منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-08-2006, 08:45 AM   #[1]
imported_Garcia
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_Garcia
 
افتراضي وفاة الأديب العالمي ... نجيب محفوظ




«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
يعد الروائي المصري نجيب محفوظ الذي توفي الاربعاء 30-8-2006 عن عمر يناهز 94 عاما أشهر روائي عربي حيث امتدت رحلته مع الكتابة أكثر من 70 عاما وأثمرت حوالي 50 رواية ومجموعة قصصية ومسرحية قصيرة فضلا عن كتب أخرى ضمت مقالاته في الشؤون العامة.

وراهن محفوظ منذ أكثر من 60 عاما على فن الرواية وقفز بها الى صدارة فنون الكتابة بعد أن كانت في النصف الاول من القرن العشرين في مرتبة متأخرة بعد الشعر وفن المقال. وتوجت رحلته مع الكتابة عام 1988 بالحصول على جائزة نوبل في الاداب ولايزال العربي الوحيد الذي حصل عليها في هذا المجال.

ولد محفوظ في حارة درب قرمز الواقعة في ميدان بيت القاضي بحي الجمالية بالقاهرة القديمة يوم 11 ديسمبر كانون الاول عام 1911 وفي سن الرابعة ذهب الى كتاب الشيخ بحيري في حارة الكبابجي بالقرب من درب قرمز قبل أن يلتحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية. ثم انتقلت الاسرة عام 1924 الى حي العباسية.

وحصل محفوظ على شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الاول الثانوية والتحق بكلية الاداب بجامعة فؤاد الاول (القاهرة الان) وتخرج في قسم الفلسفة عام 1934. وكان يعد نفسه لمهمة أخرى غير كتابة الرواية اذ كان مفتونا بالفلسفة وبدأ حياته وهو طالب بالجامعة محررا في مجلة "المجلة الجديدة" التي كان يصدرها الكاتب المصري سلامة موسى (1887 - 1958) ونشر أول مقال له في أكتوبر تشرين الاول 1930 بعنوان (احتضار معتقدات وتولد معتقدات).

وكانت مقالات محفوظ في المجلة الجديدة وغيرها تعنى بالتعريف بالمدارس الفلسفية. كما ترجم عن الانجليزية كتاب "مصر القديمة" للبريطاني جيمس بيكي ووزعته المجلة الجديدة على قرائها بمناسبة العطلة السنوية عام 1932.

وكان ترتيب محفوظ الثاني على زملائه ولكن لجنة شكلها قسم الفلسفة بكلية الاداب جامعة القاهرة اختارت اثنين غيره لبعثة الى فرنسا لدراسة الفلسفة واستبعدته من استكمال الدراسات العليا. وعقب تخرجه عمل كاتبا في ادارة جامعة القاهرة حتى عام 1938 وفي تلك الفترة التحق بالدراسات العليا وبدأ يعد لرسالة الماجستير بعنوان "مفهوم الجمال في الفلسفة الاسلامية" تحت اشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق.

ونشرت رواية محفوظ الاولى "عبث الاقدار" عام 1939 بالمصادفة حيث كتبها كما قال للناقد المصري الراحل غالي شكري في الفترة من سبتمبر أيلول 1935 الى ابريل نيسان عام 1936 من دون أن يعلن ذلك لاحد الى أن سأله سلامة موسى عما يشغله فأجاب محفوظ.. "انني أتسلى وأكتب بعض الحكايات في أوقات الفراغ". وطلب موسى نموذجا مما كتب فأعطاه محفوظ مسودة "عبث الاقدار" ثم فوجيء ذات يوم بمن يطرق بابه ويعطيه النسخ الاولى من الرواية وكانت تلك النسخ أول أجر يحصل عليه من الكتابة.

وقال الكاتب المصري محمد سلماوي انه عثر لدى محفوظ على تخطيطات لاربعين رواية عن مصر الفرعونية مشيرا الى أن محفوظ كان ينوي كتابة التاريخ المصري القديم بصيغة روائية على غرار ما فعله سير وولتر سكوت في تعامله مع تاريخ اسكتلندا.

ونفذ محفوظ من خطته ثلاث روايات فقط هي "عبث الاقدار" عام 1939 و"رادوبيس" 1943 و"كفاح طيبة" عام 1944 ثم انفعل بالاحداث السياسية بعد الحرب العالمية الثانية واثارها على المجتمع المصري وقدر أن الاستمرار في الكتابة عن مصر الفرعونية وسط عواصف الواقعية نوع من الترف فانتقل الى مرحلة روائية جديدة.

واكتشف محفوظ مبكرا أن الزمن القادم هو زمن الرواية وخاض معركة مع الكاتب المصري الراحل عباس محمود العقاد الذي كان متحمسا للشعر وحده مستهينا بالرواية بل رأى أن بيت شعر واحدا أكثر قيمة من أهم الروايات. في رده على العقاد دافع محفوظ عن فن الرواية قائلا انها "شعر الدنيا الجديدة".

وبدأت المرحلة الثانية "الواقعية" في مسيرة محفوظ منتصف الاربعينات بنشر رواية "القاهرة الجديدة" وأتبعها بعدد من الروايات الواقعية "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"بداية ونهاية". وقال انه انتهى من كتابة الثلاثية الشهيرة "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" قبل قيام ثورة يوليو تموز 1952 في مصر. واعترف محفوظ بأنه تخلص بعد قيام الثورة من مشاريع روائية عن الفترة السابقة نظرا لتغير الواقع. كما سبق أن استغنى عن كتابة الاعمال الفرعونية التي خطط لها في بداية مشواره الادبي مشيرا الى أن شرط الكتابة ألا تكون جيدة فقط بقدر ما تكون ضرورية.

وتوقف محفوظ عن الكتابة سبع سنوات حتى عام 1959 بحجة أن العالم القديم الذي كان يسعى الى تغييره بالابداع تغير بالثورة. وكانت المشاريع الروائية جاهزة لكن حافز الكتابة غير موجود ثم اكتشف أن للواقع الجديد أخطاءه فكتب رواية "أولاد حارتنا" التي نشرتها صحيفة الاهرام القاهرية كاملة رغم رغم اعتراض كثير من رموز التيارات المصرية المحافظة ولم تطبع الرواية في كتاب داخل مصر الى الان.

ولكن الكاتب اللبناني سهيل ادريس نشر "أولاد حارتنا" في دار الاداب البيروتية التي يملكها وظلت النسخ تصل الى من يريد قراءتها في مصر بدون اثارة أزمات الى أن حصل محفوظ على جائزة نوبل عام 1988 فأعيد فتح الملف من جديد وصدرت عن الرواية كتب ذات طابع تحريضي منها "كلمتي في الرد على نجيب محفوظ" للشيخ عبد الحميد كشك.

وتجاوز محفوظ في الستينيات أزمة "أولاد حارتنا" بالانشغال بكتابة أعمال ذات طابع رمزي يجسد فلسفةالشك والبحث عن يقين وغاية للحياة وهي روايات "اللص والكلاب" و"السمان والخريف" و"الطريق" و"الشحاذ" و"ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار" فضلا عن عدد من المجموعات القصصية منها "خمارة القط الاسود" و"تحت المظلة".

وسبب بعض هذه الاعمال مشاكل عارضة لمحفوظ مع نظام جمال عبد الناصر الذي توفي عام 1970 الا أنها جميعا نشرت مسلسلة في صحيفة الاهرام الحكومية كما طبعت في كتب وأنتجتها السينما وسمح بعرض الافلام بعد احتكام الرقابة أحيانا الى الرئيس عبد الناصر.

وصدرت رواية"الكرنك" عام 1974 وهي الوحيدة بين أعمال محفوظ التي تحمل تاريخ الانتهاء من كتابتها (عام 1971) واعتبرها النقاد من بين أعمال محفوظ الاقل شأنا من الناحية الفنية بعد سلسلة من الروايات الاكثر عمقا والتي انتقد فيها النظام بكثير من القسوة التي احتملها الطرفان. ويدين محفوظ في "الكرنك" القبضة الحديدية التي حاصرت المواطن المصري في العهد الناصري.

وعنها قال محفوظ فيما يشبه الايضاح لا الاعتذار انه كتبها بضمير مستريح وبمعزل عن الحملات التي حاولت أن تشوه وجه الثورة المصرية وقائدها عبد الناصر. وأضاف "لو كنت أعلم أن اخرين سيكتبون عن السجون والمعتقلات ما يشكل مكتبة كاملة ما كتبت الكرنك".

وفي عام 1977 نشر محفوظ احدى أهم رواياته "ملحمة الحرافيش" واعتبرها بعض النقاد اعادة صياغة لروايته "أولاد حارتنا" بينما رأى اخرون أنها أبرز أعماله.

ومثلت قفزات محفوظ الفنية من الرواية التاريخية الى الواقعية والرمزية والملحمية تلخيصا لسنوات من الابداع وأجيال من المبدعين فلولاه لظل الطريق غير ممهد للاجيال التالية. وحظي محفوظ بعدد من الجوائز في مسيرته بدأت بجائزة قوت القلوب الدمرداشية عن رواية "رادوبيس" عام 1943 ثم حصل عام 1944 على جائزة وزارة المعارف "التربية والتعليم الان" عن "كفاح طيبة" وجائزة مجمع اللغة العربية عام 1946 عن "خان الخليلي" وتوجت الجوائز المصرية بجائزة الدولة التقديرية في الاداب عام 1970 وعندما أقرت جائزة مبارك كأرفع الجوائز المصرية كان محفوظ أول فائز بها عام 1999.

وأشار تقرير نوبل الى أن الاعمال التي حاز عنها الجائزة عام 1988 هي رويات "أولاد حارتنا" و"الثلاثية" و"ثرثرة فوق النيل" والمجموعة القصصية "دنيا الله". وكانت المجموعة القصصية "صباح الورد" ورواية "حديث الصباح والمساء" اللتين صدرتا عام 1987 اخر ما نشر للكاتب قبل فوزه بجائزة نوبل. وبعد الجائزة ردد محفوظ أنه أصبح موظفا عند السيد نوبل في اشارة الى أن الجائزة حرمته نعمة الهدوء وجعلته موضع الاهتمام الاعلامي حيث طاردته كاميرات التلفزيون وأربكت برنامجه اليومي وغيرت عاداته في الكتابة.

وكتب محفوظ رواية "قشتمر" قبل فوزه بالجائزة ولكنها صدرت في تاريخ لاحق مع عدد من المجموعات القصصية التي صدرت في السنوات الماضية. ونشر محفوظ "أصداء السيرة الذاتية" مسلسلة عام 1992 ثم صدرت في كتاب عام 1996.

