلحة ممثلة في البشير بتبني انقلاب لصالح الجبهة الإسلامية وأنبّهم لعدم إحسانهم للرجل أو لانقلابه، يعود ليقر بما أنكره سابقا دون أن يرف له طرف، أو حتى ليراجع موقفه من المبادرة المقترحة إن كان لها حظوظ في ضوء هذه الحقائق "الجديدة" إن كانت جديدة؟ ولكنه بدلا عن ذلك نجده مواصلا انخراطه في نهج رغبوي قائم على ثقة مفرطة في تحول النظام إلى تعددية متدرجة وفي سياق أقرب إلى المعجزة الإلهية:
"ويتمنى المرء أن نستصحب في عودتنا المتدرجة إلى التعددية وعيا في أحزاب الكثرة أن تسترد نفسها من منطقة الهامش السياسي...... ستعتمد مبادرة المصالحة الوطنية المأمولة على دعامتين أولهما الوطنية السودانية، وثانيتهما التسامح والموهبة في التنازل."!.(30).

فيما تبقى من صفحات المقال الأول سينحو الكاتب إلى النهج الرومانسي ذلك الذي يطالعك في الكثير مما يعرف بالشعر "الوطني" والذي يدفع الناس إلى التلاحم ونبذ الخلاف .... دون أن يكلف هذا الضرب من الفن نفسه كثيرا بتقصي بنية الأسباب – وهذا مفهوم في سياق علاقة الفنان بالوجود- ولكن ما بال مشتغل عريق في السياسة في قامة كاتبنا لمثل هذا القول:
"وسنحتاج في باب أخر للوطنية إلى حمل أنفسنا وتدريبها على التنازل أو التخلص من العقائد والمواقف السياسية التي لم نكسب لها جمهرة أو آفاقا في الحوار السياسي الممدود سلما وعنفا. فتمسك كل طرف سياسي بحذافير برنامجه السياسي الممدود سلما – مما تعده الأطراف مبدئية واستماتة وثوابت- قد ينحدر في واقع الأمر إلى نوع من الطائفية لا يطأ ساحتها حوار....... ولعله من الصعب هنا حصر ما يستوجب أن تتنازل عنه الأحزاب السياسية كل على حده لأن هذه الموهبة على التنازل تحتاج إلى ذوق وتدريب تتعهده حركة ثقافية ذات سلطة تربوية.". (32-33).
وهاهي الرومانسية تبلغ مداها حين يطالب الكاتب الجبهة الإسلامية أن تفاصل في قوانين سبتمبر للصالح العام:
"تحتاج الجبهة الإسلامية القومية بدورها أن تعترف للآخرين، بعد أن اعترفت لنفسها في مواقع مختلفة، أن قوانين سبتمبر 1983م الشهيرة، هي مجرد اقتراح لقوانين مستمدة من الشريعة وليست الكلمة النهائية لما يمكن أن تكون عليه صورة الشريعة في الدولة السودانية. ولذا صح اعتبار معارضي تلك القوانين من بين المسلمين وغير المسلمين في السودان أناسا ذوي أراء مختلفة ليست بالضرورة ضالة أو ملحدة". (34)
ومبلغ علمنا أنه يعي جيدا أن قوانين سبتمبر – أو الشريعة في أدبيات الجبهة- هي قميص عثمان الذي زايدت به على جمهرة السياسيين وعامة المسلمين في السودان وبدونه لا يمكن أن تتخيل لنفسها وجودا كتنظيم إسلام-سياسي في المقام الأول معني بامتلاك ذروة السيادة العليا – في تعبير لأركون- بوصفه تجسيدا حيا للمشرع الأعلى. وهي المزايدة التي أكسبتها منعة في الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام نميري وهي التي خرجت منه ملطخة السمعة، فما الذي يجعلها تتنازل عن ذلك وهي في أوج سطوتها بامتلاكها السلطة عنوة؟ ثم أليست الشريعة عنصرا من عناصر قماشة الوعي الجلابي الذي يشتهي تحويل هامشيته في الثغر بين العالم العربي وأفريقيا إلى مركز ذي صلف وغرور؟ (49) لا شيء في حقيقة الأمر سوى تلك الأماني التي ينساق ورائها الكاتب في يقين يحسد عليه. وهو يقين سوف يقوده – كما سوف نرى- إلى طرح مبادرته التي لا يشك في نجاعتها لحظة واحدة:
ليست مبادرة الخلاص والمصالحة الوطنيتين بحديث خرافة. والواقع أننا نملك أميز مؤهلات هذه المبادرة وهو ما أسميه (الإنهاك الخلاّق)...". (39).
أما ما هي هذه المؤهلات التي نتميز بها والتي يراهن عليها الكاتب؟ فموعدنا معها في مقاله الثاني والذي كما ذكرنا من قبل أتى بعد 7 سنوات من كتابة هذا المقال.
___________________________________________
هوامش:
* الإرهاق الخلاّق (دار عزة للنشر والتوزيع – الخرطوم، طبعة 2001م).
** د. حسن موسى (أشغال العمالقة – منبر الحوار)
http://sudan-forall.org/forum/viewto...4145cc9d981d01
[/justify]


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ ونواصل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ



التعديل الأخير تم بواسطة اسامة عبدالماجد ; 21-05-2012 الساعة 11:36 PM.
التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 12:21 PM   #[4]
خال فاطنة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خال فاطنة
 
افتراضي

سلام يا أسامة في هذا السفر الشحمان الذي يسلط الضو على إنكسارات الإنتلجنسيا و خيبات المهادنة...

جميل يا أسامة

يجب أن يبقى عالياً

فمثل هذا النظر المتعمق لا يمكن الرد عليه إلا من خلال قراءة ثانية و ربما ثالثة

بجيك بي مهل إن شاء الله



خال فاطنة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 12:55 PM   #[5]
هيثم الشريف
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

العزيز اسامة تحياتى
فى اخر سنوات الجامعة ونحن على مشارق التخرج جاءتنا دعوة فخيمة لحضور تدشين كتاب الارهاق الخلاق ومن ملاحظة الدعوة ايضا فى الصحف ووضوح الاحتفاء الاعلامى مع غرابة مكان التدشين (برلمان الولاية) استعصى علينا الجمع بين المؤلف وموقفه الفكرى والاحتفاء الحكومى بكتابه فرفض بعضنا الذهاب بحجة دا يكون كتاب تطبيل للانقاذ والا مامعنى الاحتفاء الحكومى وبهذا الفهم رفضت الذهاب واوفدنا احدنا لاستجلاء الحقيقة التى فاجاءنا بعد حضوره بطلب غريب تانى ياشباب ما اسمع زول يقول نظام الترابى البشير لانو حسب المؤلف الراجل عمل انقلاب باسم الجيش وانتو ما دايرين تدوه حقوا الادبى تجيبو اسمو بعد الترابى؟
لتمر بعدها الايام وتقطع المفاصلة اقوال المتشككين والمخمومين فى حقيقة الانقلاب ‏
تهكما اطلقنا على الكتاب الارهاق غير الخلاق لمعارض انهكته المعارضة
اسواء ما فى الكتاب توقيت صدوره اذ تزامن مع اصطفاف كل الشعب السودانى خلف خيارات التجمع الوطنى الثلاث لحل ازمة الحكم واعتبر الكتاب حينها مثبط للهمم ومخذل لثورة التغير المنشود
اما محاولة المبدع الخلاق عبدالخالق السر النقدية وان جاءت متأخرة لكن عمق التحليل وتوازن الرؤية التى صيغت بها تعبير صادق وحقيقى عن ان الصمت لايعنى دوما الموافقة والرضا
عزيزى فى تلك العجالة قصدنا تثبيت المرور وفى انتظار تلخيص لساعات الحوار الطويلة والونسة الجميلة مع عبدالخالق السر
محبتى التى تعلم‎ ‎



التعديل الأخير تم بواسطة هيثم الشريف ; 22-05-2012 الساعة 01:02 PM.
هيثم الشريف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 10:48 PM   #[6]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

