الجنوب بين طائر الشؤم ورمد التاريخ
أن الواقع الذي افضي بجنوب السودان الي الانفصال، يحكي عن سنين من الظلم والالم عاشها انسان الجنوب بفضل نعراتنا الجاهلية ثم بفضل عقلياتنا الناقلة .علبوا لنا الازمة تحت فرية أن الاستعمار هو من جعل من الجنوب مناطق مقفولة، وهو من خلق الحاجز الثقافي حتي لا يصل المد العروبي والاسلامي المزعوم
الي ارض الجنوب التي كانت تفضلها الادارة البريطانية افريقانية متنصرة لا تمت الي العروبة بصلة ولا الاسلام. كما حفظونا.
ثم صدقنا هذه المسرحية الهزيلة منذ قبيل الاستقلال الي الحاضر المعاش يجلس كبار مثقفينا يمختلف الوانهم السياسية يتمشدقون خلف هذه الفرية ولعل كثير منهم في
دواخله يعلم ضلال الادعاء لكنه يرضي الغرور ويبعد المسئولية الاخلاقية والانسانية عن النخبة الحاكمة والمثففة .بل عن المجتمع الظالم والمغيب بشقيه .
السؤال الي النخبة الحاكمة خرج الاستعمار ونلنا الاستقلال منذ العام 1956 لماذا لم تفتحوا ما تم أغلاقه ولماذا لم تمدوا جسور التواصل الي ارض الجنواب ؟؟
نصف قرن من الزمان تحتجز فيه امه تسمي شمال السودان ومستقلة ،تحتجزعن التواصل مع جزء منها والسبب ترتيبات ادارية أوجدها الاستعمار قبل قرنيين قبل خروجه.
اليس هذا فشل وانحطاط اخلاقي وانساني بمقياس الشعوب الناهضة . كم من أمة خلقت دولتها بعد تحطيم لبنياتها الاجتماعية والعسكرية ثم نهضت وتوحدت وتقدمت صناعيا وانسانيا . وكم امة لا يجمعها تاريخ من التعايش توحدت كم دولة في العالم لا تجتمع الي اثنيات واحدة ويمتلئ تاريخها عداوات بين سكانها توافقت الي وحدة ودولة تحترم انسانها .ولعلها اسئلة في غير محلها بعد انفصال الجنوب السوداني ،لكن هو توضيح للخيانة التي مارستها النخبة الحاكمة .
حينما تحجزالتعليم والعلاج والخدمات وابسط مقومات الغذاء الانساني عن أمة تنتمي الي دولتك ومجتمعك فتلك خيانة ، مهما كانت التبريرات.حينما لا توزع الثروة بعدالة اجتماعية فتلك خيانة ،حينما نقصيهم من الوظائف السيادية والمناصب والقوات النظامية والفرص الاستثمارية والبعثات العلمية .ثم ناتي ببعضهم مثل قطع الديكور في بعض الوزارات والانقلابات فتلك خيانة .
هذا علي المستوي السياسي اما عن المستوي الاجتماعي فمارسنا علي اهل الجنوب كل انواع الرق والعبودية ثم نقول أننا مسلمون موحدون نصلي خمسنا ونحج البيت .ونصوم رمضان ،ونأتي الفرائض تطول لحانا وتتقرح جباهنا ثم نمارس جاهلية قريش علي مستضعفي مكة .
حينما تنتفي العدالة الاجتماعية تجاه طبقة في منظومة اجتماعة ستنخرط عناصرتلك الطبقة في العمل الهامشي الذي تأنفه بقية الطبقات وكما تتقدم بقية الطبقات في امتلاك الثروة والتعليم والنجاح تزداد الطبقة المهمشة انحطاطا ودونية لا يوثق كسبها الادبي ولا النضالي ولا يشكر لها سعيها مهما تفردت به بعض عناصرها لانها في الواقع منبوذ اجتماعي .
هذا يولد ثورات وتفلتات تنقلب علي الواقع والتاريخ الاسلامي يحدثنا عن ثورات المماليك والتاريخ الانساني به كثير من ثورات المهمشين .كانت ثورة اهل الجنوب ثورة اجتماعية وليس تمرد كتيبة عسكرية في توريت كما يصورها المؤرخ الشمالي المختزل .استمرت هذه الثورة كاطول حرب في القاره الافريقيىة حيث افضت الي أنفصال أمة صنعت دولتها واستقلالها .
حينما نوثق لتاريخ السودان الحديث خاصة في حقبة المهدية لا تجد لاهل الجنوب اسهام رغم أن حضورهم كان بارزا في مبايعة المهدي و الخليفة عبد الله تقرأ عن ثورة النوير ولا تجد لها تفصيلا عناصرها قاداتها شهدائها فكرتها كيفيتها فقط جزئية صغيرة تزيد ذواكر التلقي عندنا بكثير من التضلييل .
