قراءة في قميص التاريخ المهرود
قراءة في قميص التاريخ المهرود
والرقص على حبال السلطة
يا لحزن السودان وهو يتمدد على طول أمياله المليون .. تتشقق رجليه من العطش ومن كثرة الماء .. تقتله الشمس الحارقة .. ويخيفه طول الظلام .. أدغاله تخشى الفضاء وفضاءه يشكّ في غاباته مرّ الشك .. يشتكي لـ (اللاشئ) .. فقط يجتر التواريخ .. يا لحزنه ، حتى وهو يعيد الأيام يأبى أن يحاكمها لأن يومه دائماً ألعن من أمسه ..يأتيه المهدي ! من مهدّ لهؤلاء الشروع في فقه الضرورة .. ويأتيه عبد الله التعايشي ( الخليفة الصديّق ) من أسس للكتاب الأسود ..وتأتيه ثورة 24 بكل انفعالاتها وردود أفعالها تضادٌ متكامل مع التوجهات العروبية ورغم التفاف الجميع حولها وما كانت عليه من مثالية خضراء وهي كذلك لحدٍ ما لم نسلم من بعض القلق المضر .. كلٌّ يجهل أو يتجاهل خصوصية السودان ويمضي ليؤسس لدولته وفق لون أذنيه .. ويستعد كل (خشم بيت) لتأسيس دولته المستقلة .. وطبعاً – كما يقرر التاريخ – كل المنتديات الثقافية التي تطورت بعد ذلك لأحزاب والتي لم تتطور والأحزاب التي تسعى - مجرد سعي – نحو المؤسسية أو التي انغلقت في الراعي والإمام كلها بدأت من خشوم البيوت .. لذا فإن الأحزاب خشم بيوت والسياسة خشم بيوت والقادة خشم بيوت .. وتأتيه فترة الفريق عبود حالمةً جميلة حتى لكأنها حبه الأول .. فينقِّل فؤاده حيث شاء ولكنه يهمس له (ضيعناك وضعنا وراك) وكان قد هتف ضده ( حلفا دغيم ولا باريس وأنعل دينك يا عبود)عندما أغرق أحلام المدينة الرقيقة وتلمّس المقصات على كتفه وهو يرى آخر نخلةٍ في حلفا تلفظ الشهادتين والحياة وتنام تحت الموج المصنوع .. ويعلم أن مصر تعتقد بنهاية النوبة والدنيا عند هذه البحيرة التي خلقناها لها وما زالت لا تعلم أن النيل يأتيها من هنا .. هذا لأن جمعية الاتحاد أبت إلا أن تصغرنا درجة التلاشي وتقرر أن ( السودان للسودانيين ومصر أولى بالمعروف ) ويأتيه فريق آخر (قبل أن يصل الحد ويبقى مشير على سن ورمح) يبيع المستحيل ويمضى ليردد (أنا كنت عارفم ماشين إسرائيل ؟… ما قالوا لينا جماعة مقطوعين وصلوهم لينا أوربا ووصلناهم ) كان لابد أن يستعير ألفاظ الكمنسجية في موقفٍ كهذا.. وكأن مكتبه في موقف الكلاكلة ..ودق سدرو أخو البنات ووصلهم .. قبلها وبعدها كان قد دق سدرو كذلك ودفن النفايات في أحشاء هذه الأرض البكر – ما درّاج المحن كمان – (الواطة راقدة حا تعمل لينا شنو لو دفنا ليهم شوية شوالات يعني ؟) فولدت الفاقة والفقر وقبائل السرطانات وتشوهات الخريطة السياسية التي أنجبت بعد ذلك فرقاً جديدة وفرقاء جدد .. وغاب لسنين بالقاهرة يخلع على نفسه الألقاب والنياشين وجاء ..ليستقبله السودانيون استقبال (الفاتحين ) .. وذاكرتهم لا تسع إلا (المسامح كريم) هذه التي خرقت شروط صلاحهم اللاحق وأبدلتهم عفو القادر بمسكنة العاجز وسمحنا له (ليخرّف ) بعد ذلك في البرنامج التلفزيوني (بين زمنين) حتى ليخجل الرضيع من رأس دولته ستة عشر عاماً يبرر علو كعب العسكري على المدني ( طبعاً العسكري أحسن من المدني لأنو مدني وعسكري – يعدّ بأصابعه - لكن المدني مدني بس .. اسع لو في زول عندو قرش وزول عندو قرشين .. أحسن منو؟)..فاغراً فاه وعيونه وخيبة أملنا.. وينتظر الإجابة من مقدم البرنامج المندهش ..لا تندهش سيدي فكلنا يغرق في دوامة الدم والدمع هذه .. لا تندهش سيدي فالنميري (الإمام والروليت) الذي قرر أطباء أمريكا بعد أن أبدلوا أحد شرايين رأسه بشريانٍ من قدمه ( أنه لا يصلح بعد هذا رئيساً لقطيعٍ من النعاج ) صلح ليرأسنا لسنين .. ألف فيها كتباٌ في الفقه (كمان) .. ومن زيّن له سوء فعله جاء ليزينه لنفسه لاحقاً ويهتف مع أدواته الإعلامية الجريحة أن الملائكة تركت (الوراها والقداما) وتفرغت للجنوب (الكافر) وبنفس المكيال كان المهدي يوقر صدر دولتنا بالجراح ..كلنا يكذب ويصدق نفسه .. كلنا ..مادام في الطريق ( عفا الله عما سلف ) ولبقية الجموع آخر هذا النص فقط (السلف) يبدءون مشوار حياتهم يستلفون ويموتون مدانين .. يرددون ربك كريم .. السودان ميتٌ بهذا الخنوع ..لا تندهش يا سيدي فكل (الفرق) التي حكمت السودان جلبت له الموت من قرونه وهو يحنّ إليها.. آخرهما الهلال والمريخ يفضحاننا في العالمين ونقتتل نحن في المدرجات ..نحن من كتب عليهم الاقتتال في المدرجات فقط والملعب فارغٌ من الحياة.