خال فاطنة
تحياتي ..شكرا للمرور ونأمل ان يكون هنا فائدة لنا جميعا منتظر جيتك بمهلتك أكرر تحياتي لك



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 10:54 PM   #[7]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

هيثم الشريف
سلامات يا صديقي .
ياخي شكرا لمرورك ومساهمتك وانت احد شهود هذا اللقاء في قاهرة المعز ..
تلك الايام سأعود لها بتفصيل نحكي عن المقاهي والمترو وفراشة الكتب والحوارات الطويلة مع دكتور حيدر ابراهيم ودكتور عبد الماجد بوب والاستاذ عبد الخالق السر ولقاءات دار مدبولي ورؤية وأحاديث اخر لك محبتي حتى ذلك الوقت



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 11:00 PM   #[8]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

[justify]
ــــــــــــــــــــــــــ ونواصل ــــــــــــــــــــــــــ


في نقد "الإرهاق الخلاّق" لعبد الله علي إبراهيم (2-3)

في هذا المقال يعود الكاتب بعد 7 سنوات ليواصل طرحه لما أسماه بالمبادرة الوطنية. والملاحظ أن هذه الفترة الزمنية الكبيرة ما بين المقالين بكل ما صحبها من أحداث كبيرة ألقت بظلالها على الواقع السياسي في السودان، إلاّ أنها – كما سوف نرى- لم تؤثر بشكل لافت على آراء ومواقف الكاتب التي بنى عليها من قبل مبادرته "الوطنية"، ولكأنها مجرد أرقام وتواريخ من الأيام والشهور لا تنبني عليها أية متغيرات بالضرورة، وهو القائل في معرض تهكمه على المعارضة:
"ومن مخائل الطائفية الاعتقاد الرصين في دراج الأفكار واعادة إنتاجها بغير اعتبار للمتغيرات". (47).

كما أن مبادرة الخلاص الوطني التي تشكل جوهر فكرة الكتاب ستتراجع حثيثا للوراء- كما سوف نرى- ليحل محلها دعوة لتقبل أطروحات الإنقاذ الأيديولوجية كسياسة أمر واقع. صحيح أننا سوف نجده بات يعطي اعتبار لحقيقة علاقة الإنقاذ بالجبهة الإسلامية، ولكنه اعتبار محايث يستخدم تارة كتبرير للمضي قدما في المبادرة بشروط مغايرة غير مفصح عنها علنا، وتارة أخرى في سياق مختلف يبدو وكأنه مقحم على فكرة المقال ككل، ينخرط فيه الكاتب محللا للواقع جامعا المعارضة والنظام في سلة واحدة لإضفاء المزيد من التعميم والضبابية للحد الذي يضيع معه مغزى الكتاب من أساسه. وهذا مدخل للإرباك عظيم يسيطر على مجمل بنية هذا المقال والذي يعمل فيه الكاتب ما وسعه للقفز على حقيقة ونوع العلاقة التي تربط ما بين النظام والأيدلوجية التي تقف خلفه – بعد أن أصبحت العلاقة نفسها عصية على النكران كم درج على ذلك في مقالته الأولى. وهو قفز وتخليط تدفعه إليه دفعا فرضية "الحياد" التي عول عليها في مبادرته:
"أما الجبهة الإسلامية القومية فقد أنهت السياسة فيها بنفسها. فيكفي القول أنها اختارت في مستوى بعض قياداتها الخروج مع القوات المسلحة في يونيو 1989م. ضد الشرعية والدستور، كانت أول ضحايا الانقلاب هو الجبهة الإسلامية القومية ذاتها....". (47).

فالحديث بعد سبع سنوات من الانقلاب عن خروج "بعض قيادات الجبهة مع القوات المسلحة ضد الشرعية الدستورية" هو بمثابة تغبيش وتخليط للحقائق أكثر من كونه إقرار لحقائق مستجدة – على الأقل بالنسبة للكاتب- ولكنها معلومة باتت متاحة للكل لم تبخل حتى الجبهة نفسها بتأكيدها للداخل والخارج، خطابيا أو على مستوى التطبيق الأيديولوجي للسياسة. وهو على كل حال إصرار غريب لا يرهق الكاتب نفسه في عقلنته لقارئ سطور هذا الكتاب بقدر تماديه وإسرافه في تأكيد على أنه آخر من يعلم طبيعة هذه العلاقة:
فقد وصف السيد بونا ملوال، الزعيم الجنوبي المعارض، الجبهة الإسلامية القومية ، التي يذاع أنها الحزب الحاكم السري...". (48).

وكنا قد أشرنا في أكثر من مرة كيف أن الكاتب لا يحترم عقل القارئ حين يراوح به من نفي لعلاقة الجبهة بالانقلابيين أو تأكيد لعلاقتهم من طرف خفي أو صراحة في بعض الأحيان، خصوصا فيما تبقى من هذا المقال، وهي مراوحة سببها افتراض موهوم لم يكلف الكاتب نفسه بتحري صدقيته أو مطابقته لحقائق الواقع، والأكثر دهشة أن يستمر هذا الافتراض كل هذه الأعوام ليغرقنا في لجة التعمية والاستعاضة بالإمعان في تعرية أوجه قصور المعارضة: عقائدية وطائفية -على حد تعبيره- من باب الشوف بعين واحدة. وجريا على عادة القفز بين المواضيع دون اعتبار للسياق أو ترتيب للنسق، يباغتنا هذه المرة بتعرضه لواحدة من اعقد تجليات وجود الجبهة كأيدلوجية حاكمة وتقاطعاتها الحادة مع مأزق الهوية السودانية المستفحل:
".. فقد وصف السيد بونا ملوال، الزعيم الجنوبي المعارض، الجبهة الإسلامية القومية ........ بأنها قد حملت الأجندة العربية والإسلامية الجلابية (المجربة الفاشلة) للحكم إلى نهايتها الدموية". (48).

ويضيف الكاتب في صراحة لا لبس فيها:
"وقد صدق بونا القول في أن حكم البشير الحالي سيتيح للجلابة أكثر من غيرهم أن يروا أنفسهم في المرايا القديمة المشروخة ذاتها. وهذا تعليق مناسب على خلو وفاض الحكم الحالي ...". (48).

وهو كما نرى هنا اعتراف صريح لا يحكمه سياق أو يمهد له باعتذار أو تبرير أو حتى يذهب به إلى نهاياته المنطقية، بقدر ما أنه ينخرط فيه بحكم الحقيقة المسلمة ، وهو الذي ما فتئ يرفضها بإصرار. ولكن هذا ليس ما يعنينا في هذه اللحظة بقدر ما أننا معنيون تماما إلى أين يقودنا تحليل الكاتب فيما يخص إشكال الهوية الملتهب؟ وماهي الوجهة التي يركبها منطقه، وان كان من خلاله يمكن إيجاد مخرج صدق للمبادرة الوطنية ؟
يكشف الكاتب دون مواربة عن خطورة هذا النهج الأيديولوجي وقدرته على التعبئة والتجييش ومن ثم التصادم المحتوم بين الثقافات والاثنيات لأنه على حد تعبيره:
"... هو أكفأ الأجهزة الجلابية في تعبئة وتعليب المشاعر الدينية والعرقية بين الجلابة. فالحكم مصنوع من قماشة الوعي الجمعي الجلابي الذي يشتهي تحويل هامشيته في الثغر بين العالم العربي وأفريقيا إلى مركز ذي صلف وغرور". (49).