وتحت عنوان "كتاب القرن" أصدرت مجلة نصف الدنيا القاهرية ملحقا مع عددها الصادر يوم 21 فبراير شباط عام 1999 ويضم "59 قصة.. اخر ما كتب صاحب نوبل" وسبق أن نشرت بعض قصص ذلك الملحق في مجموعة سابقة صدرت عام 1996 عنوانها "القرار الاخير".

وتعرض الكاتب لمحاولة اغتيال بالسكين في أكتوبر تشرين الاول عام 1994 ولكن الشاب الذي دفعه متشددون لتنفيذ الجريمة أصاب الرقبة وترك الحادث أثره على يده اليمنى وعلى برنامجه اليومي اذ اضطر للاستجابة لالحاح أجهزة الامن المصرية فلازمه أحد الحراس لحمايته.

ولخص محفوظ رؤيته للابداع ولمستقبل الادب في حتفال نظمته وزارة الثقافة المصرية بمناسبة مرور عشر سنوات على فوزه بجائزة نوبل ولم يتمكن من حضوره بسبب الاصابة الناتجة عن محاولة اغتياله. وأرسل كلمة تلخص رؤيته لجائزة نوبل ولمستقبل الادب قال فيها "ان جائزة نوبل في العلوم أكثر عدلا منها في الادب لان لغة العلم لغة عالمية تصل للجميع بسرعة والمؤكد أن هناك الكثيرين في مجال الادب ممن يستحقون نوبل ولم يحصلوا عليها لان أعمالهم لم تترجم بعد بينما كل نظرية علمية تكتشف تترجم فورا الى لغات متعددة وتصل الى أربعة أركان المعمورة". وأوضح أنه "ليس هناك تقريبا علماء مظلومون ولكن هناك أدباء كثيرين قد وقع الظلم عليهم". وأشار الى أنه رغم ازدهار الرواية أكثر من أي نوع أدبي اخر في العقود الاخيرة الا أنه يشفق على الادب كله "على فن الرواية وعلى غيرها من فنون الادب لانني أعرف ما يواجه الادباء من مصاعب وما يشهده الادب من تراجع أمام وسائط التكنولوجيا المتقدمة". وأضاف متمنيا للادب أن يقاوم "وأن يستكشف سبلا جديدة يفيد خلالها من الوسائط التكنولوجية المتقدمة ليصل الى أكبر دائرة من المتلقين ولست أظن أن هذه الوسائط المتقدمة يمكن أن تنفي الادب في يوم من الايام. فحتى الذين يبحثون الان في الانترنت يبحثون بالكتابة ويبحثون عن الكتابة ولعل كثيرين منهم يبحثون عن الادب".

وعمل محفوظ موظفا في وزارة الاوقاف الى أن بلغ الستين وخلال سنوات وظيفته تولى ادارة الرقابة على المصنفات الفنية ثم عمل مديرا عاما لمؤسسة دعم السينما عام 1960 ومستشارا للمؤسسة العامة للسينما والاذاعة والتلفزيون عام 1962 وعين رئيسا لمجلس ادارة المؤسسة العامة للسينما عام 1966 ثم أصبح مستشارا لوزير الثقافة لشؤون السينما عام 1968. وأحيل محفوظ الى المعاش في ديسمبر كانون الاول 1971 وواصل كتابة مقاله كل خميس بصحيفة الاهرام.
رحم الله الكاتب الكبير نجيب محفوظ واسكنه فسيح جناته ...

* وكالات
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»



التوقيع: لو انى اكتشفت سر الحياة ... لعلمت حكمة الموت ( رباعيات عمر الخيام )
imported_Garcia غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 08:51 AM   #[2]
imported_محمد ابراهيم قرض
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

قارسيا ...
ندعو له بالرحمة و المغفرة ..
كان عملاقا بحق و حقيقة ،
و نال بهذا ما يستحق من تكريم
عربي و دولي .. له الرحمة و المغفرة



imported_محمد ابراهيم قرض غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 09:39 AM   #[3]
imported_عطر
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

لا إله إلاّ الله وإنّا لله وإنّا إليه راجعون
أسأل الله أن يرحمه ويغفر له



التوقيع: [align=center]
وما من كاتب إلا سيفنى *** ويُبقى الدهرُ ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شئٍ *** يسرك في القيامة أن تراه
[/align]
imported_عطر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 10:43 AM   #[4]
Ismat
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية Ismat
 
افتراضي


رحم الله الاديب العالمى نجيب محفوظ..
فقد ولد عملاقا وظل عملاق يحتل الصداره الادبيه فى فن الروايات حتى توجت بنيله جائزة نوبل..وظل يكتب باستمرار مانحا عطاءا لاينضب من توهج وفن وابداع...
انه قامة باسقه وهرم شامخ...
نسال له الرحمه والمغفره..
وكل الاعزاز ايها الاديب الرائع جارسيا على التنوير والاضاءه عن الرجل

عميق الود



Ismat غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 11:07 AM   #[5]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

رحمه الله رحمة واسعة ..
فقد نهلت أجيال من أدبه الرفيع.



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 12:59 PM   #[6]
imported_عبدالله الشقليني
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

هذا يوم للحزن كبير .

ما كُنت أعلم ما تُخبئ الدُنيا : سكت القلب الكبير ،
وارتجت أدمُع الحرف العربي ، فقد غادرها أب رحيم .
كنتُ على موعد مع النفس لنشر فرح عاشق لسودانيات باسم :
( عاشقٌ ينظر بمصباح القمر ) .
أكملت هي دورتها اليوم في سودانايل ، وسودانيزأونلاين ،
على أمل أن أتخير لها اللون والصورة على مرآة ( سودانيات )
حيث القلب أقرب ،
ثم قرأت الخبر ..وحزنت ..
وإنها لفاجعة ...
كمن يرتدي حُلة من لهب في موعد فرحه ،
فما تراه يفعل ؟
شكراً لفيضك علينا ..

عزيزنا غارسيا ..
: عندما يُصمِتنا الحُزن ..
يكتُب قلمكْ

30/08/06



التوقيع: من هُنا يبدأ العالم الجميل
imported_عبدالله الشقليني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 02:36 PM   #[7]
imported_diya_altahir
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


بالامس القريب نشرت هذه الدراسة فى صحيفة القدس العربى

نجيب محفوظ: آخر فتوات الرواية العربية!
2006/08/30

عالم فتواته يموت علي مذبح حداثة استهلاكية
د. عبد الرحيم مودن

تهدف هذه المقاربة إلي تجاوز الدلالات الاجتماعية والسياسية ـ وهذا ما عبرت عنه وما تزال الكثير من الكتابات التي تناولت أدب نجيب محفوظ ـ نحو الدلالات السردية في قصص وروايات هذا الأخير. أو بعبارة أخري : ما دلالة وجود أنماط سردية تراثية في النص القصصي عند نجيب محفوظ؟ كيف تشتغل هذه الأنماط السردية بجوار أنماط أخري تنتمي إلي مرجعية مغايرة؟ ما دلالة العزف علي شخصية الفتوة في العديد من هذه النصوص؟ لماذا استبدت القصة القصيرة بـ الفتوة أكثر من الرواية مثلا؟(1).
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالأمر السهل لأسباب منهجية من جهة، ولشساعة مساحة الإنتاج عند نجيب محفوظ من جهة ثانية. من هنا سيكون التركيز علي نمط محدد حتي نتمكن من الاقتراب من الضبط المنهجي الذي يسمح بالتعميم من خلال التخصيص (2).
لماذا نص الرجل الثاني ؟(3).
لأنه يقدم شخصية نمطية ظل نجيب محفوظ يحاورها طوال ما يقرب من نصف قرن. وعبر هذا الإنتاج الضخم كانت ـ أي الشخصية ـ تتخذ ملامح عديدة أخلصت فيها للجوهر الثابت، ورفضت العرضي النابت، فكانت قاهرة أحيانا ومقهورة أحيانا أخري، دموية إلي حدود الإجرام، ومثالية إلي حدود الرهافة، مركزية أحيانا وذكري عابرة أحيانا أخري... الخ.. قد تظهر بهذا الشكل أو ذاك ولكنها ظلت ملازمة للكتاب ملازمة الظل لصاحبه. تلك هي شخصية الفتوة .
والتركيز علي شخصية الفتوة في نصوص كثيرة لم يكن مجرد حنين إلي الحارة ـ الفضاء النموذجي للفتوة ـ بعطرها النافذ وسحرها الطاغي الذي يظل محفورا علي أخاديد الزمن، بل إن التركيز علي هذه الشخصية يعود ـ سواء بالتصريح أو التلميح إلي رغبة الكاتب في خلق شخصية عربية تنتسب إلي واقعها المعيش من جهة، وتتحرك ـ من جهة ثانية ـ سرديا في واقعها المكتوب دون مواربة أو خجل.
إن عالم الفتوات المتخيل لا يستند فقط إلي فضائه الشعبي (الحارة، الأسماء الدالة، العلاقات الاجتماعية المختلفة، القيم السائدة... الخ) بل يستند ـ وهذا هو الأهم ـ أيضا إلي رصيد غني من طرائق الحكي في السرد العربي عبر عنه مخزون الذاكرة الجماعية التي خلقت من الأنماط السردية الشائعة في التراث بناء متكاملا انتشر في نص نجيب محفوظ ـ كما سيتضح أثناء التحليل ـ بأساليب مختلفة. هكذا حاورت الطرفة المثل . وبجانب النادرة وجدت الأحجية الملغزة مرورا بحكايات الفوارس والصعاليك ورواسب أدب الفكاهة وما يتخلل ذلك من عناصر المبالغة والتهويل واستحضار العجيب و الغريب ...الخ.
وإذا كان النص المطروح للتحليل قد قدم حوارا سرديا خصبا بين مختلف الأنماط المشار إليها آنفا، فان ذلك لا يمنع من التأكيد علي دلالة استحضار الفتوات ـ فضلا عن مرجعيتهم التراثية ـ (4) بمفهوم يتجاوز ذكريات الطفولة نحو أفق آخر يتجسد في الاحتجاج علي زمن انقضي ، والسخرية من زمن (وهو موقف فكري ثابت عند الكاتب) القانون الوضعي الظالم والسلطة الوهمية من جهة، والحداثة الزائفة، من جهة ثانية، تلك الحداثة التي جعلت من سكان العمارة الواحدة مجرد عوالم فردانية عكست تفتت العشيرة وتمزق روابط الدم الذي تحول إلي ماء! إنها دعوة إلي استحضار الحارة وسط شوارع القاهرة الحديثة بقناطرها المعلقة في الهواء، والمخترقة لباطن الأرض، بصفائح عماراتها الجاهزة المستوردة التي لا تختلف عن شواهد القبور الباردة. استحضار إذن لعالم مات ويموت مذبوحا علي أعتاب حداثة استهلاكية تزخر بكل شيء ما عدا الإنسان. عالم مات ويموت ولكنه يظل حيا في الذاكرة، ذاكرة الجماعة. الفتوة إذن بطل إشكالي (5).
وعلي هذا الأساس لم يكن استحضار الفتوة مجرد رغبة نوستالجية تحن إلي الماضي وذكراه، بل كانت عملية استحضار تتجه، أماما، نحو المستقبل أثناء استحضارها للماضي. ماض اسمه الحاضر. واستحضار فضاء(6) الحارة، في هذا السياق، لا يقف عند حمولاته ودلالاته المرجعية، بل هو استحضار للحلم الدائم بفضاء المثل الأرضي المعارض لكل طوباوية زائفة، ومقومات هذا الفضاء ـ أثناء تعاملنا مع عناصره ـ تنطلق من الكلمة الطيبة إلي الصرخة المدمرة، ومن الزمن الفيزيائي إلي الزمن الميتافيزيقي المجرد، ومن تعاقب الفصول إلي تعاقب الأجيال، ومن الغُرزة و الاصطبل و التكية إلي المقهي والوكالة والقلعة المحصنة، من الوعد والوعيد إلي النبابيت والخناجر، من العشق المقدس إلي الجسد المدنس، من الإيمان إلي الوثنية، من التسامح إلي الثأر، من الغناء إلي العويل، من الماء إلي الدم، أخيرا من الكائن العادي إلي الفتوة، أو من البشري (الواقعي) إلي الأسطوري.

