منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-02-2016, 07:53 PM   #[1]
imported_nezam aldeen
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_nezam aldeen
 
افتراضي فتاة في الطابق الأعلى





فتاة في الطابق الأعلى


إلى أولئك الذين يهبوننا سعادةً دون سبب

منعني صوتٌ من النوم مرة، فاستيقظتُ طويلاً. أنا أسكن في الطابق الثالث، شقتي تتماثل مع الشقق أعلاها وأسفلها، لو أخطأت الباب، ربما تجد نفسك في مكان تعرفه مع اختلاف الناس والتفاصيل والرائحة، المكان أشياء كثيرة غير الناس، أظن أن الأمر أشبه بحبيبة التقت صدفة رجلاً آخر، ومدّت له الكوب ساعة سعال دون سؤال، إلا من عينيها، فلم تختلف وتفاصيلها ولا رائحتها، لكنها بكل تأكيد ارتحلت لشقة أخرى.. وأنت كذلك..!!



حتى لايتوه ضيوفي، وضعت على باب شقتي لوحة لمحمد منير، كُتب عليها "ياللي بتسأل عن الحياة، خدها كدة زيّ ما هيا" .. البيت حياة.. أظن ذلك .. اعرف أناس يقولون "البيت حياة، وموت .. " سافرتُ من البيت ذات مرة وماعدتُ حتى الآن، غادرتُ بشهواتي، ومزاجي حائمٌ في البيت، رائحة عرقها في المطبخ، لونها دميرة النيل، وشهوتي نخيلٌ صعدت عليه الثعابين، سلام الناس، وجوه النساء وعمم الرجال، عرق الطين، سجائر البرنجي، طاقة البليلة، يازول صلي على النبي، التمباك والعجين المُر..!! البيتُ متعة، يفسدها الطمع..!



شقتي صغيرة، كعيني طفلة يتيمة، وكبيرة مثلهما أيضاً، صالة صغيرة مستطيلة، في منتصفها طاولة، وحول الطاولة أربعة كراسي، وكل شقتي من الخشب، ككل البيوت هنا.. في الصالة من الناحية الأقرب للباب شاشة متوسطة، موضوعة على مكتبة، يمينها على المكتبة وضعت علب البخور، زجاجات عطور وشيشة.. البخور هو بُدرة الروح الصباحية، التي لاتزيدها بياضاً، فقط تُطريها، تجعلها ندية، كخدِ نحلة، طافت تقبلها الورود، أو كقلب حبيبة، تقبل حبيبها بعد خصام.. أطلق البخور صباحاً قبل أي شيء، ومساءً بعد عودتي إن خرجت.. أما الشيشة، فهي فقط تذكرني بصديقٍ وبحبيبة، صديق حمل وهو صغير هم وطن، فأصابه الشلل، وحبيبة كانت تخلف رجلها القريبة مني -لم تخطئ يوماً في اختيار رِجلها- كما لم تخطئ يوماً رجالها، تضعها على الأخرى، وتتشكل في المسافة بين أعلى رجلها وحتى ركبتها المنثنية، أعظم كناتير الطبيعة، رسمها ملك الجمال، الذي وهبه الله ريشة من روحه.. كنتور أرجلها لايمكن وصفه إلا بالقول بأنه لايجوز أن ينثني لأعلى لبشر، وفي رواية أخرى فرض عين، إن إنثنى للبعض وجب ثنيه للبقية، هذه هى العدالة.. ثم تمسك لي الشيشة، وتنفث دخانها في الفراغ بين عيني التي تسترق النظر وأعلى رجلها، ليضربني إعصار الفتنة حالاً، ولا أنجو ..!! ماالذي يُجمل الحبيبات؟ إن كان الحُب فهو كاذب ..!!


على يسار الشاشة، وضعت المصحف وحيداً، تماماً كما هو وحيد في كل مكان.. لم أكن مؤمناً يوماً، فقط أحب هذا الكتاب، أقرؤه بطريقتي الخاصة، المسلمون يفعلون ذلك، كل يقرأ ويغني على جناه، كنت أمسكه وأفتح صفحاته بشكل عشوائي، وأقرأ أول مايقع بصري عليه، سنوات طويلة أفعل ذلك وفي كل مرة أجد شيئاً جديداً، كأني حين أغلقه تعيد أحرفه ترتيبها بسحر، كوجه أمي. ذات مرة وجدت مكتوباً : "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا".. تساميتُ.. تحولت لذرات خفيفة، حتى كدتُ أن أتسرب من النافذة، كأنها رسالة من الله وضعها في صندوق بريدي عند باب البناية في ليلة خميس، وأيّة رسالة؟ إنها مرسلة خصيصاً لشقتي، عنواني عليها، اختارني الله ليذهب عن بيتي الرجس، وأي فخر؟ بعدها رأيت طهارة الله لي في آلامي، بخوري، وفي جيوبي الأنفية التي تنغلق مع البخور كل مرة، لا لتؤذيني، إنما لتغلق الروح على طهارتها، وما أجمل ذلك..!!

لكن هذا ليس وحده ما يحدث، ذات يوم وجدتُ مكتوبًا : "أزفتِ الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة" .. انصهرت رعباً، كانت رسالة، كالطرود المفخخة، انفجرت في شقتي، فبعثرت كل ذكرياتي، حتى كادت الشاشة قربها أن تبُث يوم القيامة.. كتبتها على دفتري : لم يقرأ العرب أصعب من ذلك. ولم أفتح المصحف مجدداً، لفترة طويلة..!!