وكان الكاتب قد وطن نفسه منذ بداية المقال على تسمية السودانيين الشماليين بـ"الجلابة":
"ورأيت أن استعين بهذه الأمثلة الإنجليزية لكي أراجع السودانيين الشماليين (الجلابة كما سوف تجري تسميتهم طوال هذا المقال..... واصطلح الجنوبيون على إطلاق هذا الاسم على الشماليين قاطبة..) ". (43).
وهو اصطلاح – كما سوف نرى- يعين الكاتب على سهولة الفرز الثقافي والديني والذي بموجبه سيوجه مشروع مبادرته وجه أخرى تعمل حثيثا للاندماج مع أيدلوجية النظام الحاكم وتستبطن تحريضا واصطفافا لمعشر الجلابة لنصرة هذا النظام ومساومته وفق شروطه– والذي للمفارقة وصف بأنه خالي الوفاض- من منطق أنه لا خيار لهم في ظل واقع الاستقطاب الحاد الذي يلف مشهدهم الوجودي بإطلاق لأن أهل النظام في النهاية هم "إخواننا بغوا علينا" مستشهدا بعبارة وردت في:
".... كلمة نشرها السيد وليد مادبو يستنكر على السيد الصادق وضع يده على يد العقيد قرنق لحرب حكومة البشير الإسلامية. وسريعا ما واتاه التراث الإسلامي حين قال أنه مهما وقع لنا من حكم البشير فإنهم "إخواننا بغوا علينا". (51).

هذا السيناريو المشحون بالدراما والتوترات والتي ليس بالإمكان تفاديها لابد أن يقود إلى اكراهات التمترس خلف أطروحات النظام – مكره أخاك لا بطل- طالما أن النظام خاطر بالاسلام والعروبة:
"... وهما شارات هوية عزيزة على الجلابي، قد ورطت أيا منا من الجلابة، مهما كان رأيه في الجبهة الإسلامية أو حكم البشير في هذه المغامرة أما بتمنى النجاح أو التوقي لحساب الفشل والخيبة وما سيجره فشل المشروع على الجماعة الجلابية في السودان". (50).

فالجلابة ، كما يرى الكاتب، "نادي" مهما تباينت مواقف أفراده الفكرية والوجودية والأيدلوجية طالما أنهم مصنوعين من قماشة الوعي الجلابي الذي يشتهي تحويل هامشيته إلى مركز، ولتأكيد هذه الفكرة يحيلنا إلى مسرح التاريخ الذي جسد هذه الاشتهاءات واقعا:
"خروج المهدي بدعوته يريد أن يفتح المدينة الرومية الكبرى بالتكبير.
وهتاف الشيوعيون في الخرطوم "لا قومية بل أممية .. سائرين في طريق لينين".
وعقد الترابي أمميته القومية الإسلامية العربية قصيرة العمر في الخرطوم". (49).

هذا علاوة على أن ضيق مثقفي هذا النادي الجلابي :
".... بخصوبة الخيار، وجدل طيف الألوان مما شهدت به دوائر الخريجين في الانتخابات السودانية...". (49).
حتما جاعلهم في خصومة مستدامة لا ينفع معها التهوين أو التخبي. وطالما أن هذا هو شأن الجلابي في علاقته بالآخر – أي الجنوبي- فما فعله النظام الحالي ما هو "إلا انهم جعلهم يقفون على منتهى فكرتهم وهويتهم".!! (51) ، ومن ثم فإن:
"... [و] ادعاء البعض انهم الفرقة الناجية من الورطة هو أسهل الطرق للفرار من تبعة أن نرى أنفسنا بأنفسنا في مرآة محنتنا الوجودية التراثية في السودان". (51)

هذا الكلام يبدو للوهلة الأولى - وفي تجريده- هو واحدة من محاولات الكاتب المجيدة – بحق- في مقالات سابقة لردع خيلاء ود العرب وشوفنيته الضارة (الماركسية ومسألة اللغة في السودان). ولكن السياق هنا – كما سوف نتتبع- لا يشيء بذلك، بقدر ما أنه حشد في مقابل حشد مضاد طالما أن النظام الحاكم قد ورط النادي الجلابي في استقطاب لا يجدي معه التهرب. ولكي يكتمل مشهد التسليم والخضوع طوعا أو كرها للمشروع الإنقاذي، كان لابد أن يستمر الكاتب في التكثيف الدرامي على طريقة التضاد Contrast عارضا الوجه السالب لـ"الآخر" -والذي يعرف هنا بالجنوبي - الذي لا يرى في الجلابي إلاّ جلابي مرة والى الأبد:
"فبينما تقرا لجلابة من كل شاكلة ولون تفسيرات متفاوتة الخط في الإقناع لانقلاب عبود 1958م (تفسيرات طبقية، طائفية، حرب باردة، استعمار جديد الخ) لن تجد من بينها تحليلا واحدا يتهم الجلابة، هكذا، بتدبير الانقلاب لإغراق مطالب البرلمانيين الجنوبيين بالحكم الفيدرالي لاقليمهم. وقد كانت مؤامرة الجلابة هذه مما ورد في تحليل الجنوبيين لانقلاب عبود. فالجلابة بلا استثناء حقيقة من حقائق القوى التي تحتل حيزا مقدما في النظر الجنوبي السياسي .......... صب العقيد قرنق جام ماءه البارد على تلك الأفراح (انتفاضة أبريل 1985) قائلا ان الذي جرى هو مجرد تغيير سطحي .....من مايو ون الى مايو تو". (52).

وفي ظل هذا المشهد الحزين لواقع الاستقطاب الحاد الذي رسمه الكاتب بعناية أصبحت خيارات تعامل الجلابي مع مسائل الآخر الجنوبي في غاية الشح والعنت:
" ولما كان الطريق إلي السداد السياسي الجلابي حيال الجنوبي محفوفا بالاستحالة لم يعد أمام ساسة الشمال إلا إحدى طريقتين للتعامل مع مسائل "الآخر" الجنوبي. أما الطريقة الأولى فهي الانتهازية التقليدية التي تحول الشأن الجنوبي الى مفردة من مفردات لعبة كراسي الحكم بين أعضاء النادي السياسي الجلابي الحاكم. أما الطريقة الثانية فهي عقدة الذنب الليبرالية/ اليسارية التي تحول المصاب بها إلى طاقة سلبية ،متسخطة، قليل النفع "للآخر" موضوع شفقته وقليل الخير لنفسه وأهله. ولهذه الطريقة مداخلها الانتهازية الخاصة كما سنرى". (55).

كل ذلك من شأنه أن لا يجعل الجلابي -أي جلابي- أن يطمع في مأمن السداد السياسي حيال مسألة الجنوب والقوميات التي لفت لفه، لأن الجلابي من وجهة نظر "الآخر" الجنوبي:
"... متورط في جلابيته لأن عنصريته العربية الإسلامية هي مسلمة رئيسية في تحليل الجنوبي ... لوقائع السياسة في السودان. (51).
[/justify]



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 11:02 PM   #[9]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

