الرسالة الأولى : إلى أحمد عبد العظيم ..
[frame="6 80"][frame="1 80"]الرسالة ألأولى : إلى ( أحمد عبد العظيم)[/frame] [/frame]
صديقي العزيز / أحمد (الشهير ب عظيما السامراب )
كيف حالك أيها الشيء القديم ؟..
رباه .. كم من الزمن مر ّ علينا من دون أن تنقابل ؟.. ثمانية سنوات كاملة !!
ومتى كان آخر إتصال بيننا .. آه ذلك الخطاب الذي استلمته منك قبل خمس سنوات ، أليس كذلك يا صديقي ...
ذلك الخطاب الذي قلت لي فيه أنك حذوت حذوي في موضوع الغربة والإغتراب .. لا أخفيك سرا ً أنني شعرت بالسرور عند قراءتي لقرارك الثوري الخطير ذاك .. إن هذا السرور كان خليط من بهجة خالصة لأنك سوف تتخلص من ورطتك المالية المزمنة ومشاكل البطالة ورحلة البحث الإسطورية عن الوظيفة في وطننا الجريح ، التي حكيتها لي ..
ولذة أخرى سادية لأنك ستجرب الغربة الأليمة مثلي وتترك أهلك .. لكني بما أعرفه عن طبيعتك الصلبة لا أتوقع أن الغربة ستثير في نفسك ما تثيره في نفسي من ألم ..
كنا نقول دوما ً إنني حساس أحمق مرهف الحس ، وإنك عديم الإحساس.. حسن ، يبدو أننا كنا بعيدي النظر ..
الحق إن الغربة قد تثير خواطر غريبة في النفس ، وقد تدفعك لإتخاذ أكثر القرارات جنونا ً .. أنت – كما أتذكرك – هش نفسيا ً لهذا أتوقع أن تنزلق لأي شيء ..
ما هي أخباري ؟ ..
حسن .. أنت تعرفني جيدا ً يا صديقي .. الكثير من الوحدة .. الكثير من الخوف .. الكثير من القلق والتوتر .. الكثير من الذكريات الأليمة .. الكثير من الإحباطات .. الحياة بين كتب علم النفس والظواهر الغريبة أو بين كتب الهندسة والطب.. أمراض الكهولة أجمعها في حماس كأنها طوابع على الرغم من أنني لم أتخطى العقد الثالث من العمر بعد.. لم أتزوج طبعا ً ، فمن تلك البطلة التي يمكن أن تتحمل شخصا ً مثلي يقضي نصف يومه نائما ً والنصف الثاني في القراءة والنصف الثالث – إن وجد – في الإكتئاب .. أعد وجباتي لنفسي وعلى الأرجح أصاب بالإشمئزاز وألقيها في القمامة دون أن ألمسها ..
أرجوك لا تفسر كلامي خطأ ، أنا لست سعيدا ً على الإطلاق ، لكني كذلك لست تعسا ً .. المشكلة أنني لم أؤت جهازا ً عصبيا ً يسمح لي بتحمل الصخب ولا البشر عموما ً .. لا أتحمل أن يزورني الأستاذ (عبد الرحمن سيد الختم) مع زوجته الشايقية البدينة وأطفاله الستة في بيتي .. هو يخلع حذاءه ليتسلى بمداعبة أصابع قدميه بإعتزاز كأنه إكتشف فجأة أن له قدما ً ، ويوضح لي كم أنه مظلوم ولا ينال ما يستحق في العمل ، وكيف أن درجته الوظيفية وخبرته تسمح له بأن يكون موجها ً في الوزارة وليس مجرد مدرس علوم في مدرسة يمتلكها أحد الشيوخ .. لكن هذا هو حالنا دوما ً في بلاد الخليج العربي .. من يحرق نفسه في العمل لا يظفر بشيء ومن ينافق يظفر بكل شيء .. وفي النهاية يفوز بالوظيفة أحد مواطني الدولة الذي لا يحمل أية مؤهلات تذكر .. ثم يحمر وجه الأستاذ (عبد الرحمن) ويبدأ في الصراخ وقذف اللعاب من فمه في وجهي وهو يواصل الشكوى .. والأطفال يتسلون بتمزيق كل كتاب أحبه ، وتحطيم كل مزهرية أعتز ّ بها ، إلى أن يبول أصغرهم على سجادتي الإيرانية الجديدة ، لتحمله أمه إلى حوض المطبخ – دائما ً المطبخ – لتغسل مؤخرته فوق أطباقي .. ثم تعود لتثرثر مع زوجتي – بافتراض أنني تزوجت – عن الطريقة المثلى للإحتفاظ بمذاق الصلصة .. لابد من قطرة زيت على السطح .. هذا واضح ..
