منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-10-2016, 06:16 PM   #[16]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(١)


كنتُ أَنوي الإِعادة بمدرستي القديمة عطبرة الثَّانويَّة الحكوميَّة ؛ فغادرتُ كَرِيْمَة بالقطار في تمام السَّاعة الثَّالثة والدقيقة العاشرة من بعد ظُهْر يوم الجمعة 04/سبتمبر/1970م ؛ ووصلتُ عطبرة في تمام السَّاعة الثَّامنة والثُّلث من صباح اليوم التَّالي . فى اليوم الثَّاني لوصولي إِلى مدينة عطبرة قابلتُ الأَخ الأُستاذ محي الدِّين جاهُوْرِي عليه رحمة اللَّه ؛ الَّذي أَخذني إِلى ناظر المدرسة . فهمتُ من النَّاظر أَنَّه لم يُتقرَّر بعد إِن كانت هناك فرص للإِعادة هذا العام أَم لا ، وحتَّى إِن وُجِدَت فإِنَّ على الطَّالب العائِد أَن يدبِّر أَمر سكنه في غير داخليَّات المدرسة ، أَي أَن يسكن خارجيًّا . بعد أَن قضيتُ أَيّامًا ممتعة مع أَفراد شلَّتي وقابلتُ بعض زملائِي في الدُّفعة ، غادرتُ عطبرة في تمام السَّاعة 7: 57 من صباح الجمعة 18/سبتمبر/1970م ووصلتُ كريمة في تمام السَّاعة 3 : 43 من بعد ظُهْر اليوم التَّالي ، وذلك بعد أَن قرَّرتُ أَن أَنحاز إِلى رأْي والدي . كان والدي عليه رحمة اللَّه يحبذ أَن أُعيد بمدرسة مَرَوِيْ الثَّانويَّة ؛ لكنَّني كنتُ أَرفض ذلك ، أَمَّا الآن فقد رضيتُ . وكان والدي قد كتب قبل ذلك خطالبًا إِلى ناظر مدرسة مَرَوِي الثَّانويَّة :
(القرير 14/9/1970
السيد الفاضل ناظر مدرسة مروى الثانويه
بمروى
تحية طيبه مباركه ـ
عندى ولد يدعى (على احمد الرفاعى) كان طالب بمدرسة عطبره الثانويه وقد نجح فى امتحان السنه الرابعه الثانويه للعام الماضى ولكن بكل اسف فانه لم يقبل بالجامعه وعليه اريده ان يعيد بالسنه الرابعه لعام 70/71بمدرسة مروى الثانويه فارجو التكرم بقبوله وسوف ارسله لك فى الوقت المناسب عند ابتداء الدراسه هذا العام . ارجو ان اتقدم لك بعظيم الشكر والتقدير مقدما ولك فائق احترامى ،
المخلص
احمد الرفاعى عبدالهادى
مزارع بالقرير) .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 06:17 PM   #[17]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٢)

كان طلبة الإِعادة لايُسْمَح لهم بالانتظام في الدِّراسة إِلَّا من بداية الفترة الدِّراسيَّة الثَّانية ؛ ولذا ذهبتُ إِلى مَرَوِيْ الثَّانويَّة حيث قُبِلْتُ للإِعادة ، يوم السَّبت 26/سبتمبر/1970م . في يوم الإِثنين 28/سبتمبر/1970م تُوُفِّيَ الرَّئِيس جمال عبدالنَّاصر عند السَّاعة السَّادسة والرُّبع مساء ؛ بعد انسداد أَحد الشَّرايين كما أُذيعَ في أَجهزة الإِعلام . في اليوم التَّالي خرجت المدرسة في موكب صامت حزين مُنَظَّم بدقَّة بهذه المناسبة ، وأَعلنت إِدارة المدرسة ذاك اليوم إِجازة حدادًا على الرَّئِيس المصري . تعجَّبتُ لهذا الموكب الَّذي خرجتُ فيه كلَّ المدرسة إِلَّا فئَة قليلة . لكنَّ عجبي سرعان ما زال حين علمتُ أَنَّ المجموعتين السَّياسيَّتين الرَّئيسيتين بالمدرسة هما : الشُّيوعيُّون يليهم القوميُّون العرب ، أَمَّا الاتِّجاه الإِسلامي فكان منتسبوه أَقليَّة في تلك الأَيَّام . وقد تأَكَّدت لي أَغلبيَّة الشُّيوعيِّين في مناسبتين ، إِحداهما نتيجة انتخابات الاتِّحاد الَّتي أُعلنت يوم الخميس 15/أُكتوبر/1970م ؛ حيث فاز الشُّيوعيُّون بأَحد عشر مقعدًا وفاز المستقلُّون بمقعد واحد ، من مقاعد اللَّجنة التَّنفيذيَّة للاتِّحاد الاثنى عشر . وحتَّى هذا المُسْتَقِل عرفتُ فيما بعد أَنَّه شيوعي . أَمَّا الاتِّجاه الإِسلامي الَّذي خاض تلك الانتخابات، فلم يفز بأَيِّ مقعد من مقاعد الاتِّحاد. وقد سمعتُ أَحد الشُّيوعيِّين يتحدَّث إِلى آخَر عقب ظهور النَّتيجةالجماعة فرمناهم فَرِم وقطَّعناهم الفَرفَرَة)، وكان يعني جماعة الاتِّجاه الإِسلامي . أَمَّا المناسبة الثَّانية فقد كانت يوم الإِثنين 16/نوفمبر/1970م ؛ حين أَقصى جعفر نميري عليه رحمة اللَّه كلًّا من فاروق عثمان حمداللَّه وبابكر النُّور وهاشم العطا عليهم رحمة اللَّه من جميع مناصبهم الحكوميَّة بمجلسي قيادة الثُّورة والوزراء . ساد المدرسة في تلك اللَّيلة وجوم وغضب شديدين ؛ وفي الصَّباح خرجت الصُّحف تكيل السَّباب للنِّميري وزبانيته وتتوعَّد وتهدِّد . خرجتُ من هاتين المناسبتين بأَنَّني الآن في مدرسة يختلف طُلَّابها في وعيهم السَّياسي كلِّيَّة عن طُلَّاب مدرستَي كسلا وعطبرة الحكوميَّة الثَّانويَّتين اللَّتين درستُ بهما من قبل . وكان عَلَيَّ ــ وأَنا الَّذي لا أَنتمي إِلى أَيِّ حزب سياسي أَو كتلة سياسيَّة ــ أَنْ أَكون حذِرًا للغاية ؛ إذ كلُّ شيء يبدر من أَيِّ طالبٍ سيفسَّر من قِبَل الاتِّجاه السِّياسي المناوىء لاتِّجاهه تفسيرًا سياسيًّا . هكذا كنتُ أَظنُّ ، ولكنَّني فيما بعد تيقَّنتُ من خطأِ ظنِّي هذا ؛ إِذ تجاوز طُلَّاب مروِي الثَّانويَّة هذه المرحلة البدائِيَّة وفرَّقوا بين سلوك المرء العام وبين انتمائِه الحزبي .
فى سنة 1961م زار مدينة مروِي الفريق إِبراهيم أَحمد البشير عليه رحمة اللَّه (إِبراهيم عَبُّود. وُلِدَ الخميس 05/9/1899م وتُوُفِّيَ الخميس 08/9/1983م) ، رئِيس المجلس الأَعلى للقوَّات المسلَّحة السُّودانيَّة ورئِيس مجلس الثُّورة ، الَّذي حكم البلاد منذ الإِثنين 17/نوفمبر/1958م وحتَّى الأَربعاء 21/أُكتوبر/1964م . استقبلته الجماهير استقبالًا عظيمًا يليق برئِيس دولة فتية ، وقدَّم له المواطنون عدَّة مطالب ، من أَبرزها إِنشاء مدرسة ثانويَّة للبنين بالمنطقة . في العام التَّالي أَي في عام 1962م ؛ قُبِلَت أَوَّل دفعة بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . فقد حُوِّلَ فصلان من فصول السَّنة الأُولى بمدرسة حنتوب الثَّانويَّة إِلى مروِي ؛ فكانا النَّواة الأُولى للمدرسة الثَّانويَّة . كان أَوَّل ناظر للمدرسة الأُستاذ محمَّدصالح محمَّد عليه رحمة اللَّه ؛ وهو من وادي حلفا . درس هذا الفصلان بمباني مدرسة مروِي الوُسْطَى لمدَّة ثلاثة أَشهر تقريبًا ، حُوِّلت بعدها المدرسة إِلى (صَرَاية جِكْسِم) ــ كما ينطِق الأَهالي الكلمتين ــ الواقعة على النِّيْل في آخِر مدينة مروِي ، والقريبة جدًّا من (أَبُوْدُوم) . و جِكْسِم هو السِّير هربرت وليم جاكسون باشا ، أَحد إِداريِّ الحكم الإِنجليزي فى السُّودان وحاكم مديريَّة دنقلا الَّتي كانت مروِي من أَهمِّ مدنها ، لمدَّة اثنين وعشرين عامًا . وقد سُمِّيْت إِحدى البواخر النِّيليَّة باسمه ، وتغنَّى أَحد الشُّعراء بمحبوبته الَّتي فرَّقت الباخرة بأَنوارها الكاشِفة بينه وبينها :
جِكْسِم باشا ابْ رَتَايِنْ
بِنُصَّ البَحَرْ عايِمْ
حِسِيْسُو يَتَوِّر النَّايِمْ
شال الرَايْقَةْ خلَّانا
اللَّهْ يَضُرُّو ضَرَّانا
كانت تلك الباخرة تُدْفَع بدولاب ، لا بـالرِّيَش كما في البواخر الحديثة . وقد غُيِّرَ اسمها بعد الاستقلال إِلى (السَّنْجَك) . وهي من البواخر الَّتي توقَّفت عن العمل ، مثلها مثل فكتوريا ووِتْر اللّيل وبقيَّة البواخر ، الَّتي لم يبقَ منها ــ حسب علمي ــ سِوَى الرَّفاص (الفاتِح) ، الَّذي شارك بفعاليَّة في معارك حملة استرداد السُّودان بقيادة اللُّورد كتشنر .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 06:18 PM   #[18]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود

