ليست مجرد أغنيات
إلى اسحق عمر وعايد عبد الحفيظ
عدى فات ..... حين تبكي الروح فراق الأحبة
عدى فات هي واحد من أجمل قصائد صلاح حاج سعيد التي غناها مصطفى سيد احمد (رحمهما الله وادخلهما فسيج جناته) وهي اغنية تفتح في دواخلي كل منابع الحزن والشجن والذكريات التي كانت يوما ما هناك. أغنية تفتح أبواب الدموع وتجعل من البكاء علاجا للروح التي فقدت احبتها.
كل حرف في هذه الأغنية يأخذك الى حيث الفقد. عدّى فات أغنية تفتح بوّابة في الروح كانت مغلقة هي ليست أغنية تسمَع هي أغنية تُسكَن. أغنية إذا مرّت على القلب لا تتركه كما كان ولكن تعيد ترتيب حزنه وتعيد تعريف وحدته وتعيد إحياء وجوه رحلت ولم تترك لنا سوى ظلّها.
هي أغنية عن الغياب حين يصبح قدراً والفقد حين يتجاوز حدود الجسد ويستقر في العظم وهي تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن الذين أحببتهم رحلوا فعلاً وأنك بقيت بعدهم في مواجهة ذاكرة لا ترحم.
عدّى فات أغنية تشبه بكاء الروح تفعل شيئاً لا يفعله غيرها تأخذك إلى اللحظة التي تغير فيها كل شيء الضحكة التي كانت سهلة صارت بعيدة والابتسامة التي كانت تلقائية صارت تحتاج شجاعة والأماكن التي كانت عامرة صارت أطلالاً والأحبة الذين كانوا يملؤون المكان صاروا ذكرى تداهمك كالحمّى.
مصطفى حين يغنّي عدّى فات لا يغنّي نصاً بقدر ما يغني الزمن الذي خذلك والأحبة الذين غابوا والأمان الذي كان والحضن الذي كان ملاذاً والعيون الألفة التي كانت تعرفك قبل أن تتكلم. كل حرف في هذه الأغنية يشبه يدًا تربّت على كتفك وتخبرك أنهم رحلوا ولن يعودوا أبدا وأن بكاءك عليهم ليس ضعفاً فقط ولكنه طريقة الروح في أن تبقى حيّة.
تلك الوحدة التي تعتريك حين تسمع عدى فات ليست وحدة المكان ولكن هي وحدة القلب حين يفقد من كان يضيئه وهي تلك اللحظة التي لا يعود فيها الضحك ممكناً ولا يعود فيها الفرح كما كان ولا يعود فيها الزمن كما عرفته.
الصبر حين يطول يتحوّل إلى حملٍ ثقيل يضغط على القلب حتى ترى وجوه من رحلوا عنك في كل انحاء هذه الأغنية ، في صوت مصطفى وفي رائحة المطر وفي شبابيك السفر وفي ليلات المواني وفي قلق المواعيد وفي سحر العيون وفي الاحتراق وفي النوم الخزاز وفي الشقي المتمدد في العمر.
هذه الأغنية لا تعيدك إلى الماضي فقط هي تعيدك إلى اللحظة التي أدركت فيها أن الفقد أكبر من حدود خلاياك. هي اغنية تواجهنا بحقيقة أننا نعيش على أطلال زمنٍ أحببناه ولن يعود، أغنية تمنحنا إذناً بالبكاء والذي هو آخر ما تبقّى لنا من الأحبة.
عدّى فات ليست أغنية حزينة فقط هي وثيقة الفقد وهي سيرة الذين رحلوا وسيرة الذين بقوا يحملونهم في القلب وسيرة الذين لم يجدوا ملاذاً إلا الدموع.
لم أكن أظن أنني سأكتب يوماً بهذه الطريقة وبهذا الانكسار الذي لا يختبئ وبهذا الصوت الذي فقد نصف قوّته حين فقدت أحبة كانوا هناك.
عدى فات هي اغنية تجبرني على الاعتراف بأنني لم أعد ذلك الشخص الذي كان يضحك بسهولة ولا ذلك الذي كان يظن أن الزمن مهما قسا سيترك له شيئاً يتكئ عليه. تجعلني أعترف أن الأغنية التي كنت أسمعها لأتذكّرهم صارت الآن تسمعني لأتذكّر نفسي لأعرف كم تغيّرت وكم انكسرت وكم بقيت واقفاً فقط لأن الوقوف كان آخر ما أستطيع فعله.
تجعلني أعترف أن الذين رحلوا أخذوا معهم شيئاً لا يستعاد ولا يسمّى وأعترف أنني اشتقت إليهم بطريقة لا تشبه الشوق ولكن بطريقة تشبه العجز… عجز اليد حين تمتد ولا تجد كتفاً وعجز القلب حين ينادي ولا يسمع أحداً وعجز الروح حين تبحث عن ظل كان يرافقها فاختفى.
هي أغنية تجعلني أعترف بأنني لم أعد أخاف من الفقد ولكني أخاف من أن أتعود عليه وأخاف من أن يصبح الغياب جزءاً من يومي وأن يصبح الصمت لغةً ثانية وأخاف من أن يصبح الحنين عادةً لا شفاء منها.
وتجعلني أعترف أيضا بأنني كلما سمعت مصطفى يغنّيها أشعر أن الأغنية تعرفني أكثر مما يعرفني الناس فهي تعرف وجعي وتعرف وحدتي وتعرف أنني بقيت هنا وحدي أحمل أسماء من فقدت في صدري كشيء مقدس.
عدى فات زمن العيون الالفة
والحضن الملاذ
ورهافة الحس البلون
ضحكة الناس العزاز
بعد الحنان الكان زمان
إستوطن المطر الحراز
روح زماني وفي رجاك
عانيت قساوة الانتظار
في ضل شبابيك السفر
صادقت ليلات المواني
الساكنة في بحر الاماسي...بتنتظر
لو يوم طيوف لحظك تقوت
تعبر خيآلاتك تمر
قلق المواعيد الضجر
سحر العيون والإحتراق
واتعزز النوم الخزاز
واتمدد الشقي في العمر
مليت تبآريح الجراحات
البقت بعدك اسي
وزمنا قسا وحالا أسيف
ومشيت افتش عن خطاويك القبيل
واضاري من زمنا وراك ملاني خوف
إحتجت ارتاح في عيون
فيهن ملامحك ذاتا من غير اي زيف
وإشتقت لي ضحكه صباحك والدعاش
عطر رزاز مطر الخريف
انا وانت والدنيا الأمان
والناس وفا وخـــــوة صفا
ودفء المشاعر الشاتية صيف
انا وانت والدنيا الزمان
زمن الغناوي الطالعه من قلبا رضى
وحسا ندى وزوقآ رهيــــــف
انا وانت والدنيا الأمان
ما العمر شتان بين اوان زمنا حبيتو
وعمر ما بتقدر بتعرف
بكره يصبح حالو كيف
|