تركيا والأرمن
على خطى البرلمان الفرنسي ، يحاول الديمقراطيون في مجلس النواب الأميركي تسجيل اعتراف بوقوع مذابح ضد الأرمن على يد الأتراك العثمانيين عام 1915. مواقف تؤشر لدور التاريخ في تشكيل وعي الجماعات البشرية بهذه الصورة أو تلك وإمكانية استغلاله لتحقيق مكاسب تتراوح بين ما هو سياسي وما هو معنوي وغير ذلك.
تفرق الأرمن في مختلف بقاع العالم بما في ذلك السودان، اعتبارا من ذلك التاريخ الذي يعتبرونه شتاتا سرعان ما افرز ثقافته الخاصة. ولعل هذا ما يمكن تلمسه في العداء المفرط تجاه كل ما يتعلق بتركيا تاريخا وشعبا وحكومات بالطبع. ولم يتوقف الأمر على مراكمة مشاعر معادية وحسب. بل لجأ الأرمن للتمترس وراء لوبيات تغذيها ذاكرة حية وإمكانات مادية كبيرة ومعرفة واسعة بآليات عمل الديمقراطيات في الغرب حيث تلعب جماعات الضغط دورا مقدرا في النظام السياسي برمته.
اليوم يعد الأرمن نحو 600 ألف نسمة في فرنسا يتمتعون بأوضاع اقتصادية جيدة بحكم خبراتهم التجارية والروابط الداخلية التي تشدهم إلى بعضهم البعض. وفي أميركا يعد الأرمن اقل من ذلك بكثير لكن ترسخ جماعات الضغط وتأثيرها الواضح هناك مكنهم من إسماع صوتهم والتأثير في مجريات القرار كلما تعلق الأمر بقضيتهم.
يتواجد الأرمن في سوريا ولبنان وغيرهما من بلدان المشرق وقد حافظوا على هويتهم وبرعوا في الأعمال الحرة وان كان دورهم السياسي في لبنان اوضح منه في سوريا لأسباب تخص طبيعة النظامين والفوارق النوعية بينهما.
يتهم الأرمن الأتراك بقتل أكثر من مليون منهم إبان الحرب العالمية الأولى وإجبار ملايين على الرحيل ويطالبونهم باعتراف صريح يبرد حرارة القلوب وغيظ النفوس وغضبها. اتهام يرفضه الأتراك ويتهمون الأرمن بالتحالف مع الروس إبان الحرب وقتل آلاف الأتراك.
القضية بكل خلفياتها تفتح باب التأويل على مصراعيه فالروح القومية التركية التي لم تخب رغم سقوط الإمبراطورية العثمانية استمرت إبان الجمهورية ،ومثلت نقطة ارتكاز المشروع العلماني برمته، رغم أنها كانت إمبراطورية إسلامية ومسلمة. كل هذا قابله الأرمن بعقدة تاريخية أشبه بتلك التي استغلها اليهود لتنفيذ مشروعهم الاستيطاني، عقد يجمع عليها الأرمن في مختلف بقاع العالم وقد ظلوا حيث هم رافضين حتى العودة إلى أرمينيا التي استقلت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
البحث في جذور هذا الصراع يحيل إلى ذاكرة أخرى ، ذاكرة الكنيسة الشرقية (الارثوذكسية) التي خسرت مقرها في الأستانة عام 1453، ذاكرة حشدت شعوب البلقان والسلافيين والروس والقوقازيين المسيحيين ضد تركيا ، وما البوسنة وكوسوفو وناغورني كارباخ إلا انعكاسا لصراع الذاكرات.
تركيا طالبت بترك الأمر للمؤرخين وتحكيمهم لكن يبدو أن الأرمن يريدون إذلالها وضرب كبريائها القومي انطلاقا من نفس الأرضية.
فعلتها فرنسا وعاقبتها تركيا، وها هو بوش يخشى موقف الكونغرس خوفا على حربه في العراق. وما بين هذا وذاك يحاول التاريخ النفاذ إلى قلب الحاضر متوشحا شرعية لا تقبل النقد ولا تعرف التراجع وان طال بالقوم الانتظار.
|