ساعة متأخرة من الليل
النور يوسف/ميما
جريدة الحياة
يهبط الليل على ذلك المشفى الصغير، الواقع بين نضرة الحياة وقتامة الموت، بين وردٍ يكابد الابتسام، وأوراقٍ تقاوم السقوط، ناثراً في جنباته، مزجاً عذباً من السكينة والاضطراب.
أحقاً للموت عذوبة كما للحياة؟
هدوء ممزوج بضجيج، في مكان لا يهدأ ولا ينام، تخلو الممرات المزدحمة من العابرين على عجل، وتتلاشى أصوات الحوارات الجادة وآهات الأنين الموشَّى بالبكاء.
توسدت أحلامها، وأيقظت في ذاتها عصافير الشجن وبلابل الذكريات. تطعم يومها فتات أمسٍ جميل، وترويه قطرات ماضٍ عذب، وتسكت آلامها بنغمات متمردة من عبق أماسيها البهية.
شخير،
سعال متقطع،
وقع أقدام مسرعة،
يعلو صوتها، تغني بانتشاء، لا تعبأ برجاء لطيف يسأل خفض، ترد أداتها الصاخبة
لا تكترث لطلب عنيف، ولا امتعاض الباقين من حولها
الأوكسجين ينساب عبر مجاري الهواء،
يحاول أن يجد طريقه إلى مجرى الدم عبر رئتيها الفاسدتين يتحدى في بسالة كل المتاريس، مواجهاً في شموخ رهق غناءها العنيد، يتعثر كثيراً، ويصل حيناً، على ظهر موجةٍ طروب
تصر على ترديد أغنية ما
وتلح على تذوق مقاطعها، الواحد تلو الآخر،
كأنها تعويذتها الأبدية، وطوف نجاتها الباقي.
رغم عنادها الوسيم
يخفت صوتها، يتوارى همسها
ومع أول خيوط الشمس
ينشر الصمت ألوانه الكئيبة، في فضاء الروح وعلى عتبات الإرادة.
تعزف أجهزة الإنذار المثبتة قرب سريرها سيمفونية الرحيل، وتؤدي بخشوع رقصة الموت الأخيرة،
وفى مهابة، يمتد الخط عبر مؤشراتها الصامتة الحزينة، لتعلن دونما وجل توقف قلبه عن الخفقان.
http://alhayat.com/Opinion/Letters/6...4%D9%8A%D9%84)