[justify]هل أبدو متعسفا حيال تصوير الكاتب لواقع الاستقطاب السياسي الحاد كما هو مجسد على أرض الواقع؟ ربما. ولكن ما الحيلة إن كان السياق يجرنا جرا في هذا الاتجاه. فالكاتب الذي حاول تنبيهنا للمأزق الأيديولوجي للنظام الحاكم وتقاطعاته الحادة مع الهوية ، لم يبدي أي موقف واضح اتجاه هذا المأزق – حتى نحسن الظن - بقدر ما أنه انخرط طوعا في الترويج لرؤية النظام – كسياسة أمر واقع جلابي- في بادي الأمر ثم الحماس في تبيين مزاياها كما سوف يرد. هذا دون أن يفطن إلى أنه فقد البوصلة تماما اتجاه مبادرته العليلة أصلا – والتي سيطول انتظارنا جدا لما ستفصح عنه- مفضلا على ذلك لعبة المباغتات والإرباك إمعانا في تشتيت القارئ حتى يجعل من الصعب الإمساك بأفكاره وسياق تسلسلها ووجهه منطقها. ثم أن الإشارات التي يرسلها والتي يمكن الإمساك بها وتحليلها في سياق استسهابه لإشكال الجلابي والآخر الجنوبي تعزز من هذه الفرضية خصوصا وأنه في نهاية المطاف يبدو خالي الوفاض من أي حل موضوعي ينصبه ممثلا للسواد الأعظم الذي من المؤكد أنه لا يشاركه هذا الحل وان شاركه بعض التشاؤم بشأن واقع الحال الماثل ومن ثم فإنه يرفض هذه الصورة القاتمة والحادة لسيناريو الاستقطابات المرسومة بعناية من قبل الكاتب. وتكتمل المفارقة الساخرة حين يعمل الكاتب على تقريع الليبراليين بكشفه زيف حجتهم حيال توقهم لبناء سودان علماني:
"..إن حجتهم الساطعة لبناء سودان علماني ليست هي توقهم أنفسهم (في حال عروبتهم واسلامهم خاليين من الموانع الشرعية) إلى التمتع بالعلمانية كنظام عصري، أنيق، عادل صالح. فهم يشددون على العلمانية لا كنظام سعيد مقنع في حد ذاته بل لأن الدولة الدينية ستجحف بأهل الملل والنحل الإسلامية في الجنوب..... وقد ساقت هذه الخطة اليساريين والليبراليين الجلابة إلى ضلال كثير فقد نفوا أن يكون إسلامهم أو عروبتهم هي العروبة أو الإسلام المعروفان بالألف واللام، بل روجوا لأن افريقيتهم قد روضت أو لطفت أو مسخت هذا الإسلام والعروبة. وهذا زعم عنصري في حد ذاته غير خليق بالليبراليين لأنه ينطوي على أبغض النظرات حيال الأفريقيين الذين ما اعتقدوا في شيء من إسلام أو مسيحية حتى قيل أن هذه الأديان لم تعد اعتناق الأفريقيين لها كما جاءت من أصولها الأوربية أو الشرق أوسطية، بل تهجنت وباخت وانمسخت". (58-59).

ليأتي هو بنفسه ليتبنى ذات "الضلال الكبير" حين يعمل على التشكيك في إسلامية سلوك أفراد القوات المسلحة العاملة بالجنوب مستشهدا بكتاب "الإنقاذي" البارز العميد الطيب إبراهيم محمد خير، كما سيرد لاحقا.

موات الوطن أم فتوى الأسلمة:
وسط كل هذا الخضم الاستقطابي الحاد للواقع السياسي السوداني يصور لنا الكاتب القوات المسلحة ككائن أسطوري يعمل خارج سياق الواقع السياسي-الاجتماعي الذي تنتمي إليه:
"... فقد ظلت كالسيف وحدها، وخلال أربع عقود تقريبا، تعمل تحت أمر أزلي لضبط الجنوب في إطار الوطن..". (60).

ومع أنه سيد العارفين بأن القوات المسلحة منذ سودان ما بعد الاستقلال ظلت بؤرة الاستقطاب السياسي بين أطراف النادي الجلابي المتنازعة على كعكة السلطة وانعكاس فاضح لتوترات واستقطابات هذا الصراع العدمي المنهك، للحد الذي وصل بها في عهد الدولة الدينية الراهن أن تصبح قوى جهادية خالصة ثقافة ووجهة تعمل ما وسعها لتثبيت أركان المشروع الأيديولوجي لدولة الجبهة الدينية حتى ولو كان الثمن الوطن نفسه رغم حرص الكاتب على النفي المتكرر وتلويم من تحدثه نفسه ، مع أن ذلك واقعا معاشا وحده الكاتب الذي لا يرغب في رؤيته:
"... وليكن في هذا الاستسهال في القول والفعل عظة للجلابة ليعتبروا أفكارا شتى يذيعونها الآن حول القوات المسلحة. فقد فرغ أكثرنا من تصنيفها كمليشيا مسلحة للترابي وصحبه ...". (64).

فما مرد ذلك إلاّ لأنه لا يصب في مصلحة مساومة هذه المؤسسة والتي وان عزّ أن تكون محايدة كما رهص في مقاله الأول، فلا باس أن يكون نزوعها نحو الأدلجة أو "الاسلمة" – على نحو أصح- له من المنطق والوجاهة ما يجب أن يكون مسئولية تبريره ما يقع على عبئه كدين مستحق:
"ظل الأمر بالحرب قائما والوطن نفسه كفكرة وكيان يخبو ويتبلد. فلا أحد من ذوي الأمانة يرهن إشباع حاجياته المادية والروحية به. وصوت الناس بأقدامهم المهاجرة يأسا في جدوى الوطن. وأهم من ذلك كله فقد جعل موات الوطن المؤسسة العسكرية في حرج إزاء مهمتها الأولى: الاستشهاد. فكيف يستشهد المرء لفكرة كاسدة ووطن مشوب. وسنتعرض لذلك في حينه حين نناقش أسلمة القوات المسلحة". (61).

سيغفل الكاتب ، أيضا، في هذا التصوير التراجيدي لمصير الوطن أن يشير إلى أن "ديننة" الدولة على يد النميري بإيعاز من الجبهة الإسلامية كانت عاملا جوهريا من عدة عوامل أسهمت في إشعال فتيل الحرب مجددا ومن ثم موات الدولة المتباكَى عليه والذي لا حل له سوى باسلمة هذه المؤسسة في حادثة "إصحاح سياسي" Political correctness عزّ نظيرها كما سوف نرى.

الجهاد: هل هو دسيسة ترابية أم واقع مؤسسي؟ (65)
تحت هذا العنوان يبدأ الكاتب مهمة "الإصحاح السياسي" لكي يكسب مشروع أدلجة القوات المسلحة الذي كان يجري وقتها على قدم وساق مشروعية ومبرر مستفيدا من صورة موات الوطن التراجيدية التي كان قد رسمها، وهي على كل حال صورة بلاغية مستمدة من الخطابات الحماسية "الجلابية" للبشير في أيام الإنقاذ الأولى عاكسا فيها الحالة السيئة للقوات المسلحة وأنه لولا انقلابهم هذا لكان قرنق على مشارف الخرطوم!!.

يبدأ الكاتب هنا – وكالعادة- بما كان قد نفاه سابقا واستنكره على المعارضة:
"يحمل المعارضون على الجبهة الإسلامية طبعها حرب الجنوب بطابع "الجهاد" وشحن أداء ورموز الجيش المفروض فيه القومية ، بمفردة ثقافية واحدة وحيدة دون غيرها من زخم المفردات المتنوعة الأخرى في الوطن. غير منكور أن الجبهة الإسلامية القومية سعت سعيا حثيثا للتأثير على القوات المسلحة............ وليست الجبهة بنشاز في ذلك". (65-66).
ولا يندرج مفهوم الأدلجة هنا في خانة المباح لأن الجبهة ليست بـ"نشاز" في ذلك – وكأن فعل الآخرين يكسب انقلابها وجاهة- بل يستطيل ليأخذ صيغة الواجب الوطني النبيل:
"ولكن الأهم من ذلك في التحليل الثقافي للجهاد في القوات المسلحة أن نتأمل المحنة التي لمحت إليها آنفا: وهي كساد الوطن بينما المطلوب من القوات المسلحة أن تحمي بيضته". (66).

أما الأعجب من ذلك في ملابسات هذه التبجيلية أو التظاهرة التسويقية فهو ما يرد في هذه الأسطر:
"على سلامة القول بأن الجبهة الإسلامية قد طبعت القوات المسلحة بطابع الجهاد، إلا أنه من المفيد أيضا تأمل قابلية هذه القوات للأسلمة في ملابسات الأمر الأزلي (قريب من العبث) لها بالحرب للذود عن بيضة وطن مبني على المجهول....". (68).

هذا عين الكلام المجاني. فكيف يستقيم منطقا أن تكون القوات المسلحة لها قابلية للاسلمة؟ ولماذا الأسلمة تحديدا في مؤسسة تنتمي لوطن متعدد الأديان؟ هل للأمر علاقة بذهنية الجلابي الذي يسعى الكاتب لتقريعه في مناسبات أخر بينما هو يملأ على الكاتب أقطار نفسه وينصبه وقت "الحارة" وصي وقيّم على هذا الكيان المسمى السودان؟ لن نعدم إجابة على هذه الأسئلة لأن الكاتب فيما تبقى من مشهد "الإصحاح السياسي" لأدلجة القوات المسلحة سينزل إلى الساحة متحزم ومتلزم في لبوس الجلابي دونما مواربة.