على الجانب البعيد، كنبة، لها مسند متحرك، يمكن تحويلها لسرير، كصورة أمي.. يمينها على الركن شجرة، صنعتها من الأسلاك، علقت عليها أناسًا في حياتي، أسميها شجرة الحياة، أوراقها صور مختلفة المقاسات، لأصدقاء المسير في كل مراحله، بعضهم لا يزال قريباً وآخرون أبعدتهم الأيام، والأيام هنا مفعول بها مستَخدَمة، وأنا الفاعل .. صورٌ لحبيبات كنّ فيّ حُباً ما، أبعدتهن الأيام ولم أفعل .. لأفراد في العائلة، لأناس لا أعرفهم لكني عرفت صورهم.. لأشخاص أعرفهم، ولايعرفونني ولاصورتي.. تتدلى كل تلك الأوراق على الفروع الأسلاك، أوصلها بكهرباء الحُب فتُضيء الصور.. ربما لو كنت اخترت حياتي، فسأختار هذه الشجرة، بشرط أن تظل مُخضرّة مدى الحياة ..!!



على اليمين من المدخل، الحمام، على بابه ألصقت لوحة لامرأة عارية، لا أعرفها الآن.. كانت لوحة لامرأة عارية وأكثر من ذلك بكثير، لا يمكن أن تصف امرأة عارية بأنها - فقط - امرأة عارية، الأمر ليس بهذه البساطة،، وقد كانت أكثر من ذلك بكثير.. عندما وضعتها لأول مرة، كنت أقصد إلهاء من هم في الخارج، عن من هو بالداخل، ليس هنالك أقسى من أن تشعر بأنك مُراقب في الحمام.. لكن يومًا ما أحببت فتاة عارية، فعرفت أنها تجسد التحرر والانعتاق، من سلطة الجسد المقدسة، لحرية الأرواح وانفتاح العقول، ولا أعتقد أن هذا قد يكون كافياً، إلا لمن يرى اللوحة، ويدخل الحمام وهو لايهمه إن كان أحدهم يراقبه أم لا .. !!



في الحمام كنت أضع السماعة المتوسطة، الصغيرة أضعها في ذلك الركن الذي أسميه مطبخاً، أما الكبيرة ففي غرفة النوم.. انا أحب الأصوات، الموسيقى كالشهوة فينا لاتشبع، الغناء هو لحظة التكوين.. انا أحب جميع الأصوات.. جميعها إذا قُصدت بها السعادة، هدير الملايين في الشوارع أيام الثورة، صياح الآلاف في المدرجات، أبواق السيارات التي تحتفل بفرحٍ ما، الأسلحة الضاربة في المناسبات السعيدة... كل الأصوات إذا أطلقت بالحب جميلة، أحبها بحق..!!






ومع الأصوات بدأت قصتي ياسادة، فأنا أنتمي لذلك النوع من البشر، الذي يحب أن يسمع الموسيقى والغناء لوحده، أو مع آخرين في هدوء، الذين يصطحبهم صوت الإذاعة في حياتهم، الذين يجلس بالقرب منهم فنان صعد إلى الحافلة عبر شريط كاسيت، تمنو لو يدفعون عنه ثمن التذكرة، الذين وُلدوا وعلى آذانهم سماعات، الذين أُذّن لهم وهم صغار، فقالوا ما أجمل هذا الكلام، وصرخوا يشاركون، الذين يرهفون سمعهم للجمال، ويُجمّلون مايسمعون، حتى تتمنى أن تصبح صوتاً مميزاً لهم.. ذلك النوع من البشر، الذي سيتألم إن أُجبر على الغناء؛ فقط خوفاً من تشويهه، ولايدافعون عمّا يسمعون إلا بالشفقة على من لا يستمع. لا يُمكن تقليدهم، ليس لأن الطبع يغلب التطبع، بل لأن الحُب غير قابلٍ للتصنُع ..!!



العائدون وحدهم من يدركون ألم المغادرة، والمهاجرون أحق بالعطف من سواهم إن استقام الحال، لكنه لايستقيم. جسداً سئم استهلاكه، وروحاً ملّت وعودها، حملها على ظهره وأشارت للطريق، مضيًا نحو هناك، لديهم جميلٌ قدّماه قبل أن يلتقيا، يطلبانه. يطلبان البصر، والبصيرة في المنزل، العمى. يسمع الجسد ألحان الأرض الباردة، ترقص الروح - بِشَتارة - على إيقاع لم تعتده، تهتز الأرض الباردة تحتهم لتعلمهم قانون الرقص، تصعب مهمتهم، تواصل عزفها لهم، وتتواصل رقصاتهم الحارة على الموسيقى الباردة، الصمم..!! يتحلق جانبي الدراويش، أستحضر النوبة، الرز الأبيض وحبوب الفلفل، صراع الأيادي الزاهدة على اللحم، يسحبني الذكر ويدفعني، على كل الأعلام (حي قيوم)، أرفرف كغيمة، لا تنتمي إلا للسماء، ولا تُطفئ نار التقابة..!!



يومها أردتُ النوم، والنوم هو أن تترك جسدك دون حراسة، وروحك تبحث عن الحقيقة في السكون.. لا شيء يمكنه أن يُصلح ما يفسده الناس مثل النوم، ولا شيء يُصلح الناس كحُب النوم، فإن أحب الناس النوم سيزيد عطاءهم، لأنهم سيعلمون كم يدفعون ثمناً لوقتهم في الأعمال، النوم وحده القادر على مساعدتنا دون جهد، فقط جهد أن تعرف أنك يجب أن تُحب النوم.. هل يحتاج النوم إلى جهد؟ هذا ماتقوله الفتاة التي تسكن في الطابق الأعلى ..!!



ذلك اليوم وأنا يَحتلُّني التعب، أطلقتُ البخور وموسيقى النوم، موسيقى النوم أختارها كيفما كان اليوم، فإذا كان اليوم يوم عمل، صاخبًا ضاجًا مزعجًا، فيه أناس عدوانيون - لماذا في كل مكان هنالك أناس عدوانيون؟ هل نحن كذلك بالنسبة لآخرين؟ - عندها كنتُ أختار موسيقى واسعة، بأضيق عدد من الأصوات، تجعلني أعيد ترتيب ذلك اليوم داخلي، حتى لا تُصيبني عدوى الضوضاء بالعدوان. أما إذا كان اليوم هادئًا، بصحبة الأصدقاء الراحة - ليس دائماً الأصدقاء أصدقاء راحة، هنالك أصدقاء تعب، يرهقوننا ولايعلمون ولانريدهم أن يفعلوا - كنتُ أختار يومها موسيقى قديمة، حتى أذهب بصحبتهم لأزمان لم نعشها. ثم إذا كان ذلك اليوم يوم حبيبتي، فأنا لا أستمع لموسيقى قبل النوم، فجسدي يعزف ما كتبه على نوتتها في هدوء، وحب، حتى أنام..!!



