كقطرة ماء تماماً
للكاتب : مي هاشم
وجهاً لوجه؛ هي وسقف الغرفة؛ وبينهما ظلامٌ وبعض أنينٍ وحنين.
استلقت على ظهرها وجسدها يمتدّ بتضاريسه ولوعته تحت غطاءٍ ينافس بشرتها نعومةً، رأسها المُثقل بالأفكار وشعرِها الغزير يغطسُ في وسادتها الخالية، عيناها معلّقتان في الـلاّ شيء، وبنصف انتباهٍ تستمع لهاتفه يرنّ على الطرف الآخر؛ حتى أنّ رنينه أصبح جزءً من معزوفة مكيف الهواء، المروحة، أنفاسها وبعض الضجيج الآتي من بعيد.
لا إجابة! توقّعت ذلك سلفاً فلم تأبه كثيراً، وفي محاولةٍ يائسةٍ أخرى - أو ربّما أداءً للواجب - ضغطت على اسمه مرةً أخرى على شاشة هاتفها، ذات الرنين ولا رد، أغلقت الخط وهي تجر خيوط مكالمتها المهزومة، والليل يسخر منها على طريقته بسكونه وعزلها عن العالم عمداً؛ ضارباً باحتياجها عرض دجنّته.
حدّثت نفسها بالرّقم الذي قلب موازينها مُذ عرفته، رقم الرّجل الوحيد الذي ضمّها بعينيه كلّما رآها، الرّجل الذي لم يختبر إحساسها أو يمتحن صدقها؛ وراهن على سعادته بوجودها في حياته، اقشعرّت أنوثةً ومالت على جانبها متقرفصةً على نفسها وهي تجرّ غطاءها لتستر ما بدا جرّاء انقلابها هذا!
تردّدت قليلاً، وبحنانٍ لامست رقمه الذي تحفظه عن ظهر حُب – مع قلّة اتّصالاتهما ببعض- لم يساورها شكٌ في أن صوته سينساب إلى دواخلها فوراً - رغم كل الحواجز والعقبات – وقد صدق حدسها عندما ردّ عليها بجديّةٍ مفتعلةٍ وصوتٍ رجوليّ آسر:
• ألو.. مساء الخير..
استجمعت دلالها وتناست بقيّة جنودها، فهي تعلم أن لا قِبل له بجيوشها وتكتيكاتها
• ألــــو..
وفي محاولةٍ منه للتماسك والتعامل بـ (عاديّة) :
• كيف الاحوال والـ .... (قاطعته) ..
• عارفة الوقت ما مناسب ولا وضعك بيسمح، بس مشتاقة ليك وحبّيت أسمع صوتك.
كان ينتظر صوتها وكلماتها تلك، ابتسم ابتسامةً مكبوتة وقال بفرحٍ مموّهٍ بعدم المبالاة:
• الله يسلّمك الله يبارك فيك..
أغلق الهاتف وفتح باباً من الأمنيات والذكريات، تململ تلك الليلة قرب زوجته الجميلة دون أن يكلّف نفسه عناء أن يشم (كبَريتها) الذي شوت لأجله جسمها ساعةً في حطب الطّلح وضمّخت أردانها بالخُمرة وختمتها بمسحةٍ من الصندلية الصّافية، أنفه مزكومٌ بعبير تلك البعيدة.
بقيت هي غائصةً في حَلَكِ غرفتها وقد احتضنت وسادتها كطفلٍ رضيع وغفت ملء انتصارها العاطفي.
ترّن.. ترّن.. ترّن .. ترّن.. فتحت عيونها على النّغمةِ المُنتقاة لقدرها، وبصوتٍ مكسيّ بالنّعاس:
• ألـــو ..
• صباح الخير حبيبتي، معلش أمس نمت بدري و ... (مقاطعةً إيّاه)..
• عادي .. عادي .. كيف انت؟
• مشتاق ليك شديد..
وكمرادفة لا أكثر.. ردّت أتوماتيكياً..
• بالأكتر..
قالتها ونظرها مثبّتٌ على الضوء الذي بدأ يتسرّب إلى الغرفة عبر الشّباك أمامها، تماماً مثل الشوق الذي تنوء بحمله جوانح لهفتها لذلك الرجل الذي حُرمت.
• مع السلامة بضرب ليك تاني..
وكعادته؛ يرمي بالكلمات من طرف شفتيه فلا تخترقها أبداً، إنه الرّجل الذي عوّدها أن يلبّي طلباتها الماديّة، لكنه لم يسأل نفسه يوماً إن كانت تحسّ تجاهه بالحب أم أنه محض ملء فراغٍ واستسلامٌ للقدر.!
