التاريخ مجرد كذبة متفق عليها (منقول)
يقال إنه في عام 1962 تم منح الزعيم الافريقي نيلسون مانديلا "جواز سفر" سوداني، وذلك قبل اعتقاله من قبل نظام الاباتريد، للتأكيد على أن السودان كان داعماً لحركات التحرر الافريقية، لكن المفارقة هي أن مانديلا نفسه لم يشير الي حادثة الجواز السوداني المزعومة في سيرته الذاتية التي حواها كتاب أسماه "رحلتي الطويلة الي الحرية" وفيما يتعلق بالسودان، اورد مانديلا القصة التالية :
{ .. توقفت الطائرة في الخرطوم، واتجهنا نحو الجمارك، كان أمامي في الطابور جوماثيوز وخلفي باسنر وزوجته . ونظرا إلى أنني لم أكن أحمل جواز سفر، فقد أعطيت وثيقة من ورقة واحدة في تانجانيقا كتب عليها ( هذا هو نيلسون مانديلا مواطن من جنوب أفريقيا , مصرح له بمغادرة تانجانيقا والعودة إليها ).. أبرزت تلك الورقة لموظف الجوازات المتقدم في السن، في الطرف الآخر من المنضدة، فتفرس في وجهي وإبتسم ثم قال :
– مرحبا بك يا بنى في السودان.
صافحني ثم ختم على الوثيقة , وعندما جاء دور باسنر أبرز للرجل العجوز وثيقة تشبه وثيقتي ففحصها بإمعان ثم سأله بإنزعاج :
– ما هذه الوريقة ؟ إنها ليست وثيقة رسمية؟
أخبره باسنر بكل هدؤ إنها أعطيت له فى تانجانيقا لأنه لا يحمل جواز سفر , فرد عليه بإزدراء :
– لا تحمل جواز سفر وأنت رجل أبيض ؟
رد باسنر أنه تعرض للإضطهاد في وطنه، لأنه كافح من أجل حقوق السود ..
ولكن الموظف السوداني نظر إليه في ريبة ثم قال :
– كيف ذلك وأنت رجل أبيض؟
تبادلت نظرة مع جوماثيوز وهمس لي بألا أتدخل لأننا ضيوف على السودان، ولا ينبغي أن نسئ لمضيفينا , ولكن باسنر إضاف لأنه كان رئيسي في العمل , وكان من البيض الذين عرضوا أنفسهم للخطر في سبيل تحرير الرجل الأسود , ولم أكن لأسمح لنفسي بالتخلي عنه في ذلك الموقف .. توقفت قريبا من الموظف السوداني أهز رأسي مؤمنا على إجابات باسنر لتزكية فيما يقول ، فتفهم الموظف موقفي وخفف من حدته ثم ختم الوثيقة وقال لباسنر في هدؤ:
– مرحبا بك في السودان. انتهي
كان هذا ما اختطه مانديلا واصفاً وقع خطواته الاولي في السودان، لكن الصحفي المخضرم عبد العظيم صالح اورد رواية تختلف تماماً عن ما أورده مانديلا في كتابه، فيقول عبد العظيم، وطبقا لمقالة ممهورة له في موقع الراكوبة الآتي : وزيارة نيلسون مانديلا كانت في مطلع 1962 وخطط لها بواسطة وزارة الحربية (الدفاع) مع وزارة الخارجية بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية وكان وقتها وزير الدفاع الرئيس إبراهيم عبود نفسه يشغل المنصب ووزير الخارجية أحمد خير ومدير الاستخبارات العسكرية محمد الصادق فريد وحرسه الخاص أحمد يحيى منصور. وتم استقبال المناضل نيلسون مانديلا بالمطار، وكان في استقباله اللواء محمد نصر عثمان (أبو يمن) وزير الاستعلامات ومدير الاستخبارات. انتهي ..
فإذا كان ما أورده الصحفي عبد العظيم يحمل شئ من الحقيقة، لا كلها، فما الذي يضير مانديلا أن يذكر جزئية أستقباله الرسمي، وحقيقة الجواز السوداني الذي حظي به في الخرطوم، لماذا اكتفي مانديلا فقط بذكر جزئية الحوار الذي جرى مع موظف الجوازات، ولم يكن هذا الحوار "كما تقراء السطور التي إخطتها مانديلا بنفسه، مع موظف الجوازات، يحمل أي طابع رسمي، سوي حالة الاستغراب التي أبداها موظف الجوازات تجاه وثيقة بانسر!!