استلقيت على سريري، كانت الموسيقى واسعة، ديسابورا الشتات، تغني إيقاعات طقوس جدع النار، يتبادل فيها القرن، والقرع، والأرجل، في إماطة ضوضاء اليوم عن طريقي، وليحاسب الله أهلها بأجر الصدقة الجارية.. كثيراً ما منحتني نوماً لم أرد قطعه، وهكذا يفعل الحب، إن أحببت شيئاً لن ترغب في استبداله إلا بحبٍ أكبر ..!! لكن أصوات "كركبة" لم يمنعها السقف من إزعاجي، أتت من الشقة الأعلى. كانت حركة عادية، أرجل تسير وتضغط على الأرض ثم تتوقف، ثم تتحرك مرة أخرى، أصوات أخرى لا أعرف ما هي، كصوت سقوط هاتف تلقى خبرًا لكارثة، وصوت كرسي مسحوب ليُجلس عليه بهدوء.. كانت أصواتًا خافتة، لكنها كانت مزعجة..!! بدرجة أفقدت أذني صوت الحكّامة من سماعاتي الفخمة، الذي لا يمكن لأذن أن تفقده إلا إذا ضجرت.. منعني من النوم ليلتها، وليته اكتفى بتلك الليلة، فقد منعني ذلك الصوت من النوم لمدة طويلة، طويلة جداً، طويلة كبال طفل انفصل والداه بحقد ..!!



الليل البارد يسأل، والفتاة العارية المصلوبة على الباب تجيب، وتشير بغضبها نحوي، تنتحلُ صوتي وتُصرّح: أنا الحزن يبكي، أنا الندم يعض أصبعه، أنا الأسف الآسف عَلَيّ، أنا ثَكَلُ الموتى العرابيد، حقد السمكة على الطعم، نشوةٌ لم تهدأ ولن تبدأ، هجرتُ الحياة للذكرى، للألم المستمر، انكفأت على خيباتي وأنكفت عليّ، أسأتُ لحظي السيء وأساء إليّ، قدري العجز، وخلاصي الهروب، أنا الجوع، والطعام أنا، المياه والحريق، العزيمة والفشل، الدمار والخراب، دماء هابيل، وبؤس قابيل، الجاني والضحية، كلما أحفر نفقاً لأخرج، ينهمر الجهل فيغرقني، أقتل النمل ولا أتعلم منه، يتفتح الورد فيّ، على الشوك أنكفئ، لون الطين يحاسبني، وأخاطب السراب، أنا الفتى الحديث، في جسد عجوز عاقر، لا يلد إلا الحروب، أنا الموت ببطء على قارعة الاستواء، فلا تنتظروني، فقط انظروا إليّ..!!



رفعتُ صوت الموسيقى قليلاً، إن رفعته كثيراً ربما يثيرني ما هو أسفل أعلى التنورة، رجلٌ بدوي مثلي لايمكن أن يفكر في النوم وهنالك تنورة مرفوعة كثيراً.. والفتاة العارية؟ إنها مجرد خريطة.. صوت الموسيقى لم يكن كافياً لمنع تلك الأصوات، الأقدام الرشيقة لا زالت تتحرك في الأعلى، هي فتاة، تلك الخطوات الخافتة، التي لا تكاد تلمس الأرض عند السير هي خطوات فتاة، حركتها المنتظمة وتلك الرقة والهدوء فيها لا يمكن إلا أن يكون لفتاة، الفتيات وحدهن من يستطعن السير على عجين الحياة ولا يوحلن، خواجية شقراء إذن..! قال السمسار أنني الملون الوحيد هنا، إذن هى بيضاء كالحليب ليلاً، و"فشفاشٍ" حَرًّا، مثيرة الحداثة.. ثم حجم الصوت الصادر من ضغط القدم على الأرض، مع أخذ بسيط للوزن في الاعتبار، ثم درجة نعومة صوت الاحتكاك بين باطن الرجل والأرض، يؤكد أنها فتاة، هي بين الحادية والعشرين والثالثة والخمسين، ذلك لأن الفتيات هنا يسكُنّ لوحدهنّ بعد العشرين، وتزيد أحجامهن قليلاً بعد الثالثة والخمسين، هكذا تصير الأشياء، الحياة ليست معقدة، نحن من ننظر إليها ببساطة ..حركت الخطوات من غرفة النوم، نحو ركن المطبخ، توقفت قليلاً، صوت الإهتزاز الذي يصدُر، هو بلا شك صوت جهاز السخان، ذلك الوعاء الذي لايأخذ وقتاً طويلاً لغلي الماء، مثل زوجة جميلة لعوب، تكفي ضحكتها أمام الضيوف لوضع دماء زوجها في نفس الوعاء.. أو كحبيب قطع قُبلة حبيبته ليرد على الهاتف، ويضعها في الوعاء، الغليان ..!! هى تصنع الشاي، القهوة لاتُصنع هكذا، القهوة ممُلة، تمنع النوم وطعمها مُر.. ذات يوم سألت صديقة : "العرقي طعمو كيف؟" فأجاب صديقٌ حكيم : "مُــــر .. كالخذلان..!!