(٣)

م تحوَّل المدرسة إِلى مبانيها الحالية إِلَّا في سنة 1964م . وظلَّت تحافظ منذ إِنشائِها على مستواها الأَكاديمي المُشِرِّف ؛ فلم تخرج من المدارس العشر الأَوائِل ، ونافس طُلَّابها طُلَّاب أَعرق المدارس الثَّانويَّة في السُّودان في امتحانات الدُّخول للجامعات . بل إِنِّ أَوَّل امتحان الشَّهادة السودانيَّة الثَّانويَّة في سنة 1970م كان أَحد طلبتها ، وهو الأَخ جعفر محمَّد مالك ، والثَّالث في نفس تلك الشَّهادة في نفس ذاك العام ، من مدرسة مروِي الثَّانويَّة أَيضًا وهو الأَخ عثمان عبدالمجيد سليمان . لكنَّ المدرسة استسلمت في السَّنوات الأَخيرة للأَوضاع الكارثيَّة الَّتي حاقت بكلِّ المرافق في السُّودان عامَّة ، وبالتَّعليميَّة منها خاصَّة . وهناك سبب غير هذا الَّذي ذكرتُه يردِّده بعض خريجي مروِي الثَّانويَّة . فهذا البعض يعتقد أَنَّ المدرسة قد أُسْتُهْدِفَت من جهة سلطة مايو . فبعد إِبعاد هاشم العطا ورفاقه من مجلس قيادة الثَّورة ومن كلِّ المناصب الَّتي كانوا يشغلونها ، زار مروِي كلٌّ من أَبوالقاسم محمَّد إِبراهيم وزين العابدين محمَّداحمد عبدالقادر عليه رحمة اللَّه ومبارك سنادة ؛ لتنوير النَّاس بالملابسات الَّتي أَدَّت إِلى إِقصاء العطا ومجموعته . في ذاك الوقت كان يسيطر على اتِّحاد مدرسة مروِي الثَّانويَّة الشُّيوعييُّون ، الَّذين قررَّوا إِسماع صوتهم المعارِض من الفم الواسِع وبالصَّوت العالي إِلى أَقطاب مايو . أَقام أَبوالقاسم محمَّد إِبراهيم ومن معه ندوة في النَّادي الأَهلي بمدينة مروِي ، ولم يشعروا إِلَّا بالهتافات المدويَّة ضدِّ سلطة مايو ، وإِلَّا بالكراسي تتطاير في الهواء من طلبة مروِي الثَّانويَّة ، الَّذين نظمُّوا أَنفسهم داخل النَّادي الأَهلي بحيث يفسدون النَّدوة وينسحبون بطريقة مدروسة إِلى مدرستهم . هكذا فشلت النَّدوة ؛ وأُغلقت المدرسة بأَوامر من أَبوالقاسم محمَّد إِبراهيم وزين العابدين محمَّداحمد عبدالقادر لمدَّة طويلة . هذا الإِغلاق لهذه المدَّة الطَّويلة ؛ كانت له عواقبه العاجلة واللَّاحقة . وقد تكرَّر موقف شبيه من هذا في عيدالعِلْم في فبراير1971م . فقد كانت هناك معارض مقامة بمدرسة مروِي الوسطى بمناسبة عيدالعِلْم ، فقرَّر اتِّحاد مدرسة مروِي الثَّانويَّة أَن تكون هذه مناسبة أُخرى ليهتفوا في وجه مسؤُولِيِّ وإِداريِّ مايو . خرجت المدرسة في طريقها إِلى حضور تلك المعارض ، وانضمَّت إِلى موكب مدارس مدينة مروِي الأُخرى ، الَّذي كان يسير فيه المحافظ ومُفَتِّش التَّعليم وبقيَّة المسؤُولين . عندما وصل الموكب إِلى حديقة البلديَّة القريبة من المجلس الرِّيفي ، تعالت فجأَة هتافات طلبة مروِي الثَّانويَّة ضدِّ مايو وضدِّ الرَّجعيَّة وضدَّ الدِّكتاتوريَّة . التحم رجال الأَمن والشُّرطة بجموع طلبة مروِي الثَّانويَّة واعتقلوا عددًا منهم ؛ وأُغلقت المدرسة ولم تُفتح إِلَّا وامتحانات الشَّهادة الثَّانويَّة العليا قاب قوسين ، بل أَدنى . هنا تنبَّهت سلطة مايو ــ والحديث لبعض خريجى مدرسة مروِي ــ لهذه الشَّرارة الَّتي تنطلق من مدرسة مروِي الثَّانويَّة ؛ وتكاد تشعل بقيَّة المدارس . تنبَّهت إِلى أَنَّ هؤُلاء الطُّلَّاب إِن انتقلوا إِلى الجامعات فسينقلون معهم إِليها عداءَهم المكشوف لمايو ؛ ويبثُّون روحهم التَّصادميَّة في أَرواح طلبة الجامعات ؛ فيلهبون العاصمة الَّتي ما كانت تحتاج إِلَّا لمثل هذه الشَّرارة . تنبَّهت سلطة مايو إِلى كلِّ ذلك فعملت على تقويض المستوى الأَكاديمي للمدرسة ؛ فنقلت أَميز مدرسي المدرسة ، وأَغلبهم من اليساريِّين ، وجاءَت بمدرِّسين ــ يقول بعض خريجي المدرسة ــ مستواهم الأَكاديمي منخفض للغاية . ثمَّ التفتت إِلى المناهج؛ فعملت على أَن تكون شُعَبٌ كاملة تعمل بنصف أَو رُبع طاقتها أَو غير موجودة أَصلاً؛ وذلك بعدم نقل مدرِّسين إِلى المدرسة يدرِّسون تلك المواد ، يواكبه نقص شديد في الكتب الدِّراسيَّة . وقد ركَّزت على الشُّعَب العلميَّة خاصَّة ؛ وهي الَّتي كانت فيما مضى سبب تفوُّق المدرسة . إِضافة إِلى كلِّ ذلك ــ يقول بعض خريجي المدرسة ــ أَخذت السُّلطة تتحرَّش بالطُّلَّاب باعتقال قادتهم ؛ ممَّا يدفع الطُّلَّاب إِلى المواجهة وإِلى الإِضرابات ؛ فتُغْلَق المدرسة لفترات طويلة . كلُّ ذلك أَدَّى إِلى عدم الاستقرارِ الأَكاديمي أَساس التَّفوُّق وإِلى الزَّعزعة والقلاقل ؛ ممَّا انعكس سلبًا على نتيجة المدرسة وسمعتها الأَكاديميَّة اللَّتين كانت تتمتَّع بهما .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 06:18 PM   #[19]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود

(٤)

قُبِلْتُ بداخليَّة (البَرْكَل) ، وكانت بالمدرسة ثلاث داخليَّات غيرها : (مِهِيْرَة) .. (نَبتَة) .. (تِرْهاقا) . كان رئِيس داخليَّتنا العام من الطَّلبة هو الأَخ هاشم عبدالحى محمَّد . وكان معه رؤَساء آخرون للدَّاخليَّة : الأَخ عمر علي المَكِّي ، وكان رئيسًا للشُّؤُون الثَّقافيَّة .. الأَخ علي أَحمد عبدالرَّحيم (دَحُوْم) وكان رئِيسًا للشُّؤُون الرِّياضيَّة .. الأَخ علي عبدالرَّازق وكان رئيسًا للشُّؤون الاجتماعيَّة . أَمَّا ضابط الدَّاخليَّة فقد كان الأًستاذ علي محمَّد سيداحمد . شَكْل كلِّ داخليَّة على صورة مربَّع له ثلاثة أَضلاع ، أَمَّا ضلعه الرَّابع فمفتوح ، وكلُّ داخليَّتِيْن متقابلتين من ناحية الضِّلع المفتوح .. داخليَّة البَرْكَل ونبتة متقابلاتان وبينهما ممرُّ ترابيٌّ واسع ، وداخليَّة مِهِيْرَة وتِرْهاقا متقابلاتان وبينهما أَيضًا ممرُّ ترابيٌّ واسع . أَعتقد أَنَّ تسمية داخليَّات مدرسة مروِي الثَّانويَّة من أَذكى تسمية داخليَّات المدارس في كلِّ السُّودان . فقد خلَّدت نضال أَهل المنطقة عبر حِقَب التَّاريخ وكتبت في لوحِ الأَبدِ الدُّنيوىِّ أَسماءَ مَن صنعوا تاريخ السُّودان ، ولم تأْت بأَسماء من خارج المنطقة . أَعتقد أَنَّ أَسماء داخليَّات مدرسة مروِي الثَّانويَّة عبَّرت أَدقَّ تعبير عن تراث وحضارة وقِيَم أَهل المنطقة ، بل أَنَّ هذه الأَسماء يمكن أَن تُطْلَق على داخليَّات مدارس في مناطق أُخرى بالسُّودان ؛ فهذه أَسماء اكتسبت صفة القوميَّة ويزيد من رونقها ورسوخها أَن تُسَمَّى بها داخليَّات وخلافها في غير منطقة مروِي . هذه الدَّاخليَّات ، وعلى الرَّغم من أَنَّ النِّيْل غير بعيد عن المدرسة بعدًا مُخِلَّا ، إِلَّا أَنَّ طلبتها كانوا يشربون من ماء بئْر المدرسة المالِح الَّذي يُرفَع بماكينة إِلى صهريج بحوش المدرسة .
في تلك السَّنة بُدِىءَ في تطبيق السُّلُّم التَّعليمي الجديد الَّذي أُضِيْفَت فيه كلمة (العُلْيَا) بعد كلمة الثَّانويَّة . وبقدرة قادر وبعد أَن كنتُ في السَّنة السَّابقة بالسَّنة الرَّابعة ، وجدتُ نفسي الآن بالسَّنة الثَّالثة! كان بمدرستنا فصل للعلميِّين وآخَر للأَدبيِّين من غير أَسماء للفصلين هذين . وكانت أَسماء فصول المدرسة قبل تطبيق السُّلُّم التَّعليمي كما علمتُ كالآتي : في نهر كانت الأَسماء : أُولى : (باستير) .. ثانية : (ماركوني) .. ثالثة : (أَبقراط) .. رابعة : (ليوناردو) . أَمَّا أَسماء فصول النَّهر الآخَر فقد كانت على النَّحو التَّالي : أُولى : (متنبي) .. ثانية : (بحتري) .. ثالثة : (ابن سينا) .. رابعة عقَّاد) . كان ناظر مدرستنا أُستاذ التَّاريخ عبدالفتَّاح أَحمد عيسى عليه رحمة اللَّه ، الَّذي عَمِلَ ملحقًا ثقافيًّا بالسَّفارة السُّودانيَّة بالعراق بعد نقله من مدرسة مروِي الثَّانويَّة ، وكان نائِبه أُستاذ اللُّغة العربيَّة أَحمد علي أَبوبكر عليه رحمة اللَّه ، أَمَّا مرشد فصلنا فهو الأُستاذ صالح علي عليه رحمة اللَّه . ومن أَساتذة المدرسة أَذكر : علي الوَرَّاق .. عبدالحفيظ سَمْعَرِيْت .. علي التِّجاني .. محمَّد الحاج .. الطَّاهِر النَّاطِق عليه رحمة اللَّه .. علي محمَّد سيداحمد .. حسن عبدالحميد عليه رحمة اللَّه .. مختار عبداللَّه ، الَّذي كان قد درَّسنا أَيضًا بمدرسة كسلا وهو تحت التَّمرين بمعهد المُعَلِّمِّيْن العالي كأُستاذ للُّغة الإِنجليزيَّة .. محمَّد عبداللَّه آدم .. عمر الفاروق .. الخواجة Mr. Neel .. زيادة .. الحمْدابِي . إِبراهيم أَحمد طه (التَّكَّاسِي)
في يوم الأَحد 18/أُكتوبر/ 1970م وكان قد شهد أَمطارًا خفيفة ، صدر بيان من وزارة التَّربيَّة والتَّعليم بشأْن العائِدِين بالسَّنة الرَّابعة لهذا العام ، يحدِّد شروطًا كثيرة أَهمُّها أَن يكون الطَّالب حاصلًا على الشَّهادة الثانويَّة في العام المنصرم . وكان هذا الشَّرط لاينطبق على معظم العائدين بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . كان عَلَيَّ أَن أُسافر إِلى عطبرة لأُحضر تفاصيل شهادتي في العام الماضي مُوَثَّقة من إِدارة المدرسة ؛ إِذ أَنَّني لم أَستخرِج شهادتي من وزارة التَّربية والتَّعليم إِلَّا في يوم السَّبت 22/مايو/1971م . قمتُ من كريمة في تمام السَّاعة 10: 17 من صباح الأَربعاء 21/أُكتوبر/1970م ووصلتُ محطَّة سكَّة حديد عطبرة في تمام السَّاعة الواحدة من بعد ظُهْر اليوم التَّالي . نزلتُ بداخليَّتي القديمة (الزِّبير) مع الأَخوين عطَّاالمنَّان محمَّداحمد سعد وبشير محمَّد الحاج ، اللَّذين كانا في السَّنة الرَّابعة بالنِّظام الدِّراسي الَّذي نعرفه ، الثَّالثة بنظام الدُّكتور محي الدِّين صابر وزير التّربية والتَّعليم عليه رحمة اللَّه . في يوم السَّبت 24/أُكتوبر/1970م كتبتُ في مفكِّرتي الشَّخصيَّة استخرجت تفاصيل شهادتي . ليلة وداع عالمية أَقامها لي الزملاء على شاطىء عطبرة) . كانت تلك آخِر قعدة لي على العَطْبَراوِي ؛ وآخِر صلة لي بمدرستي الَّتي طالما أَحببت . في اليوم التَّالي قمتُ من عطبرة في تمام السَّاعة 6:55 مساءً ووصلتُ محطَّة كَرِيْمَة في تمام السَّاعة 12: 30 ظُهْر الإِثنين 26/أُكتوبر/1970م ، ومن هناك ذهبتُ رأْسًا إِلى داخليتي بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . ذهبتُ إِلى الدَّاخليَّة ولم يبقَ لشهر رمضان الَّذي بدأَ في تلك السَّنة يوم السَّبت 31أُكتوبر، إِلَّا أَقلّ من أُسبوع واحد . رمضان له في مدرسة مروِي الثَّانويَّة نكهة مغايرة لنكهته في مدرسة عطبرة الثَّانويَّة الحكوميَّة . لا يُوْجَد هنا سوق قريب من المدرسة نأْكل فيه ، ولا خمَّارة قريبة منها نلهو فيها ونعبث كما كنَّا نلهو ونعبث بعطبرة في نهار رمضان . فقط هنا المدرسة ، في جهة منها صحراء بلا حد ، وفي الجهة الأُخرى النِّيْل على مبعدة ما ، دون الوصول إِلى مائِه مشقَّة تلين بشيءٍ من الصَّبر وشيءٍ من الإِصرار . في ثالث يوم من رمضان وهو الإِثنين 02/نوفمبر/1970م ذهبتُ إِلى مستشفى مروِي ؛ وعدتُ منه بتصريح يأْذن لي بالإِفطار في رمضان ؛ إِذ هذه كانت الوسيلة الوحيدة للحصول على الطَّعام في نهار رمضان بمدرسة مروِي الثَّانويَّة في ذاك الزَّمان . بعد أَن سلَّمتُ التَّصريح الطِّبِّي إِلى لجنة الطَّعام المنبثقة من اتِّحاد المدرسة ؛ صرتُ أَحضر بانتظام لتناول وجبة الإِفطار بالسًّفْرَة ، الَّتي وجدتها مكتظَّة بجماهير غفيرة من الطُّلَّاب . ولا زلتُ أَذكر أَسماء بعض العاملين في السُّفرة .. أَقرع .. النُّور .. إِبراهيم وَدَّ الكُرُو .. عثمان الدُّنْقُلاوِي .. خليفة .. محمَّد عبدالسَّلام .. سعيد .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 06:19 PM   #[20]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٥)