القوات المسلحة النهج الإسلامي، لماذا؟ (68)
في هذه الفقرة يبلغ الكاتب بـ"الإصحاح السياسي" Political Correctness منتهاه، ويمارس "شقلباظ" لغوي ومفاهيمي حتى تستسيغ فكرة تقزيم مؤسسة يفترض أن تكون محايدة كالقوات المسلحة لكي تعمل كجناح عسكري أيديولوجي يعمل بآمرة النظام الحاكم. ولا يهم الكاتب هنا عن أي إسلام يتحدث فهو يغفل حقيقة بدهية وهي أنه لا يوجد وجه واحد لاسلام متفق عليه بقدر ما أنه توجد أيدلوجيات دينية تمثل تيارات ورؤى متباينة ومتصادمة فيما بينها في أغلب الأحوال، وكلها تتفق أنها في أحسن أشكالها لا يمكن أن ترقى لطموحات مجتمع مدني يستمد من التعددية السياسية عافيته واستقراره . هذا فضلا عن أنه لا يوجد مبرر – على الإطلاق- أخلاقي أو سياسي في أن تتبنى مؤسسة وطنية كالقوات المسلحة عقيدة دينية في بلد متباين العقائد. والغريب أن الكاتب كان قد استهجن في فقرة سابقة عداء الليبراليين اليساريين لحق تقرير المصير ووصفه بالتطفل العجيب على المسألة الجنوبية وذلك حين :
" استولوا على حق وصف من هو الجنوبي الذي على الخطة الجنوبية الصواب ومن هو المنحرف، والخائن وبائع ذمته للشماليين بحفنة دولارات..". (59).
ليفاجئنا هو نفسه بتطفل عجيب في شأن من أدق شئون المؤسسة العسكرية يعطي نفسه الحق لتقرير أمره.!! مع أن دوره كمساوم من المفترض أن يحتم عليه بأن لا ينزلق إلى مثل هذه المسالك الوعرة في دروب الأدلجة العقيمة للمرافق الوطنية. إن عقيدة القوات المسلحة تكمن في إيمانها بالوطن، وان فقدت إيمانها بالوطن لا ينتظر من الأيدلوجيات الدينية الضيقة الأفق أن تستعيضه إياها. ولكن الكاتب الذي زهد في مساومة نظام "محايد" لم يعد موجودا بات عازما الأمر على الخوض بنا في دروب تبني سياسة الأمر الواقع لنظام "ابتزنا" – كما يزعم- في أعز ما نملك كجلابة: العروبة والإسلام، ومن ثم لم يعد أمامه سوى تسويق هذه "البيعة".

المتسبب يصدق الطيب "سيخة":
هذا مثل من عندياتنا – حق التعبير محفوظ لحسن موسى- وهو يصلح تماما في سياق مقاربتنا لرأي الكاتب فيما يخص اسلمة القوات المسلحة والذي يستند فيه بالكامل على كتاب خاصة العميد طبيب الطيب إبراهيم محمد خير:
"إننا نحتاج إلى فتح فكري مناسب بشأن أسلمة القوات المسلحة. ويؤسفني أن تكون آلتي إلى هذا كتاب "الطريق إلى بور" للعميد الطيب إبراهيم محمد خير، وزير الإعلام في نظام البشير. فالرجل مختلف عليه جدا كما لا يخفى. وأحسبه ربما ندم أنه استخدم "السيخ" في الاعتداء على معارضيه خلال دراسته الجامعية، حتى سمي بـ"الطيب سيخة" بينما الرجل يملك هذا البيان الطيب. فلو قرأت الكتاب بغير اشتباه، كمرجع نادر، عن باطن حرب الجنوب انصرف أكثره إلي الرواية لا التحليل، لبدأ لك إن الإسلام ربما كان افضل ما حدث للقوات المسلحة في ملابسات القرار الأزلي العبثي لها بحرب الجنوب..." (69).

كل هذه الاعتذارية واللجلجة على هذه الانتقائية العجيبة لم تسني الرجل عن تبرير أمر في غاية الخطورة يتعلق بواحدة من أهم المؤسسات السيادية بحجة "موات الوطن أو كساده كفكرة ملهمة" ومن ثم بيع مؤسساته في مزادات الإصحاح السياسي لصالح جهابذة الدولة الدينية. أما الفتح المبين في كتاب العميد والذي "اقنع" الكاتب بأفضلية أسلمة المؤسسة العسكرية هو:
"... تلمس – أي العميد- أنه في غيبة الفكرة العسكرية الوطنية الملهمة وبؤس رباط الخيل، تحول الضباط والجنود إلي عقائد في السحر السفلي مثل ارتداء الحجاب الواقي من الرصاص، والاستئناس بالتلفزيون البشري الذي يجلب المعلومات كفاحا عن العدو، والكجور (اسم للإمام في عقائد جبال النوبة السودانية) الذي يفسد المطر لا يصب في مسار الحملة.....". (69).

هذه الانتقائية تذكرك بأمر بعض الجماعات السلفية التي تبني رؤاها على أوهى الأحاديث أو حتى المنحولة منها لتثبيت رؤية مسبقة وتنسخ بها أحكام النص المقدس – وكل هذا مفهوم في سياق البنية الذهنية والمفاهيمية التي تحرك هذه الجماعات- ولكن ما بال الباحث الكبير والسادن العريق في دروب المعارف الوضعية؟ هذا – في تقديري- هو حال من لم يعد يأبه بقارئه أو احترام عقله. فعشرات الكتب ومئات المقالات دبجت من مختصين وباحثين في الشئون العسكرية منهم من ينتمون إلي هذه المؤسسة فندوا على مدى أزمان إشكاليات حرب الجنوب والمشكلات المعنوية والمادية للقوات المسلحة ولم نجد واحدا من بينهم يرى الحل في تدينها أو أدلجتها سوى هذا العميد الاسلاموي الأمين لأيدلوجيته. وهو في هذا متسق تماما مع محددات وعيه ورؤيته ومفهومه لما يجب أن يكون عليه الوطن وبالتالي مؤسساته.
إن الممارسات العقائدية المتفشية داخل القوات المسلحة كواحدة من حقائق الوجود الاثني الديني لمجتمعات السودان لا تخفى على أنثروبولوجي حصيف في مقام الكاتب لولا الانتقائية والغرض الذين يدفعان به لوجه يرومها. أن الذين يعتقدون في هذه الممارسات من كل ألوان الطيف الديني داخل المؤسسة العسكرية لا يتملكهم شك في نجاعتها ولا يفصلونها من أديانهم، وان كان هذا لا يروق للعميد الاسلاموي فلأن هذه الممارسات لا تتسق وأيدلوجيته ، وهذا مفهوم من رجل يمثل واحدا من أكثر الذهنيات دوغمائية – باعتراف الكاتب نفسه- بلغت به الممارسة على أرض الواقع أقصى تخوم التعصب، فبداهة ما يعكسه من احتقار لهذه الممارسات هو انعكاس وإسقاط عمودي لمبادئه وقيمه الأيدلوجية التي يرى أنها العقيدة المثالية للقوات المسلحة. وليس في هذا جديد، إنما الجديد – وبالطبع غير المفيد- أن يرى فيها الكاتب مسوغا لترويج فكرة بائسة بكل المعايير اسمها أسلمة القوات المسلحة. وحتى لو أخذنا منطق الكاتب نفسه المستمد من مرجعية العميد الاسلاموي سنجد أن مآل فكرة الأسلمة على أرض الواقع انتهى بها المقام إلي "الشعوذة" و"السحر" و"الدجل" وليس ذلك بخاف على أحد إلا الكاتب الذي يبدو أنه مهموما بتثبيت ما كان قد نعاه على الآخر الجنوبي بموقفه من "مطلق الجلابي" بأنه جلابي مرة والى الأبد. وها هو ينكص على عقبيه ليؤكد لنا وللآخر "الجنوبي" بأن الجلابي جلابي مع سبق الإصرار:
"...وكمسلم، فإنني اعتقد أن جيشا محصنا بالإسلام لهو أفضل عندي من جيش يتعاطى السحر ويركن إليه، فإذا كان البديل لجيش محاصر مجهول هو السحر فاسلامه أوقع وأشفى".(70).