حملَت كُوب الشاي، وعادت بنفس الخطوات لغرفة النوم، واتجهَت ناحية الشباك، وضعَت الشاي على طاولة أو مكتب لا أدري، سحبَت الكرسي للخلف قليلاً، جلسَت عليه ثم سحبَت مرة أخرى للأمام.. جلوسها على الكرسي وتردُّد صوت الأرجل، يرسم صورة لمقعد الأنثى فيها، هو ليس ممتلئاً وثيراً للرجال، ولا هو الصغير الذي يُثيرهم، فالصوت لم يكن ضغطاً على الأرجل الأربعة مرة واحدة، إنما أتى متدرجاً عبر مفاصل الكرسي للأرجل، الأمامية أولاً ثم الخلفية، ثم بالتساوي.. هذا يجعل شكلها وهي ترتدي بنطالًا، كسلاح لا ساتر من نيرانه.. فتحت حاسوبها.. ضغطة طويلة ورأسية على المنضدة، وعلى مساحة رأس الأصبع الواحد، لابد أن تكون ضغطة لفتح جهاز اللابتوب.. حملَت الشاي وأعادَته مرة أخرى، رشفَت في الغالب رشفة، بدأَت بالضغط بأطراف أصابعها على مفاتيح الجهاز، أظنها تكتب رسالة رسمية، الرسائل الرسمية فقط هي التي تُكتب بجدية زائدة، حتى الرسائل غير الرسمية الجادة، يكون لها ترددٌ مختلفٌ عند كتابتها، كأن تعاتب عزيزاً عليك، فالعتاب هو أول خطوات الوُد، أعرفت التردد..!!



أتقلّب في مرقدي، ما الذي حوّل انتباهي لإزعاجها نومي، لمتابعة دقيقة كهذه؟، مالي أنا وخطواتها ورسائلها والشاي؟، إن كان في الأمر رواية لأضفت بعض الخيال لها وقلت أني أحببتها، فالحب يبدأ هكذا، عندما يبدأ أحدهم بالإزعاج في أماكننا الخالية، عندما يصدر أحدهم صافرات الإنذار في سكون قلوبنا، عندما يبدأ الفراغ فينا بالظهور مع ظهور أحدهم فيه، إن علمنا مسبقًا بوجود الفراغ فينا أو لا، الشيء الأكيد هو أن أحدهم اقتحمه بكل الضجة الممكنة، حتى وإن كان قد بدا في الظاهر غير ذلك، فالأمر هو أن يضيف إلينا شخص ما شيئاً ما، لايمكن أن يضيفه غيره، إنه عندئذٍ الحب..!!



أُخفِضُ صوت الموسيقى قليلاً، إن أردتَ أن تسمع بصوت أعلى دون زيادة الصوت، فأخفض الصوت لمدة ثم قُم بإعادته لمستواه الأول، ستشعر عندها بأنه أعلى مما كان، كل الأشياء تعمل هكذا، فالبيت الذي ينخفض صوت الحياة فيه، لابد لساكنيه من السفر، والأحلام إن بَعُد صوتها، فلا بد من نسيانها لمدة، فإن عادت كما كانت لا مفرّ منها، وإن لم تعد فهي صوتٌ توهمناه.. وكذلك الناس ..!! تَسحب الكُرسي للخلف، وتتحرك ناحية الباب، تتوقف برهة ثم تتجه مباشرة لأحد الجوانب، تجلس على سريرها، ضغط وزنها على السرير يصدر صوتاً في الأسفل، وتحديداً في رجلي السرير الخارجية، يبدو أن لها نفس ترتيب غرفة نومي، السرير على يمين الباب، وَقفَتُها قبل قليل كانت تغلق الباب وتُطفئ النور، ثم جلسَت على السرير ورفعت رجليها يميناً ومالت بجسدها يساراً، يبدو أن أرجلها ممتلئة، فهي عندما رفعتهما ووضعتهما على السرير، تسبب ذلك بضغط على أرجل السرير الخلفية بصورة محددة، عرفتُ من خلالها أن لها ذلك النوع من الأرجل، الساحرة المستديرة الممتلئة. "غُرّةُ أنوثة أجساد النساء الأرجل"، هكذا كان يقول صديقي العربيد، كلما زادت استدارة أرجل المرأة، كان جسد الأنثى فيها أكثر ثروة، تلك الثروة التي لا قيمة لها، إلا إذا وَجَدت من يُخرجها؛ إنما الأجساد أسرار، تبحث عمّن يفُكها..!! لا أتفق معه، أعتقد أن لكل فتاة غُرّة أنوثة ما، وإن كنت أتفق في أن للأجساد أسرارًا..!! لا يهم، أخيرًا سأنام، النوم هو المُعين الأول على التخلص من إزعاج الناس..!!



أخبرتكم أن شقتي ضيقة كعيني طفلة يتيمة، واسعة مثلهما، هل كان ذلك الوصف جيداً؟ أنا لم أقصد المبالغة، فشقتي يتيمة؛ توفّت رغبتي في امتلاك منزل منذ أن غادرت وطني، غادرته وأنا لا أملك فيه شبراً، وطني واسع، ممتد، فسيح، رحيب، في كل شيء، إلا في الأمومة.. ماتت أمهات الحياة فيه.. الرغبة في أن تصبح رجلًا له منزل، الحوجة لأن تكون فرسًا قبل أن تصاب بالشلل، النظر للبعيد بعيون البقاء، تحليقك بقدراتك عاليًا، البحث عنك، الأجوبة وحُلم الوصول.. ماتت أمهات الحياة هناك، وحين تموت الأم، يصير المكان ضيقًا.. كعيني طفلة يتيمة..!!


كانت شقتي واسعة مثلهما أيضاً، أتدري كيف تُسمع الموسيقى، وسط كل هذه القذائف؟ كيف يضحك الناس من أعماقهم، في هذا الجحيم؟ كيف يتكون حُب الناس للمطر، وهم في عمق الغرق؟ كيف يعبد الناس الله، وهم لايعرفونه؟ كيف يقبلهم، وهو يعرفهم؟ كيف هي الجنة في عقول الناس؟ لِمَ يأتِ الأطفال للحياة؟؟ لِمَ نريدهم أن يأتوا، ونود الرجوع؟ لِمَ نريدهم أن يكبروا، ونتمنى العودة؟ لِمَ نريدهم أن يفرحوا؟ من أين يأتي الحب؟ ... الإجابة أوسع من بال السؤال، إنها في ذلك الغشاء الزجاجي الرقيق في أعين الأطفال، إنه معنى الحياة بجمالها، إنه السر الأعظم .. هو الأمل ..!!