النـــــــص :
يتناوب النص زمنان: زمن الرّواي وزمن الحكاية.
زمن الراوي لا علاقة له بالحكاية جذبني مقهي النجف في سن المراهقة (7)، ولكنه يمتلك ـ أي الزمن ـ وظائف أساسية منها:
أ ـ مفتتح أو استهلال تمهيدي يهيئ القارئ لتقبل ما سيأتي بأسلوب مشوق يتعمد الإثارة والإشارات السريعة المغلفة بنوع من التلغيز الموحي بالمفاجأة.
ب ـ يعرف بالشخصية المركزية موجود الديناري الأسطورة الباقية (8).
جـ ـ يمارس سلوكا اديولوجيا علي القارئ. إنه آخر الفتوات قبل أن يمارس سلوكه السردي. ومن ثم ـ كما سبقت الإشارة ـ لا علاقة له بالحكاية، ولا يساهم في إحداثها، وكما أن المتحدث داخل هذا المفتتح، ليس عنصرا من عناصرها (الحكاية)، والمقهي المتحدث عنه لم يكن مجالا حيويا لحركة الفتوة، بل هو مجرد مكان ـ وليس فضاء ـ ثابت يقدم لنا الشخصية بعد أن انتهي دورها مكتفية بإشعاعها الساحر العبق بأنفاس الماضي . حكم علي الفتوة بعشر سنوات سجنا ولما أفرج عنه فرضت عليه رقابة دائمة، فابتاع مقهي النجف ومارس حياة مواطن كسائر المواطنين (9). من هنا يصبح الهدف من هذا المقطع، اديولوجيا ، أي الدعوة إلي استرجاع هذا الزمن المفقود، وبمجرد احتسائه للقرفة يعيش أبهج ما في الماضي والحاضر والمستقبل (10).
د ـ يلعب هذا المقطع ـ من ناحية أخري ـ دورا بنائيا هاما بين بداية الحكاية ونهايتها التي يعود فيها الراوي إلي المقهي الذي جلس فيه في البداية، يبدأ النص إذن بالمقهي وينتهي به. والمقهي في البداية والنهاية مؤثث بالشخصية المركزية موجود الديناري ولواحقها، مع إبراز فرق جوهري يتجسد في كون طبيعة المقطع في البداية تعكس تعامل الراوي مع الفتوة ، في حين يعكس المقطع الأخير تعامل الذاكرة الجماعية مع الشخصية ذاتها التي انفتحت علي الفتونة المستمرة في ابن الرجل الثاني أو الساعد الأيمن للرجل الأول، الفتوة موجود الديناري .
أما بالنسبة لزمن الحكاية فهو زمن الأسطورة. وهو زمن مبني للمجهول يحكي أن (11). ووظيفة هذا الزمن وظيفة تبليغية ما دام الكلام الصادر عن هذه الصيغة (البناء للمجهول) يعكس أيضا راويا مجهولا يهدف إلي تقديم الحكاية بنوع من الحياد الوهمي من خلال الوسائل التالية:
عن طريق نسبة الكلام إلي رواة مجهولين دون تحديد الاسم أو اللقب أو الجنس أو الصفة المهنية...الخ.
ومن ثم يصبح الراوي غير مسؤول عن صحة أو كذب ما يروي بل العهدة علي القائل.
غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بتعدد الحكايات وكثرتها وتداخلها خاصة أن الصياغة الأولي يحكي أن تختلف عن الصياغة الثانية ما دامتا تشتركان من حيث التركيب وتختلفان من جهة الدلالة (12).
دـ يبدأ النص علي الشكل التالي ـ حكاية موجود الديناري ـ حكاية من بين حكايات كثيرة قابلة للتصديق أو الإنكار. هي إذن زخم من الحكايات المتلاحقة تمكن من فتح المجال للتخيل والحلم : يحكي انه ألقي علي أتباعه... . ولاشك أن هذه البداية هي بداية لحكاية محددة من بين الحكايات العديدة، هي حكاية الرجل الثاني هي حكاية شطا الحجري ، وهو من أتباع موجود الديناري الذي يطمح إلي أن يصبح الرجل الثاني أو اليد اليمني للفتوة تمهيدا لكي يصبح الرجل الأول في المستقبل. يخاطب موجود الديناري أتباعه في لحظة الاختيار بقوله : ما من جماعة مثلنا إلا وفيها رجل ثان، علي ذلك جري عرف من غبر... .
ما هي حكاية الرجل الثاني إذن؟ شاب مقدام من شباب الفتوة موجود الديناري جرأته تدفع به إلي أن يبادر لتلبية رغبة معلمه موجود الديناري في أن يكون له رجل ثان. وبسبب هذه الرغبة من جهة، والجرأة من جهة ثانية يصبح عرضة للحسد من قبل الأتباع السابقين عليه في الفتونة ، كما انه ـ من جهة ثانية ـ يخضع لمجموعة من الاختبارات (13) يختبر بها المعلم موجود الديناري الفتوة الشاب شطا الحجري ، وهو ـ أي المعلم ـ لا يخفي إعجابه بجرأته وشجاعته، يتجسد ذلك في جدول الاختبارات التالية:

جدول رقم : 1
المقطع والصفحة
الاختبارات

لو لم تفعل لاعتبرت الأمر كأن لم يكن ص 9
فشمر شطا عن ساعديه وراح يدلك الساقين المدمجتين بارتياح وفخار ص 9
ولكن لا فتوة بلا جنون ص 10
ولكن الفتونة الحقة لا تستند إلي القوة والشجاعة وحدهما ص 5
أقول لك يا أعمي استمر ص، 20
اعرف انك مخطوبة للديناري ص، 17
اختبار الجرأة والشجاعة
اختبار الطاعة

اختبار التحدي
اختبار الذكاء

اختبار الاستمرار والصبر
اختبار المغامرة
الحارة الأصل أو الفتونة بالانتماء

وبالرغم من اجتياز شطا الحجري لهذه الاختبارات أو الكمائن بنجاح، فان الحب هو نقطة ضعف وقوة الفتوة ، وهو أمر يعلو ولا يعلي عليه، من هنا سيضطر شطا إلي مغادرة الحارة رفقة معشوقته وهي مخطوبة للديناري ـ وهو اختبار جديد لشطا الحجري ـ، أقول سيضطر إلي مغادرة الحارة طالبا الحماية من فتوة الدرب الأحمر المسمي الشبلي . وفي الحارة الجديدة سيتعرض لاختبارات أخري علي الشكل التالي :

جدول رقم : 2

المقطع والصفحة
الاختبارات


... لا أمان لرجل خان معلمه . ص، 23
... أيعني ذلك أن أكون ألعوبة في يد الغير؟ ص، 27
... تقدم، أنت جبان ص، 36
... لن أطلق أبدا... ص، 38
... جاء اليوم الذي أحلم به ص، 46