كتبَ صديقي الأَديب الأَلمعِي محمَّدصالح خضر محمَّدخير وهو من أَبناء جزيرة (مُسَّاوِي) ؛ وكان زميلًا لي بمدرسة مروِي الثَّانويَّة، في صحيفة (الخرطوم) الصَّادرة في الخرطوم بتاريخ الثُّلاثاء 06/سبتمبر/2005م، الَّتي كانت قد صدرت نفس النُّسخة منها بمنطقة الخليج في يوم الثُّلاثاء 30/أَغسطس/2005م ، وتحت عنوان :
(على الرفاعي .. الثائِر الساخر.. اتخذ (قوز قرافي) مسرحا لرواياته ..أَثار القضايا وطرح الكثير من الأَسئِلة .. وفاز بجائِزة الابداع الروائي ) ؛ كتبَ :
(أَحدث على الرفاعي ضوضاء وضجة في الأَماكن التي حل بها، و أَثار العديد من المسائل وطرح الكثير من الأسئلة فأوقعه بعضها في المشاكل وجر عليه بعضها المتاعب والمصاعب . منذ وقت باكر كان على الرفاعي متفردا في رؤاه وأفكاره وفي نظرته للحياة والأشياء. فعندما أتى منقولا الى مدرسة مروي الثانوية، كان التَّنافس على أَشده بين الاخوان المسلمين والشيوعيين والقوميين العرب ، لكن على الرفاعي أَلقى حجرا ضخما فى البحيرة طغت أَمواجه على أَمواج الآخرين . شهدت الأَيام التى أعقبت وصول على الرفاعي الى المدرسة هرجا في داخلية البركل ومرجا في فصل الدراسة ، فأوجس الناظر خيفة ، اذ رأي بوادر (فركشة) ونذر (زعزعة) تلوح في الأفق وتهدد استمرار العام الدراسي . لم يكن القادم الجديد طالبا (تقليديا) يتلقى دروسه بهدوء ويأكل الفول والعدس وينام كالآخرين . كان طالبا (بمكنة مفتش تعليم) وكان علامة استفهام تمشي على قدمين . لم يكن مهرجا بل كان في حالة رفض دائم لكل ما لم يقتنع به، لكن بعضهم رأى أن على الرفاعي يسعى لاثارة الفوضى في وقت تواضع فيه القوم (عن طيب خاطر وتسامح) على قبول الأمور على علاتها) .
في الواقع لم أُواجه أَيَّ مشكلة في الاندغام في مجتمع مروي الثَّانويَّة ؛ فبالإِضافة إِلى خبرتي الطَّويلة في عالَم الدَّاخليَّات ، فإِنَّ الكثيرين من طلبة المدرسة كانوا زملاء دراسة لي بمدرسة القرير الأَميريَّة الوُسْطى أَو دكَّام الأَوليَّة ، وغير هؤُلاء يُوْجَد طُلَّاب من أَبناء منطقتنا . أَمَّا بقيَّة الطُّلَّاب فأَكثرهم من مناطق الشَّايقيَّة ، حيث الحياة متشابهة والنَّاس متشابهون والعادات متشابهة والأَمزجة أَيضًا متشابهة . جملة القول أَنَّني سرعان مااندمجتُ في الجوِّ الجديدِ وعدتُ سيرتي الأُولى . وعلى الرَّغم من حرص الإِدارة الشَّديد أَلَّا يتسرَّب الطُّلَّاب من الدَّاخليَّات بعد جرس النَّوم ، إِلَّا أَنَّنا كنَّا نادرًا ما نحضر جرس النَّوم . كنَّا نأْتي إِلى الدَّاخليَّات عند ساعات الفجر الأُولى ورؤُوسنا تدور من الخمر والبَنْقُو . وكنَّا نستغلُّ وضع أَنَّنا في السَّنة النِّهائيَّة ، الَّتي يُسْمَح لطلبتها بالمذاكرة الإِضافيَّة بالفصول مُسْتَخْدِمِيْن (الرَّتائِن) الَّتي كانت في ذاك الزَّمن الوسيلة الوحيدة للإِنارة في الفصول ، بينما كانت الفَوَانِيس تُسْتَخْدَم للمذاكرة في الدَّاخليَّات . إِنَّني بعد هذه السَّنوات الطِّوال لأَعجب للقوَّة الخارقة الَّتي كنَّا نتمتع بها في تلك الأَيَّام ؛ فقد كنَّا نقطع في كلِّ مرَّة أَكثر من 3 كيلومترات في اتِّجاه القرير لنحصل على عَرَقِي التَّمر ، وحين تنتهي قعدتنا نقطع نفس المسافة (جَكَّة واحدة) إِلى داخليَّات مروِي الثَّانويَّة . نفعل ذلك مرَّتين في الأُسبوع على الأَقل ولا نشعر بأَىِّ تعب ، وفى الصَّباح نؤَدِّي دروسنا على أَتمَّ وجه . كنتُ أَحيانًا أَجلس على شاطىء النِّيْل عصرًا ، على الرغم من صعوبة الوصول إِلي النِّيْل نفسه ؛ بسبب نبات (الحَلْفا) الغزير الَّذي يملأُ الشاطىء الأَقرب إِلى المدرسة . وقد غرق في هذا المكان قبل التحاقي بمدرسة مروِي أُستاذ الفنون سالم موسى عليه رحمة اللَّه . وكنتُ خلال جلوسي على الشَّاطىء أُدخِّن البَنْقُو الَّذي أَحضرتُ معي كميَّة كبيرة منه من عطبرة حين ذهبتُ لأُحضِر تفاصيل شهادتي



