كانت في مخبئها ذاك تبدو مثل كنز شحيح، رغم ذلك، استطعت تمييز حزن فتّان يتألق في عينيها، حزن لا يراه إلا أهل الفضول والمتعثرون بالفتنة.
نظرتْ فجأة ناحيتي، تلاقت نظراتي بنظراتها، لوهلة، لُمتُ نفسي، علي هيئتي المهملة، ذقنيَ النامية، جلستي تحت المظلة النائية، وقميصي الزيتي الباهت الذي ارتديه منذ يومين، وحذائي الذي صار يئن لشدّ ما عاقر تراب مواقف المواصلات. ولكن المرأة في العادة، لا تلقي بالاً لرجل لا يثير فضولاً، وأنا بتلك الهيئة، كنت الأكثر مدعاة للفضول، توفرت لي كل أسبابه، هكذا خفّ لومي لنفسي.
كان نظري مسمّراً علي مشهدها، حين مرُّ بالجوار فنّان مشهور تحيط به جوقة من المعجبين، يبدو أنه في رحلة فنية خارجية، تدور رؤوس الجميع لرؤيته عن قرب، لم أكترث كثيراً للفنان ذائع الصيت، تجاهلته كوصيّة مزعومة تمّت بموجب عهد قديم، فحواسي كانت معلّقة هناك بجسارة غير معهودة.
كنت أنظر إليها بحدّة ودهشة كبيرتين، كان المشهد بارّاً بالرؤية وبرّاً لها، إلتقت النظرات ثانية، ارتبكتْ هي، ولتخفيف ارتباكها بفعل نظراتي الفضولية، أخرجتْ هاتفها ثانية وبدأت تتشاغل به عني.
النداءات بأسماء خطوط الطيران، أرقام رحلاتها وأماكن وصولها المختلفة لا تنفكُّ تصل لآذان الجميع بين لحظة وأخري، تري أيّ رحلة ستحتويها، وأيّ وجهة ستقصد؟!. بدأتُ أتخيّل أنني أجاورها في طائرة ما، تكون بجواري، تسألني عني، بصوتها الهامس المتخيّل وتهذيبها الجم، نتبادل أرقام الهواتف ووسائل الاتصال، فسرتْ في جسدي ذات الرعدة الخفيفة، خرجتُ من خيالاتي، نظرت حيث هي، ولدهشتي الكبيرة، لم تكن هناك، نعم، لم أتعوّد خيانة البصر في مثل هذه المواقف، كانت هناك قبل قليل، والآن لم تكن!، بدأت أتلفت حول المكان بعصبية بادية للجميع كمن فقد شيئاً يخصُّه، لم يقع ناظري عليها، إختفت تماماً من ساحة المطار، كأنها لم تكن أصلاً ولم توجد، كأنّ كل ما عشته قبل لحظات لم يكن سوي رؤيا من رؤي المطارات والوداعات التي لا تنتهي، بالسفر كانت، بالموت أو بالغياب المفاجئ.
قفزتُ من مكاني، سألتُ شخصاً كان يجلس علي المسطبة بالقرب مِنِّي ويعبث بجهاز لابتوب بانتظار موعد رحلته؛ سألته عن الوجهة التي قال بها آخر نداء لإعلام المطار، أجابني بلا مبالاة بأنه لم يكن منتبهاً، أسرعتُ الخطي نحو مدخل الصالة، ضاق صدري بأنفاسي السخيّة، جموع المودِّعين تزحم الباب، انتحيت جانباً، وضعتُ رأسي علي الزجاج الشفاف الفاصل بين الداخل والخارج، دققت النظر عبره، خيّل لي أني لمحتها تعبر البوابة المؤدية لصالة المغادرة، بنفس الخطوات الواثقة، الخطوات الراقصة علي إيقاع أغنية "الشوق والريد"، بدأت أتلفت دون تركيز علي الأماكن، فربّما لم تعبر للداخل، ولكن هيهات، لا أثر لها، كأنها لم تكن أصلاً، هل كانت منتبهة لفضوليَ المجنون، ضاقت به فغيّرت من مكانها؟!.
عدتُ لمكانيَ الأوّل، تطلعتُ إلي حيث كانت تقف، كان المكان خالياً، كئيباً، هامداً بلا حياة، بعد أن كان ضاجّاً قبل دقائق، همستُ لنفسي (هكذا تُصبح الأوطان حين يغادرها الناس). النداءات ما تزال تتوالي، والناس يتزاحمون علي بوابات الخروج، الناس يخرجون للبعيد، يحتالوا علي ضيق الوطن فيقعوا في معاقل الحنين، يعودوا ليرتووا من ماء الوطن، فيدهمهم الغياب قبل الارتواء، يعودوا أدراجهم بعد اكتشافهم أنّ الوطن صار ورطة كبيرة ينبغي البحث عنها في الزغاريد وفي حناجر الأغنيات.
وميلاد الوطن لشدّ ما طال مخاضه، حتي بدأ الناس ينفضُّون عنه، علّه ينجب نفسه من نفسه، الجميع يركِّز علي صُلبه، علّه ينجب نفسه من صلبه، بعد أن توحّم علي طين بحره الكبير، أصابه الدوار، وصار يتقيّأ في الاماكن كلها.
تفرّستُ في كل الملامح بأسي وحُرقة، إنه زمن البحث عن البدائل، طوفانات الأوطان يفور تنورها بسلوك المنتفعين، فيحمل كلُّ مغادر ذرّة من ترابه، ويعبر البوابة الأخيرة، تماماً مثلما فعلت فتاة المطار، عبرتْ وتركتْ خلفها حسرة كبيرة، في رحلة مفتوحة علي احتمالات عديدة، فنحن نسافر بعيداً عن الوطن، لينبت فينا وطنٌ آخر نسميه الحنين، نخرج من أوطاننا، قد نعود وربّما لا نعود، فنوايا الانسان أحياناً لا يعرفها حتي صاحبها.
27 مايو 2013
التعديل الأخير تم بواسطة الرشيد اسماعيل محمود ; 28-05-2013 الساعة 01:36 AM.
|