اختبار الوفاء
اختبار الشخصية

اختبار النبل
والدفاع عن العرض
اختبار إعادة الاعتبار
الحارة الفرع أو الفتونة بالولاء
بالمقارنة بين الجدولين يتبين لنا أن اختبارات الجدول الثاني اختبارات لها مصداقية متميزة تتجسد أساسا في اختبار مبادئ الفتونة . فإذا كانت الحارة الأصل (الجدول رقم : 1) هي المجال الطبيعي للفتوة، فان حارة الدرب الأحمر أو الحارة الفرع (الجدول رقم : 2) تمثل انتقالا نحو مجال آخر قد لا يختلف من حيث مكوناته عن الحارة الأصل، ولكنه يختلف من حيث موقع الفتوة في فضائها، هكذا يبدأ العد العكسي بالنسبة للفتوة شطا الحجري ، وتحل الخيانة محل الإخلاص والاحتقار محل التقدير، والخوف محل الاطمئنان، والأعداء مكان الأصدقاء... وبالإضافة إلي هذا وذاك نلمس فرقا جوهريا بين الجدولين في جانب العلاقة بين الفتوة ومبادئها : في الجدول الأول يتلقي الفتوة مبادئ الفتونة عن طريق المعلم بشكل مباشر، أما في الجدول الثاني ـ بعد الإنتقال إلي حارة الدرب الأحمر ـ فالمبادئ، مبادئ الفتونة، يتلقاها شطا الحجري بواسطة مجموعة من الوسائط علي الشكل التالي:
* عن طريق رجل الدين الشيخ ضرغام الذي حمل بدوره رسالة من الشيخ عقلة إمام حارة شطا الحجري .
* عن طريق الناس في تجمعاتهم العامة (الأسواق، الحفلات، جلسات الغرز في الليل... الخ.
* عن طريق الدعاية والدعاية المضادة. (الإشاعة الكاذبة عن معلمه الذي قيل عنه انه يعذب أهل شطا الحجري وزوجته).
* عن طريق رسول المعلم موجود الديناري الذي عمق من حدة المأساة. يقول الرسول مخاطبا شطا الحجري : (قل له أن يستمر) 14.
* عن طريق تهديد مبادئ الفتونة بهدف اختبار شطا الحجري أمام الاغتصاب الوحشي الذي مارسه الشبلي علي زوجة شطا الحجري .
بعودتنا إلي الاختبارات الواردة في الجدولين معا، نلمس ـ فضلا عن السابق ـ وظيفة هذه الكمائن في تبيان مراقي15 الفتونة التي لا تختلف عن باقي مراقي المجاهدة في التجارب المتعددة التي تهدف إلي تطويع الذات وترويضها. هكذا بدأ المعلم موجود الديناري في تعليم شطا الحجري أبجديات الفتونة ، تتلوها اختبارات أخري تزداد صعوبة وشراسة إلي أن تصل إلي التجربة المرة، تجربة الاغتصاب مما فرض عليه الرجوع إلي الحارة. وهنا نصل إلي الاختبار الأخيرـ وهو أعلي مراحل الفتونة ـ الذي يكتشف فيه شطا الحجري أسرار اللعبة وقد ساهم فيها المعلم بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن هذا الاختبار ـ من جهة أخري ـ (اغتصاب الزوجة من جهة وانكشاف حقيقة تعذيب أهله وأهل زوجته من ناحية ثانية) يصبح بدوره اختبارا للفتونة من خلال شعارها الأصيل الذي جاء علي لسان المعلم موجود الديناري : (إني فتوة الحارة وحاميها وليس من مذهبي أن آخذ البرئ بالمذنب) 16.
إن الشعار الأخير لا يمنع من القصاص ما دام قانون الفتونة قد اختل، وأصبح الفتوات لا يختلفون عن البلطجية وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق والمرتزقة، ولعل الواقعة الكبري التي هجمت فيها الحارة، حارة الدرب الأحمر ، علي حارة الشبلي، لم تكن معركة روتينية من تقاليد الحواري والأزقة، بل انها معركة ضرورية لإنقاذ ما تبقي من قيم الفتونة . كما أن طعنة شطا الحجري القاتلة التي اخترقت صدر الشبلي تتجاوز حالة الانتقام العادية نحو إعادة الاعتبار للفتونة وهيبتها مما فسح المجال من جديد أمام الذاكرة الجماعية التي حفزت بهذا الحدث وانطلقت في الحكي المتسامق عن طريق أنماط الحكي المتوارثة، وكان النص مساهمة جماعية لهذه الذاكرة. ووظيفة الراوي في آخر النص لا تختلف عن وظائفه المشار إليها في البداية. والفرق الجوهري بين وظائف البداية ووظائف النهاية يعود إلي طبيعة المعلومات الجديدة التي استقاها الراوي من الناس بعد انجلاء المعركة.
كيف ساهمت الحارة في إنتاج سردها؟ لا شك أن مرجعية الحكي، تراثيا، تعد الصيغة الأساسية المسيطرة علي معظم مقاطع النص. غير أن هذه المرجعية التراثية التي تبدأ بالمفتتح يحكي أن ، لا تمنع من وجود هذه المرجعية تلميحا أحيانا وتصريحا أحيانا أخري. وبالإضافة إلي هذا وذاك تبدو شخصية موجود الديناري شخصية تراثية استنبتت 17 في واقع جديد لم يمنع من إنصافها بملامح لا تخلو من طرافة خاصة عند استنجادها بالأمثال والحكم، والاستعارات البعيدة والقريبة.
لا تقنع الحارة بالمثل الجيد، والبلاغة اليومية، ولا تقنع أيضا بإعادة تكرار الصيغ الاستهلالية الشهيرة في الحكي، بل تمتن سردها بتسريب بنية أخري تمثلت في بنية الأحجية. فالمهمة التي كلف بها شطا الحجري مهمة غامضة، وهي بالتالي لغز اقرب إلي الأحدوثة التي تستند إلي السؤال والجواب بين المعلم وتابعه، وعن طريق السؤال والجواب تزداد الكمائن عددا، وتتداخل عناصرها إلي أن تصير متاهة لا يتم الكشف عن لغزها إلا عن طريق الإمساك بجوهر الفتونة التي تخالف الاعتداء علي الغير ما دام الوصول إليها لا يتم إلا عن طريق المجاهدة والاستمرار عبر مراقي التجربة والمعاناة وعجم عود الفتوة في الملمات. وهذا ما يفسر طابع التهويل ـ وهو ملمح تراثي أيضا ـ الذي لف المعارك، وسلوك الشخصيات، وغرابة الأحداث. ولا شك أن الراوي، في حفاظه علي هذه الصورة التهويلية، يتجاوز جانب الأمانة أو التوثيق، نحو بعد آخر يتجاوز بدوره الماضي المحكي أي حكايا الماضي ، ليحكي في أفق المستقبل . فالفتوة لم يعد من نصيب الماضي، بل أصبح مطمحا أو حلما من أحلام الحارة التي لم يعد لها ما تملكه إلا الحكاية . ولعل الشعور الذي ينتاب القارئ ـ وقد انتاب الراوي قبل ذلك ـ عند نهاية الحكاية يكمن في إحساسه بأنها الحكاية الأخيرة للفتوة في زمن انقضاء الفتونة.

1 ـ وهذا يحتاج إلي تحليل آخر.
2 ـ سيتم التركيز في هذا التحليل علي ظاهرة الفتوة سواء في جانب الشخصية أو في الجانب السردي. وتجدر الإشارة إلي أن ظاهرة تكرار الفتوة في نصوص نجيب محفوظ تعود ـ برأيي ـ إلي رغبة جوهرية في خلق شخصية قصصية عربية، وأهمية نجيب محفوظ ـ في اعتقادي ـ تعود إلي قدرته علي تحويل النص السردي القصصي إلي سلوك معيش وكأن الرواية أو القصة القصيرة لا تختلف عن الأجناس الأخري المعروفة بعراقتها (الشعر علي سبيل المثال). وتكفي الإشارة إلي هذه العناوين للتدليل علي نسبة الفتوة في نصوص الكاتب:
+ نحن رجال من مجموعة همس الجنون . د. ت
+ حكايات حارتنا يذكر الفتوة في الصفحات التالية :
ـ في قوة بغل وجرأة فتوة ص، 21، دار القلم، بيروت، 1978،
... تصغر إلي جانبها أي جنازة سابقة من جنازات الفتوات والأعيان ورجال الدين . ص، 31.
لو امتد زمن الفتوات إلي زمانه لفرض نفسه فتوة وهو يزعج القسم كما يزعج الحارة ص، 40.
... ولا يبقي في الميدان إلا الحرافيش . ص، 60. والحرافيش من مرادفات الفتوة.
3 ـ الشيطان يعظ، دار مصر للطباعة، د. ت. ص، 4.
+ الطريق : (... أتدري ان الشحاذ الذي تسمع مديحه النبوي... كان في شبابه فتوة داعرا). ص، 172، ص، 196 ـ 197...
+ أولاد حارتنا وهي رواية الفتوة بامتياز. وبعيدا عن الكثير من التأويلات الشائعة، بعيدا عن ذلك تمثل الرواية، بالنسبة لي، صراع الفتوة الحقيقي مع القيم. كيف ينزل الفتوة القيم من السماء إلي الأرض، كما انزل قديما سقراط الفلسفة من السماء إلي الأرض. ان قيم الفتوة الحقيقية هي قيم الأنبياء والحكماء والتعاليم والمثل الإنسانية.
+ دنيا الله : قصة قاتل . ص، 97، 98، 101، 105، 110، 111.
حنظل والعسكري : ص، 227.
+ خمارة القط الأسود : ص، 209، 210، 212.
+ الكرنك : ص، 47.
+ قلب الليل : ص، 25.
+ الحرافيش : وهي رواية الفتونة النموذجية خاصة أن عنوانها يتجاوز مرجعيته التراثية إلي الموقف الأديولوجي من الكتابة والواقع. ومعلوم عن نجيب محفوظ، حبه الشديد لهذا الاسم مما دفع به إلي تشكيل رفقة من اعز أصدقائه (يوسف إدريس...) أطلقوا علي أنفسهم الحرافيش يجتمعون كل أسبوع لتبادل الرأي. واذكر في هذا المجال أن الكاتب الكبير إميل حبيبي قد حلل بأسلوبه الساخر كلمة الحرافيش التي حولها الغرب إلي دلالات اديولوجية ترادف : الحشاشون.
+ وهناك نصوص أخري تتأرجح بين القصة القصيرة والرواية.
4 ـ قد لا نخالف الصواب إذا اعتبرنا الفتوات الواردين في أدب نجيب محفوظ يرتبطون بأوشج الصلات مع التراث الحكائي للشطار والعيارين. والأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلي دلالات أخري تتعلق بالتكوين السيكولوجي للشخصية وطريقة تفكيرها وفعلها في واقعها فضلا عن الحرف أو المهن التي تحتاج ـ ومعظم الفتوات امتلكوا عربات بأحصنة ـ إلي مجهود عضلي كبير، انعكس بدوره علي طاقة التحمل والمجاهدة التي عرف بها الفتوة. وما دام الشيء بالشيء يذكر فإننا نورد لائحة بأسماء الشطار والعيارين الذين رادفوا الفتوات ، دون إغفال الموقع الاديولوجي المتحكم في التسمية كما هو وارد في كتب الأخبار والطبقات ونصوص التاريخ والمرويات الشفوية. من أهم هذه الأسماء نذكر الأسماء التالية : الشطار ـ العيار ـ الزعار ـ الصعاليك ـ الرساتيق ـ الدعار ـ النطافين ـ باعة الطريق ـ العراة ـ أهل السجون ـ الرعاع ـ الطرارين ـ اهل السوق ـ الغوغاء ـ الفساق ـ الفتيان ـ الأحداث ـ الحرافيش ـ اللصوص ـ السفلة ـ العاطلين ـ السواطين ـ قطاع الطرق ـ الحراب ـ أهل الأرباض ـ اهل الفتوة ـ الفتيان ـ أصحاب الحرف السافلة ـ الأشرار ـ الحثالة ـ العوام ـ المتلصصة ـ أراذل السوقة ـ النهابة ـ الحرامية ـ المناسر ـ العياق ـ الفديوية ـ ...الخ.
وتجدر الملاحظة، في الأسماء الواردة أعلاه، إلي التداخل البارز بين الاسم والصفة من جهة، وبين الحرفة والممارسة العملية للإغارة من جهة ثانية، ثم أخيرا الاختلاف الملموس بين تسمية وأخري بين المؤرخين (الطبري، ابن الأثير، الجبرتي...) حسب مواقفهم من حركات التمرد التي عرفها التاريخ العربي في العديد من مراحله. وبالإضافة إلي هذا أو ذاك فالتسمية ـ علي مستوي الاشتقاق ـ تحتاج إلي بحث مستقل يجمع بين الجوانب اللسانية والجوانب الدلالية. انظر : د. محمد رجب النجار. حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي. عالم المعرفة، ع، 45. 1981.
5 ـ نلمس إشكالية الفتوة الحقيقي من خلال رغبته في تحقيق قيم التكافل الاجتماعي والتوحد العشيري والتماسك الدموي في مجتمع يرفض أو يسخر في أفضل الأحوال ـ من هذه القيم. والدنيا فيما يظهر لم تعد في حاجة إلي العضلات القوية ولكن هل ضاع حقا وانتهي . دنيا الله. ص، 97.
كما ان إشكالية الفتوة تكمن أيضا في موته أو نهايته بمجرد مغادرته لمجاله الطبيعي. فالملاحظ علي نهاية الفتوات عند نجيب محفوظ موتهم بمجرد خروجهم إلي المدينة الحديثة، أي يتركون الحارة لسبب أو لآخر فينتهي بهم الأمر إلي السجن (يندر إن لم يكن مستحيلا تمام الاستحالة عدم دخول الفتوة إلي السجن. انه محطة ضرورية تؤكد شعارهم المعروف : السجن للرجال. انظر علي سبيل المثال : همس الجنون. ص،166) أو الانحراف عن مبادئ الفتونة فيتحول الفتوة نتيجة لذلك إلي مجرد عربجي أي سائق عربة فقط، أو إلي برمجي أي ممارس لكل المهن الحقيرة اللااخلاقية أحيانا بدافع الحصول علي المال بأي طريق، أو إلي بلطجي أي مجرد مجرم أو قاطع طريق... الخ.
6 ـ لا يوجد الفتوة إلا في الحارة، وحتي إن وجد في المدينة الحداثية فهو لا يدخل في إطار الفتوات بل قد يكون مجرد ظل باهت لهؤلاء، ينظر إليه كنشاز في بنية المدينة الحداثية المادية والأخلاقية.
7 ـ الشيطان يعظ، ص،4.
8 ـ الشيطان يعظ، ص، 4.
9 ـ الشيطان يعظ، ص، 46.
10 ـ الشيطان يعظ، ص، 4.
11 ـ الشيطان يعظ، ص، 4.
12 ـ الاختلاف لا يقف عند حدود السياق السردي وموقعه المقطعي في النص، بل يمتد الاختلاف إلي الجانب الطباعي.
فالصياغة الأولي مرسومة علي الشكل التالي : يحكي أن... ، أما الصياغة الثانية فإنها تمثل مفتتحا سرديا لا ينفصل عن المتن الحكائي : يحكي انه ألقي علي أتباعه... الخ ، فالصياغة الأولي تقديم للمسكوت عنه، والمنطوق هو مجرد تذكير بالمسكوت عنه الذي يتمثل في العديد من الحكايات المحكية ـ ولا مجال لذكرها الآن ـ عن موجود الديناري . أما الصياغة الثانية فهي حكاية واحدة من الحكايات، أي حكاية الرجل الثاني ، وهذا ما سيتضح أثناء التحليل.
13 ـ انظر :
ـ نبيلة ابراهيم : البدايات الأولي للتأليف القصصي، الأقلام العراقية، ع، 8، س، 12، 1977، ص، 45.
ومعلوم أن قانون الاختبارات قانون الحكاية الإنسانية.
14 ـ الشيطان يعظ، ص، 20.
15 ـ لعله من الطريف هنا المقارنة بين مراقي الصوفية ومراقي الفتونة لسبب جوهري يعود إلي طبيعة المجاهدة ـ كمنهج ـ المشتركة بين الطريقتين. والثابت تاريخيا أن للفتوة سراويلها كما أن للصوفية لباسها، ولها طقوسها في التدرب والأكل والشرب كما أن للصوفية طقوسها في تلقي الورد و خلع الإرادة ولباس المريد وممارسة تجربة الكشف... الخ. بين هذه وتلك يكون الهدف هو خلق الكائن الصلب المنافح عن الطريقة.
16 ـ الشيطان يعظ، ص، 46.
17 ـ وهو مصطلح اورده قاوتي عند استنباته لمسرحية بوغابة .
رحم الله كاتبنا الكبير نجيب محفوظ