استيقظتُ صباحاً كـكُرة، تنتظر من يركلها، قاومت جاذبية النوم وانفككتُ من السرير.. أنا في اجازة، عملي هو إهانة البعض هنا، أتقدم لوظيفة، أتحصل عليها، أبحث عن كُرةٍ ثمينةٍ استيقظَت صباحاً وأحسَّت - دون سبب - أنها أفضل من بقية الكُرات، ذلك النوع من البشر الذي يُحب العظَمة بصورة غبية، يُحب السيطرة بأكثر مما هو مقبول، يقاتل الجميع لإثبات أفضليته. جميع الأماكن بها أُناس من هذا النوع، أنا أبحث عنهم؛ في مجلس الإدارة، بين كبار الموظفين، في الفتيات الجميلات الغبيات اللاتي يُقَرِّبن رائحتهن لأنوف الوجهاء حتى ولو كانوا عاشقين، فيُسببون السفر، يُمثلون الضد بعنف، وبقية هؤلاء الناس الذين تعرفون. أبحث عنهم، أراهم يتبخترون في الأرجاء، كبالونة نفخَتها شجرة شوك، بأجسادهم المترهلة غرورًا، أُراقبهم، أعرفهم، ثم أنتظرهم يملؤون صدري بالغضب، لأصرخ في الجميع أن شاهدوا هذا: أُجلِس التاريخ على المدرجات، ثم أقوم وبكل ذلك الغضب والحنق، بركل الكرات الغبية، حتى يَخرُج منها هواء سوء الظن، وأتركها للجماهير ترأف بها، ثم لا تفعل، وأغادر الوظيفة..!!



أُشعلُ بخور الصباح؛ طقوس ما بعد الاستيقاظ.. جميعنا لديه تلك الطقوس، بعضنا لايعرف ذلك، لو عرفوا متعة أن يعرفوا، لعرفوا على الفور! هل أن تعرف أكثر يعني أن تسعد أكثر؟ لا أظن، كتهاني جاءت لسفرك، أُكمل حمامي، وأُعِد الشاي وأجلس على الكنبة، أشعل سيجارة، وأحاول الاسترخاء.. هل هنالك أثر للفتاة المزعجة ليلة الأمس؟ لا. فالنوم هو خير معين على إزعاج النساء إذن! لا أظن ذلك، الصوت الذي صدر قبل قليل في الأعلى يشير إلى أن ثمة إحداهن تتمحرك على السرير، وتغالب نومها.. لا شك أنها جميلة، الجميلات هن الكسولات دوماً بعد النوم، يصارعن الوسائد والأغطية والمراتب، ثم يقفزن من السرير كـفوتون ينوي إنارة الحياة..!!



قفزَت من سريرها برشاقة، صوت هبوطها الناعم على الأرض بدا وكأنه رسالة على الهاتف انتظرتُها طويلاً، رفعَت رجلها اليمنى واحتكت مقدمة باطن اليسرى مع الأرض في حركة دائرية، ثم وضعَت اليمنى ورفعت اليسرى بعد أن سحبَتها على الأرض.. حركات أخرى، أصوات أخرى، بإيقاع منتظم، أو قُل مدروس، تتكرر الأصوات مرة،، وثانية،، ماهذا؟ .. يا إلهي!! ماذا تفعل؟ إنها ترقص..!! لاشك أنها ساحرة، فتاة ترقص في الصباح، لابد أن تكون ساحرة..!! تُتابع رقصها، وأتابع رسمها بصوت أرجلها على الأرض، لأُشَكّل عبر أذني لوحة راقصة، تغار منها الفتاة التي تربض على باب حمامي في لوحة، فليس هنالك أجمل من فتاة عارية، إلا فتاة راقصة..!!



عند الرقص يصير الناس أسمى، يتحررون من شرورهم، من طينهم، تتساقط همومهم، يصِحّون! عند الرقص يطير الناس قليلاً لأعلى، ينتمون للفراغ برهة، يتحركون في السكون، وهم كل الصخب الممكن.. الآن تهبط من ارتفاعها، تتوقف في تردد، جسدها يرسم خروجًا خافتًا كأغنية؛ تتوقف ،، تَسكُن قليلاً ،، ثم تعود لحياتنا، لعالمنا مرة أخرى، وتتحرك كالبشر العاديين، فالراقص يسمو على نفسه قليلاً ..!


تناديني اللوحة المصلوبة على الباب، أنا الراقص بالحراب، أقتل الأسد في رقصتي، أنا الراقص بالسيف، أُقَلّد النسر المنقض، أنا الرقص عند الأفراح والأتراح، أنا الليل الطيب، والشهب المحترقة، أطلب القليل ولن أزيد؛ عبدٌ زاهد، لن يمنحه أحد ما يُسكِت زهده، أنا البراكين صانعة الحدود، أنا المراكب تمحوها، أنا الغضب الذي لن يثور، أنا الثور الأبيض وبقية الثيران، أنا اللغات الأم والكلمات على الهامش، أنا التجربة وما يليها، أنا كل الأحلام المؤجلة، أنا كل الحيوات غير المعاشة، أنا أكثر من ذلك قليلاً، أنا أعوذ بالله من شري..!!