ما زال نظرها وأشعة الشّمس في تحدّ، بينما ذاكرتها تتحدّاها أن تأتي بذكرى أجمل من تلك الأمسية معه، الأمسية التي ترقّبتها شهوراً؛ وحلمت بها ليالي متتالية - ومع ذا - كانت فوق ترقّبها وخيالها ! كانت ليلةً بطعم النّشوة والحُب، فنكهتها مازالت عالقةً في نفسها ونفسه؛ تتلذّذ بها كلّما تذكّرت تلك الجلسة الحميمة، حين تقاربا حدّ الأنفاس وضحكا ملء القلوب.
قلوبهم التي خفقت حتى كادت أن تطير لهفةً عند اللقاء، ويا للّقاء!! اجتمع فيه الأمان بالصّدق، المودّة بالجمال، المساء بالأشواق والقهوة بالبخور.
ابتسمت وقلبها يهفو حين تذكّرت (ست الشاي) ؛ عندما تلعثمت وضحكت بلا أسباب وختمت بـ : هسّي أنا مالي؟!! فضحكوا جميعاً؛ ويبدو أنها( اتلبشت) من فرط ( لبشتهما) ببعض.
لم تحدّد كم فنجاناً سشرب ذلك المساء، فالقهوة مشروبها المفضّل وكانت تستشيطُ كيفاً عندما تُسكب لها، كان يسكب على روحها دفقاتٍ من ودادٍ صِرفٍ مع كل قطرة، سكِرت بفعل لطفه ونظراته التي تحيلها طفلةً تعبثُ بالكلمات كما تعبث بها كلماته.
تأمّلت تفاصيلَ كثيرةً ما بين جبينه إلى عنقه، وأنّبت نفسها على جُرأتها مرّةً وعذرتها لكونها سُكرى مرات. راقبت حبّات العرق التي تكوّنت على جبينه وحاجبيه معلمةً إياها بتوتّره، وتتبّع هو قطرات الندّى الصغيرة المتكوّنة على شفتيها بمرور البخور.
تأملت استقامة أنفه ونظارته التي تغيظها بقربها من عينيه، وحنق هو على طرحتها التي استأثرت بالرّقاد على صدرها بوداعة، سرحت في شاربه الأسود وهو يدنو من شفته العليا في حذرٍ وترتيب؛ بينما كانت يداه تعيدان هذا الترتيب بصورةٍ تلقائيةٍ قاطعةً توهانها فلا تكمل تأملاتها الغارقة، وقبل أن تفيق تماماً تلفتها حركةٌ في عنقه حين يزدرد ريقه بعد كل ضحكةٍ تضحكها وكأنه يضمن طعم الضحاتِ و يؤكد عليه.
لا تعينها ذاكرتها لتصل لنهاية تلك الأمسية – ربّما لأنها غير قانعةٍ بانتهائها – لكنها مقتنعةٌ أنها ستظل مثالاً للجمال والصّفاء والأمان.
كانت آخر ذكرى لم تبارح خيالها عندما تقابلت عيونهما لوهلةٍ - نظرتئذ - وهما يتوادعا ضمن وداعاتهم المتواصلة.
فجأةً، قطع صوت المنّبه فيض الذكريات الذي اجتاحها؛ نفضت عنها غطاءها لتحرّر جسدها من ربقة القوقعة التي تسكنها برفقة القدر.
في مغتسلها؛ نزل الماء على رأسها بارداً، وقفت تاركةً كل الأفكار البائسة والظنون تسيل لتبتلعها أرض الحمّام، خرجت مبلّلةً بالحنين لذاك المحرومة منه، أدارت الراديو على محطّتها المفضّلة؛ فأتاها صوت مصطفى سيد أحمد متآمراً مع التّجاني حاج موسى ومع حالتها :
(الجّاني منّك ومن تباريح الهوى .. وصفو بِصعب يا جميل) ...
أصواتُ الآلات الموسيقية تأتيها فرادى، وجموع تأثيراتها تراقص خصلات شعرها وهي تمرّر أسنان المشط عبره، إنّها تذوب من البُعد عنه.
تيت.. تيت..تيت .. تيت.. رسالةٌ في هاتفها من الرقم الحبيب، يا له من صباح:
(لو أن لي جناحان لطرتُ إليكِ وحططتُ في قلبك الحاني دهوراً).
إنّها تذوب مرّةً أخرى من الوصل، وبين الذّوبان والذّوبان حالةٌ جعلتها توقن أنّ الصّخرة لا تتأثر بسطل ماء يراق عليها؛ لكن القطراتِ المتتالية تحفرُ فيها عميقاً بمرور الأيّام.