imported_diya_altahir غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 03:26 PM   #[8]
imported_haneena
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_haneena
 
افتراضي

رحم الله الكاتب الكبير نجيب محفوظ و اسكنه فسيح جناته
إنا لله و إنا إليه راجعون

شكرآ قارسيا لإعلامنا



التوقيع: Life is all about choices
imported_haneena غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 05:31 PM   #[9]
imported_Garcia
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_Garcia
 
افتراضي

الاعمال الأدبية لنجيب محفوظ :

مصر القديمة (ترجمة) (1932)

همس الجنون (مجموعة قصصية) (1938)

عبث الأقدار (رواية تاريخية ) (1939)

رادوبيس (رواية تاريخية ) (1943)

كفاح طيبة (رواية تاريخية ) (1944)

القاهرة الجديدة (رواية) (1945)

خان الخليلى (رواية) (1946)

زقاق المدق (رواية) (1947)

السراب (رواية) (1948)

بداية ونهاية (رواية) (1949)

بين القصرين (رواية) (1956)

السكرية (رواية) (1957)

قصر الشوق (رواية) (1957)

اللص و الكلاب (رواية) (1961)

السمان و الخريف (رواية) (1962)

دنيا الله (مجموعة قصصية) (1962)

الطريق (رواية) (1964)

الشحاذ (رواية) (1965)

بيت سئ السمعة (مجموعة قصصية) (1965)

ثرثرة فوق النيل (رواية) (1966)

أولاد حارتنا (رواية) (1967)

ميرامار (رواية) (1967)

تحت المظلة (مجموعة قصصية) (1969)

خمارة القط الاسود (مجموعة قصصية) (1969)

حكاية بلا بداية ولا نهاية (مجموعة قصصية) (1971)

شهر العسل (مجموعة قصصية) (1971)

المرايا (رواية) (1972)

الحب تحت المطر (رواية) (1973)

الجريمة (مجموعة قصصية) (1973)

الكرنك (رواية) (1974)

حكايات حارتنا (رواية) (1975)

قلب الليل (رواية) (1975)

حضرة المحترم (رواية) (1975)

ملحمة الحرافيش (رواية) (1977)

الشيطان يعظ (مجموعة قصصية) (1979)

الحب فوق هضبة الهرم (مجموعة قصصية) (1979)

عصر الحب (رواية) (1980)

أفراح القبة (رواية) (1981)

الباقى من الزمن ساعة (رواية) (1982)

ليالى ألف ليلة (رواية) (1982)

رأيت فيما يري النائم (مجموعة قصصية) (1982)

رحلات ابن فطومة (رواية) (1983)

أمام العرش (حوار بين الحكام) (رواية) (1983)

التنظيم السرى (مجموعة قصصية) (1984)

العائش فى الحقيقة (رواية) (1985)

يوم مقتل الزعيم (رواية) (1985)

حديث الصباح و المساء (رواية) (1987)

صباح الورد (مجموعة قصصية) (1987)

قشتمر (رواية) (1988)

الفجر الكاذب (مجموعة قصصية) (1988)

عجائب الأقدار: ميسرة (التبسيطات) (1989)

أمام العرش : مبسطة وميسرة (التبسيطات) (1990)

كفاح طيبة: مبسطة و ميسرة (التبسيطات) (1990)

كفاح أحمس: مبسطة و ميسرة (التبسيطات) (1990)

أصداء السيرة الذاتية (مجموعة قصصية) (1995)

القرار الأخير (مجموعة قصصية) (1996)

وطنى مصر (رواية) (1997)

صدى النسيان (مجموعة قصصية) (1999)

فتوة العطوف (مجموعة قصصية) (2001)

أحلام فترة النقاهة (مجموعة قصصية) (2004)



التوقيع: لو انى اكتشفت سر الحياة ... لعلمت حكمة الموت ( رباعيات عمر الخيام )
imported_Garcia غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-08-2006, 10:02 PM   #[10]
imported_قبايلو
:: كــاتب جديـــد ::
الصورة الرمزية imported_قبايلو
 
افتراضي

الاخ قارسيا تحية واحتراما
رحم الله الاديب الراحل نجيب محفوظ واسكنه فسيح جناته
ادام لك نعمة الصحة والعافيه يارجل يامتألق



التوقيع: [frame="7 80"]أزرع جميلا ولو في غير موضعه
لن يضيع جميلاأينما زرع
إن الجميل وان طال الزمان به
لن يحصده الا الذي زرع
[/frame]
imported_قبايلو غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 31-08-2006, 07:06 AM   #[11]
imported_ريما نوفل
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(نقلاً عن صحيفة "النهار" اللبنانية، بقلم جمانة حداد)

[align=center]رحيل نجيب محفوظ (1911 – 2006)
شيخ الحدوتة المصرية يستريح من الحكاية[/align]