ثم يعود عبد العظيم للتأكيد بأنه تمت استضافة مانديلا بالفندق الكبير فيقول :{ تم إنشاء الفندق الكبير في عام 1902م وتم تجديده في مطلع الستينيات. ونزل مانديلا ضيفاً على الغرفة 217 المطلة على النيل الأزرق لمدة أربعة أيام عام 1962. وتم اللقاء أثناء تواجده بوزير الخارجية أحمد خير بمكتبه بوزارة الخارجية. ولقد كان للسودان موقف مشرف ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ويعد من أوائل الدول الأفريقية التي ثبتت ودافعت والتزمت بمساندة حركات التحرر الأفريقي ومن بينها حركات جنوب أفريقيا، ويعد السودان الدولة الأولى في أفريقيا التي اتخذت قرار مقاطعة نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، لقد شمل نظام المقاطعة عدم السماح بزيارة جنوب أفريقيا ومنع خطوط الطيران البريطانية من العبور والهبوط في مطار الخرطوم للتزود بالوقود. انتهي
أما طبقا مذكرات مانديلا فإنه يقول :
{ وفى "الخــرطــوم" إستقبلني موظف الخطوط البريطانية، الذي أخبرني أن رحلتي إلى "دار السلام" لن تقلع إلا اليوم التالي، و أنهم حجزوا لي غرفة فى فندق درجة أولى داخل المدينة. عندها أصبت بخيبة أمل كبيرة، فقد كنت أفضل أن أقيم، على الأكثر، فى فندق درجة ثالثة لا يحظى بأي شهرة، ... و عندما تم إنزالي أمام الفندق، كان على أن أمشى عبر صالة الفندق الطويلة و الأنيقة، حيث كان هناك عدد من "البيض" يجلسون يتناولون المشروبات. و كان هذا بالطبع قبل ظهور أجهزة الكشف عن المعادن و التفتيش الأمني، وقد كنت أضع مسدسي الأوتوماتيكي فى جراب داخل الجاكيت بينما ألف شريط المائتى رصاصة حول خاصرتي داخل البنطلون، وكان معي أيضا بضعة آلاف من الجنيهات نقدا. أحسست و أنا أعبر الصالة أن كل هؤلاء "البيض" المتأنقين يتفحصونني بأشعة "اكس"، و أنه سوف يُلقى القبض علىّ فى أي لحظة، ولكن أخيراً وصلت إلى غرفتي بسلام، ... بعد ذلك، خلال تلك الليلة، كنت كلما سمعت خطوات "الجرسون" تقترب من باب غرفتي، عند طلب خدمة الغرفة، يصل توتر أعصابي أعلى مداه...}
تري لماذا يتوتر مانديلا طالما ان زيارته للسودان كانت رسمية، طبقا لرواية عبد العظيم ؟ هل كان مانديلا يخشى أن يتم كشف السلاح الذي يتأبطه، طالما انه قدم الي السودان بدعوة من الحكومة السودانية ؟وهل كانت الحكومة السودانية لا تعلم بحقيقة السلاح الذي يحمله، حتي يذكر مانديلا هذه الجزئية "المرعبة" التي حدثت في الفندق في مذكراته !؟
ليست المشكلة في الإدعاء بإن السودان دعم حركات التحرر الافريقية، بل ان المشكلة تكمن في تذيف التاريخ بشكل سافر، ولا يقدم للحقيقة إي قربان للصدق، فكيف يستوي عقلا ان يدعم السودان حركات التحرر الافريقية، اذا كان السودان نفسه لا يؤمن بمبداء الحرية . و إذا كان السودان داعماً رئيساً لجميع حركات التحرر الافريقية، بما فيها حزب المؤتمر الأفريقي الذي يتزعمه مانديلا . فبإي منطق إذن تم دعمه وقتذاك، اذا كان ما ناضل من أجله مانديلا، الي الآن، هو عين ما نفتقد !!
|