أُتابع صوت خطواتها، تتحرك نحو الباب، تتجاوزه ثم يسارًا نحو الحمام، باب الحمام مفتوح، تدخل الحمام، لا تُغلقُ الباب، تتحرك في الحمام خطوات ضيقة للأمام والخلف، صوت هبوط القماش على ركن الحمام؛ ترمي بقميص نومها، تتحرك ناحية الركن الآخر، صوت الماسورة يضرب أرض الحمام، يقل ويزيد، هي تضبط المياه، تتوقف الماسورة، صوت ذرات الماء الدُش يعمل، صوت ارتماء الماء عليها، حركتها المائعة تجعل الماء يتحسس رجولته، تضعُ شيئاً حملَته، تمسح جسدها، فتاة تستحم، لا بد أنها تستحق أن تمسح جسدها، وتبحث في تفاصيله، تعرجاته، نتوءاته، بروزه.. في كله، عن النقاء..!!


يتكرر ذلك، يتراخى عمود الماء بعد أن اكتفى منها، تتوقف الأمطار، تتحرك خطوات، تتوقف، لابد أنها تُجفف نفسها، تتحرك مرة أخرى خطوات، تتوقف طويلاً، لابد أنها تضع الماكياج، فيما مضى،، كنتُ أحب فتاةً تُجيد الحُب والماكياج .. تجيد الأول كقهوة الصباح، لا تجيب على تساؤلاتي، لكن تُؤجل موعدها، و تمنح الحكمة والراحة والسلام، ثم لا تنقص شيئاً..!!.. وكانت تجيد الثاني، لا كرسامي المتاحف العباقرة، بل كمزارعٍ ينثر السماد على أرضه بدراية، لتنبُت ملامحها على وجهها وكأنها خُلقت تواً..!!

ذات مرة سألتها مستنكراً ماتفعله دون حوجة، فأجابت أنها تعلم كم هي جميلة، لكن مكياجها صوت ملامحها المسموع، هو الابتسامة عند الرقص، اهتزاز الرأس طرباً، ذيل الثعلب عند الركض، حركة عازف الجيتار، وعصا درويشٍ نوى الدوران.. هو ذلك الشيء الذي لا يضيف جديدًا، إنما يُضفي الجِدة على كل شيء ..!! كان هو سلاحها الأول ضدي، أجادت استخدامه وأجدتُ الهزيمة. كانت تعرف متى وكيف تكون..! وكنت باحثاً عن سر تجددها الدائم. كيف يمكن أن تكون قطة عندما أكون حبيبها المشاغب، ثم تصبح نمراً بحبٍ غاضب..؟؟ كيف تكون ملامحها كطفلة وديعة، تخاف عليها من قسوة الحلوى، ثم تصبح في هشاشتها بين أيدي الأطفال؟؟ أي اتّساق بين مشاعرها وملامحها، يجعل الوجه الواحد متطرفًا في تعابيره لتلك الدرجة؟.. وأي ألوان يمكنها تحمُّل كل هذا دون أن تذوب؟؟.. بل أين هي الألوان التي تضيفها؟؟ كيف أخفتها بين مسام وجهها؟؟

عندما تُحبني بسعادة، كانت ترسم شفاهها بالأحمر، يصير ضيقاً، أوسع من خيالي، ويبتلعه.. تُدبب نهايات فمها، تقسم العليا لقسمين، يلتقيان عند أعلى نقطة في وسطها، لتصير شفتها العليا كنسرٍ يفرد جناحيه، ليختطفك وخيالُك مُستلقٍ على شفتها السفلى التي رسمَتها تماماً كعدسة مقعرة، وأنت تبدو كصورة، خيالية ومقلوبة..! عندها، كانت ترسم عُيونها، كشَرَكٍ أصابني في حلم، تترك طرف عينها القريب أقرب مايمكن لطبيعتي المتوحشة، وتُبعد الآخر بآي لاينر ينادي هيت لك، كرمحٍ يتبسم كلما أسدلَت رمشها الذي تعانقت شجيراته العليا وأمواجه السفلى، دون أن تترك من سواد ماسكرتها مايدل على العناق..!! ثم تضع أعلى ذلك توأم أهلة، لاتدري هل رسمَته أم ورثَته هكذا..!! ثم يتغير كل ذلك إن كانت تُحبني بغضب..!! كانت تكشر عن ملامحها، تماماً كما يفعل الطاووس مع منافسيه، تزداد جمالاً.. ويصير النسر شرساً، و الرمح أقصر وأَحَد، وتظل الأهلّة شاهدة على جمالها الغاضب، الذي أدمن انكساري، وأدمنتُ أنا منه "سموكي السعادة المهيب"..!! أبحث عن نسرها في السماء، ذهبَت وتركتني للتفاصيل، تركتني لأعين النمور والقطط، للوحات المتاحف، لسؤال شغلني كثيرًا، كم من الوقت كانت تمضيه قبل خروجها، أمام المرآة؟ لا أعرف، لكن ليس أقل من سنة على أجمل تقدير ..!!


الفتاة في الطابق الأعلى أَصدق من حبيبتي قليلاً؛ هي لاتضع ماكياجاً سفاحاً، هي فقط تضع مايكفيها لمقابلة الحياة، يبدو أنه ليس لها حبيب، فتاة ترقص الصباح لايمكن أن يكون لها حبيب؛ الرجال يفسدون حياة البنات عندما يحبونهم، فتاة تعشق الحياة من الصعب عليها تَحَمُّل الرجال، فتاة تنوي إنارة العالم، يستحيل أن تكون حبيبة أحد ..!! صوت خطواتها أمام الدولاب، صوت رَفعَةِ رِجلها قليلاً ثم الأخرى ثم صوت قماش يُسحب على الأرض.. تلبسُ بنطالها، ثم شيئًا آخر.. لحظات وهي تغادر بصوت حذائها الرياضي الأنثوي المريح، فتاة تقدس الرجال لابد أنها لن تلبس بتلك العجلة. تسحب الباب، تخرج، صمت مخيف وسؤال مرعب : هل أنا الآن في البيت، وحدي؟!!



