رشيد، سلامات
النّص في عمومه جميل، ومشوّق، ولا تنقصه الإجادة. الحبْكة تمّت صياغتها على نحو جيّد، فخلت من الحشْو وعيوب الإسهاب. اللغة ناصِعة – كالمعتاد – وذاخرة بالصّور الجماليّة والبيانيّة على الرّغم من وجود بعض الملاحظات التي كان سببُها – في أغلب الظن – تعجُّل خروج النّص يومَ إنتاجه.
يجنح الرشيد في كثير من الأعمال التي قرأتها له إلى قياس الأبعاد النفسيّة لشخوص/ أبطال نصوصه. وهذا النّص أعدُّهُ امتداداً لهذا النّمط؛ فبطل النّص - بمنظور نفسي - يُعاني من ذاته غير المتّزنة التي تتأرجح بين انفعالاتها الداخلية والصراع والتمزُّق بأخيلة وهواجس ومظان تسيطر عليه وتطفو على سطح أفعاله وتصرّفاته.
وبذكاء (معهود) ينجح الكاتب في الخروج بالنّص – في نهايته - من مُحيط الرّاوي وهو في المطار يتشاغل بتتبّع الأنثى ذات البنطلون الأسود، والبلوزة بلون بيج الخفيف، إلى دائرة أوسع، تحتوي أشواق القارئ وتروِي شغفه وتهِز حواسّه نحو الوطن الذي صار ورطة كبيرة ينبغي البحث عنها في الزغاريد وفي حناجر الأغنيات.
ثمّة ملاحظات جديرة بالوقوف عندها، ونقاط أخرى استوقفتني:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
الأيادي والأرجل
|
الأيدي هي جمع "يد" التي هي إحدى جوارح الإنسان. أما الأيادي فهي تستخدم كجمع لـ"يد" في معناها المجازي وهو المعروف أو الصّنيع. ومن أمثلة استخدام كلتيهما، قول المتنبيء:
لهُ أيادٍ عليَّ سابغةٌ
أعدُّ منها ولا أعدّدها
وفي هذا الباب جاء في (لسان العرب): (أكثر ما تُستعمل الأيادي في النِّعم لا في الأعضاء).
وقوله تعالى في سورة الروم – الآية 41: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ...).
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
الابتسامات التي تطوِّف
|
تطوِّف - الصّحيح: تطوف، بدون التشديد على الواو. مصدر الفعل: طافَ يطوف طوفاً أو طوافاً أو طوفاناً، والمعنى: يدورُ حولَ أو يجولُ.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
باحة المطار تشهد حركة لا تنتهي، جموع من المغادرين رفقة مودعيهم من الأهل والأصدقاء، ضجيج الطائرات الهابطة، نداءات إعلام المطار المتواصلة...
|
المحل هنا كان ينبغي أن ينشغل بالفاصلة المنقوطة وليس الفاصلة العاديّة؛ فما يأتي بعد عبارة: (باحة المطار تشهد حركة لا تنتهي) هو تفصيل لبنود وتبيين لعناصر مرتبطة بما سبقها، وتفسير أكثر شرْحاً، واستئناف بجملة أو جُمل فرعيّة مُكمّلة للعبارة الأولى في المشهد.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
وقع أقدامها علي الرصيف جعلني...
|
قدميها وليس أقدامها، يا عمّك. الشّي عندها كم كُراع هِي؟
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
حينها أيقنتُ أن الله لم يخلق الأنثي إلا لكي ندرك أن الانسان حالة من الظمأ الابدي للحياة، وهل الحياة سواها!.
|
الصّدق الحارِق الذي ملأ تجاويف هذه العبارة، جعلني أجزم أنّها خرجت من دواخل الرشيد وإن جاءت على لسان الرّاوي

.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
فالمرءُ يمكن أن يفلح في أيِّ شأنٍ مهما كبر أو صغر، فقط إذا استطاع أن يجعله همّه الأوّل.
|
أجدتَ التعبير وحذقتَ في الوصْف وبرعتَ في التصوير فخرجَتْ حكمة يمكن أن يُضيفها أشرف السّر إلى بوستراته باطمئنان.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
في مخبأها
|
مخبئها. (في) حرف يجرُّ الاسم الذي يليه، وإنْ كان بحجم بص الدمازين.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
فنّان مشهور بصحبة جوقة من المعجبين
|
لو جعلتها: تحيطُ به أو تطارده مجموعة من المعجبين. فالجوقة هي مجموعة المُغنّيين (الكورَس).
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
الخطوات الراقصة علي إيقاع أغنية "الشوق والريد"،
|
لا يفوت على فطنة القارئ الحصيف الإسقاط النفسي الخطير الذي مارسه الرشيد هنا عبر انتقاء أغنية (الشوق والرّيد) التي تُعبّر في واقع الحال عن الحالة الذاتيّة للكاتب رغم أنّه يُضلّلنا بإلقائها على لسان الرّاوي المسكين.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
هل كانت منتبهة لفضوليَ المجنون، ضاقت به فغيّرت من مكانها؟،
|
طبعاً يا رشيد، طبعاً؛ فالهيئة المهملة، والذقن النامية، والجلسة تحت المظلة النائية، والقميص الزيتي الباهت الذي ترتديه منذ يومين، وحذاؤك الذي صار يئن لشدّ ما عاقر تراب مواقف المواصلات، هذه الأوصاف كفيلة بجعلها تتراجع عن فكرة السّفر نفسها وتغادر المطار عدْواً

.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
تطلعتُ إلي حيث كانت تقف، كان المكان خالياً، كئيباً، هامداً بلا حياة، بعد أن كان ضاجّاً قبل دقائق، همستُ لنفسي (هكذا تُصبح الأوطان حين يغادرها الناس)
|
يا للمقارنة التي كأنك استحلبتها من ضرْع الغيم!
لكن لا تأسْ أيُّها الرّاوي الرّهيف! فقبلك مارسَ شُعراء الجاهلية البُكاء على الأطلال ومناجاة طيوف الحبيبة الغائبة. وفيهم إبراهيم الكلبي الغزّي الذي قالَ بالمناسبة:
قالوا هجرتَ الشِعْرَ قلتُ ضَرورة * بابُ الدَوَاعِي والبَوَاعِثُ مُغْلَقُ
خَلَت الدِيارُ فَلا كَرِيْمٌ يُرْتَجَى * مِنْهُ النَّوالُ ولا مَلِيْحٌ يُعْشَقُ
وَمِن العَجَائِبِ أَنَّهُ لا يُشْتَرَى * وَيُخانُ فِيهِ مَعَ الكَسَادِ ويُسْرَقُ
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
يعودوا أدراجهم بعد اكتشافهم أنّ الوطن صار ورطة كبيرة ينبغي البحث عنها في الزغاريد وفي حناجر الأغنيات.
|
وما أقسى أن يُصبح الوطن ورطة!
فهل تُجدي أمصال الزغاريد وترياق الأغنيات في علاج وطن جريح، شفاؤه أعيا الطبيب المُداويا؟
تحياتي، وأرجو ألا أكونَ قد أثقلت عليك وعليهم.