مروي الصمود
(٢)
كان طلبة الإِعادة لايُسْمَح لهم بالانتظام في الدِّراسة إِلَّا من بداية الفترة الدِّراسيَّة الثَّانية ؛ ولذا ذهبتُ إِلى مَرَوِيْ الثَّانويَّة حيث قُبِلْتُ للإِعادة ، يوم السَّبت 26/سبتمبر/1970م . في يوم الإِثنين 28/سبتمبر/1970م تُوُفِّيَ الرَّئِيس جمال عبدالنَّاصر عند السَّاعة السَّادسة والرُّبع مساء ؛ بعد انسداد أَحد الشَّرايين كما أُذيعَ في أَجهزة الإِعلام . في اليوم التَّالي خرجت المدرسة في موكب صامت حزين مُنَظَّم بدقَّة بهذه المناسبة ، وأَعلنت إِدارة المدرسة ذاك اليوم إِجازة حدادًا على الرَّئِيس المصري . تعجَّبتُ لهذا الموكب الَّذي خرجتُ فيه كلَّ المدرسة إِلَّا فئَة قليلة . لكنَّ عجبي سرعان ما زال حين علمتُ أَنَّ المجموعتين السَّياسيَّتين الرَّئيسيتين بالمدرسة هما : الشُّيوعيُّون يليهم القوميُّون العرب ، أَمَّا الاتِّجاه الإِسلامي فكان منتسبوه أَقليَّة في تلك الأَيَّام . وقد تأَكَّدت لي أَغلبيَّة الشُّيوعيِّين في مناسبتين ، إِحداهما نتيجة انتخابات الاتِّحاد الَّتي أُعلنت يوم الخميس 15/أُكتوبر/1970م ؛ حيث فاز الشُّيوعيُّون بأَحد عشر مقعدًا وفاز المستقلُّون بمقعد واحد ، من مقاعد اللَّجنة التَّنفيذيَّة للاتِّحاد الاثنى عشر . وحتَّى هذا المُسْتَقِل عرفتُ فيما بعد أَنَّه شيوعي . أَمَّا الاتِّجاه الإِسلامي الَّذي خاض تلك الانتخابات، فلم يفز بأَيِّ مقعد من مقاعد الاتِّحاد. وقد سمعتُ أَحد الشُّيوعيِّين يتحدَّث إِلى آخَر عقب ظهور النَّتيجة

الجماعة فرمناهم فَرِم وقطَّعناهم الفَرفَرَة)، وكان يعني جماعة الاتِّجاه الإِسلامي . أَمَّا المناسبة الثَّانية فقد كانت يوم الإِثنين 16/نوفمبر/1970م ؛ حين أَقصى جعفر نميري عليه رحمة اللَّه كلًّا من فاروق عثمان حمداللَّه وبابكر النُّور وهاشم العطا عليهم رحمة اللَّه من جميع مناصبهم الحكوميَّة بمجلسي قيادة الثُّورة والوزراء . ساد المدرسة في تلك اللَّيلة وجوم وغضب شديدين ؛ وفي الصَّباح خرجت الصُّحف تكيل السَّباب للنِّميري وزبانيته وتتوعَّد وتهدِّد . خرجتُ من هاتين المناسبتين بأَنَّني الآن في مدرسة يختلف طُلَّابها في وعيهم السَّياسي كلِّيَّة عن طُلَّاب مدرستَي كسلا وعطبرة الحكوميَّة الثَّانويَّتين اللَّتين درستُ بهما من قبل . وكان عَلَيَّ ــ وأَنا الَّذي لا أَنتمي إِلى أَيِّ حزب سياسي أَو كتلة سياسيَّة ــ أَنْ أَكون حذِرًا للغاية ؛ إذ كلُّ شيء يبدر من أَيِّ طالبٍ سيفسَّر من قِبَل الاتِّجاه السِّياسي المناوىء لاتِّجاهه تفسيرًا سياسيًّا . هكذا كنتُ أَظنُّ ، ولكنَّني فيما بعد تيقَّنتُ من خطأِ ظنِّي هذا ؛ إِذ تجاوز طُلَّاب مروِي الثَّانويَّة هذه المرحلة البدائِيَّة وفرَّقوا بين سلوك المرء العام وبين انتمائِه الحزبي .
فى سنة 1961م زار مدينة مروِي الفريق إِبراهيم أَحمد البشير عليه رحمة اللَّه (إِبراهيم عَبُّود. وُلِدَ الخميس 05/9/1899م وتُوُفِّيَ الخميس 08/9/1983م) ، رئِيس المجلس الأَعلى للقوَّات المسلَّحة السُّودانيَّة ورئِيس مجلس الثُّورة ، الَّذي حكم البلاد منذ الإِثنين 17/نوفمبر/1958م وحتَّى الأَربعاء 21/أُكتوبر/1964م . استقبلته الجماهير استقبالًا عظيمًا يليق برئِيس دولة فتية ، وقدَّم له المواطنون عدَّة مطالب ، من أَبرزها إِنشاء مدرسة ثانويَّة للبنين بالمنطقة . في العام التَّالي أَي في عام 1962م ؛ قُبِلَت أَوَّل دفعة بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . فقد حُوِّلَ فصلان من فصول السَّنة الأُولى بمدرسة حنتوب الثَّانويَّة إِلى مروِي ؛ فكانا النَّواة الأُولى للمدرسة الثَّانويَّة . كان أَوَّل ناظر للمدرسة الأُستاذ محمَّدصالح محمَّد عليه رحمة اللَّه ؛ وهو من وادي حلفا . درس هذا الفصلان بمباني مدرسة مروِي الوُسْطَى لمدَّة ثلاثة أَشهر تقريبًا ، حُوِّلت بعدها المدرسة إِلى (صَرَاية جِكْسِم) ــ كما ينطِق الأَهالي الكلمتين ــ الواقعة على النِّيْل في آخِر مدينة مروِي ، والقريبة جدًّا من (أَبُوْدُوم) . و جِكْسِم هو السِّير هربرت وليم جاكسون باشا ، أَحد إِداريِّ الحكم الإِنجليزي فى السُّودان وحاكم مديريَّة دنقلا الَّتي كانت مروِي من أَهمِّ مدنها ، لمدَّة اثنين وعشرين عامًا . وقد سُمِّيْت إِحدى البواخر النِّيليَّة باسمه ، وتغنَّى أَحد الشُّعراء بمحبوبته الَّتي فرَّقت الباخرة بأَنوارها الكاشِفة بينه وبينها :
جِكْسِم باشا ابْ رَتَايِنْ
بِنُصَّ البَحَرْ عايِمْ
حِسِيْسُو يَتَوِّر النَّايِمْ
شال الرَايْقَةْ خلَّانا
اللَّهْ يَضُرُّو ضَرَّانا
كانت تلك الباخرة تُدْفَع بدولاب ، لا بـالرِّيَش كما في البواخر الحديثة . وقد غُيِّرَ اسمها بعد الاستقلال إِلى (السَّنْجَك) . وهي من البواخر الَّتي توقَّفت عن العمل ، مثلها مثل فكتوريا ووِتْر اللّيل وبقيَّة البواخر ، الَّتي لم يبقَ منها ــ حسب علمي ــ سِوَى الرَّفاص (الفاتِح) ، الَّذي شارك بفعاليَّة في معارك حملة استرداد السُّودان بقيادة اللُّورد كتشنر .