هي حربة رقصي، هي الأسد وصغاره، هي الحمامة، هي أسباب أفراحي وأتراحي، هي النهار الأبيض، وهي الشياطين تسترق السمع.. لن تعطيني شيئًا، هي حرس الحدود، هي الاستفزاز المستمر، هي الكلام، الصوت والصورة، هي المختبر، هي الأحلام المحققة، هي الحيوات المعاشة، هي أقل من ذلك قليلاً، هي أسأل الله لها الهداية..!!



هل الحياة طريق قصير، نمشيه على أرجل الساعة؟ حدثني صوفي قائلاً : افعل أي شيء لكن لا تكسر خاطر أحدهم. تتعجل الساعات عند كسر الخاطر، ثم لن تتمهل. لن يكسر القدر خاطر فتاة تجمّلَت وخرجَت للطريق. الناس يفعلون! يدفعونها دائماً تحت الأرجل، لتمضي الساعات بثقلها عليها، ثم الأمل وحده من يمُد يده ينهضها، وتواصل المشي مع الحياة لا تحت وطأتها.



التفاصيل تنقذنا مرة، وتعرقلنا ألف مرة، الشاب الجالس وحيدًا لوطي، دَفعتُه أنا بنفسي تحت الحافلة مرة، وتحت الحياة ألف مرة، والرجل الذي تستطيل لحيته دفعني خلفه، ودفعه خلفنا مُلحدٌ رمى بنفسه بعد ذلك.. الحياة ثقيلة، وطأتها علينا تطحن عظام قدرتنا، الأمل وحده من يمُد يده لنا، يرانا نتألم وهو اللطيفُ الرحيم.



أسيرُ في الطريقِ، وحيدًا حينًا وممتلئًا حينًا، تركضُ حولي الأحداث، كجنينٍ حاول إجهاض نفسه فمنعته المشيمة. تقودني المشيئة وانا ابن التاسعة صباحًا، أنجبتني الحياة وقالت نهار، فاختارت القابلة ودائرة الإحصاء أن تسميني ليل، وفصلتني من أمي بمقص الموت. أن يموت عزيز لديك هو أن تتوه في الطريق، تفقد بوصلتك لمدة، ثم تعود وقد سئمت الاتجاهات. الحياة طريق، الحبُ فيها ظليلٌ ظليل، معتق الرائحة، تنبُت الورود عليه وتتساقط الثلوج، ثم تُمطرُ والفصل صيف، الحبُ فيها لاينقذنا حين نسقط أسفلها، لا يجعلها تسير بجانبنا في هدوء، هو يأخذنا منها لنسير معه، تحته وفوقه وبجانبه، إلى أن يزول. الضحكُ فيها بلسمٌ شافٍ، نضعه على جروحنا فتبرأ توًا، البكاء فيها شكوانا، نحكي لها فتكتُبنا، النومُ فيها راحة، والرضا أأمنُ طرقُ الوصول..!!



أكمل يوميَ الهادئ، ورحلتي للنهار، لاجديد؛ كحكيم أكتب ما يجب أن أفعله، وأقرأ مايعينني عليه، تتدحرج الشمس كَـكُرة نامت طفلتها الصغيرة، ويتهاوى النهار كرمش طفلة نامت وهي تلعب بِكُرتها، وانا أُدحرج أذني لأسمع خطواتها تصعد السٌلم. أفرح، أتعجب من فرحي، أتابع الخطوات، تتوقف أمام الباب، تدُس المفتاح في بخوري، يشتعل البخور، يَدخُل صوت حذائها الأنثوي الخفيف، لكنها.. تتوقف!! تدخل خطوات أقسى قليلًا، تقترب منها، تتوقف أمامها، ترفع الفتاة أكعابها وتقف على أمشاطها، يا إلهي .. إنها تُقَبّلُ شخصاً، لاتتظاهر بالغباء، إنها تُقبّل رجُلًا، ذلك الذي سمعته يسير بقربها على السُلم، كنت فرحاً بعودتها فلم تلحظ ذلك، الشكُ مفتاح المعرفة، بل سِكّينه؛ أن تعرف صدق أحدهم تجاهك، يعني أن تشُقّ صدره كبطيخة، العارفون وحدهم من يخبرون لونها دون فتحها وهم قلة. تغلق الباب، يتحركان نحو الصالة، الحمد لله، لم يتجهوا نحو غرفة النوم، من يُحب بصدق يعذر محبوبه بصدق، أو من يكره بصدق، يكره اقتراب السعادة جدًا. تتحرك الخطوات القاسية نحو الكنبة، تتحرك هي نحو ركن المطبخ، تطهو شيئاً، تتحرك هنا وهناك وتنتهي بقربه على الكنبة، لابد أنهما يأكلان، يتحركان سوياً نحو ركن المطبخ، ثم يعودان أثقل قليلاً، يتحاورا بلا شك، مدة، صمت، كآبة تقتل براد الشاي أمامي، حزنٌ وهدوءٌ يحتلني، لاشك انهما يشاهدان فيلماً جيداً، الأفلام الجيدة فقط تجعل من يشاهدها يتسمر مكانه ساعات، يتململان وينقص وزنهما قليلاً، الفيلم الجيد انتهى، الأفلام الجيدة تنتهي بسرعة وتجعلنا أخف ببطء..!! الصوت في الأعلى يبتعد قليلاً، أسمع صوتهما لكنه أبعد مما كان، أتعلق بطرف أذني، أرهف السمع للأصوات، وأتوق للكلام..!!