كان الراديو رحيماً لزماناتٍ طويلة وهو يشرح صدره لجموع المستمعين ( الأعزاء) يتنقل بين ردهاته علي المك والبروف عبد الله الطيب ويحاكم الأثير الطيب صالح وكرومة وسرور والكاشف كاشفاً عن عدل أحبابه وأصحاب الأدب .. وتصالح المستمعين سنوات الحقيبة حين كان الشعر يتفقد الخدور قبل أن تتفقد الخدور ديار الشعراء الآن ويتفقد أنصاف الشعراء شركات الإنتاج ( الفني ) – مثل هذا الحال لا ينتج سوى الأنصاف .. يفعل جهده ليرفع الهمزة من أسفل الألف لأعلاه - وتنام على أطراف برامجه الأغنيات الجميلة ويسهر العمر كله بين ما تشتهيه الليالي من نسيم وما يطلبه المستمعون والقمر يزحم بنوره السكون فيضج المكان بالإلف والحبّ والحياة .. لكنه كان يغني لمن يصحو باكراً .. يقولون أن فناناً أكمل اللحن وحجز باستوديوهات الإذاعة لتسجيل أغنيته المؤيدة لهاشم العطا ( هاشم العطا بلدنا ظبَّطا ) ولم يكن هاشم العطا قد أكمل اليومين بعد.. علم وهو في طريقه للتسجيل أن النميري استعاد السلطة .. ومضى ليسجل أيضاً ( هاشم العطا بلدنا ظرْوَطا) !!!!!!!! والآن ! الإذاعة تنقل صلاة الجمعة على أشرطة خطب الرئيس القائد نميري وتنتظر أن تنقل (أي طهورة في أي مكان) على أشرطة رقص الرئيس القائد (برضو) البشير .. ولكن سفينة الإنقاذ سارت لا تبالي بالرياح ! (والرادي فد دبابة علمتو الكضب والصهينة ومدة لسانو على البلد بي غنوة عن عهد الرشيد ) فقط يرقص السيد الرئيس على كومة مواتنا ويتفقد مساعده ( للتعبئة) المقابر حتى لا ينام الموت فارغاً .. وحتى لا تيئس الشواهد .. قال صديقي مرةً وهو يستمع للراديو ( وقد أعلن السيد رئيس الجمهورية التعبئة العامة في جميع أنحاء البلاد… إنت الرئيس دا قعد يلقى الفاضي وين ؟) إلى متى ستعبئون والنساء (حردن) نون النسوة ومضين بلا قلب … والرجال باتوا بين جرحين .. السكوت والكلام .. والسماء تطالع بفارق الدهشة كيف بدّل النخل اتزانه وبات يتكئ على أحزانه اتكاءة الوجع والرهق والخوف … سيدي الرئيس سيحفظ لك التاريخ انك أول رئيس جمهورية ( منتخب) وفقاً لأخر انتخابات (نزيهة) يبدل رقيص العروس برقيص الرئيس وأول رئيس جمهورية (منتخب أيضاً) يرقص على خيبات شعبه المتتالية والدولار يطير أمام الجميع فقط تتابعه العيون الكسيرة .. طار من اتناشر جنيه لـ (كم ألف) ونسي الناس شكل (الطرادة) التي كانت تسد وتقد ….يرقص على أحزان الأمهات يبعن أبناءهن بصبرٍ نافد ويشترين السهد والألم .. يزرعن الحسرة في الدروب المعطونة بالبكاء .. ويرقص في دارة المشروع الحضاري الذي أفضى بنا لهكذا موت تبشِّر حوله الكرامات والأكاذيب.. يرقص والبنات يقابلن العنوسة بماجستيراتٍ بعيدة الأجل والأولاد يقابلون غلاء المهور بالزواج العرفي في زمن الأمير ميكافيللي هذا.. يرقص والشماسة يشمّون رائحة الأكل بخبرةٍ تفوق خبرة اليتيم كما يری الشاعر محمد عبد القادر سبيل ويضاجعون جوعهم في دهاليز مجاري الخرطوم العتيقة .. يرقص والمستشفيات تشتهي رائحة (السلفي) والبنسلين والإيدز يقضي على آخر معاقل القيم ويمضي لتقتلنا رائحة المرض فقط.. يرقص والبلاد تنزف أطرافها كل يوم والعاصمة تحول حدائقها لمساجد تستجدي المصلين نظير عمولاتٍ تطير بالبنايات إلى عليين.. (الفيهو حرقص براهو يرقص ) وأربعة عشر عاماً سيدي الرئيس تحافظون على حرقصكم الميمون .. وترقصون .. وللتاريخ كنت أول رئيس – في العالم – يرقص دون أن يغطي دقنه .. لأن البرقص ما بيغتي دقنو .. سيدي الرئيس .. أنت مذاكرٌ جيد للأمثلة السودانية فأهنأ .. فإن التسوي كريت في القرض تلقى في جلدا.
2003/10/10
أسامة معاوية الطيب
* المقال كتب في العام 2003 م ، مما يستوجب إضافة خمس سنوات أخرى لتواريخ الرقص
التعديل الأخير تم بواسطة أسامة معاوية الطيب ; 08-05-2009 الساعة 09:46 AM.
|