هكذا قدر الكبار، بعضهم في الأقل: أن يغادروا قبل أن يغادروا. أن يطالب الموت برؤوسهم غنائم يتباهى بها وهم بعد احياء بيننا. فموت الكبار ظاهر وفاضح وكشّاف. موتهم أكبر "دعاية" للموت.
تدين مصر لنجيب محفوظ، الذي استسلم قلبه في الأمس بعد طول عناء، بالكثير. تصريح بديهي نعم، لكنه يستحق أن نردده ونصرّ عليه غداة رحيله، وفي كل أوان. فكم وكم من بديهيات جوهرية لامرئية نغفل عنها، لفرط بداهتها بالذات، في حياتنا وثقافتنا ومجتمعنا وفكرنا وعيشنا. لا أتحدث فقط عن المساهمة الفذّة التي ضخّها هذا الكاتب الكبير في ثقافة مصر ودنيا العرب، ولا عن مفاعيل جائزة نوبل للآداب على صورة بلاده وعالمنا في العالم الأرحب، وهو الكاتب العربي الأول (الوحيد حتى الآن) الذي نالها عام 1988. لا، بل إني أتوخى مستوى من التأثير أبسط من هذا، وأقصد فضلاً، أو دوراً، أشد "بدائية" من ذاك. فكثر هم الذين مثلي عرفوا أرض الأهرام بالحدس والخيال قبل أن يعرفوها باللمس والنظر والشمّ والذوق والسمع. كثر على غراري زاروا القاهرة زاوية زاوية وعشقوها حجرا حجرا وخبروا مناخها وتحولاتها وتاريخها وديناميتها الانسانية والمجتمعية والجغرافية والسياسية، حتى قبل أن تطأها أقدامهم ويتنفسوا أهلها وغبارها وضوضاءها وعجقتها وسحرها ونيلها الأزرق. فمثلما صاغ الفراعنة أيقونة مصر القديمة، صاغ محفوظ أيقونتها الحديثة والمعاصرة. هو لم يكتف بأن يأتي بالعالم الى عاصمته، بل أخذ خصوصا عاصمته الى العالم أجمع، على بساط رواياته وقصصه وسيناريواته. كم من الأجيال غير المصرية، العربية والغربية على السواء، تربّت على حكاياته، واعتادت صحبة شخصياته، وتوغلت في ضجيج شوارع مدينته الضيقة والمكتظة بالناس، وفي أندر غراوند الطبقة الوسطى ومشكلاتها و"حدوتاتها" وتعقيداتها التي لا أول لها ولا آخر ظاهراً، ولا خيط ممسوكاً يدل عليها سوى خيطه الروائي المدهش والمتعدد الحبال؟
من "خان الخليلي" الى "زقاق المدق"، من "قصر الشوق" الى "خمارة القط الأسود"، من الـ"ثرثرة فوق النيل" الى "الحب فوق هضبة الهرم"، أخذنا نجيب محفوظ في ألف رحلة ورحلة، وعلّمنا كيف يمكن الكتابة أن تكون "مهنة" ومراساً، لا ترفاً أو نزقاً أو حاجة أو هتكاً أو تقديساً أو شغفاً فحسب. علّمنا معنى الجلوس والتعب والكدّ فوق الأوراق البيضاء حتى تبوح بمكنوناتها، ومعنى حنكة الحكاية التي تأخذ بالتلابيب رغماً عن قارئها. كأني به لا يكتب بالقلم بل بماكينة خياطة: يدرز من هنا، يقطّب من هناك، يرتق ويحوك ويطرّز ويصنع الفتنة. كأني بنا اذ نفتح أحد كتبه ذات العناوين الغامضة والغلافات المثيرة، يطلع لنا منه عالم بكامله، عالم – زوبعة "يشفطنا" شفطاً إليه. كل قارىء رواية من روايات نجيب محفوظ هو "أليس في بلاد العجائب". كل قارىء هو مخطوف، تائه في بحر بلا مرساة. لكنه ليس التيه بالضياع والهلاك، بل بالانسحار والهلوسة. لا تخدعنّكم الصيغ المتاهية بين سطوره، فهو يمسك بيد قارئه جيدا من أول الكتاب الى آخره، وإذا شعرنا أحيانا بأنه أرخى قبضته قليلاً، فإنما يفعل ذلك فقط لكي يمنحنا بعضا من متعة الكشف والغزو والتعرية والاختراع، ولكي يشعرنا، نحن المتورّطين فيه، بفضلنا على كلماته.
لا نخطىء عندما نقول إن نجيب محفوظ روائي بالمعنى الأوّلي، "الكلاسيكي"، للكلمة، أي أنه يكتب لـ"يروي" القصص ويحكيها. قصصه تعني الكائن البشري أينما كان ولأيّ مجتمع وثقافة انتمى، لأنها بقدر ما تشتغل على حماية "محليتها" وعلى تفاصيل "الخارج"، كالمكان والزمان والطبقة الاجتماعية والحيّ والظرف...الخ، تشتغل كذلك على شخصية الانسان، على مشاعره، طباعه، تناقضاته وعذاباته، اي على كل ما يؤلف النواة التي يتقاسمها بنو البشر، أكانوا من "أولاد حارتنا" أم من المقلب الآخر من الكرة الأرضية.
كان نجيب محفوظ كاتباً بالغريزة أيضا. الغزارة عنده (نشر أكثر من سبعين مؤلفا في الرواية والقصة) إن هي الا انعكاس لتلك الغريزة في ذاتها. فقد كان يكتب كمن يتنفّس، بمخيّلة لا تنضب وصبر لا ينفد. وهل يتعب قلبٌ من الخفقان؟ بالغريزة الباطنية نفسها كانت الصور تتوالد لديه، وليس غريبا ان يتحول عدد من رواياته أفلاماً، اذ كانت تلك الروايات أفلاماً جاهزة لا ينقصها سوى بُعد الحركة والصوت.
رغم "عالمية" الكائن الذي جسّده شيخ الحدوتة هذا في كتاباته، إلا أنه كان بامتياز، وفي الدرجة الأولى، صوت بلده وزمنه وشعبه وسياسته ومجتمعه. كان مسكوناً بهمّ الحاضر وحياة المواطن العادي في هذا الحاضر: تاجر الخضر وبائع الحلوى والحلاّق والمكوجي وفتى المقهى والعالمة و"الفتوّات" و"الصيّاع"...الخ. كتب معاناة هؤلاء، مشكلاتهم وتمزقهم بين الحب والكره والزواج والطلاق والدين والحكم والثأر والعار والحسد والجشع والظلم والهوان. رواياته روايات "مدينية" بامتياز، أي انها ابنة القاهرة وربيبتها. ركّز فيها على مصير الانسان "الصغير"، المسحوق تحت ثقل واقعه وتحولات بلده وتطورات زمنه. هكذا، وعلى طول القرن العشرين، كان ناطقا بإسم فئات عريضة من الشعب المصري، ناقلا، بإخلاص المؤرخ وخيانة الكاتب، الصراعات المحتدمة بين الناس والسلطة، بين الخير والشر. لهذا السبب نجد في كتبه الكثير من الثنائيات المبسّطة، حدّ أن بعضها محض كليشيهات: لكن، أليس الكليشيه القماشة الأساسية للحياة "النمطية" أو العادية؟
أظهر محفوظ قدرة فهم وسبر واستنباش بسيكولوجية حقيقية من دون فذلكة، هي أداة كل روائي متمكّن، فعرف كيف يعبّر عن غنى الشخصيات وتنوّعها وتشابكاتها بلغة بسيطة في متناول الكلّ. جمع في أعماله، بُنىً ومضامين ومحاور وأسئلة، بين التأثيرات الثقافية الغربية والعربية، علما أنه كان قارئا نهما للروايات البوليسية الأجنبية في شبابه. شبّهوه ببلزاك وديكنز وتولستوي، وقد تُرجم الى عدد كبير من اللغات، ما كان ليترجم إليها لولا الـ"نوبل" طبعا، ليس لأنه لا يستحق أن يترجم، بل لأن ماكينة الترجمة الغربية نادراً ما تلتفت الى عمل ما، بناء على "استحقاقيته"، بل هي تلهث أكثر ما تلهث وراء معايير الشهرة والرواج والقابلية لـ"التسويق".
عاتبْنا نجيب محفوظ بشدة، في "النهار"، في اوائل هذه السنة، عندما فاجأ الجميع بطلب موافقة الأزهر على إعادة نشر تحفته "أولاد حارتنا". لم نفهم موقفه يومذاك، هو المشاكس وصاحب المواقف الاجتماعية الجريئة التي لطالما كانت محط انتقاد، ولربما طُعِن بسببها، فجعلته يتأرجح في بعض محطات حياته بين التكريس والتجريح. بل ما زلنا لا نفهم موقفه العجيب ذاك، رغم تفسيرات وتأويلات لا حصر لها أعطيت له، وسيظل محفوظ حاملا هذا السرّ معه الى القبر.
كلام كثير كُتب عنكَ يا عمّ نجيب قبل موتك، وكلام كثير سيُكتب بعده، فماذا في وسعي أن ازيد، أنا التي لا يمكن ان تدّعي لقاء بك ولا معرفة شخصية، وجلّ ما يمكن أن تزعمه هو أنها قارئتك "النجيبة" وإحدى الحالمات بمحاورتك؟ لستُ هنا إلا لأرفع كأسك وأشرب نخبك فحسب.
تُراكَ ماذا تكتب الآن وأين؟ في أيّ أزقة تدور لتقطف القصص والحكايات، وفي أيّ مقهى تشرب الشاي وتقرأ جريدة الصباح؟ بأيّ صخب تتلذذ، وفي أيّ صمت يطوف ذهنك الريّان ليحصد الأفكار والأحاسيس والحقائق الانسانية من غمامات هذا العالم القليل؟
"شساعة الأحلام لي"، جملة هي آخر ما قرأته لكَ في "لو فيغارو ماغازين" (عدد 12 آب). حقاً، شساعة الأحلام لك، والحكمة لك، والخصوبة لك، والفتوّة والخيال والهاجس والحماسة. ولك خصوصا، سر الحكاية.
هكذا قدر الكبار، بعضهم في الأقل: أن يغادروا قبل أن يغادروا. أن يرحلوا ويظلوا. هو انتقامهم من الموت، وانتقام الكلمة لهم من الحياة.

جمانة حداد



imported_ريما نوفل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 31-08-2006, 07:19 AM   #[12]
imported_ريما نوفل
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

العزيز غارسيا

تحدثنا أكثر من مرة عن فكر وكتابة الياس خوري. أهديك هذا المقال اليوم، مقال الياس الخوري "الرثائي"؟ او قل "التمجيدي" لكاتب عظيم اسمه نجيب محفوظ، رحل ولم يرحل.


