سلامات يا مُبر..
يبدو ثمة خلط "ما" قد حدث من كلينا- والرّاجحُ أنه مني- في تناولنا للموضوع إيّاه..
حيث أنني فهمتُ- من المداخلات الأولي للبوست- الإحتفاء الواقعي، بمعني رؤية المعايير الجاذبة للرّجل في المرأة والعكس، وبذات المنحي- منحي الفهم أعني- أراك قد فهمتَ الموضوع من جانبه الجمالي المثالي الذي يُعني بالجسد كقيمة فنية بحتة او كنموذج جمالي ملهِِم .
من وجهة نظري وحسب ما أراه وذكرته في مداخلتي تلك- التي ستصيب علماء الجمال بسكتة قلبية حال اطلاعهم عليها- أقول بأنّ الإحتفاء بالجسد كما فهمته أنا، هو في جوهره إسقاط مُعطي محدّد علي رغبة ذاتية بحتة ثم رؤية مدي توافقهما معا .
دعنا نأخذ الموضوع وفق منحاك الذي نحوت، لنري لأيّ مدي بإمكاننا إطلاق المعايير وتعميمها علي كلِّ البيئات والثقافات..
الجسد كفضاء جمالي بإمكانه استيعاب عديد الإقتراحات الفنية من رسمٍ ونحتٍ و وشمٍ ونصوص أدبية ومقاطع موسيقية وخلافه، ولكنني أعتقد أنّ هذه يا سيدي لا يمكن إسقاطها علي إطلاق المفهوم..
الثقافة تلعب دوراً هاماً ومحورياً في مدي قابلية الفرد في التعاطي والقبول بمثل هذا المنهج الجمالي الفني، خذ مثلا ثقافة المنطقة العربية الإسلامية، هل بوسعها تقبل مثل هذه المفاهيم ومن ثم التفاعل معها بحياديّة تامّة..؟؟
هل بوسع شخص نشأ بعقليةٍ بنيتُها بنية وعي جنساني محض، نشئت وتضخمتْ علي اعتبار أنّ الجسد عورة وفتنة والجنس- الذي وعائه الجسد- يعتبر من حُمْر الخطوط في مفهومه المعتقدي والثقافي، هل بوسعه أن ينظر لجسد أنثي راقصة - فلنقل شبه عارية- بلا توهّم أو تخيل جنسي..؟؟
وهل بوسع شاب سوداني- مثلا- أن تتمدّد أمامه أنثي وهي عارية إلا عند منتصفها، هل بوسعه أن يرسم لها وشماً علي ظهرها مثلاً دون أن يستدعي بنيته الواعية بالجنس معتبراً أن هذا الجسد محض لوحة وهو راسمٌ لها..؟؟
ثم وبمهارة يحسده عيها بيكاسو، يخط وشمه ذاك دون أن يرتجف..؟
الثقافة يا سيدي المتكونة من هجين المعتقد والعادة تلعب دوراً محورياً في رؤيتنا وذائقتنا للأشياء وجمالياتها المفترضة.
فحينما أربط ما بين الجسد والجنس، فإنني أُرجعُ الأشياء لطبيعيتها التي تعارفنا عليها، وثقافة الجنس التي تقفز في الواجهة كلما أتي ذكر الجسد..
صديقي ونحن نتناقش يوما "ما" عن بنية وعي الجنس في عقليتنا، قال لي إنه حينما تقول له فتاة "ما" من خلال الونسة بأنها كانت تستحم حينما اتصل عليها، تقفز مباشرة صورة جسدها لمخيلته الواعية للجنس.
وفي ثقافتنا التي نشأنا عليها فإنّ مجرّد الإشارة للجسد هي إشارة للجنس، فالجسد في ثقافتنا السودانية- كي أكون أكثر حصراً- هو محض وعاء للجنس ومدخل ولازمة تحكي وترسم الطريق لمخدع "ما" أو عنقريب متين.
الجسد ياسيدي- وتحديداً جسد الأنثي- هو المحرّك الأوّل في رأيي لماكينة الخيال الجنسي ومطلِق سراح خيل الجنس من عقلها، وتلك قضية محوريّة كما أري في ثقافة تنأي بعيداً كلما أتي الحديثُ عن الجنس حتي لَيبدو مغارة مظلمة وفضاء متخيّل ينمو مع نمو الفرد توازيا .
علماء الجمال وموضوعاتهم قد لا تعني شيئاً لمثل هذا الشخص ذي المخيّلة الجنسانية ببنية وعيها التناسلي، الشخص الذي حينما تمرُّ به أنثي لحيمة، يبادر قائلا: (والله دي مرة سرير جد جد)، أو تمرُّ به أنثي غاية النحافة فيطلق المقولة: (والله دي أحرف جزّار ما يمرق منها ربع كيلو).
فهل ننتظر من مثل هذه الثقافة -علي إطلاقها-، هل ننتظر منها أن تنظر للوحة أنثي عارية وهدفها الأساسي تأمّلي فني بحت، أو هل نطلب منها مجرّد النظر بحياديّة تامة..؟؟
تلك ثقافة الجسد الوعاء لا الفضاء، والجوع كحالة بيولوجية فريدة يعمل علي تعطيل ذائقتنا للأشياء، حينما يكون المرء جعاناً، فإن التفاتته لما عدا الجوع من أشياء أخري، تصبح محض ترف لا أكثر، وقس علي ذلك الجوع الجنسي-إن صحّت التسمية- كحالة من الإشتهاء الذي يخفي ما عداه من حياة.
ملحوظة:
اليوم فقط تمنيت أنْ لا تكون سودانيات مقروءة في أوسع نطاق، حتي لا يقرأ أحد علماء الجمال مداخلتي هذي، فيصاب بسكتة قلبية تودي بحياته، فأنا أكره الموت المفاجيء.
|