قلت اكثر من مرة أن الكاتب لا يذهب برؤاه إلى نهايتها المنطقية لذلك لا نجده يتوقف كثيرا أو قليلا عند ظاهرة "السحر" والشعوذة" التي آل إليها (الإسلام) في ظل أدلجة القوات المسلحة: فالسحب التي تتدلى لمستوى منخفض لتظلل "المجاهدين" والنحل الذي يقوم بمهمة الجاسوس منذرا بهجوم وشيك، والقرود التي تتقدم الصفوف لتقوم بمهمة تفجير الألغام، ورائحة المسك التي تعطر أجواء القتال حين مقتل أحد المجاهدين، أو ذلك النبع الذي يتفجر من ثقب الرصاصة في جسد الشهيد بدلا عن الدم!!...الخ من الحكايات الراسخة والمتداولة رسميا عبر برامج ساحات الفداء أو الدفاع الشعبي كلها لا تفت من عضد ميزة الأسلمة عند الكاتب لأن الأفضلية هنا مفهوم جلابي يرتقي ويثمن من الدين الإسلامي بين بقية الأديان لأنه شارة هوية عزيزة عليه كما تفضل الكاتب لا فض فوه. إذن ماذا تبقى بعد ذلك من المصالحة أو المبادرة الوطنية؟؟ أو بالأحرى أين هي في زحمة هذا الاستقطاب الذي يخوض فيه الكاتب حتى الركب؟ وحق التعبير محفوظ للكاتب.
[/justify]



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 11:05 PM   #[10]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

[justify]مالآت المبادرة الوطنية: أوب ولع .. أوب طفئ:

(أوب ولع .. أوب طفئ) من المسرحيات الأخيرة للكاتب، لم اسعد بمشاهدتها إبان وجودي بالسودان في منتصف 2006م، ولكن كثيرا ما شدني عنوانها لما يحمله من ذكريات لصيقة بمرحلة الصبا لنا معشر الإقليميين الذين كان يشكل شح التيار الكهربائي الدائم وتأرجحاته التي تنعكس على أمزجتنا ملمحا بارزا لواقعنا الحياتي الموسوم بالمفاجآت غير السعيدة. والعنوان كما افهمه من دلالاته يرمز إلى خيبة الأمل المخيمة على المشهد الحياتي السوداني مجسدا في واقعه السياسي الذي سرعان ما تموت فيه أي بارقة أمل لتحل محلها الخيبة والإحباط. هذا عين ما نلمسه حين نجيل النظر بحثا عن المبادرة الوطنية التي جند لها الكاتب نفسه والتي لم ينبنا منها في نهاية الكتاب سوى هذا العنوان الشاعري الفخيم ( الإرهاق الخلاّق) ومقدمة واعدة يحسن من خلالها الكاتب وصف واقع الحال الذي أفضى إلى عصر انتهاء السياسة. وهذا عين الأمل الخادع الذي يرسله انبثاق النور فجأة (أمك ولع)، ليلفنا ظلام شامل (أمك طفئ) منذ السطر الأول للمقال الذي حاول من خلاله اختراع حيادية النظام العسكري الحاكم لتنوبنا بذلك مساومة موهومة لا تقف على أرجل بقدر ما أنها تقف معلقة في سماء الأماني. لا يحكها منطق أو موضوعية، يسكننا ظلام تهاويمها وقلبها لحقائق الواقع بشكل مريع لتعود إلينا بعد 7 سنوات في خطاب آخر أكثر شحوبا والتفافية وفي شكل أكثر غموضا والتباسا يقبل كل التفسيرات السالبة. خطاب لا علاقة له بالوسطية أو هموم سواد الناس كما ظن الكاتب. والطريف في الأمر هو أن الكاتب في خضم حمى الاستقطاب الأيديولوجي التي خاضها باسم الجبهة نسى و زهد تماما في مبادرته، واصبح في شاغل عنها بتنويرنا ونصحنا كـ"جلابة" بما يجب علينا عمله في توقي شرور أنفسنا.!! والحقيقة يعجب المرء من هذا التناقض الذي يلف أطروحة الكاتب: فكيف لنا كجلابة أن نتوقى شرور أنفسنا في حين أن كل ما قام برسمه من تصورات لا تعمل إلا على تنشيط وتكريس هذه الشرور الجلابية بموالاتها لاسواء نسخة يمكن أن تنتجها قماشة الوعي الجلابي؟. وفي الختام كإجراء روتيني تقتضيه تقاليد التأليف عاد ليتذكر المبادرة ليختم بها كتابه. لتكون ما اصطلح عليه بـ"لمة البوش" ليتدارك من خلالها الجلابة محنتهم الوجودية:
".. فلربما اهتدوا إلى خطة لصون البلد من الشتات، وأحسنوا إلى مساكنيهم في الوطن، وحقنت الدماء....". (73).

أما اصل وفصل "لمة البوش" هذي فهي "الجودية" على نسق ما كان يقوم به الشنقيطي:
"وكل بوش جلابي يسبقه "شنقيطي" والإشارة إلى المرحوم محمد صالح الشنقيطي، القاضي والسياسي البارز على أوائل عهد الحكم الوطني الذي صار رمزا لمؤسسة "الأجاويد"...". (74-75).

هكذا نقنع مما أسماه الكاتب "نحو استراتيجية شاملة للوفاق الوطني في السودان..) (9). بـ"جودية" لا يعرف أحد -حتى الكاتب نفسه- كيف تكون وما هي تفاصيلها، لذلك لا غرابة أن يمطرنا بلغة أشبه بخطبة جمعة كلاسيكية تنتهي عادة بدعوات وأمنيات طيبة:
"وأعلم أن كثيرين من أمثالي رغبوا وسعوا ، وما زالوا، في اعمار هذا البوش، فالله نسأل السداد بأن ينشق هذا البوش عن أرض السياسة اليباب ويكون في مقام الأفراح الجلابية المباغتة، النشطة، الرصينة التي برع في معمارها وألقها الروائي المرموق الطيب صالح، تلك الأفراح التي يزين بها ليالي القي والخلاء في رواياته، والتي يفد إلى سواحلها الرجال والنساء كل بما من عليه الوهاب من فضائل الإيثار والجمال....". (76).

وفي "قفلة" درامية تليق بمسرحي كبير في مقام الكاتب يرشح أخاه كشنقيطي لهذا الزمان ليريح الكاتب والقراء من عناء البحث عن مبادرة لم تكن في أي لحظة من لحظات الكتاب موجودة:
"ولترتيب هذا البوش رأيت أن أرشح شنقيطيا هو أخي وصديقي الأستاذ زين العابدين علي إبراهيم. ولا أرشحه لأنه أفضلنا كلنا وانما أفعل ذلك لأن "بوشي" خلا من التفاصيل ومعرفتي القديمة الجديدة بالزين إنه ماهر في مثل ملأ الإطار العام بالمفردات البليغة.....". (76).

تلكم هي حكاية "الإرهاق الخلاّق"، فهل ما جاء فيه يمت للخَلق بأي صلة، أم أنه إرهاق الإرهاق – كما أعتقد؟
هذا ما سوف أتناوله في المقالة الأخيرة مركزا على مفهوم المصانعة أو ضد البطل على حد تعبير حسن موسى واشكالات تبنيه من قبل المثقف في ظل واقع لا يحتاج لأكثر من "خائن" Anti hero .!