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 06:20 PM   #[21]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٦)

فىَّ ؛ تنبَّهتُ إِلى وضعي الدَّقيق الحرج للغاية . فإِن استمرَّ الوضع على ما هو فإِنَّني لن أُحرز النَّتيجة الَّتي أَحرزتها في السَّنة الماضية ، بل أَغلب الظنِّ أَنَّني لن أُحرز أَيَّ نتيجة على الإِطلاق. وقد زاد الأَمر تعقيدًا النَّسيان الشَّديد الَّذي خيَّم عَلَىَّ في تلك الأَيَّام، وكما يقولون آفة العِلْم النَّسيان . كنتُ قبل ذلك أَملك ذاكرة تستطيع تخزين أَىِّ شيءٍ أَسمعُه أَو أَقرأُه في لحظات واستدعائِه أَيضًا في لحظات . كنتُ أَملك (Photographic memoey) تصوَّر ما تقع عليه عيناي أَو تسمعه أُذناي ، أَفضل كثيرًا من كاميرتي الرُّوسيَّة (كييڤ ــ Kiev) الَّتي صوَّرتُ بها أَصدقائِي وزملائِي بمدرسة عطبرة الثَّانويَّة الحكوميَّة ، والَّتي صوَّرني بها أَحد زملائِي بمدرسة مروِي الثَّانويَّة وأَنا أُمسك زجاجة شَيْرِي (أَبُوْبِتْ) بيدي اليمنى قريبًا من شاطىء النِّيل ، الَّذي ما كان يجلس عنده من طُلَّاب مروِي الثَّانويَّة عند العصر إِلَّا أَصحاب الرِّيَب و(الكِيْف) المُشْتَرَك . صرتُ لا أَقرأُ شيئًا وأَحفظه وأَضع الكتاب ، إِلَّا وأَكون قد نسيتُه كلَّه . الدُّروس والقصائِد وكُتُب الأَدب الإِنجليزي الَّتي كنتُ أَحفظها عن ظهر قلب بمدرسة عطبرة الثَّانويَّة الحكوميَّة ، تبخَّرت كلُّها من ذاكرتي في وقتٍ وجيز . صرتُ أَفعل الشَّيء ، وفي اللَّحظة التَّالية أَجلس وأُفكِّر فى ما هو هذا الشَّيء الَّذي فعلته .. أُلاقي أَحد الزُّملاء ونتحدَّث وقتًا طويلا ، وما أَن أَخلو إِلى نفسي وأُحاول تذكُّر اسم ذاك الزَّميل وعن ماذا كنَّا نتحدَّث ، إِلَّا وأَفشل . هذا النَّسيان المفاجىء سبَّبَ لي حالةً من القلق والنَّكد والكآبة والحزن لا يمكن وصفها . لكنَّني لم أُخبر به أَحدًا من زملائِي بالمدرسة حتَّى لا أُتَّهم في عقلي . سئمتُ بسبب هذا النَّسيان جوَّ المدرسة وكرهتُ حياة الدِّراسة نفسها ، ورأَيتُ أَن أَلتحق بالتَّدريس الَّذي كان بابه مفتوحًا والتَّعيين به سهل للغاية ، وكلُّ شروطه تنطبق عَلَىَّ . ذهبتُ إِلى مكتب التَّعليم بمروِي في يوم السَّبت 12/ديسمبر/1970م وقدَّمتُ طلبًا للالتحاق بالتَّدريس بالمرحلة الابتدائِيَّة ، وحدَّدوا لي يومًا لمراجعتهم لأَعرف المدرسة الَّتي سأَلتحق مدرِّسًا بها . فكَّرتُ في الالتحاق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، الَّتي كانت شهادتي السَّابقة تُؤَهِّلني لدخولها وطرح التَّعيين بالتَّدريس جانبًا من عقلي . فكَّرتُ في التحوُّل من مدرسة مروِي الثَّانويَّة إِلى مدرسة ثانويَّة أُخرى ؛ لعلَّ حالة النَّسيان هذه تزول عنِّي . في هذا الوَعْث الَّذي وجدتُ نفسي فجأَة في قلبه ، كتبتُ خطابًا إِلى أَخي عمر الفاروق الطَّبيب بمستشفى بورتسودان العمومي عن حالتي . وكنتُ قبل قبولي للإِعادة بمدرسة مروِي الثَّانويَّة قد طلبتُ من الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن محمَّد صالح عليه رحمة اللَّه ، زوج أُختي النِّعْمَة الَّذي كان آنذاك أُستاذًا للُّغة العربيَّة بمدرسة حنتوب الثَّانويَّة ، أَن يبحث لي عـن فرصة للإِعادة هناك . لـم يتأَخَّـر ردُّ
أَخي عمر الفاروق ، فكتب لى بتاريخ 21ديسمبر1970م :
(أما موضوع الدراسة فقد تأسفت جداً لهذه الحالة النفسية التى وصلتها وكما بينت فى جوابى الاول اننا لم نجد أى طريقة بمدرسة بورتسودان وفقدنا الأمل فيها لطول انتظارنا لطريقة بها وكما اوضحت لك أن الأخ محمد عبدالرحمن كان قد أخبرنى أنه قد وجد لك طريقه اعادة بمدرسة حنتوب وأرسل لى جواب بذلك فأرجو ان تكتب له فوراً مع تفاصيل الشهادة وتكتب لى رأيك فى محاولة حنتوب لاتصل بمحمد تلفونياً أو بالبوسته . وأرجو ألا تستسلم لليأس ومثل هذه الحالة النفسيه شىء عادى وغير مستبعد لكل الجيل فى سنك موضوع النسيان هذا جزء من الحالة النفسية وإذا كان مرضاً حقيقياً لما حصلت على الشهادة التى حصلت عليها فى مارس الماضى . فى رأى أن تستمر بمروى مع استعمال نظارتك الطبية حتى ترد على لأننا سنعمل المستحيل من أجل أن تحصل على شهادة مشرفة . واعتقد أن التفرغ مهم جداً والعمل بالتدريس مع الدراسة لايجدى . كذلك أرجو أن تؤجل موضوع جامعة القاهرة هذا حتى الامتحان القادم فى مايو لأنى متفائل جداً بالرغم من كل شىء . أرجو أن تبتسم للحياة وتأخذها ببساطة فهى لاتستحق كل هذا الضجر وأكتب لى بخصوص موضوع حنتوب ولاتتسرع فى فقد مقعدك بمروى حتى ينجلى الأمر) .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 06:27 PM   #[22]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي




التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-10-2016, 07:08 PM   #[23]
ناصر يوسف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية ناصر يوسف
 
افتراضي

ألف مبروك لأستاذنا الجليل

علي الرفاعي

فوز يسعدنا كثيرا ويفرح والله



التوقيع:
ما بال أمتنا العبوس
قد ضل راعيها الجَلَوس .. الجُلوس
زي الأم ما ظلت تعوس
يدها تفتش عن ملاليم الفلوس
والمال يمشيها الهويني
بين جلباب المجوس من التيوس النجوس
ناصر يوسف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 10:53 AM   #[24]
imported_Hassan Farah
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_Hassan Farah
 
افتراضي

يا سلام يا عمدة الف مبروك لاهل القرير والف الف مبروك لكل السودان الاستاذ على الرفاعى عالم من الثراء والروعة ومفخرة لنا جميعا الحمد لله حواء السودانية ولادة لا زالت تتحفنا وتتحف العالم بنفائسها...غصبا عن هذا الزمن الكالح الظلام فلا زالت بين فينة واخرى فجأة تنبثق فى سماوتنا نجمة لينتشر نورها فى الآفاق لينير العقول المنطفئة ويزرع فى نفوسنا بذرة التفاؤل والامل
الله يحفظك ايها الكاتب المبدع الاستاذ على الرفاعى



imported_Hassan Farah غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 11:00 AM   #[25]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

الأحباب ناصر وحسن،
سلام ومحبة..

علي الرفاعي شخصية مختلفة ومتميّزة، وشهادتي فيه مجروحة، فالرجل خالي.
لكن يمكن أن يحدثكم عنه أخونا العوض، فبينهما صداقة ممتدة منذ سنين.
ويا ناصر، علي كان جاء سلم عليكم عند زيارتكم القرير؛ لكن لا أظنك تذكره.

تحياتي



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 04:17 PM   #[26]
imported_الزوول
Administrator
الصورة الرمزية imported_الزوول
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عكــود مشاهدة المشاركة
الأحباب ناصر وحسن،
سلام ومحبة..

علي الرفاعي شخصية مختلفة ومتميّزة، وشهادتي فيه مجروحة، فالرجل خالي.
لكن يمكن أن يحدثكم عنه أخونا العوض، فبينهما صداقة ممتدة منذ سنين.
ويا ناصر، علي كان جاء سلم عليكم عند زيارتكم القرير؛ لكن لا أظنك تذكره.

تحياتي
والولد خال
ولعلها جينات الحكي الطاعم تفرقت في منظومة الكون
فكان نصيبنا الأكبر منها أباذر عكود وشرف انتماء أديبنا المحتفى به علي الرفاعي
وهذا الشبل من ذاك الأسد
لا يظنن أحد أن عبارة أباذر (فالرجل خالي) عبارة مجازية كما هو متعارف عندنا في النسب القروي الممتد الذي يعبر باقرباء الأم كلهم الى مصاف الخؤولة وأقرباء الأب كلهم لمصاف العمومة
ولكنها خؤولة حقيقية
الله يطول عمر أمنا وأم أباذر (بت الرفاعي)
ويديم توفيق أخونا وصديقنا علي الرفاعي



التوقيع:
كما انو العَكَار من طين
كمان من طين يجى الرَوّاق
ويا شايف سكاتنا رضا ...
أماني بِطونا ماها غراق
رضينا .... بلا قرن ننساق
وحين نحرن ... جبل يا ساق


حِمّيد
imported_الزوول غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 04:19 PM   #[27]
imported_الزوول
Administrator
الصورة الرمزية imported_الزوول
 
افتراضي



.....

[youtube]http://www.youtube.com/watch?v=EHifbvnLb8Y[/youtube]

.....



التوقيع:
كما انو العَكَار من طين
كمان من طين يجى الرَوّاق
ويا شايف سكاتنا رضا ...
أماني بِطونا ماها غراق
رضينا .... بلا قرن ننساق
وحين نحرن ... جبل يا ساق


حِمّيد
imported_الزوول غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 05:53 PM   #[28]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٧)

كتب لي الأَخ محمد عبدالرَّحمن عليه رحمة اللَّه خطابًا بتاريخ 23/9/70 ، وحين استلمته بعد وقت طويل من كتابته ، كنتُ قد التحقتُ بمدرسة مروِي الثَّانويَّة :
(أما بخصوص الإعادة فقد طلب منى أن أفصّل المواد التى دخلتها أنت فلم استطع لأنى لااعرف عنها شيئاً . وعلى أى حال فالموقف عندنا بحنتوب بالنسبة لك للاعادة ممكنة إذا كان الطالب من القسم الأدبى ولذلك أرجو الحضور فوراً لأنك من القسم الأدبى لتقديم شهادتك بأسرع مايمكن) .
حين انتابتنىي تلك الحالة من النَّسيان وما رافقها من قلق وحالة نفسيَّة وصلت الحضيض ، كنتُ أَعتقد أَنَّ أَماكن الإِعادة الشَّاغرة بمدرسة حنتوب قد مُلِئَت منذ زمن طويل . ولكن لحسن حظِّي فقد دخلنا في إِجازة انتهاء الفترة الأُولى يوم الثُّلاثاء 15/ديسمبر/1970م وذهبتُ لقضائِها بالبلد . وفي يوم الإِثنين 21/ديسمبر/1970م قَدِمَ الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن عليه رحمة اللَّه وعائِلته لقضاء تلك الإِجازة بالبلد أَيضًا . وقد عرفتُ منه أَنَّ الفرصة ما زالت موجودة بالنِّسبة لي للإعادة بمدرسة حنتوب الثَّانويَّة ، واَنَّه قد تكلَّم بهذا الخصوص مع ناظر المدرسة الَّذي لم يُبْدِ أَيَّ اعتراض . وكنتُ قبل ذلك قد تحدَّثتُ مع الوالد عليه رحمة اللَّه في موضوع تفكيري في التَّحوُّل إِلى مدرسة حنتوب الثَّانويَّة ، وذلك في يوم الأَربعاء 16/ديسمبر/1970م . وكما كنتُ أَتوقَّع فقد اعترض بشدَّة ، بل وغضب ووصف تصرُّفاتي بالصِّبيانيَّة وعدم المسؤُوليَّة . وسَّطتُ الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن ، لكنَّه عليه رحمة اللَّه لم يتزحزح عن موقفه . في يوم الأَحد 27/ديسمبر/1971م غادرنا الأَخ محمَّد عبدالرَّحمن عليه رحمة اللَّه وعائِلته إِلى مقرِّ عمله . في نفس ذاك اليوم وكنتُ عازمًا على السَّفر إِلى حنتوب ، ناقشتُ الوالد عليه رحمة اللَّه مرَّة أُخرى ؛ فأَفهمني أَنَّه لن يتدخَّل بعد الآن في أَيِّ أَمر يخصَّني ، وأَنَّ عَلَيَّ وحدي تحمُّل نتيجة أَيِّ تصرُّف أُقْدِم عليه . أَفهمني ذلك بنبرة توحي بأَنَّه على ثقة بأَنَّني لن أُخالف رأْيه وأَنَّني سأَستمرُّ بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . في يوم السَّبت 02/يناير/1971م ذهبتُ إِلى المدرسة وسلَّمتُ كتبي المدرسيَّة ؛ وأَرسلتُ البرقيَّة التَّالية إِلى الأخ محمَّد عبدالرَّحمن :
( حنتوب
المدرسة الثَّانويَّة العليا
الاستاذ / محمد عبدالرحمن محمدصالح
سأحضر لحنتوب . احتفظ بالخانة
على) .
سلُّمتُ الكتب المدرسيَّة ، لكنَّني بقيتُ بالدَّاخليَّة . وفي يوم الثُّلاثاء 05/يناير/1971م ودَّعتُ مدرسة مروِي الوداع النِّهائِي ؛ وذهبتُ إِلى قريتنا استعدادًا لقيامي إِلي حنتوب .
على الرَّغم من أَنَّ الفترة الَّتي قضيتُها بمدرسة مروِي الثَّانويَّة كانت أَقصر فترة قضيتها بمدرسة ثانويَّة ، إِذ قضيتُ بها 99 يومًا فقط ، إِلَّا أَنَّ ذكرياتها ما زالت شامخة في نفسي حتَّى هذه اللَّحظة . في مدرسة مروِي الثَّانويَّة وجدتُ شيئًا يختلف عن كلِّ الأَشياء الَّتي وجدتُها في المدارس الثَّانويَّة الَّتي درستُ بها . في تلك المدارس تضعف غالبًا العلاقات شيئًا فشيئًا بين الطُّلَّاب عقب تخرُّجهم فيها ، وقد تتلاشى في وقت قريب بعد استلامهم أَمنيَّات الكُتُب . أَمَّا طُلَّاب مدرسة مروِي الثَّانويَّة فيحفظون (العُشْرَة) ، ولا يتخلَّون عنها حتَّى آخِر نَفَس . يسأَلون عن أَخبار بعضهم بعضًا وعن أَوضاعهم ، ويتَّصلون بهم ويزورونهم ، ويقفون إِلى جانبهم ويساعدون مَنْ في حاجة إِلى مساعدة منهم . هناك رابطة تُسَمَّى (رابطة خريجي مدرسة مروِي الثَّانويَّة) ، تجتمع بالخرطوم كلَّ أَوَّل يوم إِثنين من كلِّ شهر ، ويحرص خريجو مروِي الثَّانويَّة الموجودون بالعاصمة كلَّ الحرص على حضور ذاك الاجتماع . والَّذين لا يُوجدون بالعاصمة يتَّصل بهم أَعضاء الرَّابطة تيلفونيًّا من آنٍ لآخَر ويسأَلون عن أَحوالهم ، وينقلون إِليهم أَخبار أَعضاء الرَّابطة بالعاصمة . يتفقَّدون المريض منهم ويُواسون صاحب المصيبة ، ويشاركون في فرح مَن يتجرؤُ عليه الفرح فى هذا الزَّمن المُتَجَّهِم . وكثيرًا ما ينظِّمون رحلات إِلى المزارع الَّتي يملكها بعضهم عند أَطراف العاصمة ، تصحبهم عائِلاتهم كاملة . وهم الآن بصدد المساعدة في إِعادة تأْهيل المدرسة والنُّهوض بمستواها الأَكاديمي .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 05:54 PM   #[29]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٨)