ثم يقولون لك شارع علي عبد اللطيف وما ادراك ما علي عبد اللطيف ؟ثورته وفكرته كانت متقدمة علي قادة الطائفية ،لكنهم حاربوه ووقفوا مع المستعمر فقط لانه غير شمالي ولا ينتمي الي البيوتات الرفيعة وتاريخنا المنحول لا يذكر ذلك وتشاء الاقدار أن يتقاطع شارع علي عبد اللطيف مع شارع عبد الرحمن المهدي كما تقاطعوا في التاريخ ويظل علي عبد اللطيف في مخيلتنا الجمعية اسم شارع في الخرطوم .
بسبب هذا الظلم رحل انسان الجنوب المغلوب علي امره بكل حاجته من جهل ومرض وجوع الي الشمال بحثا عن الكلأ والعلاج ،لا مطمئن ومستأنس كما يردد ارباب الساسة حينما يبحثون عن شماعة تخفي اخفاقهم يقولون لو كان الشمال سيئ لما نزح اليه اهل الجنوب . نزحو الينا بحثا عن الحياة فاقصيناهم اجتماعيا وسخرناهم لخدمتنا .
حينما كتب فرانسيس دينق طائر الشؤم جعل بطل روايته الياس يبحث دوما عن الرابط الذي يجمعه بالاخر الشمالي ولعل ذلك تصالح مع النفس يحكي الحالة التي كان ينشدها فرانسيس وهو الامر الذي ساقه في روايته الي ايجاد صلة الدم بين الياس والنقيب علي . رغم الجراحات التي ترسبت في مخيلته بخطف اخوه من قبل العرب وتعرضه لاعاقة دائمة لسقوطه من حصان العربي ،الا انه كان كمن يبحث عن نقاط للتلاقي . وحينما اراد الراوي للياس ان يذهب الي الشمال للتعلم كان القصد أن يتقوي بالعلم حتي يسترد لهم الحقوق فجعل بطله يجهش بالبكاء اذا هذا الطلب لادراكه لحتمية المواجهة رغم نقاط التلاقي التي تعلق بها .
فرانسيس دينق كغيره من قادة الجنوب المثقفين وعلي راسهم الراحل جون قرنق فقد كانوا ينشدون الوحدة التي تراعي التعددية وحقوق المواطنة في مبتدأهم. لكن صورتهم حاكمية الانقاذ في بداياتها اعداء يدعون الي النار، ثم بعد سنوات الحريق والجراح والموت
استقبلت الخرطوم جون جرنق استقبال الفاتحين حيث كان يسبقها بخطوات في فهم السودان الموحد .
ثورة الاثنيين الاسود صورها البعض حقيقة توضح الخيانة والغدر الجنوبي للشمال رغم افضال الشمال .لكن لو تبصرت تلك العقول في حقيقة تلك الهجمات لادركت أننا اهل الشمال سبب اصيل في اندلاعها كيف ذلك ؟
صادرنا كل امل وفرح في غد مشرق لاهل الجنوب فوضعوا كل حلمهم واملهم للخلاص من العبودية والدونية في شخص جون قرنق ثم تسرب الحلم فجاة فخرج البسطاء يعبرون عن غضبهم تجاه المتهم الاول الذي اقصاهم علي طول التاريخ .
والسبب التاني لاحداث الاتنيين هو حالة الجهل وعدم التعليم التي ساهم فيها الشمال تجاه ابناء الجنوب فغاب التحليل السياسي الواعي عن اذهانهم بأن عصابة الانقاذ ليست من مصلحتها أختفاء جون جرنج في تلك المرحلة .ثم أن التعبير لا يتم بتلك الصورة التي تحكي تفلتات القرون الوسطي .
بمعني عدم وعيهم السياسي هو مسئولية دولة ومجتمع حجب عن الكثيريين منهم مقومات الوعي والتعلم فكان التعبير بذلك النحو .
من هزائمنا العقلية أننا أخذنا تقاليد العروبة الجاهلية واوجدناها في ممارساتنا الاجتماعية واقصينا قيم وتعاملات الاسلام الربانية وحافظنا علي الشعائر التعبدية في نفاق يفاصل بين الدين والعمل .ورسولنا الكريم يقول الدين المعاملة .
برغم ظلمنا التاريخي لاهل الجنوب والذي عايشته ابان عملي في تلك الاصقاع المختلفة الا ان دواخل الكثير منا تمتلئ كبر وتجاهل واحتقار وغضب دون اسباب لكل ماهو جنوبي . ينبقي أن نقدم اعتذار تاريخي شعبا ودولة لاصل كان بالامس بعضا منا ظلمناه ثم نحر الثور الاسود فرحا بذهابه .
|