الألم هو أن يموت الأمل، إن استطعت، لا تجعل أحدهم يفقد الأمل، ستأمن ويأمن، اترك دائماً له أملًا ولو قليلًا، سيجوع ويطحنه، يعجنه، ويصنع به إلهًا يسأله الطعام، سيتكفل الله بطعامه، بغضبه، وبحقوقه، وسيتركك وشأنك، لكن إن صَدَق إيمانه، وتجلّى إلهه، فسيمنحه الكثير من الأمل، والكثير من الأمل - بلا شك - قاتل ..!! الفتاة السمراء المصلوبة على الباب لا أملَ واحدَ لها، تفرّقَت آمالها على رجالَ كُثُر، وتَشتّتَ حُلمها مع أبنائها، فصَلبَت نفسها على الأبواب، تَسكُنها الطبيعة، تجول في جسدها الحيوانات، تنبت الأشجار كلما تكلمَت، وتشُب الحرائق بتبسُّمها، اختارت الحزن مع كل فرح، واعتادت المغتصبين الذين لايطرقون الأبواب، تعاني الحسد، والنفاثات في القواعد العسكرية، وداية فرعون، التي تخيط حُلمها في الولادة، لا موسى لها يلوح، فقط نبوءات الماشطة، وصليب المسيح. هل لها من طابقٍ ثانٍ تُزعجه؟ يخاطبها ولا تسمع؟ .. هل يجب أن يسمعه أحد؟ لماذا سيسمع؟ وهل سيصمُت بعد ذلك !! أنا في الطابق الثالث، تصرُخ قربي الفتاة السمراء المصلوبة، وأنا أُرهف السمع للأعلى، أتشابى لأعرفها، إذا عرفتُها أجبرتُها على الاستماع إلي، وإن لم تستمع، سأستمتع بجسدها. سأنشُب أظافري فيها، وأتَّهِمُها بسعر؛ أنا ابن التراب، ولدتني أمي في حوض للغسيل، به ماء دافئ تفل عليه الشيخ، وختنوني بقصبة، فصار قاسياً. لعبي مع الوحوش جلّدني، أصبحت لا أخاف؛ كسفينةٍ استقرّت في أعماق البحر بداخلها كنز، نسيها الناس، ويبحثون عن كنزها..



أُرهف السمع لأعلى، السقف أصبح أكثر سماكة، الأصوات تَخِف في هدوء، الليل يطبق المكان، أشتهيها كحبيبة تزوّجَت، ولستُ بالنسبة لها إلا كآخر سمعَت عنه في الأخبار. الهدوء يزداد، الأصوات بعيدة، تتحرك نحو الحمام، ويتحرك هو لغرفة النوم، يجلس في سريرها، يخلع حذاءه، يتأمل الصور واللوحات في حوائطها، أو هكذا أظن، فتاة رشيقة لا بد أن تُحب الأناتيك والجغرافيا، تدخل الغرفة، تتجه نحو الدولاب، ترمي حقيبة، تخلع حذاءها، لا بد أنها وضعت قليلًا من الماكياج، لا أظنها ستغير ملابسها، هكذا أتمنى،، وتتحقق أمنيتي! يتّجه نحوها، يقف أمامها، سكون لمدى، حركة خفيفة وهامسة، لا بد أنه خلع ملابسه، يتحركان قليلًا، يتجه نحو السرير، يصعد، تتجه لتغلق الباب، لم تطفئ النور، تتجه بخفة نحو السرير، الآن فهمت لماذا رقصت الصباح، تصعد للسرير، تشكو لي أرجل السرير وزنهما، فرك الأجساد، صوت الأنوثة الرغبة، لاصوت آخر، يطول الفرك، تنتابني فكرة تفجر في دمائي الأدريالين، مزيد من الفرك، توقف.. صوت مواساة، تنزل على الأرض، يُنزل رجليه، تجثو على ركبتها. قفزتُ أنا من السرير كضحكةِ طفلٍ عالية؛ مُنتشٍ بعجزه، فرحًا بلوني، أجوب الأرجاء في سعادة، أواصل تتبع الصوت، تنهض هي، يتمدد على السرير كالخيبة، ينطفئ النور في شماتة، ويضج جسدي بالنور، ترقد قربه في السرير، ويغطان في نوم سحيق، وانا أركض للوحة المصلوبة، أحتضنها، أهمس في أذنها، لقد جاء دوري.. تبتسم وأغادر ..


تمت




شكر جزيل للعزيزات ماهيتاب مصطفى على المتابعة، و سلمى الجيلي على المراجعة.
اللوحات : Vidan



محمد المجتبى نظام الدين
مارسليا - فرنسا
2016



التوقيع:
يااااااااوجع الإحساس بالجمال
وياااااجمال ما أحس من وجع
imported_nezam aldeen غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-02-2016, 08:04 AM   #[2]
imported_هيثم علي الشفيع
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هيثم علي الشفيع
 
افتراضي

ياخي بركة الشفناك هنا والله

عاين....

أولاً :
أنا ما قريت ولا حرف من الفوق دة.

تانياً (بالتاء):
اللوحات دي ثمحة (بالثاء)

تالتاً : بالتاء برضو

محمد المجتبى نظام الدين دة
ياهو ذااااااتو محي الدين عوض نمر؟؟؟؟؟؟

أخيراً :

بجيك راجع إن الله مدّ في العمر



التوقيع: والدنيا موية وسط حريق
تصبح كُرَبْ.....تتمسى ضيقْ


(حمــــيّـد)
imported_هيثم علي الشفيع غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-02-2016, 11:00 AM   #[3]
imported_هيثم علي الشفيع
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هيثم علي الشفيع
 
افتراضي

قالت آن همند لمصطفى سعيد:

{أنت جميل ...تجلّ عن الوصف ، وأنا أحبك حباً يجلُّ عن الوصف}

و يااااااااا إبني

لستُ آن همند
ولا أنت مصطفى سعيد

لكن....






You made may day



التوقيع: والدنيا موية وسط حريق
تصبح كُرَبْ.....تتمسى ضيقْ


(حمــــيّـد)
imported_هيثم علي الشفيع غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-02-2016, 09:07 PM   #[4]
معتصم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معتصم الطاهر
 
افتراضي

هكذا تكون الكتابة

تمتلئ دون فراغ
و تستجم دون راحة


ثم كم من الحِكم والصور و الخيال فى الخيال



التوقيع:
أنــــا صف الحبايب فيك ..
و كـــــــــــل العاشقين خلفي
معتصم الطاهر غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 04:01 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.