عبد الخالق السر

_________________________________________
هوامش:
* الإرهاق الخلاّق (دار عزة للنشر والتوزيع – الخرطوم، طبعة 2001م).
[/justify]



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-05-2012, 11:09 PM   #[11]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

في نقد "الإرهاق الخلاّق" لعبد الله علي إبراهيم (3/3)
المثقف و "الحكيم" الصيني

كنت قد أشرت في المقال الأول لتحليل الدكتور حسن موسى لموقف المصانع في أدب عبد الله السياسي، والذي أرجعه إلى أن:
"عبد الله الذي لا ينشد الراحة زاهد في منصب "أشجع أبطال المسرح السياسي"، و لو شئت الدقة لقلت بأنه الأشجع بين ذلك النفر الذي يعرّف في التقليد المسرحي بعبارة "ضد البطل"( "آنتي هيرو") Anti hero.... من منظور "نقد الذهن المعارض" ضد الصورة الأيقونية البسيطة للبطل الوطني التي لا تستغني عن صورة "الخائن الوطني" واختصار التاريخ لمجرد "إذاعة ذكر الأبطال وتحقير الخونة" هو عند عبد الله زوغان عن "الشوف الشامل" في الظاهرة التاريخية.."
من خلال تتبعنا لمقالتي الكاتب اللتين بنى عليهما كتاب "الإرهاق الخلاّق" وجدنا أن مساومته ، كما في قول مستلف من حسين مروة: "تستبطن رؤية دون الرؤيا ووجهة للإبحار مع الأحلام كيفما اتجهت أشرعتها الأسطورية في المتاهات المتناقضة في عوالم الافتراضات، محذرة من الاتجاه مع رؤية الواقع كما هو واقع".. والاستعاضة عن ذلك بتبني "مساومة" من نسيج رؤية النظام الحاكم، والتي هي كأية رؤية للعالم لها أصولها ومفرداتها التي تشكل خصوصيتها أي بنيتها الثقافية وأساسها الاجتماعي- الاقتصادي الذي يحيلها إلي طبقة مسيطرة تعمل من بعد بوسائل القهر المادي والمعنوي إلى صياغة ثقافية شاملة للعقل الجمعي تعمل من خلاله على تمويه أهداف انقلابها الطبقي. أي أن الكاتب في نهاية المطاف- كما تتبعنا- كان يدفعنا دفعا لـ "مساومة" تتواطأ مع الأسس الأيدلوجية لسلطة برجوازية تبعية جديدة تعمل بهمة لالحاقنا بركب النيو رأسمالية السائدة. وبالطبع هذا ما يثير الاستغراب من كاتب ماركسي عتيد في مقامه. وكان حسن موسى قد أشار – بحق- إلى الحيرة التي تنتاب كل متفحص لمصانعة عبد الله التي تبدو أنها بلا فائدة أو مصانعة "حاصل فارغ" على حد تعبيره لأنها:
"محيرة حين ننظر إليها من مشهد المصانع الكلاسيكي الذي يلجأ للمصانعة كمكيدة تيسر " الفايدة" و الكسب الشخصي السريع.فهي مصانعة بلا فائدة ، مصانعة " حاصل فارغ". ذلك ان عبد الله الذي يعتبره بعض خصومه من " عملاء" نظام الإنقاذ لم يقبض ثمنا يليق بـ " عميل" من عياره الثقيل النادر.فهو لم يتول أي من تلك المناصب، ذات الفائدة، التي يتقاتل من أجلها بعض التقدميين السابقين ( ناس خالد المبارك و الشوش و منو و منو) ممن انبطحوا تماما أمام نظام الإنقاذ. و حتى طلبه بتصديق لإصدار صحيفة لم ينجح في الحصول عليه من سلطات نظام الإنقاذ. فما معنى هذه المصانعة التي لا تعود على صاحبها بأي منفعة مادية؟ “

ومما يزيد الأمر تعقيدا ،في تقديري، حيال هذه المصانعة "البلا طائل" هو أن النظر من قرب في سيرة الرجل الشخصية والعامة ينفيان بقوة فرضية المصانع الكلاسيكي الباحث عن منفعة شخصية. وهي مصانعة إن وجدت لكانت أراحت الله وخلقه، وكفتنا كل هذا العنت. فالرجل كمثقف حقيقي وسياسي ملتزم كان وما زال دائم الحذر والتنبيه من الوقوع في حبائل شخصية "الأفندي" أو البرجوازي الصغير المدفوع بأنانيته المفرطة ورغائبه الشخصية التي لا تنفد والتي كبدت ،وما زالت، البلاد والعباد أفدح الأثمان.
لن أتوقف هنا طويلا أمام هذه الحيرة حد الإعياء والتي على حد تعبير حسن موسى لا يوجد لها تفسيرا مقنعا سوى القول أنها برمتها:
"ليست سوى تعبير ملتو عن مكابدات شاعر " مجنون" مُحبَط ضل طريقه إلى أرض السياسة ؟و هل انمسخ شاغل الشعر عند عبد الله، الشاعر السرّي ، إلى نوع من انشغال سياسي عصابي يصعّد الممارسة السياسية لمقام الهاجس الشعري؟" مندري؟..."

بل سأنفذ إلى ما بعد ذلك مبديات عدم موافقتي لشخصية "ضد البطل" التي اقترحها حسن موسى لتحليل مفهوم المصانعة في أدب عبد الله السياسي. وتقديري للأمر ينصب في إغفال حسن موسى أن المسرح السياسي السوداني أصلا موسوم بشخصية الخائن كما تجسده الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال بامتياز، ولا يحتاج إلى خائن آخر أو حتى صاحب خائن ليكتمل مشهد الشوف الكامل كتجسيد لحكمة ونصاحة المثقف ، خصوصا وأن المعارضة هي الأخرى دأبت على تجسيد شخصية غير مألوفة للبطل تظهره كفاقد للحكمة والرشد. وهذا كما يبدو للوهلة الأولى سيناريو غريبا ومشوشا لا يتفق والتيمة المكرورة للبطل موفور الذكاء والقدرات الخارقة والمنتصر أبدا للخير والحق والعدل على قوى الشر والظلام. هذا الوضع الغريب والشاذ لشخصية "البطل" غير المتصف بالحكمة أو "المخستك" – والمخستك في لغة "الرندوق" هو ذلك المجبول على الإتيان بكل ما هو محبط، أو الذي يتفوق "على سوء الظن" في تعبير آخر ينسب للأستاذ الشهيد محمود محمد طه- و"الخائن" الذكي الفاهم لأصول اللعبة لا نجد له معادل إلا في النسخة الكلاسيكية لأفلام الكاراتيه الصينية. ولكن لحسن الحظ فإن العبقرية الصينية قد زودتنا في نفس الوقت بشخصية "الحكيم" لحل هذه الإشكالية وإضفاء بعد روحي ومعنوي لقوى الخير حتى يتبدى انتصاره النهائي معقولا وموضوعيا ويخضع لشروط الواقع. فالحكيم في هذه الأفلام يطّلع بأدوار معقدة تعمل جميعها على تهذيب البطل روحيا وخلقيا وجسديا. لذلك يبدو شديد القسوة اتجاه هفوات بطله في عدم تقديره للأمور، ومن جملة ما يعلمه للبطل كيفية احترام خصمه (الخائن) وعدم الاستخفاف والاستهانة بقدراته. والأصل عندي أن هذا عين ما مطلوب من المثقف أن يلعبه من دور في المشهد السياسي السوداني. فالشدة وتبيان أوجه قصور أداء المعارضة وحثها على سعة الرؤية والتعامل مع خصمها والاستعداد له بما يتوافق وقدراته الحقيقية لا يعني الوقوع في غرام "الخائن" وحث البطل على صداقته كما شاهدنا في نسخة "الإرهاق الخلاٌّق"، وهذا هو الفرق الجوهري بين شخصية "ضد البطل" – المصانعة- التي يرومها الكاتب وشخصية "المثقف-الحكيم" التي تعلم وتقدر في نفس الوقت حجم الشرور التي تحدق بالمجتمع في ظل وجود الخائن.