[align=center]وداعـــــــاً لــزمــــــن الالـتـــــبـاس [/align]

شاع نبأ موته قبل ان يموت، وكُتبت عنه كلمات الرثاء قبل ان يمضي. ارتفع تمثاله في القاهرة الى جانب الراحلين قبل ان يموت. فالثقافة العربية عاملت نجيب محفوظ في وصفه نصباً ادبياً منذ نيله جائزة نوبل للآداب عام 1988. عاش محفوظ ثمانية عشر عاما في وصفه العربي الأول، ومات في الأمس في وصفه الكاتب العربي الوحيد الذي كسر جدار الجائزة، وقفز الى المكانة التي لم يصل اليها اساتذته وزملاؤه وتلامذته.
اقترح ادوارد سعيد، في معرض قراءته الرواية العربية الجديدة، ان نقول لنجيب محفوظ وداعاً، ونمضي في طريق التجربة الجديدة. لكن ما لم يلحظه مؤلف "الاستشراق" ان مؤسس الرواية العربية كان سيد الالتباس. ووصل به الالتباس الى تقليد تلامذته، والتخلي عن واقعيته ورمزيته من اجل ان يكتب التراث بلغته، كما في "ليالي الف ليلة"، او ان ينتقل من الاستعارة والرمز في "اولاد حارتنا"، الى ما يشبه الواقعية السحرية في "ملحمة الحرافيش". وان يدير ظهره للاسلوب الطبيعي في "الثلاثية"، من اجل ان يكتب التعدد الصوتي في "ميرامار"، والهلوسة ما بعد الواقعية في "الشحاذ".
كيف نقول وداعاً للالتباس المحفوظي المدهش؟
عندما قرأنا سيرته، او بعضاً منها، فاجأنا الرجل في عاديته. موظف مواظب، ومثقف ظل، ووفدي سري. لا شيء يذكّر بالعمالقة الذين سبقوه، لا عناد طه حسين ومواجهاته، ولا طرافة توفيق الحكيم والتماعاته، ولا نزق عباس محمود العقاد وسلطته. كتب الظل في الظل، وبقي سيد المساومة.
حتى بعد نيله الجائزة الكبرى، سعى الى صفقة وسماح من الأزهر من اجل اعادة نشر روايته الممنوعة في مصر.
اختار كاتب الظل لغة تشبهه، عربية فصحى بسيطة ومسطّحة، لا تقعّر ولا بلاغة، لا عبقرية العامية التي نجدها في قصص يوسف ادريس ومسرحياته، ولا سحر الفصحى التي صاغها طه حسين، بل لغة وظيفية تروي الحكاية، وتعيش على سطحها. وذهب في رحلته الكبرى بحثا عن القاهرتين القديمة والجديدة. كان ادباء مصر ونقّادها يتفلسفون حول معنى الادب، في الوقت الذي انصرف فيه المتخرج من قسم الفلسفة في جامعة القاهرة الى كتابته. لم يطرح على نفسه اسئلة نظرية، بل ذهب الى الرواية وكتبها. بدأ رحلته مع الرواية التاريخية، قبل ان يكتشف بلزاك والمدرسة الطبيعية، ثم انتقل الى الواقعية فالرمزية، وعاد الى التراث كي يكتب من خلاله شيئا من الواقعية السحرية.
لكنه بقي في الالتباس. تعيش روايته في برزخ يصل ما بين عالمَي الحرافيش والهامشيين، وعالم السيد احمد عبد الجواد والسلطة في اشكالها المختلفة. لكن نجيب محفوظ لم يحسم خياراته، قرر ان يكون راوياً من خلال عيون الطبقة الوسطى القاهرية، مازجاً الخوف من السلطة بالسخرية منها، ورافعا لواء المساومة، التي جعلها فلسفته في الحياة والأدب.
لخّص محفوظ تاريخ الرواية العالمية في روايته، وقدّم للفن الروائي العربي تاريخاً لا يملكه، كأنه اجتاز بنا ثغرة التاريخ كي يسمح للرواية العربية بالتحرر من اعباء العلاقة بنموذج يحمل سلطة الغرب الى الأدب. وفي هذه الرحلة الطويلة والشيقة، كانت الرواية المحفوظية نافذة على المعرفة الاجتماعية، ووسيلة لاكتشاف الواقع، ورؤية عميقة تكشف اعماق النفس الانسانية وتناقضاتها.
لا نستطيع ان نمشي في حواري القاهرة وازقتها من دون ان نشعر بأننا نمشي على صفحات من روايات محفوظ، التي نقلت المدينة الى الكتاب، جاعلة منه جزءا من المدينة ودليلا اليها.
مات نجيب محفوظ، معلناً لا جدوى الموت. فالرجل الذي استنفد موته قبل ان يموت، يتحول اليوم اسما في تاريخ ادب العرب، الذي كان علامة نهضتهم الاساسية في العصر الحديث.
لن نقول اليوم وداعاً نجيب محفوظ.
ودّعناه من زمان بالاحترام والحب والتقدير الذي يستحقه كاتب عظيم ومؤسس، لكننا وامام سر الموت ننحني لذكراه، ونرحب به ضيفاً في عالم "رسالة الغفران"، التي صنعها المعري بابا للحوار المتواصل بين الأحياء والموتى.

الياس خوري
"النهار" 31 أغسطس 2006



imported_ريما نوفل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 31-08-2006, 09:23 AM   #[13]
imported_Garcia
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_Garcia
 
افتراضي

التحية لكل الذين مروا من هنا , ونحن نودع شيخ الرواية العربية ,
وعزاؤنا ما تركه للمكتبة العربية , من اعمال خالدة ستظل باقية لامد بعيد ..
وبرحيلة فقدت مصر احد رموزها الشامخة , وكم كان هذا العام مأساويا
على الثقافة العربية برحيل عدد من الكتاب والمفكرين ....
الى جنات الخلد ايها الاديب العظيم , بقدر ما قدمت للبشرية من ادب رصين
وعوالم مذهلة وكتابات ثرة ...



التوقيع: لو انى اكتشفت سر الحياة ... لعلمت حكمة الموت ( رباعيات عمر الخيام )
imported_Garcia غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 31-08-2006, 09:45 AM   #[14]
imported_Garcia
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_Garcia
 
افتراضي


عزيزتى ريما
تشكرى لاضافتك المميزة من درر مقالات صحيفة النهار , وبلا شك مقالة الاديب الياس خورى الذى اعطى الرجل , حقه بمقالته البديعة , لكن اقف عند جزئية صغيرة , وسوف اجعل الرد يكون من مقال للكاتب هاشم صالح :

اقتباس:
ورافعا لواء المساومة، التي جعلها فلسفته في الحياة والأدب.
الرد :
لكن عظمة نجيب محفوظ لا تعود فقط الى الاسلوب بالطبع، وانما تعود الى المضمون ايضا. وهنا نلاحظ انه جسّد على مدار تاريخه كل قيم التقدم، والعقلانية، والليبرالية، والعدالة الاجتماعية، والتسامح الديني، والنزعة الإنسانية. لقد عابوا عليه انه انتقد نظام عبد الناصر ورحب بالسادات، بل وافق على كامب دافيد ومعاهدة السلام. ولكن ماذا تريدونه أن يفعل؟ لقد شعر بحدسه العبقري ان التاريخ العربي أصبح مسدودا ويدور في حلقة مفرغة. وبالتالي فلا بد من فتحة بشكل أو بآخر، وشعر أيضا ان تقدم الشعوب العربية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يتحقق إلا إذا وضعنا حدا لهذا الصراع الذي استنفد كل الطاقات وأصبح عالة على حركة التاريخ في العالم العربي. ولذا فان نجيب محفوظ كان يعتقد بضرورة تغيير آلية الصراع أو أشكاله مع هذا العدو الجهنمي الذي يسيطر على التكنولوجيا الحديثة بما لا يقاس. كان يعتقد ان الشعب الجاهل الأمي الفاقد الحرية والكرامة لا يمكن ان ينتصر على شعب متعلم، مثقف، يستطيع ان يفتح فمه ويحاسب قادته متى شاء. وبالتالي فلنبتدئ بتعليم الشعوب العربية وإدخالها في جنة الحداثة والتقدم وبعدئذ نستطيع ان نطالب بالانتصار. بعدئذ تصبح مشكلة إسرائيل تحصيل حاصل: أي تنحل من تلقاء ذاتها. فالفضاء العربي الواسع بملايينه الثلاثمائة يستطيع ان يدحر أي عدو إذا ما ارتفع الى مستوى الشعوب المتحضرة وحل مشكلته مع نفسه ومع التكنولوجيا. لهذا السبب فإن إشكالية التخلف والتقدم كانت تشغل معظم روايات نجيب محفوظ وكتاباته.بهذا المعنى يمكن القول بأنه آخر الليبراليين الكبار في العالم العربي. انه آخر جيل العمالقة المتمثل بأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وعباس محمود العقاد وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وعشرات غيرهم. انه ينتمي الى ذلك الجيل الذي لم يكن مشوها من الناحية الآيديولوجية: أي لم يكن مصابا بمرض الديماغوجية السياسية على طريقة القومجيين أو الماركسيين أو الأصوليين. وهو الجيل الذي انقرض من الساحة العربية بعد إغلاق العصر الليبرالي العربي والتعددية الحزبية على يد جمال ...( انتهت المقال )

مخرج وسؤال : هل بالضرورة ان تعبر الشخصيات الروائية عن الكاتب نفسه ؟؟؟
او تحمل فكره ومعتقداته بالحياة ؟؟؟



التوقيع: لو انى اكتشفت سر الحياة ... لعلمت حكمة الموت ( رباعيات عمر الخيام )
imported_Garcia غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 31-08-2006, 10:47 AM   #[15]
imported_ريما نوفل
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

عزيزي غارسيا

برأيي ليس من الضروري ان تعبّر الشخصيات الروائية عن الكاتب نفسه، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر مدى انعكاس شخصية الكاتب في بعض شخصيات رواياته. هذا واقع.. ثم هناك الكثير من عصارة افكاره وكل ما تحملها من تناقضات تبدو اكثر وضوحاً في كتاباته. قد تكون أكثر الامور وضوحاً هي بعض المواقف السياسية، او بعض الصور الاجتماعية.
أما بالنسبة الى المقال الذي أوردته للكاتب هاشم صالح، فانا أضيف إليه قراءة أخرى من الكاتب اللبناني والشاعر عباس بيضون، شكلت العنوان الرئيسي لصحيفة "السفير" الصادرة اليوم في بيروت:


[align=center]وداعاً نجيب محفوظ .. راوي مصر وقمة الرواية العربية [/align]