تَّصلت بي الرَّابطة وعرَّفوني أَنَّهم قد ضمُّوني عضوًا بالرَّابطة ، وأَنَّهم سيقومون برحلة إِلى سدِّ مروِي الَّذي لم يكتمل تشييده في ذاك الوقت ، ويرغبون في أَن أُشاركهم في تلك الرِّحلة . حُدِّدَ للرِّحلة يومَي الجمعة والسَّبت 19و20 من شهر يناير 2007م ، وكان يوم السَّبت ذاك يصادف أَوَّل يوم في السَّنة الهجريَّة 1428 . قابلتُهم بشارع الأَسفلت الرِّئيسي الَّذي يربط أُم درمان بمرَوِى . لم أُصدِّق نفسي حين نزلوا من العربة والبص الصغير ((Toyota Hilux .. كأَنَّنا لم نفترق لحظة .. كأَنَّ السِّت والثَّلاثين سنة الَّتي انقضت منذ أَن افترقنا قد عادت إِلى درجة الصِّفْر .. شممتُ فيهم أَريج الزَّمن الَّذي لم يضعف أَمام مصاعب الحياة ومقالبها .. نادوني ضاحكين باسمي الَّذي أَطلقوه عَلَيَّ بمدرسة مروِي الثَّانويَّة (المِكِيْك) . لا أَذكر سبب إِطلاق هذا الاسم عَلَىَّ ولا مَن أَطلقه ، والَّذي هو تصغير لكلمة (المَك) ، لكنَّني أَظنُّه الأَخ أَحمد مَكِّي عبدَاللَّه أَو صديقي فتح العليم عبدَاللَّه ، وقد كان ــ وأَحسبه ما زال ــ من أَسخر النَّاس وأَسرعهم بديهة . كنَّا مرَّة باستوديو الفنون بمدرستنا مروِي نجلس على مقاعد الرَّسم العالية ، وأَحضر أُستاذنا علي الورَّاق قُمْعًا كبيرًا وضعه أَمامنا على تربيزة الاستوديو ، وطلب منَّا رسْمه . صديقي فتح العليم رسم القُمْع بقعر صغير جدًّا ؛ فسأَله أَستاذ الوّرَّاق حَسَّعْ القُمْع الرَّاسمو دا يقعُدْ فوق التربيزة كِيْفِنْ؟) فردَّ عليه صديقي فتح العليم ــ رَحِمَ اللَّهُ والِدَيه ــ : (طيِّبْ علي الرُّفاعي قاعِدْ فوق الـ Stool دا كِيْفِنْ؟) . نزلوا من العربة والبص الصغير وكان فيهم الأُستاذ والطَّبيب ورجل الأَعمال النَّاجح والمهندس وعميد الكلِّيَّة إِلى آخِر المِهَن ، وكنتُ المزارع الوحيد بينهم . مهنهم مختلفة وولاؤُهم وحبُّهم لمدرستهم واحد يزيد في كلِّ يوم ولا ينقص ولا يتبدَّل، شأْنهم في ذلك شأْن كلِّ مَنْ دَرَس بمدرسة مروِي الثَّانويَّة . زرنا مدرستنا عصرًا وتفقَّدنا عنابرنا القديمة . كان الطَّلبة في إِجازة وكانت تُجْرَى على الدَّاخليَّات أَعمال صيانة . حينما وقفتُ عند موضع سريري ، شعرتُ ببوصلة الزَّمن تدور في كلِّ اتِّجاه تبحث عن أُولئك الَّذين عَمَّروا هذا المكان .. شعرتُ بالمكان نفسه يبحث معنا عن تلك الوجوه المُشْرِقَة والنُّفوس الطَّيِّبة والعقول المُتَفَتِّحة ، وكما يقال فإِنَّ الذَّكرى أَدوم من العمر . زرنا الفصول وتذاكرنا أَمكنتنا بها ، وكأَنَّنا لم نغادرها إِلَّا في حِصَّة الفطور أَو في فُسْحَة المذاكرة . حكينا عن أَساتذتنا وما كانوا يلقونه من الأَشقياء منَّا ، وما كنَّا نلقاه من الصُّول (إِبراهيم محمَّد إِبراهيم) ، حين يكتشفون (مَسْخَرَتْنا) أَثناء إِلقائِهم الدُّروس . قابلَنا ناظر المدرسة ، أَو مديرها كما أَصبح يُعْرَف ؛ وبعض أَساتذتها عند بابها الخارجي ونحن بصدد مغادرتها ، فأَبدوا تعجُّبًا لنا وإِعجابًا لهذا الحب وهذا الوفاء ، في زمنٍ اختلطَ فيه الحبُّ بالمصلحة ووُضِعَ فيه الوفاءُ على الرِّفِّ في خانة المُهْمَلات .