وفي النهاية يعتذر لي أستاذ (عبد الرحمن) عن البقاء لساعة متأخرة .. الحقيقة أنه يجب أن يعتذر لي عن تواجده مبكرا ً في داري ..وينصرف تاركا ً إياي ألملم جراحي كأنني فرنسا تحاول لم ّ جراحها بعد الغزو النازي ..
حقا ً لا أطيق البشر .. للدقة أنا وهم قطبان .. سالب وسالب .. شمالي و شمالي..
لكن دعنا من هذا الموضوع الذي يثير الكثير من الشجن في نفسي .. قل لي ماهي أخبار أسرتك ؟ كيف حال أمك العجوز الطيبة التي لطالمنا جلسنا على مائدتنا نلتهم (ملاح النعيمية) الذي تعده بإحتراف حقيقي؟..وأخوك (محمد) أما زال معتوها ً كما عهدناه دوما ً ؟ لقد كبرنا كثيرا ً يا (عظيما) .. طالبا المدرسة الإعدادية اللذان يجلسان في الصف معا ً ..بدأنا الشجار على أعداد (المغامرون الخمسة )و(رجل المستحيل) ثم كبرنا نوعا ً فبدأنا الشجار على روايات (نجيب محفوظ ) و(إحسان عبد القدوس) ودواوين (أمل دنقل).. تصر أنت على أنك لم تقترض مني سوى خمسة كتب ، بينما أصر أنا على أنك اقترضت سبعة .. المدرسة الثانوية ، عندما كنا نتشاجر هذه المرة في شارع المدارس ببحري ، وكلانا يصر أن تلك الحسناء التي ترتدي الجينز ابتسمت له بالذات.. بعد هذا الكلية ..سيارتك الأسطورية المرعبة التي كنت أنت مستعدا ًَ أن تجوب بها الخرطوم ست مرات يوميا ً ، وهي شجاعة خرافية منك بالنظر إلى حالة سيارتك المثيرة للشفقة ..الناس ينظرون إلى كتلة الخردة هذه التي مازالت تتحرك بمعجزة إلهية .. كانوا يقولون لبعضهم : يحي العظام وهي رميم ..! كأن سيارتك جاءت لتقوي إيمان الناس بالبعث وقيام الساعة ..
كبرنا يا (عظيما) وصرنا نعمل في بلد غريبة عنا تماما ً ، وفي حالتي أنا بلاد نظرنا لأنني ما أزال متنقلا ً بين ألمانيا – دبي – أمريكا ..
كبرنا يا (عظيما) وسرعان ما نتزوج (هذا إن لم تكن متزوجا ً الآن فعلا ً ) وننجب ونشيخ ونتوكا على عكاز ، ثم نموت ..
هل تذكر (بسمة) يا (أحمد)..؟
هل تذكر قصائدي العرجاء السخيفة التي صدعت رأسك بها ؟ وكلها قصائد باللغة العربية طبعا ً لن تفهم هي منها حرفا ً – أنت تعرف أنها تعلمت وتربت في أمريكا ، لذا علاقتها بالعربية كعلاقتك أنت بعلم التفاضل والتكامل ! - وجولاتنا على شارع النيل نتناقش حول القرار الخطير : هل أخبرها بلواذع قلبي المتعب أم أواصل حبي الصامت إلى أن أنسى الأمر برمته ؟..
حسن .. القصة انتهت .. لقد تزوجت (بسمة) .. سيكون قد مر ّ على زواجها ثلاث سنوات واربعة اشهر وخمسة ايام هذا السبت..
هل تصدق أنني حتى حضرت زفافها ، بل ورقصت كالأبله فيه .. إن لهذا حكاية طريفة يمكن أن أقصها عليك يوما ً ..
المهم أنني خسرتها .. رحلت عن حياتي قبل أن أخبرها بمشاعري نحوها .. انتهت القصة وماأزال أحاول إنتزاعها دون جدوى من روحي ، كأنك تحاول إقتلاع ضرس سليم من فمك دون تخدير ..
ماعلينا .. إن هذا ناتج طبيعي لسلبيتي وجبني .. أنا فقط الآن أحصد ما زرعته..
المهم أنني تمضي الحياة بي وأنا ألملم جراحي ..
رباه .. كم أفتقدك الآن يا صديقي .. لازلت أذكر آخر مرة رأيتك فيها وجها ً لوجه .. صيف 1999.. كان ذلك عندما عدت أنت من جنوب السودان بعد تطوعك في صفوف قوات الدفاع الشعبي – التي كانت في أوج عهدها حينها – لتذهب وتحارب (حربهم).. كنت قد حاولت إقناعك بالعدول مرارا ً عن هذا القرار ، ولكنك أصررت على قرارك الأحمق ، وذهبت برغم توسلات أمك العجوز وإعتراضات أخيك الأكبر ..
