اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قيس الصديق شحاته
... والثانية في الطريق بعد حين.
|
الحرمان
أخيراً ابتسم الحظُّ لي...
ستكون ليلة مضمّخة بعطر تلك الفتاة التي تجلس في زاوية الشارع. يجتاحني الشعور بالارتباك والتلعثم حين إذ أنظر على استخفاء إلى جسدها الممشوق..
أشعر بالفخر والفحولة، كعريس ليلة دخلته. إنه إحساس لم يحدث أن جرّبته.
...
في الحيّ الذي أسكنه، لم أُحظَ بنظرة إعجاب من فتاة واحدة، رغم أنّني أراهنُ على العشرات فأخسرُ دائماً وفي كل مرّة.
أعود إلى البيت، وأنظر إلى المرآة؛ ما العيب فيَّ؟!.. أهي بشرتي المخشوشنة، أم أنفي الضخم قليلاً، أم جسدي غير المتناسق؟...
أديرُ وجهي عن المرآة، ويقف التساؤل جافّاً في حلقي..
...
أبادل الفتاة الابتسامة، أصوغها غاية في الرقة والنّعومة والوَله حتى لا تهرب منّي مثل الأخريات اللائي بذلتُ لهنّ وُدّي قرباناً فردَدْنه غير آبهاتٍ بي.
نعم يا حسن..
ها هي تبتسم لك..
اقتنص هذه الفرصة، وإلا ستبقى شهوراً بل وسنوات، قبل أن تُحظى بمثل هذا الاهتمام من فتاة على ظهر الأرض..
لا أعرف مَن الذي اقترب من الآخر؛ أنا أم هي!
نظرت إليها، نظرت إليَّ..
للمرة الأولى في حياتي يقتربُ وجهي من وجه فتاة. كدتُ أذوب وأنا أستنشقُ عطرَها المميّز الذي أثارَ لوعتي واضطرابي وجنوني.
صحيح أنّها ليست الفتاة التي كنت أحلمُ بها في منامي وأتخيّلها في يقظتي، ولكن لا بأس؛ فإن ابتسامتها ناعمة، وأسنانها بيضاء.
- أنا حسن.. حسن البقال !.
- وأنا حنان.. يكفي اسمي الأول!.
- تفضل!.
جلستُ قبالتها على أحد المقاعد الصغيرة التي يجلس عليها زبائنها من الذين اعتادوا أن يشربوا لديها الشاي والقهوة.
- أريدك أن تخرجي معي!.
قالت بدلال:
- ولكن وقت عملي لم ينته بعد ؟!..
- لا عليك.. سأعوّضك عنه نقداً..
أخيراً ابتسم الحظ يا حسن يا بقال..
ها هي أنثى حقيقية وليست من وحي خيالي، سترافقني الليلة..
نسيتُ شكل وجهي وأنفي وعينيَّ..
لستُ دميماً. أنا شاب جميل، ولديّ ما يُقنع الفتيات بقبولي..
بدأت الحياة تدبُّ في أوصالي بعد أن تراكمَ عليها غبار الإهمال..
كنتُ قبلها أشعر أنّني ميّت من الداخل. باردٌ وعقيم.
الآن..
انتفض المارد بداخلي. أنا رجل له كيانهُ. أطاول السحاب كبرياءً، وأرى الأشياء بمنظار جديد.
لم أشعر بما حولي..
توقَّفَت أمامي، انتشلتني من بئر عميقة..
- هل نذهب؟!
لم أدرِ كيف أمسكتُ يدها في ظلام الليل..
جفّف هواءُ الليل عَرَقي...
- هل تسكن مع أهلك؟!.
- أسكن وحدي.. غرفتي وحيدة مثلي!.
لم أتصور أنني أتحدث إلى امرأة، أسير معها.. تكون لي، تشعر برجولتي وتبادلني همسات تداعب سكون الليل.
كانت فتاة سمراء، ذات فم عريض تقريباً، ووجه مليح إلى حدٍّ ما، لكن جسدها كان فاضح الأنوثة.
كدتُ من فرط ولعِي أمدُّ يدي لكنّني طردتُ أفكاري لأنّ الشارع لا يخلو من المارّة، ولأنّ البيتَ ذا الباب المنخفض قد أطلَّ عليَّ بوجهه الرمادي..
تقدّمتُ قبلها.. وفتحت باب غرفتي بهدوء. كانت الأضواء مطفأة، فغمرني شعور غريب سرَى في أعصابي.. أشرتُ إليها وقلتُ هامساً:
- ادخلي!.
وقبل أن تستقبلها غرفتي بالأحضان، هزّ صوتُ جارِي الشّيخ سكون اللحظات الماثل..
- أهذا أنت يا حسن البقال؟
لم أستطِع أن أجيبه، فجارِي رجل طيّب يحترمُني ويرى فيّ رجلاً عاقلاً ومسئولاً...
أحسستُ بالخيبة؛ أية جناية كنتُ سأرتكبُ لولا قدومه؟! أحسَستُ بتأنيب الضمير.. أستغفر الله العظيم. أستغفر الله العظيم.
..
في صباح اليوم التالي قابلتُ وأنا خارج من غرفتي، جاري. ألقيتُ عليه التحيّة دون أن أرفع ناظريّ إلى وجهه. ما أزال مُحرَجاً من موقف البارحة.
بادرني قائلاً:
- أدركُ ما تحسُّ به.. فقط أرجو ألا تستجيب لنوازع الشيطان ثانيةً.
- أعدُك يا سيدي ألا أفعل مرةً أخرى؛ كانت غلطة ولن تتكرر.
ثم فاجأني قبل أن يُشيرَ بيدِه إلى البص القادم:
- سأسافر اليوم إلى بلدتنا وسأغيب لأسبوع.
لا أدري لماذا انشرحت نفسي وانفرجت أساريري لسماع حديثه هذا، غير أنّي عندما ذهبت إلى (حنان)، اخترت ذات المقعد الذي جلستُ عليه ليلة الأمس.
**