الإرهاق الخلاق أم إرهاق الإرهاق؟
هذا ما كان من أمر كتاب الإرهاق الخلاّق. وهو في تقديري واحد من أضعف ما انتج الكاتب فكريا، ومن الصعوبة بمكان لقارئ ملتزم ومتابع جيد لأفكاره أن يجد أدنى صلة بما جاء فيه وبين ما أثرى به المكتبة السودانية من كتابات في غاية العمق والتماسك الموضوعي والتحليل النوعي والثراء المعرفي جعلت منه واحدا من اكثر الكتاب المعاصرين مهابة وإثارة للجدل. أما هذا الكتاب فيبدو للقارئ مرتبكا فاقد للموضوعية مشوش السياق بشكل يوحي أن كاتبه قد صدره في واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يطال فيها العدم كل شيء ويتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل ما حوله. وحتى حين عمد في لحظة يائسة أن يراهن على الفنان بداخله على طريقة الخليل الفريدة حين أنهك المرض اللعين جسده: "من حطامك أنا هسه وارق..."، فأهدانا هذا العنوان البديع: "الإرهاق الخلاّق" إلا أنه على ما يبدو كان إرهاقا تمكن بقوة من عصب فكر الرجل، ليعكس – للمفارقة- إرهاقه الشخصي إضافة لإرهاق الوطن ليكون الناتج "إرهاق الإرهاق" على وزن التعبير العامي البليغ (تعب التعب). وهو إرهاق ربما نعزيه ".. لصبر عبد الله الطويل على شبهات المصانعة وعلى وحشة المساومة..." على حد تعبير حسن موسى والذي اتفق معه في أنه لا يوجد له تفسيرا مقنعا في ظل الغموض والعدمية التي تكتنفه.

عبد الخالق السر

___________________________________________
هوامش:
د. حسن موسى (أشغال العمالقة – منبر الحوار)
http://sudan-forall.org/forum/viewto...4145cc9d981d01
[/COLOR][/COLOR][/SIZE]



التعديل الأخير تم بواسطة اسامة عبدالماجد ; 22-05-2012 الساعة 11:14 PM.
التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-05-2012, 07:43 PM   #[12]
طارق صديق كانديك
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية طارق صديق كانديك
 
افتراضي


ان هذا الجهد النقدي التشخيصي الكبير للأستاذ عبدالخالق السر يستحق التقدير، فلقد أضاءت ثناياه ما علق برؤية الاستاذ عبدالله على ابراهيم لاسيما حين ناقشت الدراسة ما أسماه الاستاذ عبدالله :


اقتباس:
"وقولنا بتلاشي النظام الانقلابي الحالي بعيد عن مطلب المعارضة التي تعمل لتفكيكه وتجريده بصورة متعجلة". (24)"

ثم يستمر العجب تصاعدياً كلما جاء بفقرة من الكتاب محل البحث لو تركت لوحدها لما نقصت الدهشة شيئاً على شاكلة :

اقتباس:
" وهو نظام غير خاف أنه بحاجة إلى إجراءات استثنائية جمة لكي يتشبث بالبقاء. وهي الإجراءات التي شملت الاعتقال والتحفظ والتعذيب والتطهير وتعيين أهل الولاء وهلمجرا...". (ص13).

أما هذه :


اقتباس:
"إن الذين ينسبون انقلاب عمر البشير إلى هاجس شيطاني هجست له به الجبهة الإسلامية ربما لم يحسنوا كل الإحسان إلى شخصه أو لانقلابه." !!!!. (ص14).

فلا تكتفي بصنع الدهشة فحسب بل تذهب بك بعيداً في طريق اهتزاز ما كنت تعتقده بشأن الأستاذ عبدالله على ابراهيم.


كما أن هذه الدراسة ألقت بظلالٍ كثيفة في شأن برنامج الأجاويد" الذي ابتدره الأستاذ عبدالله في معنى ومضمون مبادرته موضوع المقالين محل البحث.

لك الشكر صديقي أسامه عبدالماجد على ارفاق هذه الدراسة القيّمة.

تحياتي



التوقيع: الشمس زهرتنا التي انسكبت على جسد الجنوب
وأنت زهرتنا التي انسكبت على أرواحنا
فادفع شراعك صوبنا
كي لا تضيع .. !
وافرد جناحك في قوافلنا
اذا اشتد الصقيع
واحذر بكاء الراكعين الساجدين لديك
إن الله في فرح الجموع



الفيتوري .. !!
طارق صديق كانديك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 08:50 AM   #[13]
اسامة عبدالماجد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اسامة عبدالماجد
 
افتراضي

شكرا صديقى الكانديك
مرورك والتعليق يستحقان التقدير . وشكرا صديقى عبد الخالق السر وانت تنفذ بحروفك بعيدا لسبر غور هذه الدراسه التى توشر لازمة المثقف السودانى الذى دوما ياتى فى غير الموعد .



التوقيع: لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
......
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
اسامة عبدالماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-06-2012, 03:51 AM   #[14]
أبوبكر عباس
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اسامة عبدالماجد مشاهدة المشاركة
[justify](حسن موسى: أشغال العمالقة – www.sudan-forall.org).
[/justify]
تحياتي يا أسامة،،
وبأكثر دقة، رابط حسن موسى هو: أشغال العمالقة

اقتباس:
و في هذا الأفق فـ " هجوم " عبد الله على قرنق أو على محمود محمد طه إنما ينطرح كحديث سياسي يخاطب خصومه السياسيين.و في هذا المشهد
" السياسي" فأنت مطالب بتفصيل قولك لأبعد من مجرد تلك العبارة العجولة التي أطلقتها في حق عبد الله لمجرد أنه حضر مؤتمر الإنقاذ الأول أو كتب يدافع عن هوية العربسلاميين أو أيّد عمر البشير أو هاجم جون قرنق.و لعبد الله ـ و لغيره ـ الحق في تناول قولك بالنقد أو بالتأييد و كل حشاش يملا شبكتو.و في نهاية تحليلي أشك في أن عبدالله يحتاج لدفاع أو لتبرير يمكن أن يصدر من جهة غيره. فالرجل موجود في ساحة المناقشة السياسية كل يوم و هو يدافع عن اطروحاته بكفاءة يحسد عليها.و أنا شخصيا اتفق مع عبد الله في بعض تفاكيره و أختلف معه في بعضها الآخر. لكن شرح خلافي مع تفاكير عبدالله ـ السياسية (و الجمالية)، ومع تفاكير آخرين غيره، ليس في قائمة أولوياتي الراهنة.و لو كنت أنت يا صديقي مستعجلا على تصفية حساب عبدالله علي ابراهيم فدونك الرجل و نصوصه مبذولة لكل من يرغب في التصدي لها. و سننتفع جميعنا بكل نقد " بنـّام "(و هو النقد البنـّاء الهدّام) يطال تفاكير عبدالله المركبة، سيّما و أننا نقرا كل يوم في كلامات الحانقين على عبدالله من مختلف المشارب (و المآكل) نصوصا لا علاقة لها بالنقد ،ناهيك عن نصوص " أولاد العرب" الخارم بارم التي لا علاقة لها بـ"كلام العرب" و لا "كلام الطير" و لا حتى بأي كلام.
حسن موسى



التعديل الأخير تم بواسطة أبوبكر عباس ; 03-06-2012 الساعة 03:54 AM.
أبوبكر عباس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-06-2012, 05:18 AM   #[15]
أبوبكر عباس
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

تحياتي مجددا يا أسامة، وتحية لعبد الخالق السر، على هذا الجهد الذي بالطبع لا يرضينا نحن مجموعة "العبدلاب" (نسبة لعبد الله علي إبراهيم) أو "جلابة عبد الله"، فالرجل هو أميرنا وحسب ثقافة إستعرابنا:
"أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"
طبعا يا أسامة، هذه المقولة، تُقرأ بوجها الصحيح بعيدا عن تعصب جلابيتنا السابق، الذي ساهم في إضاءته عبد الله علي إبراهيم، مساهمة واعية تركت فينا "كثير من الوعي"



أبوبكر عباس غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 02:33 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.