وبعد سنة ونيف عدت إلينا .. ولكنك عدت شخصا ً آخر .. بل لنقل شبحا ً آخر .. عدت بإصابة متوسطة في كتفك ، مقارنة مع تلك العميقة التي كان واضحا ً أنها ماتزال تنزف في أعماقك .. عدت وقد فقدت روحك المرحة وتفاؤلك الساذج المحبب .. عدت شبحا ً ترى في عينيه نظرة صامتة مليئة بالغضب والمرارة .. والألم ..
حاولت مرارا ً أن أسالك عمّا مررت به هناك ، ولكن لاشيء غير الصمت أعطيتني ..
لهذا انسحبت رافعا ً راية الإستسلام البيضاء ..
ثم حدث وأن سافرت أنا مبتدءا ً رحلة سفري الطووووويلة التي ماتزال مستمرة إلى يوم منا هذا .. ومع كل يوم كان وجهك يخفت شيئا ً فشيئا ً في بئر ذاكرتي .. أنا آسف .. لكنها الحقيقة يا صاحبي..
دعنا من هذا الموضوع ولنعد لرسالتك الاخيرة التي اعترف بحقارتي الشديدة لأني لم ارسل لك ردا ً عليها (أعرف انك غالبا ً تسبني في سرك الآن)..
آلمني ما قراته في طياتها عن مدى القهر والعذاب الذي تتعرض له في عملك في المملكة العربية السعودية .. خاصة مشاكلك مع رب عملك المستبد كما وصفته لي .. تقول : إنه يعاملك بتعال غريب كأنك عبد لديه ..تلك النظرة التي ينظر بها السادة إلى خدمهم .. في الحقيقة يا (عظيما) لا أجد غرابة فيما تقول ، فكلنا نفس الرجل إذا أتيحت له الفرصة .. المشكلة أننا ننظر إلى أنفسنا نظرة تقدير لا نستحقها .. نحمل لذواتنا صورة لا حظ لها من الحقيقة .. كلنا نتعالى على من هم أقل منا ونشعر بأنهم بشكل ما مسئولون عما هم فيه ..
كان لي منذ سنة صديق مصري يعمل في شركة إتصالات هنا في الإمارات العربية المتحدة ، وكان لا يكف عن الشكوى من معاملة رئيسه الألماني له .. منتهى السماجة والتعالي والسخف .. ثم حدث وأنني قابلت صديقي المصري هذا مع زوجته في في هايبر ماركت بمركز تسوق شهير هنا .. كانت معهما طفلته الصغيرة وخادمة فليبينية شابة تعسة .. فليبينية لأن هذه هي الموضة حتى لو كان راتبها يلتهم راتبك .. المهم أن الخادمة كانت ترمق ثلاجة الآيس كريم باشتهاء بينما ابتاع صديقي ثلاث قطع شهية من الآيس كريم له وزوجته وابنته ، وراحو يلتهمونها في إستمتاع أمام الفتاة الجائعة .. رأيت كيف تعاملها زوجته مستعملة تعبيرات أكثرها رقيا ً هو (يا زفتة)..رايت كيف يصفها هو بالغباء في كل لحظة بمناسبة ومن دون .. رأيت طفلته وكيف تهينها وتوبخها طيلة الوقت .. مزقت قلبي فكرة أن هذه الفتاة جاءت من طرف العالم الشرقي الجنوبي لتعيش مع أسرة لا تفهم لغتها .. وتعاملها بهذه الكراهية غير المبررة .. هي بالتأكيد لم تسمع حرفا ً من لغتها منذ أشهر .. بالتأكيد لها أم وأخوة صغار ترسل لهم راتبها كله أول كل شهر فلا يبقى معها مليم أو فلس يكفي لقطعة آيس كريم ..