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2016, 05:55 PM   #[30]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

مروي الصمود
(٩)

وكان الأَخوان محمَّد خليفة خلف اللَّه وإِبراهيم بابكر ، وهما أَيضًا من خريجي مدرسة مروِي الثَّانويَّة ، قد قاما بالاتِّصال بإدارة السَّد لترتيب هذه الزِّيارة ، وحجزا لنا باستراحةِ السَّدِّ بـ (الحَامْداب) . بِتنا بالاستراحة بعد أَن أَمضينا معظم اللَّيل في اجترار الذِّكريات ؛ فكنتَ تسمع ضحكنا بلا انقطاع نروي أَيَّام الدِّراسة يومًا يومًا .. نتذكَّر أَساتذتنا واحدًا واحدًا .. نسأَل عن زملائنا واحدًا واحدًا . لم نكن من بلدٍ واحد وإِن كنَّا بشعورٍ واحد وحبٍّ واحد .. أَبنعوف نور الدِّين : المَقَل .. معتصم بشير بخيت : أَبودوم قوشابي .. عوض عَلَى اللَّه : تنقاسي السُّوق .. عمر الخضر خليفة : الكُرُو .. هاشم عبداللَّه (Abdulla) جبريل : كَرِيْمَة .. محمَّد عبدالحليم محمَّد موسى : كورتي .. عمر علي المَكِّى : قَتَّتِي .. هاشم عبدالحي محمَّد : كُوْرِي .. عبدالباري عثمان : جِرَا غرب .. محمَّد عثمان محمَّد سليمان (الرَّاقِي كما كانوا يطلقون عليه بالمدرسة) : جزيرة مُسَّاوِي .. يحيى عثمان كَمْبَلاوِي : دِوِيْم وَدْ حاج .. علي أَحمد الرُّفاعي : القرير . وهم جميعًا من خريجي مدرسة مروِي الثانويَّة عام 1971م ، ماعدا الأَخ محمَّد عثمان الرَّاَقي فمن خريجي عام 1972م ، وماعدا الأَخ عبدالباري عثمان فمن خريجي عام 1973م .
في ذاك اللَّيل شهدنا بقاعة الاجتماعات الكبرى ، وهي قاعة فخمة لا تناديها إِلَّا قاعات قلائِل بالعاصمة ، شهدنا تعريفًا مفصَّلًا للسَّد يصاحبه عرض بالڤيديو لكلِّ جزء من أَجزاء السَّد . تحدَّث أَحد المهندسين السُّودانييِّن المنفِّذين للسَّد عن كلُّ كبيرة وصغيرة فيه .. طاقته .. تكلفته .. الشَّركات المتفِّذة له .. العائِد الاقتصادي المُتَوقَّع منه .. سبب اختيار موقعه .. المواد المُسْتَعْمَلَة في بنائِه.. التَّعويضات للمتأَثِّرين منه.. مراحل بنائِه .. سعته التَّخزينيَّة .. المؤَسَّسات الواجب مصاحبتها له كمطار وكُبْرِى مروِي .. تأْهيل طريق شريان الشَّمال لأَهميَّته في نقل مواد البناء .. الخ الخ . بعد ذلك أَجاب المهندس عن جميع الأَسئلة الَّتي وُجِّهَت له ، ومن بينها سؤَال عن سبب تسمية السَّد بسد مروِي ؛ وليس سدَّ (الحَامْدَاب) . من إِجابة المهندس عرفتُ حقيقة أَظنُّ أَنَّ الكثيرين يجهلونها . فالسَّدُّ مقامٌ في منطقة اسمها (جزيرة مِرْوِي) ؛ بكسر الميم وتسكين الرَّاء وكسر الواو ، وقد حرُّفَ الاسم أَو قُلْ خُفِّفَ حتى أَصبح (مروِي) بفتح الميم والرَّاء وكسر الواو .
في الصَّباح وكان يرافقنا لتسهيل الزِّيارة الأَخ محمَّد علي يوسف ، وهو من إِدارة المدينة السَّكنيَّة التَّابعة لوحدة تنفيذ السُّدود ، قمنا بزيارة السِّد جزءًا جزءًا ؛ وتحدَّث إِلينا المهندسون عن كلِّ جزء بالتَّفصيل على الطَّبيعة . مهما اختلف النَّاس حول نظام الحكم القائِم ؛ إِلَّا أَنَّ سدَّ مروِي وبكلِّ المعايير ، واحد من أَضخم الإِنجازات فى كلِّ عهود مابعد الاستقلال ، إِن لم يكن أَضخمها على الإِطلاق . في جزيرة مِرْوِي قهرَ الإِنسان ممالكَ الجبال وهزمَ جحافلَ المياه وحيَّرَ نفسَه وأَدهشها . التقط الأَخ عوض عَلَى اللَّه والتقط شخصي الكثير من الصُّوَر للسَّد وللمنطقة الَّتي حوله . الطَّبيعة في هذه المنطقة لا يمكن وصفها لمَن لم يرها . لا أَعتقد أَنَّ هناك منطقة في شمال السُّودان يمكن أَن تكون منطقة سياحيَّة عالميَّة ، كالمنطقة المُقام عليها سدُّ مروِي . ولأَنَّني لا أَملك أَدوات الوصف الَّتي تعطى تلك المنطقة الوصفَ الحيَّ الحقيقيَّ ، وخوف أَن أُفسد بوصفي القاصر متعة مَن يفكِّرون في زيارة منطقة السَّد ؛ فمن الخير أَن أَحتفظ بوصفي القاصر هذا لنفسي ، وليس مَنْ رأَى كمَنْ سمِع . وقد رأَينا أَن تشمل زيارتنا المشآت المصاحِبة للسَّد ؛ فزرنا الكُبْرِي الَّذي اكتمل إِلَّا قليلًا والَّذي سيربط ضفَّتيِ النِّيْل ، واستمعنا إِلى شرحٍ وافٍ من المهندس المسؤُول عن تنفيذ هذا المشروع ؛ وقد تأَكَّد عندي أَنَّ النِّيْل قد دخل بإِقامة السَّد والكُبْرِي عليه ، تجربة جديدة تستدعي منه الصَّبر على الخير الَّذي ينتظر أَهل ضفَّتيه ، إِن سلِمت النَّوايا . من ثَمَّ اختتمنا رحلتنا بزيارة مطار مروِي الجديد تحت التَّشييد الَّذي يبعدعن المطار القديم في اتِّجاه الصَّحراء بنحو 4 كيلومترات. وقد ذكر لنا المهندس الَّذي يقوم بتنفيذه أَنَّه سيكون ثاني مطار في البلاد بعد مطار الخرطوم الجديد الَّذي سيُنْشأُ بمدينة أُم درمان ، من حيث الأَهميَّة والقدرة على استقبال الطَّائِرات والمراقبة الجوَّيِّة وصيانة الطَّائِرات والشَّحن الجوِّي ، وأَنَّ أَبناء الاقليم المغتربين لن يكونوا بحاجة للسَّفر من الخرطوم أَو إِليها .. من نيويورك رأْسًا إِلى مروِي .. من الخليج إِلى مروِي دون النُّزول في الخرطوم .. من جُزُرِ الجنِّ نفسِها إِلى مروِي مُطَوِّعَة الإِنسِ والجنِّ . مروِي تنمو بما يفوق الخيال وبمعدل لم تسبقها إِليه مدينة في السُّودان . وبتخطيط دقيق محسوب ونظرة ثاقبة تنفذ إِلى المستقبل القريب والبعيد ويدٍ أَمينة نظيفة ؛ يمكن أَن يبرز وجه السُّودان الحديث الَّذي لن يهمَّ أَجياله حينذاك مَنْ يحكمه ، ولكن يهمُّها كيف يُحْكَم؟ وماذا أَنجزَ مَنْ يحكمه؟



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 01:32 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.