عباس بيضون

طال عمر نجيب محفوظ واذا كان عمر المرء يقاس بما أثمره، فإن عمر نجيب محفوظ أطول من ذلك بكثير. لقد أنجز مكتبة كاملة وظل يكتب إلى أن شحّ بصره فاستبدل الكتابة بالإملاء وكان من روائع ما أملأ سيرته الذاتية وأحلامه. واذا كان نجيب محفوظ حاضرا في شيء فهو كتبه، الأرجح أنه آثر ان يعيش على هامشها، وان يكون في نهاية الأمر كائنا من حبر وورق وحروف. ليست حياة محفوظ دهليزا ولا سرا غائرا. ظل يقول انها حياة موظف لا حياة كاتب، انها دوام ونظام واجتماعات عائلية واصدقاء طفولة وكتابة. قد تكون حياته اغنى من ذلك كما يلمح آخرون لكن الرجل شاء ان يبعدها عن العيون، وان لا يكون بين القارئ وبين كتابه اي واسطة، وحسنا فعل فإن التشخيص والتجسس على المؤلف والنمذجة البطولية هي ما يتواطأ عليه القارئ والكاتب عندنا. نجيب محفوظ، إذن هو كتابه، وهذا الكتاب يطل عليه ويصفه لنا. يتطوع كثيرون للحديث عن لاعب الكرة القديم ولاعب <القافية> وابن الحارة المصرية وذي الحياة السرية والوفدي والمتفلسف، لكن كل هذا لا يساوي الصورة التي تستنتجها من كتبه. يتراءى ان حياة محفوظ الاغنى والأكثر صدامية موجودة فيها. في هذه الروايات نجد فلسفة وسياسة وتجربة ومواقف نجيب محفوظ. ليس لنجيب محفوظ فلسفة متكاملة ولا تبني الروايات نظما فلسفية على كل حال لكن له مزاجا فلسفيا ومقاربة فلسفية. فالأرجح ان روايات محفوظ، اذا اخذنا ثلاثيته مثلا، تصور التكون الصعب وشبه المأسوي للفرد العربي، كما تصور البحث المضني عن المكان المفقود التاريخي والأنطولوجي والسياسي للعربي المعاصر، كما تصور البناء التأسيسي وشبه العبثي احيانا للمدينة والتاريخ والمجتمع. رواية محفوظ هي رواية هذا التأسيس وهي بالتأكيد ملحمته ولوحة احتدامه وغلياناته التي تنتهي غالبا بأن تأكل نفسها او تتطاحن بلا نتيجة.
لم يقدم نجيب محفوظ نفسه كمناضل من اي نوع، غير انه لم ينحن كفرد لأي نظام وإن يكن تجنب العاصفة. روايات نجيب محفوظ ليست في احتياط نجيب محفوظ وربما حماها بسكوته الشخصي. ما تقوله هذه الروايات بلغة روائية، لا تتساهل في هذه الناحية، نقد عميق وداخلي لخيانة النظم العسكرية التي هي ايضا خيانة طبقية وايديولوجية قدر ما هي افتضاح ثقافة فوقية طنانة. يذهب دارسو محفوظ الى التشديد على تاريخانيته، أي ايمانه بالتاريخ واتكاله عليه ورده العالم والاشياء اليه. والحق ان روايات نجيب محفوظ، عدا عن انها روايات افراد في صراعهم مع شروطهم التاريخية، فإن التاريخ عند محفوظ خال من اي مهدوية او خلاصية. انه مليء بالعكس بالسخرية التي يتقنها محفوظ وبقدرية تشارف العبث او اليأس. طالما عثرنا في روايات محفوظ على الدرويش او الصوفي الذي يتكلم بلغة إشارية احتمالية ناظرة للمستقبل، لنقل ان دراويش محفوظ كانوا غالبا صورة لليأس من اي مهدوية ووقوع التاريخ في عجز نفسه. بدا في وقت بأن رواية نجيب محفوظ هي رواية التأسيس المديني وان الزمن تجاوزها بقدر ما تجاوز هذا التأسيس. اشتبه نقاده وروائيو ما بعد جيله في ان أفراده لا يقولون كلمتهم الخاصة وانهم في حربهم مع ظروفهم يتركون الكلمة الأخيرة لها. لا نشك ان نجيب محفوظ ما كان ليترك للنفس الانسانية ان تنطلق في اغنية غير محدودة، ما كان ليؤمن بعجائب اللاوعي ولا طوفان الشعر الداخلي. رؤيته مليئة بالسخرية والنقد واليأس الصلب. واقعيته اذا جازت التسمية هي واقعية التحولات المسخية والتشوهات التدريجية والخيانة الاصلية (على غرار الخطيئة الاصلية) وكل هذا لا يقال الا بوضوح كامل وعصابي ايضا وبفم مليء بالشكوك وبمحاكمة شبه منطقية. كانت صورة العالم الواضحة المليئة بالزوايا الحادة وبالكتل الصريحة اكثر معاصرة لدى نجيب محفوظ منها لدى كثيرين من منتقديه الروائيين الذين مال بعضهم من حيث يدري ولا يدري الى ريفية كامنة والى نوستالجيا أثرية والى غناء هوية والى تاريخانية خلاصية ومهدوية. والآن وقد اكتمل الاثر المحفوظي وبعد ان زالت ثورات لم يترك بعضها الا الزبد فإن الاثر المحفوظي اكثر ما يكون شبها بنا. واذا جاز للمثقفين مثلا ان يبحثوا عن عارهم الخاص وتاريخهم الفعلي الذي تنكبوا عن ان يكتبوه فعلا فسيرونه في <ثرثرة فوق النيل> و<اللص والكلاب> اكثر مما يجدونه في روايات اكثر شبابا.
نجيب محفوظ مؤسس. ليس قطعا فحسب في الرواية العربية، بل هو الاول في ما ندعوه الرواية العربية المعاصرة. ليس مؤسسا فحسب بل هو صانع هذه الرواية وواضع هذا النوع الذي نسميه الرواية العربية، انها في الواقع لحظة تأسيس تاريخية اجتماعية ايضا. رواية محفوظ تحمل لحظة تبلور المدينة المصرية المعاصرة، صنع محفوظ المقابل الروائي لهذه اللحظة المركبة. لقد وجد النص الروائي، اعطاه اولوية وجعله نهاية في ذاته. لقد خلص النص الروائي من شوائب مراحل وزيادات لاحقة واختلاطات لسواه. خلصه من الشعر الكاذب والتفنن البلاغي والانشاء والنوستالجيا الريفية والمسخ العاطفي والافكار المسبقة والمثالات الضمنية والانحيازات اللاحقة. بدا النص الروائي لذلك صارما حديديا محايدا وشبه لا شخصي، واذا اضفنا قلنا قاسياً وواضحاً. لقد جعل محفوظ الأفكار والمشاعر والشطحات والفيوضات الداخلية لعبة النص الروائي. انها في الغالب ادوار سرعان ما تنتهي الى غايتها وتستهلك نفسها فيه. وُجد الكاتب الذي لا يسلم نصه لأي رهان، الرواية تستنفد كل شيء وتحيله ركاما. الرواية اي اللعبة، اي البناء، اي الميزان والحركة هي الغاية وكل ما فيها تابع لها وليس شيئا سوى مادتها وجبلتها. اخترع نجيب محفوظ الرواية العربية وكان من الدهاء بحيث أمّن لها ان لا يطيح بها حاجز ايديولوجي او نفسي او أدبي. مع ذلك فإن لنجيب محفوظ رؤية القاع. التهافت والتخلع والانحطاط والخيانة هي الواقع بالنسبة لنجيب محفوظ. انه واقع يتفاعل نزولا وفي تكشف تدريجي لقاعه. من هنا رتابة العالم المحفوظي. انه لا يجد باهرا ولا قفزة حقيقية ولا ابتكارا فعليا في هذا التحول. من هنا فانتازياه الضمنية. من هنا تشاؤم عقلي يجعل محفوظ شبيها من بعيد بسويفت ورابليه، تشاؤم لا يملؤه سوى ذكاء لمّاح لم يعوز نجيب محفوظ وسخرية لاذعة كانت سلاحه الخفي.
بدا نجيب محفوظ وكأنه بين أدبائنا الوحيد الذي يملك نموذجا، لم يكن خاصا لكنه كان متكاملا. كان يمكن ان نقارن نجيب محفوظ ببلزاك، والقول أنه لم يمر بالتأكيد بجويس وفوكز وبروست. لقد تأخر هنا لكنها كانت المسافة ذاتها التي يبدأ منها كل تحديث عربي. مع ذلك فإن المسألة لا تقاس هكذا. لم يكن نجيب محفوظ مستخفا بالشكل الروائي، في الواقع لحق بداريل من دون افراط في ميرامار ولحق بتيار الوعي في <الشحاذ> وغيره. هذه المحاكاة لم تخدم الاثر الروائي المحفوظي ولم تبد لازمة له وان دلت على ديناميته. الآن وقد غدت المغامرة الشكلية هذه في تاريخ الرواية وانطوت في العملية الروائية من دون ان تكون شرطا، الآن يبدو البناء الكلاسيكي المحفوظي اقل قدما. بل يبدو ان العالم الذي يقدمه هو الذي يميز شكله. عالم مقابل بالتأكيد للارتطامات العمياء والدورانية للتاريخ المصري المعاصر ولتاريخنا الحديث كله. عالم اللامكان واللا إسم واللا هوية واللا موقع، عالم البحث عن مكان مفقود والخوض في صراعات زائفة والعودة القدرية الى بدء مستأنف. هذا العالم هو الذي يحدد الشكل المحفوظي الصارم الذي أقام بناء الرواية العربية وكان ثقيلا أحيانا، لدرجة ان أساليب واشكالات عدة خرجت من تصدعاته.
يبدو الأثر المحفوظي متسلسلاً متداخلاً كدوائر الماء وحارات الملك. إنه يكسب في تواتره هندسة مدينية. بل هو نوع من قاهرة مكتوبة فإذا أخذنا الأثر في مجموعة بدا في تواتره ذا مسحة شرقية. بل بدا رغم بنائه الكلاسيكي متصلاً اتصال ألف ليلة وليلة، ألف ليلة وليلة سوداء، تحولاتها بطيئة لكن ماسخة ومهلكة وذات طابع انحداري.
حاز نجيب محفوظ جائزة نوبل له شخصيا وللثقافة العربية وللظروف التي أحاطت بالعالم العربي يومذاك، هكذا يحدث كل مرة لدى منح نوبل. بعض مواقف محفوظ من الصراع العربي الاسرائيلي اعجبت ولم تعجب، لكنها كانت في سياق موقف علماني تحديثي، استحق عليه سكينا في رقبته. لم يسافر لاستلام الجائزة وأوكل ابنته بذلك بدلا عنه. لم يسافر محفوظ الا مرة واحدة مرغما الى اليمن بتكليف من عبد الناصر. لقد نجح وفرض نفسه قمة للأدب العربي بأدبه وحده. من دون سلطة ولا علاقات عامة اعطى نجيب المثل بأن احترام الأدب هو ايضا احترام للذات والتزام بالحرية. بهذا الأدب كان معارضا وناقدا صلبا وواعيا للغاية، وبهذا الأدب كان ايضا قويا بحيث تجنبته شرطة الأدب وحادت عنه. لقد جعل من أدبه سلطة فعلية واليوم نرى موته وكأن امبراطورية هوت والفراغ، الذي يتركه لا يتركه سوى قلائل.
(انتهى المقال)



imported_ريما نوفل غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 11:48 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.