عندما رأيت هذا الموقف ، ابتسمت بخبث .. فقط ابتعت للفتاة قطعة آيس كريم أمام نظرات صاحبي الغاضبة .. وقلت له : (" أعتقد أنك تفهم الآن أن رئيسك الألماني لم يفعل إلا ّ ما يفعله سواه في موقفه .. ")
أحيانا ً يخيل إلي ّ أن الحياة سلّم من الإضطهاد والتعالي .. كل واحد يهين من هو تحته ويتمنى الصعود درجة لمن هو فوقه..نفس الشيء ينطبق على معاملتنا للحيوانات العجماء .. ذات مرة حكي لي عامل سعودي في مستشفى كنت أقوم بتركيب بعض الأجهزة فيه ، كيف أنه تخلص ذات مرة من ثلاثة كلاب صغيرة ، عندما وضعها في كيس قماشي احكم غلقه وأغرقه في البحر ( على سبيل المزاح ).. كانت عيناه تلمعان وهو يقص هذه القصة ، وهو يستمتع بكونه ظريفا ً إلى هذا الحد .. ساعتها دعوت الله أن يخلق كلبا ً في حجم برج دبي أو (جودزيللا Godzilla) على أقل تقدير ليربط هذا العامل وأولاده في كيس ويرميهم في المحيط ..
"لماذا أؤذيك ؟ لأنك أضعف مني " .. هذه هي المقولة التي نعيش جميعا ً عليها وبها..
ولكن دعنا من هذه الفلسفة ، ولأقل إن عليك أن تتحمل ..ليس بوسعك أن تجعل رئيسك كما تشتهي .. ولكن ما أدراني .. دعنا لا ننسى أنني أرد على خطاب عمره خمس سنوات هاهنا .. من يدري .. ربما توفى الله مديرك الآن .. ربما صرت انت نفسك الآن مديرا ً ينهمك في خنق وتعذيب موظفيه دون سبب !
المهم أن تتحمل ولا تترك مشاكل الغربة تحبطك كثيرا ً ، فأنا أعرف أنك هش وانفعالي لأقصى درجة .. أي أنك – بصيغة أقل تهذيبا ً – معتوه ..
والغربة تفعل الكثير و الكثير بالمعتوهين أمثالنا يا صديقي.. بالأمس كنت قد بدأت أقرأ تقريرا ً صحفيا ً كئيبا ً عن تاثير الإغتراب .. والكاتب يضرب الأمثال مستخدما ً حوادثا ً وأسماءا ً حقيقيتين .. مثلا ً ذكر حادثة مصري اسمه (محمد جمعة) في قطر، عاد إلى منزله ليوسع زوجته وأطفاله ضربا ً لمجرد أن مديره رفض منحه زيادة في الراتب .. آخر إيراني – إسمه محمد خان غالبا ً – في الكويت خنق جاره لأن صوت تلفازه العالي يزعجه ويمنعه النوم .. هندي بائس في أبوظبي – اسمه كالعادة كومار طبعا ً – يقضي أوقات فراغه وهو يتسلى بشنق القطط في غرفته الصغيرة .. وطبعا ً لابد من ذكر الباكستاني إياه الشهيرب (سفاح النساء) الذي أرعب النساء في الإمارات بأن يطعنهن بدبوس رفيع في .. إحم إحم .. مناطق حساسة ، دون أن يقتلهن ، وذلك عندما يرى إحداهن في زي غير لائق .. ثم هناك شاب سوداني اسمه (أحمد) في الرياض بالمملكة ، حبس نفسه بشقته حتى مات بازمة قلبية مصاحبة لجوع وعطش فرضهما الضحية على نفسه، لمجرد أن رئيسه يعامله بقسوة شديدة ، وهناك حادثة شاب تونسي قام ب............
لحظة ..
لم يبدو هذا مألوفا ً .. أعيد الآن قراءة المقال بتأني لأقرأ الإسم كاملا ً .. (أحمد محمود عبد العظيم) سوداني من العاصمة الخرطوم ، من منطقة إسمها السامراب و (يستمر الخبر)...
إنه أنت !!!!!!
رباه .. رباه ..!
مستحيل .. مستحيل ... رباه .. لقد تاخرت كثيرا ً ..
تأخرت كثيرا ً في الرد ّ عليك يا صديقي .. لابد أن الوحدة قد خنقتك ، واحباطات العمل قد دمرت ما تبقى من توازنك النفسي (ما بقي بعد عودتك من الجنوب) فتوقف قلبك عن الخفقان في الم وقد فقدت الرغبة في الحياة..
رحمك الله يا أحمد ...
سامحني يا صديقي .. سامحني لأنني تخليت عنك بخساسة عندما احتجتني بعد عودتك من الحرب.. سامحني لأني لم أقرر مبكرا ً أن أعيد روابط صداقتنا التي كانت يوما ً شيئا ً عظيما ًٍ دافئا ًٍ .. سامحني لأنني لم أرد على خطابك فور استلامي له ...سامحني .. سامحني ... سامحني...
الآن كل ما أملكه لك هو أن أمزق هذا الخطاب ، وأتناول المصحف لأقرأ لك سورة (يس)..
مرة أخرى سامحني ..
صديقك : أحمد أمين
|